الحروب... هل حقاً تختار موعدها؟

كان الفارابي يرى أنها طبيعة جوهرية في الإنسان

مارشال روزمبيرغ
مارشال روزمبيرغ
TT

الحروب... هل حقاً تختار موعدها؟

مارشال روزمبيرغ
مارشال روزمبيرغ

ليس بغريب أن يحتاط الإنسان من كل شيء قد يتسبب في تعطيل نبض الحياة فيه. يتشبث بتلابيبها ويحرص على استمراريتها فيه واستمراريته فيها. لكنه رغم ذلك يأسره شغف المغامرة بأنواعها، ويستهويه ركوب الأخطار، ومحاذاة شبح الموت، بل مشاكسته وملامسته أحياناً.
ليس بعجيب أن يمجد الإنسان الحياة أيما تمجيد، ثم يذهب منصاعاً إلى الحرب. جندياً بسيطاً. يختبئ خلف سلاحه العاج بالذخيرة. يحتمي به. يتمترس خلفه وهو يدرك أنه لن يقدر على صد خطر الموت عنه. ثم إن شعوراً بالوحدة والاغتراب سيجتاحه رغم وجود آلاف المقاتلين حوله، وخلفه، وأمامه، وترسانة الأسلحة الضخمة والمتطورة. سينتابه الإحساس أنه سيموت وحيداً وغريباً إن أصابته شظية. لن ينتبه له أحد. فكل مجند من هؤلاء الآلاف بل الملايين، سيراوغ الحياة عن نفسها وحيداً، ويتشبث بالجحيم الذي هو فيه، بكل ما أوتي من قوة وحيلة، حتى لا يعبُر إلى العالم الآخر بجحيمه وجناته.عالم الأموات. رغم أنه عالم آخر يشمل الحياة الأخرى التي يؤمن بها بشدة وعمق، ويوصلها بحياته المؤقتة، كأفق جديد مفتوح على الخلود والجمال والعدالة والحرية... نعم...سيكون وحيداً في موته، مثل آلاف المحاربين الآخرين. سيكونون جميعاً وحيدين في ميتاتهم.
- الحياة جميلة لكن بها أشياء حمقاء.
- مثل ماذا؟
- الحرب مثلاً.
لا شك فهي لعنة دائمة. تغيرت قناعات كثيرة عند المخلوق البشري، من دهشته حيال ظاهرة شروق الشمس وغروبها، وصولاً إلى علم الأنساب الجيني. ما عدا الحرب فقد ظلت هي الحرب.
ويا للغرابة. فقد تغيرت عنده قناعات عدة، من بينها أن الأرض لم تعد مركز الكون، وأنها ليست ثابتة، وتبدّى له أيضاً أنها تدور حول نفسها وتدور حول الشمس. إلا الحرب ظلت حالة ثابتة. يدور الزمن، ويخبرنا التاريخ منذ «ملحمة جلجامش» أول نص بشري كُتب على الأرض وحتى عصرنا هذا الحافل بثمار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بأن الحرب نشاط بشري بامتياز. إنها حالة درامية تتكرر عبر الأزمنة. لا تهدأ الصدامات بكل أنواعها ومنها الدبلوماسية، ويحتدم الصراع، وتتواصل الانقلابات، والتسابق نحو التسلح، وحروب العصابات، والنزاعات، والاحتلالات، والمواجهات الداخلية، والحروب الطويلة، والاحتجاجات، والمظاهرات الدامية، والهجرات الجماعية، والعصيانات المدنية، والانتفاضات، والاستثمار في تطوير الأسلحة الفتاكة وليس يهم إذا ما فتكت بالكون كله.
لكن من قال إن المخلوق البشري يستطيع أن يُشفى من إدمانه من نشاطه الأثير الموجع: الحرب؟ إنه فقط يتناساها ليسترجع أنفاسه منها ولها، كما يفعل عصفور حين يغرد صباحاً بشغف، وكأنها لم تكن عاصفة البارحة...
نعم منذ أقدم حرب، حرب الحاضرتين السومريتين لغاش وأُمّا، وحروب بلاد ما بين النهرين، إلى حرب طروادة في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، إلى غزوات المغول التي خلفت ثلاثة وخمسين مليون قتيلٍ، وحروب روما القديمة، وآسيا الشرق الأوسط، واليونان، وأوروبا، وأميركا الجنوبية، وتمرد التابينغ في الصين الذي خلف أربعة وأربعين مليون قتيلٍ وغيرها وغيرها... وحتى الحربين العالميتين المدمرتين حيث خلفت الأولى 1914 - 1918 حوالي 18 مليونا كخسائر بشرية، والثانية 1939 - 1945 تسببت في 60 مليون ضحية لتأتي الحروب الارتدادية التي توالدت بعدها وحتى الآن. حروب تشاهَد على المباشر بدم بارد. تتسارع أحداثها المأساوية على الشاشات. أمام أعين الناس الباردة. وكأن وباء خطيراً انتشر بين البشر اسمه: التحديق البارد في المجازر.
هل حقاً تختار الحروب موعدها؟ هل هذا ما يحدث الآن... إذ يدور الكوكب دورته، وينتصف القرن بالكاد أو يزيد، كما ينتصف نهارٌ تتوسط سماءَه شمسُ صيف حارق. يبدو أنه الوقت الملائم لموعد انطلاق الحروب الكبرى. فبعد أن اختمرت، بدأت تتململ آلياتُها وتزمجر على الأبواب. انقضت فترة الاستراحة الباردة من الحروب الحامية السابقة. فترة ليست للسلام ولكن من أجل الاستعداد لحرب جديدة، من أجل سن السيوف، والنصال، والحِراب، والمجانيق، وتصنيع الرصاص، والقنابل البيولوجية البكتيرية الجرثومية، والمهجنة وراثياً، وتحديث المدرعات، والراجمات، والقباب السماوية الواقية، وتحديث الترسانة النووية، ومداعبة الرؤوس الحربية النووية الغافية إلى حين، قبل أن تحملها الصواريخ العابرة للقارات، وتطوير تكنولوجيا السلاح، والتخطيط لاستراتيجيات نووية، وعد الصواريخ فرط - صوتية، والأزرار النووية، وتوفير أقراص اليود والملاجئ النووية...
هل يجب الهلع؟! لماذا يهجم البشر على بشر آخرين ويرومون إفناءَهم... ما الذي يجب فعله بما أن الحرب ليست أمراً طارئاً، وأنها متجذرة في جينات المخلوق البشري منذ البدء، وأن فاعليتها بدت جلية في نواميس الكون منذ الصراع الدموي الأول لسليلي آدم، قابيل ضد أخيه هابيل، إلى ما يخترعه خيال عرافي التاريخ البشري المسكون بحرب نجوم قادمة ونهاية العالم...
ما الخطب؟ أليس من سبيل إلى واقع جديد، تستحدِث فيه مهاراتُ العقول الخلاقة في مراكز أبحاثها العلمية العالمية مصْلاً ناجعاً يُسمى «مصل السلام العالمي»، يقي البشرَ ويحميهم من فيروس الوباء العضال المسمى: «الحرب»؟ وتفنيد الفكرة الشائعة أنها شر لا بد منه، وأنها حتمية كي يستعيد بها الإنسان طبيعته السياسية التي خلق من أجلها كما يرمي إلى ذلك الفيلسوف أرسطو، لتتردد حتى زمن دوركهايم وميكافيلي وسيغموند فرويد. وأنها ضرورية كما يخبرنا بذلك ابن خلدون حاسماً، وهو فيلسوف الحروب بامتياز، يسوغ الحرب علانية مستنداً إلى ما استقاه من آراء الفلاسفة والملاحظين لشؤون الحروب قبله، من فلاسفة اليونان ومن فلاسفة المسلمين، من بينهم الفيلسوف اليوناني هيراقليطس الذي مجد الحرب في كتاب له، والقديس أوغسطين الذي اعتبرها مرتبطة بطبيعة السوء الكامن في جوهر الإنسان منذ خطيئته الأولى وخروجه من الجنة. لكن فيلسوف الحرب ابن خلدون يستند أكثر في هذه المسألة إلى الفيلسوف والعالم أبي نصر الفارابي. أقربهم إليه، ومرجِعه في تأسيس رأيه القائل بأن الحرب طبيعة جوهرية في الإنسان. تنتج من رغبته في حب التسيد والسيطرة وأخذ ما في يد الغير، والاستيلاء على ما ليس يملكه من خير. ومنطلقاً من معرفته لملابسات الحروب في عصره وما سبقه، يذهب ابن خلدون، إلى تحليل ظاهرة الحرب وزعمائها وأسباب قيامها، وأشكالها، وخِدعها، وحِيلها، ويعالج تأثيراتها السلبية من خراب وتدمير، ويعرض نتائجها الإيجابية باعتبارها من أسباب التمدن. فهل سيفيد اختراع المصل في شيء يا ترى؟ لا بأس... فلنحلم ما دام الحلم لا يحاسب عليه بالقتل.
لا شك أن التفكير في السلام أجدى للإنسانية... فالتنظير للحرب وتسويغها يصير من باب الترف الفكري ما دامت كل حرب تجرّ حرباً أخرى جديدة بكل حمولتها المأساوية... ماذا لو تم التنظير للسلام والبحث عن شروطه وأسباب انتفائه ومسوغات دوامه. ما دامت الحرب حماقة فردية لمن يأمر بها ويشعل فتيلها، وحماقة وسذاجة جماعية لمن يصير حطباً ونثار رماد لها.
لماذا الانحدار المريع نحو جحيم الحرب، بينما العقل البشري بعبقريته وهو الذي اخترع الحوار، ربما قبل أن يفعل ذلك أفلاطون في جمهوريته، يستطيع إيجاد طرق وأسباب لتفاديها.
ولأن لا جمهورية فاضلة مشتهاة على الأرض، تظل تركيبة الإنسان المركبة المتناقضة، تشغل أذهان الذين يحفرون في طبقات التاريخ وجيوبه، ويؤمنون بقدرات العقل البشري على الهدم وعلى البناء على السواء. ويؤذي ضمائرَهم ما تركته الحروبُ من أحزان وجروح ومصائب وآلام للإنسانية منذ غابر الأزمان.
لا مصل هناك... لكن العقل البشري بعبقريته تفطن بأن لكل شيء نقيضه. الحرب لها نقيضها: إنه السلام ولن يتحقق إلا بالحوار العالِم والهادئ، وبالدبلوماسية الماهرة، وتجاوز منطلقات «الحوار» الذي يدخله كل طرف مدججاً - مسبقاً - بقناعاته ومعتقداته الراسخة بِنية تَخطيء الآخر وتكذيبه وشيطنته. منطلقات مغلوطة تؤدي إلى العنف كما يؤكد ذلك صاحب نظرية «التواصل غير العنيف»، الفيلسوف مارشال روزمبيرغ Marshall Rosenberg. الحوار يضحى لعبة خطيرة وعنيفة عندما يأتيه كل طرف بقناعة امتلاك الحقيقة كلها. ينصتُ إلى الآخر ليس بنية محاولة فهمه، بل بنية تفنيد رأيه. إنها سبل لن توصل إلا إلى مزيد من العنف، ولن تتمخض إلا عن قرقعة السلاح، وبدل أن تتكلل بمصافحة الأيدي للسلام، ستدفع باليد القلقة لتتسلل أصابعُها، وتضغط على الزر السري للسلاح النووي لا قدر الله.
أحقاً أن الإنسان لا يطيق العيش في سلام، ولا يستطيع أن يقاوم مضاعفات إدمان رؤية الدم بدم بارد، فيعود للُعبتِه الأثيرة، لعبة القتال، بعد الشعور القاتل بالحرمان منها...؟ أم أن المواطن البسيط في كل أنحاء البسيطة، يريد أن يعيش حياة تنعم بالسلام لمقاومة موت آخر؟ لعل الحقيقة أن هذا يتعارض مع الأقوياء، لأنهم يدركون أن «السلام» لا يخلق أبطالاً، ولا الدبلوماسية قادرة أن تخلق رموزاً. بل هي الحرب، الحرب وحدها تسجل أسماءهم في سجلاتها حتى وإن كانت سجلات سوداء ودامية.

- روائية وشاعرة جزائرية


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«الجونة السينمائي» للرهان على العمل المؤسسي بعيداً عن «آل ساويرس»

نجيب وسميح ساويرس في الدورة الماضية من المهرجان (إدارة المهرجان)
نجيب وسميح ساويرس في الدورة الماضية من المهرجان (إدارة المهرجان)
TT

«الجونة السينمائي» للرهان على العمل المؤسسي بعيداً عن «آل ساويرس»

نجيب وسميح ساويرس في الدورة الماضية من المهرجان (إدارة المهرجان)
نجيب وسميح ساويرس في الدورة الماضية من المهرجان (إدارة المهرجان)

يتجه مهرجان «الجونة السينمائي»، مع تحضيراته لنسخته التاسعة المقررة خلال المدة من 15 إلى 23 أكتوبر (تشرين الأول)، إلى الرهان على العمل المؤسسي داخل إدارته، بعيداً عن مؤسسيه، رجلي الأعمال سميح ونجيب ساويرس، مع التوسع في الأنشطة والفعاليات، وتصميم هوية جديدة للمهرجان السينمائي.

ويشهد المهرجان، الذي يحتضن عرض أكثر من 70 فيلماً، حضوراً لافتاً للسينما الفلسطينية ضمن الفعاليات المختلفة، مع عرض عدد من الأفلام المعنية بفلسطين، التي شاركت في عدد من المهرجانات الدولية، ضمن مسابقات المهرجان المختلفة.

وخلال المؤتمر الصحافي الذي أُقيم في القاهرة، الثلاثاء، للإعلان عن تفاصيل الدورة الجديدة، قال رجل الأعمال سميح ساويرس إنهم يأملون، مع انعقاد الدورة العاشرة من المهرجان، أن ينتهي ارتباط اسم المهرجان بمؤسسيه، على غرار ما حدث مع مهرجان «كان السينمائي»، مشيراً إلى أنهم بدأوا العمل على هذا الأمر بالفعل، مع إطلاق هوية بصرية جديدة خلال الدورة التاسعة من المهرجان.

سميح ساويرس خلال حديثه في المؤتمر الصحافي (إدارة المهرجان)

وقال المدير الفني للمهرجان، أندرو محسن، لـ«الشرق الأوسط» إن مؤسسي المهرجان بدأوا، منذ مدة طويلة، منح مساحة أكبر لجيل الشباب في الإدارة، إلى جانب الدور الذي يقوم به المدير التنفيذي للمهرجان، عمرو منسي، على مستويات عدة، مشيراً إلى أنهم يدرسون أموراً عدة في الوقت الحالي.

وأضاف أن العمل على هذا التصور بدأ بالفعل تمهيداً لتنفيذه بعد النسخة العاشرة من المهرجان، التي تُقام في أكتوبر 2027، مع درس كثير من المقترحات وآليات تنفيذها، ومنها إقامة كثير من الفعاليات على مدار العام لدعم السينمائيين، سواء من خلال التدريبات أو ورش العمل.

ويشهد برنامج المهرجان، الذي أُعلن عنه، عرض نحو 70 فيلماً من أحدث الإنتاجات العربية والدولية، موزعة على 3 مسابقات رسمية للأفلام الروائية الطويلة والوثائقية والقصيرة، إلى جانب العروض خارج المسابقة والعروض الخاصة، بينما تبلغ قيمة الجوائز المالية 230 ألف دولار.

وتضم دورة هذا العام أعمالاً وصلت إلى الجونة بعد مشاركات وجوائز في مهرجانات كبرى، مثل «كان» و«برلين» و«فينيسيا» و«صندانس» و«كارلوفي فاري». كما يواصل المهرجان توسيع الجانب الصناعي من خلال «سيني جونة»، الذي يستقبل مشروعات في مرحلتي التطوير وما بعد الإنتاج، إلى جانب البرامج المهنية والتدريبية.

ملصق ترويجي لفيلم «المواطن أسامة» (إدارة المهرجان)

ويبرز الحضور الفلسطيني في «المسابقة الوثائقية» من خلال فيلم «المواطن أسامة» للمخرج أحمد حسونة، الذي يتابع مصوراً يوثّق الحياة والفقد والبقاء في غزة على مدار عام، في محاولة لرصد التجربة اليومية للسكان من داخل الأحداث.

ويشارك أيضاً فيلم «طبيب أميركي»، الذي يتناول تجربة 3 أطباء أميركيين يدخلون قطاع غزة خلال الحرب. كما يضم البرنامج فيلم «من قتل أليكس عودة؟»، الذي يعيد فتح ملف اغتيال القيادي في المجتمع الفلسطيني الأميركي أليكس عودة، بعد عقود من وقوع الجريمة. بينما يمتد حضور فلسطين إلى مسابقة الأفلام القصيرة من خلال فيلم «كنتاكي غزة» للمخرج الأردني عمر رمال، الذي يتناول غزة تحت الحصار عبر حكاية متخيّلة مرتبطة بأسطورة مطعم للوجبات السريعة.

وشهد المؤتمر الصحافي للمهرجان الإعلان عن تكريم الفنانة منى زكي بجائزة «الإنجاز الإبداعي»، إلى جانب الاحتفاء بمرور 10 سنوات على رحيل المخرج محمد خان، بالإضافة إلى إقامة «ماستر كلاس» للمخرج المصري يسري نصر الله ضمن الفعاليات.

ويقول الناقد الفني خالد محمود لـ«الشرق الأوسط» إن «توجّه مهرجان (الجونة السينمائي) نحو بناء كيان أكثر استقلالاً عن ارتباطه باسم عائلة ساويرس يمثّل خطوة داعمة لاستقرار المهرجان؛ لكون الهدف مرتبطاً بتحويل (الجونة) إلى مؤسسة سينمائية قائمة بذاتها».

صناع المهرجان في صورة تذكارية بعد المؤتمر الصحافي بالقاهرة (إدارة المهرجان)

وأشاد، في الوقت نفسه، بقدرة المهرجان على اجتذاب أفلام حاصلة على جوائز من مهرجانات سينمائية دولية مهمة، معتبراً أن البرنامج الجديد يتمتع بمستوى فني جيد وتنوّع واضح في الاختيارات، خصوصاً ما يتعلق بالتوسع في دعم المشروعات وصنّاع السينما من خلال «سيني جونة»، التي تفتح الباب أمام أصحاب المشروعات للحصول على فرص للتطوير والتواصل مع العاملين في الصناعة، بما يعزز الجانب المهني للمهرجان، إلى جانب عروض الأفلام.


أحمد العوضي يعتذر لياسمين عبد العزيز عن إساءة فهم «تصريحات السيارات»

ياسمين عبد العزيز وأحمد العوضي
ياسمين عبد العزيز وأحمد العوضي
TT

أحمد العوضي يعتذر لياسمين عبد العزيز عن إساءة فهم «تصريحات السيارات»

ياسمين عبد العزيز وأحمد العوضي
ياسمين عبد العزيز وأحمد العوضي

عادت فصول «العلاقة الشخصية والفنية» التي جمعت الفنان أحمد العوضي بالفنانة ياسمين عبد العزيز لسنوات للواجهة مجدداً رغم طلاقهما قبل عامين، خصوصاً بعد حديثه عن «الذكريات والحب»، و«العلاقات العاطفية» في بودكاست «قصتي» من خلال تصريحات وتشبيهات غامضة اعتبرها البعض جدلية ولا تليق.

وعلى خلفية سؤاله في البودكاست، «عن الذكريات الحلوة التي تبقى إذا انتهى الحب، وهل الحب الجديد بإمكانه محو الذكريات أم تظل مرافقة للإنسان؟»، أكد العوضي أن كلامه سيكون صادماً، مضيفاً: «عندما اقتنيت سيارة للمرة الأولى في حياتي أعجبت بها كثيراً وكنت سعيداً بها، وعندما استبدلتها بماركة مغايرة شعرت بسعادة أكبر، لذلك لا يمكنني العودة لسيارتي الأولى».

وفور انتشار المقطع المصور على مواقع التواصل الاجتماعي انتقدت تعليقات ومشاركات عدة لحديث العوضي، وهاجمه بعضهم مفسرين حديثه وكأنه يلمح إلى علاقته السابقة بطليقته الفنانة ياسمين عبد العزيز، مؤكدين أنها السبب في نجوميته. ومن بين التعليقات اللافتة التي انتقدت العوضي «الحب أرقى من التشبيه بالسيارات»، وكتب آخر «النهايات أخلاق».

وبدوره، رد أحمد العوضي على الجدل المثار في بيان رسمي الثلاثاء، جاء فيه: «لم أقصد مطلقاً أي معنى سيء لأي شخص في برنامج (قصتي)، وما جرى تداوله من تصريحات تخصُّ السيارات وتأويليها يخص من نقلها»، مضيفاً: «لم أقصد ما فهمه بعضهم، فالتشبيه كان عائداً على مراحل الحياة، وليس على العلاقات العاطفية، وأعتذر إن كان بعضهم قد فهم ما قلته بشكل خاطئ».

وأكد العوضي أنه يكنُّ كل الاحترام والتقدير لـ«نجمة العالم العربي الأولى» حسبما وصفها، وتابع: «ذكرت على مدار حديثي أنني أحمل كل الذكريات الطيبة لكل من دخل حياتي».

وختاماً؛ اعتذر العوضي عن تفسير كلامه بشكل خاطئ، مؤكداً أنه يدين لياسمين عبد العزيز بالكثير في مشواره الفني.

ياسمين عبد العزيز (إنستغرام)

الناقد الفني طارق الشناوي قال إن «العوضي جانبه الصواب في حديثه، وعليه أن يكون أكثر حصافة في اختيار الأمثلة للتوضيح»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «تشبيه الحب أو الحياة العاطفية بالسيارات كان غليظاً وينقصه العمق والطرافة، ويسيء إلى المرأة في المطلق بعيداً عن زوجته السابقة، فالحديث عن موديلات السيارات والحب يشير إلى ضعف الثقافة والخيال».

ورداً على تفسير تصريحات العوضي بالمسيئة، خصوصاً من قبل النساء، عدّت الاستشارية النفسية والأسرية لمى الصفدي ما قاله العوضي «غير مناسب وناتج عن حالة توتر، لأن الإنسان يلجأ إلى التشبيهات غير المنطقية في مثل هذه الحالة».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «ما قاله العوضي لا يمثل الواقع وعلاقات البشر المبنية على التفاعل من ناحية المشاعر والإنسانيات، التي تختلف عن التعامل مع الآلات، ولذلك فهناك مشكلة كبيرة وتشبيه في غير محله استدعى الاعتذار».

أحمد العوضي (فيسبوك)

وكان آخر ظهور رسمي جمع الثنائي ياسمين عبد العزيز وأحمد العوضي خلال احتفالية تكريم «الأفضل» عام 2023، وفنياً تصدَّر العوضي خلال موسم دراما رمضان الماضي بطولة «علي كلاي»، فيما قدَّمت ياسمين عبد العزيز بطولة «وننسي اللي كان». كما شهد موسم الصيف السينمائي على منافستهما من خلال فيلمي «شمشون ودليلة»، و«خلي بالك من نفسك».

وأكد الناقد الفني أحمد سعد الدين، أن «ما صنع هذا اللبس في الفهم هو أن اسم العوضي لا يزال مرتبطاً بياسمين، وأن نجوميته هي أساسها، وذلك حسب وجهة نظر البعض الذين يفسرون تصريحاته دائماً من هذا الجانب»، لافتاً إلى أن تجاهل ياسمين للتصريحات وعدم الرد أمر طبيعي.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «حمل كلام العوضي الأخير أوجه عدة، وفتح المجال لوضعه في سياقات مختلفة طبيعية أو غير ذلك»، لافتاً إلى أن «البرامج الحوارية أصبحت فخاً للمشاهير، وفقدت مصداقيتها لتعمُّدها التعمق في العلاقات الشخصية من أجل صناعة (الترند)».

وأوضح الناقد الفني أن «العتب على البرامج يأتي بعد العتب على الفنان الذي يسمح بالدخول في حياته الخاصة، ولذلك عليه تحمُّل التبعات السلبية والتفسيرات حمالة الأوجه للتصريحات».


مخاوف في مصر من فقدان حدائق تاريخية غطاءها الأخضر بـ«فعل التطوير»

حديقة الحيوان بالجيزة قبل الشروع في تطويرها (الشرق الأوسط)
حديقة الحيوان بالجيزة قبل الشروع في تطويرها (الشرق الأوسط)
TT

مخاوف في مصر من فقدان حدائق تاريخية غطاءها الأخضر بـ«فعل التطوير»

حديقة الحيوان بالجيزة قبل الشروع في تطويرها (الشرق الأوسط)
حديقة الحيوان بالجيزة قبل الشروع في تطويرها (الشرق الأوسط)

في وقت تتجه فيه السلطات المصرية إلى تشديد إجراءات حماية الأشجار، وإطلاق خطط لزيادة الرقعة الخضراء، تتجدد المخاوف بشأن مصير الغطاء النباتي في عدد من الحدائق التاريخية، لا سيما تلك التي تشهد مشروعات تطوير واسعة، وفي مقدمتها حديقتا الحيوان والأورمان بالجيزة.

ووجهت وزيرة التنمية المحلية والبيئة منال عوض، في مطلع سبتمبر (أيلول) الحالي، بحظر قطع الأشجار أو اقتلاعها إلا بموافقة المحافظ وبعد الرجوع إلى جهاز شؤون البيئة، بالتزامن مع خطة «تخضير القاهرة» التي تستهدف زراعة 60 ألف شجرة و800 ألف شجيرة ونبات قبل نهاية العام.

غير أن تجدد الجدل بشأن إزالة الأشجار خلال بعض مشروعات التطوير يطرح تساؤلات حول مصير الأشجار القائمة، خصوصاً المعمَّرة منها، ومدى إمكانية تعويضها بزراعات جديدة.

وتبرز حديقتا الحيوان والأورمان (غرب القاهرة) بين المواقع التي أثارت أعمال تطويرها مخاوف بشأن الغطاء النباتي. وأُغلقت الحديقتان في يوليو (تموز) 2023 لبدء مشروع تطوير شامل، وسط تساؤلات بشأن حجم ما تبقى من غطائهما النباتي القديم، ومدى إمكانية تعويض ما يُفقد منه، خصوصاً مع غياب أرقام معلنة تقارن أعداد الأشجار ومساحة الغطاء الأخضر قبل التطوير وبعده.

جانب من الغطاء النباتي لحديقة الحيوان المرتقب افتتاحها بعد التطوير (صفحة سيرة القاهرة على «فيسبوك»)

وتقول الدكتورة هناء عبد النبي، أستاذة الزراعة بجامعة عين شمس، لـ«الشرق الأوسط» إن «أعمال التطوير في حديقة الأورمان أضرت في النهاية ببعض الأشجار القديمة، من بينها أشجار نادرة ومعمرة، لا سيما في الحزام الأخضر المحيط بالحديقة». وتلفت إلى «القيمة النباتية الخاصة للأورمان، التي كانت تضم أكثر من 5 آلاف شجرة معمرة ونادرة، من بينها (الماهوجني) و(أبو المكارم) و(الدلينا)».

وتضيف أن الحديقة أُنشئت «نهاية القرن التاسع عشر، في فترة شهدت انتشاراً كبيراً للحدائق والمساحات الخضراء في مصر، تقلص جزء كبير منها بمرور الزمن»، وهو ما يضاعف، وفق رؤيتها، أهمية الحفاظ على الحدائق التاريخية المتبقية وأشجارها المعمرة.

ولا تقتصر القيمة النباتية على حديقة الأورمان، التي تقع على مساحة 95 فداناً؛ إذ كانت حديقة الحيوان المجاورة تضم، عند بدء تطويرها عام 2023، نحو 38 ألف شجرة، بينها أنواع نادرة.

وتعهدت الحكومة المصرية آنذاك بالحفاظ على النباتات والأشجار النادرة خلال تطوير حديقة الحيوان، ونفى مجلس الوزراء ما تردد عن تجريفها، مؤكداً أنه «لا يمكن المساس بأي من النباتات والأشجار النادرة»، بينما أكدت وزارة الزراعة أن خطة التطوير تراعي الحفاظ عليها وعلى الطابع التراثي للحديقة.

ويرى الناشط البيئي أحمد فتحي أن أهمية الأشجار القديمة والمعمرة تتجاوز أعدادها، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «كل شجرة تمثل بيئة كاملة للكائنات التي تعيش عليها أو حولها، وعندما يتأثر الغطاء النباتي يتأثر النظام البيئي كله».

مخاوف من تراجع الغطاء الأخضر بحديقة الأورمان بالجيزة (الشرق الأوسط)

ويلفت فتحي إلى أن «الأشجار المعمرة توفر موائل للطيور والحشرات وغيرها من الكائنات، إلى جانب دورها في امتصاص الملوثات»، موضحاً أن جذورها ونظامها البيئي تطورا على مدار سنوات طويلة، ومن ثم لا يمكن النظر إلى الشتلات الجديدة بوصفها بديلاً فورياً لها.

ووصل الجدل إلى البرلمان المصري؛ إذ تقدم النائب محمد عبد الحفيظ، عضو مجلس النواب، بسؤال برلماني بشأن قطع الأشجار، لا سيما المُعمَّرة، وتراجع المساحات الخضراء. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الأشجار المعمَّرة ليست مجرد عنصر جمالي، وإنما جزء من البنية الأساسية والأمن البيئي والصحي»، محذراً من «تأثير فقدان الغطاء الشجري على التوازن البيئي ودرجات الحرارة».

ولفت عبد الحفيظ إلى أن بعض الأشجار التي تطولها أعمال التطوير يتجاوز عمرها 50 عاماً، داعياً إلى دراسة بدائل تحافظ عليها، «سواء بتعديل التصميمات أو نقل الأشجار بدلاً من قطعها»، إلى جانب توفير قاعدة بيانات ترصد ما أزيل منها والمساحات الخضراء التي فُقدت خلال السنوات الأخيرة، في مقابل ما تتم زراعته ضمن المبادرة الرئاسية «100 مليون شجرة».

وتتصاعد المخاوف بشأن قطع الأشجار عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مع تداول شبه يومي لصور ومقاطع مصورة لما يقول ناشروها إنها وقائع قطع أو إزالة في مناطق مختلفة.

وامتد الرصد إلى صور الأقمار الاصطناعية، إذ أظهرت مقارنات زمنية منشورة لصور ملتقطة قبل بدء تطوير حديقتي الحيوان والأورمان وبعده تغيراً في كثافة الغطاء النباتي داخل الحديقتين خلال مرحلة التطوير، وهو ما أعاد إثارة التساؤلات بشأن حجم المساحات الخضراء التي تأثرت بالأعمال.

جانب من أعمال التطوير بحديقة الأورمان (الشرق الأوسط)

ويرى فتحي أن «الحملات المضادة لقطع الأشجار عبر مواقع التواصل الاجتماعي أسهمت في إيصال القضية إلى المسؤولين»، لافتاً إلى أن «كثيرين باتوا يبلغون عن حالات القطع الجائر للأشجار عبر مواقع التواصل، ومخاطبة صفحة وزارة الداخلية التي تعاملت، وفق قوله، مع بعض هذه الوقائع، واتخذت إجراءات قانونية بحق المتسببين فيها».

ويضيف: «وصول مطالب حماية الأشجار إلى هذا المستوى من الاهتمام الرسمي يعد أعلى مستوى وصلت إليه حملات المناصرة للبيئة حتى الآن»، معتبراً أن التحرك الشعبي لم يعد مقتصراً على تداول الصور والشكاوى، وإنما بدأ ينعكس في إجراءات رسمية.

وسبق أن أعلنت وزارة البيئة عام 2024 تشكيل لجنة استشارية علمية لدعم ملف التشجير، مع تعميم تعليمات تمنع قطع الأشجار أو تقليمها جائراً دون الرجوع إلى اللجان المختصة في المحافظات، غير أن استمرار إثارة وقائع الإزالة يعيد التساؤل حول فاعلية هذه الضوابط ومدى تطبيقها.