«ميتا» تستعرض رؤيتها لمستقبل تصاميم نظارات الواقعين الافتراضي والمعزز

«الشرق الأوسط» حضرت جلسة رقمية مع زوكربيرغ وفريق مختبرات التطوير للتعرف على التقنيات المقبلة

مارك زوكربيرغ يستعرض مجموعة من نماذج النظارات المتقدمة المقبلة
مارك زوكربيرغ يستعرض مجموعة من نماذج النظارات المتقدمة المقبلة
TT

«ميتا» تستعرض رؤيتها لمستقبل تصاميم نظارات الواقعين الافتراضي والمعزز

مارك زوكربيرغ يستعرض مجموعة من نماذج النظارات المتقدمة المقبلة
مارك زوكربيرغ يستعرض مجموعة من نماذج النظارات المتقدمة المقبلة

أُطلقت تقنيات الواقعين الافتراضي والمعزز للمستخدمين بشكل تجاري قبل بضعة أعوام، لكنها كانت تجارب بدائية رغم درجة الانغماس الكبيرة التي تقدمها، وذلك بسبب عدم نضوج التقنيات المستخدمة فيها. وحضرت «الشرق الأوسط» جلسة رقمية مع مارك زوكربيرغ، مؤسس «ميتا»، ومايكل أبراش، كبير علماء مختبرات تطوير تقنيات الواقع الافتراضي، اسمها «داخل المختبر» (Inside the Lab)، تحدثا فيها عن متطلبات بناء شاشات الجيل التالي للواقعين الافتراضي والمعزز تماثل دقة وواقعية العالم الفعلي، وكيفية حل مشاكل تقنية متعلقة بكيفية إدراكنا للأشياء، وكيفية معالجة أعيننا للإشارات البصرية وترجمة عقولنا لها.
- محاكاة الواقع
يرى مارك زوكربيرغ، أن مجرد مشاهدة صورة تبدو واقعية ليس كافياً للإحساس بشعور المحاكاة، حيث نحتاج أيضاً إلى وجود كل الإشارات البصرية الأخرى، وهي مشكلة أكثر تعقيداً من مجرد عرض صورة تبدو واقعية على شاشة كومبيوتر أو تلفزيون، ونحتاج إلى استخدام شاشات مجسمة لإنشاء صور ثلاثية الأبعاد، وعرض الأشياء، وتركيز العينين على أبعاد مختلفة، وهو أمر مختلف عن الشاشة أو العروض التقليدية التي نحتاج فيها إلى التركيز على عُمق واحد فقط. ونحتاج أيضاً إلى شاشات يمكنها تغطية زاوية أكثر اتساعاً من مجال الرؤية بدرجة أكبر من الشاشات التقليدية.
ولخص الفريق التحديات أمام الحصول على تجربة مميزة وواقعية للواقعين الافتراضي والمعزز بضرورة وجود شاشة عريضة تستطيع تغيير التركيز والغباشة للعناصر المختلفة حسب النظر، وشدة الإضاءة والألوان، وتتبع حركة دقيق وفائق السرعة، إلى جانب ضرورة تقديم نظام رسومات فائق السرعة يستطيع العمل لفترة مطولة داخل نظارات خفيفة الوزن وسهلة الارتداء.
وتعمل «ميتا» على حلول عديدة خاصة بنظام الشاشات لتقديم دقة رسومات عالية في نظارات خفيفة الوزن وصغيرة الحجم ذات عمر بطارية مطول وألوان مبهرة. ولاحظ الفريق أن تقنيات النظارات الحالية تشوه الصورة من حيث نوعية العدسات وزوايا العرض، وما يرتبط بذلك من الإعياء للعين جراء الاستخدام المطول، حيث تحاول العين التركيز على عناصر متباعدة على الشاشة التي تعرض الصورة من مسافة ثابتة، الأمر الذي يسبب الإجهاد للعين.
عامل آخر مرتبط هو أن مدى الرؤية في نظارات الواقع الافتراضي أعرض وبزوايا واسعة مقارنة بالشاشات التقليدية للكومبيوتر، الأمر الذي يعني أن كثافة البكسل في البوصة الواحدة ستكون أقل في النظارات، الأمر الذي يعني أن دقة وجودة الصور ستنخفضان في أي منطقة محددة. ودرس فريق الأبحاث دقة النظر وتوصلوا إلى أن أصحاب النظر الصحيح بالكامل يحتاجون إلى دقة تتجاوز «8K» في منظور الرؤية الكامل للحصول على أفضل جودة ممكنة.

مارك زوكربيرغ يستعرض مجموعة من نماذج النظارات المتقدمة المقبلة

- نظارات متطورة
إلا أن الأمر لا يحتاج إلى وجود دقة فائقة في جميع أجزاء المشهد المنظور، بل فقط في المنطقة التي تنظر نحوها العين البشرية، حيث تظهر المناطق الأخرى خارج تركيز العين. يضاف إلى ذلك أن عدد البكسل وحده ليس كافياً، بل يجب رفع جودة البكسل من حيث شدة الإضاءة وتشبع وتباين الألوان.
وطور فريق الأبحاث أول نموذج لنظارات يستطيع عرض الصورة بدقة فائقة غير مسبوقة في نظارات الواقع الافتراضي، تصل كثافتها إلى 60 بكسل للدرجة الواحدة، أي أكثر بنحو 2.5 مرة من نظارات «Quest 2» للواقع الافتراضي، وهي قرابة بضعة أضعاف مما يوجد اليوم.
وحتى لو استطعنا حل مشكلة دقة الشاشات، تبقى مشكلة العُمق وتركيز العين على عنصر ما دون غيره. وتكمن المشكلة في أن العين البشرية تحتوي على عضلات تشد أو ترخي العدسة للتركيز على العناصر القريبة أو البعيدة. إلا أن مشاهدة شاشة مسطحة أمام العين تحتوي على عناصر متباعدة رقمياً من شأنها إرباك العين وتقديم شعور بالانزعاج أو التعب لدى البعض.
يضاف إلى ذلك أن عدسات النظارات الافتراضية الحالية ثابتة ولا تغير من أبعادها. وعملت الشركة على تقديم تقنية ميكانيكية لتغيير موضع العدسات في النظارات المقبلة لمحاكاة أثر ذلك بشكل صحيح أمام عين المستخدم، بحيث يتم تغيير البعد البؤري بشكل آلي وفوري كلما تحركت العين من عنصر لآخر، ويعمل على مستوى الأعماق المختلفة التي تدعمها تقنية البُعد البؤري المتغير بهدف إنتاج صور مستقرة دائماً.

نموذج نظارات أطلق عليها مؤقتاً اسم «باترسكوتش»، الأولى لشاشات واقع افتراضي غير مسبوقة

- درجات الألوان
العامل الثالث الذي تعمل عليه الشركة هو تطوير درجات الألوان وتشبعها من خلال تبني تقنية المجال العالي الديناميكي (High Dynamic Range HDR) لتقديم درجات ألوان كبيرة دون تداخل بين الألوان المتجاورة. ولاحظ الفريق أن شدة الإضاءة الخاصة بالتلفزيونات التي تدعم هذه التقنية تتجاوز 10 آلاف شمعة أو «نت» (Nit)، بينما تقدم نظارات الواقع الافتراضي الحالية شدة إضاءة تبلغ 100 شمعة أو «نت»، وذلك بسبب صعوبة تقديم هذه الشدة في حجم صغير خفيف الوزن، ولا يستهلك طاقة كبيرة وبسعر معتدل، إلى جانب الحاجة لتبريد الدارات الداخلية والشاشة بشكل دائم لتخفيف الحرارة الناجمة عن شدة الإضاءة العالية وعدم إزعاج المستخدم خلال جلسات الاستخدام المطولة.
واستخدم فريق العمل إضاءة ليزرية تمر من خلال مرشحات مستقطبة (Polarized) تمرر الضوء الرغوب، وتمنع غير المرغوب منه للحد من تأثير المسافة بين الشاشة والعين. فبدلاً من الانتقال من لوحة التحكم عبر عدسة ثم إلى العين، يتم استقطاب الضوء حتى يتردد ذهاباً وإياباً بين الأسطح العاكسة عدة مرات.
ويمكن استخدام هذه النظارات المقبلة لتشغيل برامج وألعاب الكومبيوترات الشخصية لتقديم تجارب أكثر انغماساً، سواء كانت للعمل أو التواصل مع الآخرين، أو لمشاهدة العروض الحية أو في الألعاب الإلكترونية، خصوصاً في عالم «ميتافيرس» المقبل.
ومن شأن هذه التقنيات تقديم مجالات فنية جديدة غير موجودة حالياً تسمح للمبتكرين والفنانين بتقديم إبداعاتهم للآخرين كما يتصورونها تماماً. التقنيات التي استعرضها الفريق ليست متاحة للبيع حالياً، وهي في مرحلة التطوير في مختبرات «ميتا»، ويعمل الفريق على رفع جودتها لإطلاقها للمستخدمين في المستقبل القريب.


مقالات ذات صلة

كيف يصبح «عيد الحب» اختباراً حقيقياً للذكاء الاصطناعي على فهم العملاء؟

تكنولوجيا يضاعف «عيد الحب» توقعات العملاء ما يجعل أي خلل في فهم سلوكهم الرقمي أكثر وضوحاً وتأثيراً على الثقة (أدوبي)

كيف يصبح «عيد الحب» اختباراً حقيقياً للذكاء الاصطناعي على فهم العملاء؟

«عيد الحب» يختبر دقة خوارزميات التخصيص حيث يكشف تكامل البيانات ضعف أو قوة الذكاء الاصطناعي في فهم العملاء

نسيم رمضان (لندن)
خاص الذكاء الاصطناعي أزال «عنق الزجاجة» البشري ما سمح بتوسّع الجريمة السيبرانية بسرعة ونطاق غير مسبوقين (رويترز)

خاص 371 % نمواً في تبني أدوات الذكاء الاصطناعي إجرامياً

الذكاء الاصطناعي يحوّل الجريمة السيبرانية إلى صناعة مؤتمتة مخفضاً الحواجز ما يعزز التزييف العميق ويكشف فجوة تنظيمية عالمية.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد من حفل توقيع مذكرة التفاهم التي تهدف لتسريع تطوير المهارات الرقمية والتقنية في السعودية (أرامكو)

تفاهم بين «أرامكو» و«مايكروسوفت» لتطوير الذكاء الاصطناعي في القطاع الصناعي

وقّعت «أرامكو السعودية» مذكرة تفاهم غير ملزمة مع «مايكروسوفت»؛ لمساعدة الأولى على استكشاف مبادرات رقمية مصممة لتسريع تبنّي الذكاء الاصطناعي في القطاع الصناعي.

«الشرق الأوسط» (الظهران)
خاص التحول الرقمي الحقيقي لا يتحقق بالاستثمار في البنية التحتية وحدها، بل ببناء القدرات البشرية والمهارات الرقمية (بيكسلز)

خاص التعليم الرقمي كبنية تحتية… هل هو الرهان الحاسم لعقد الذكاء الاصطناعي؟

التحول الرقمي يبدأ ببناء المهارات والتعليم لا بالبنية التحتية وحدها والفجوة الرقمية تهدد الابتكار والتنافسية والتنويع الاقتصادي.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (واس)

«بوسطن غروب»: 40 % من مؤسسات السعودية ضمن فئة «رواد الذكاء الاصطناعي»

كشفت دراسة حديثة صادرة عن مجموعة «بوسطن كونسلتينغ غروب»، عن أن السعودية أحرزت تقدماً لافتاً في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث تصنّف 40 % من مؤسساتها ضمن فئة الرواد.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

كيف يصبح «عيد الحب» اختباراً حقيقياً للذكاء الاصطناعي على فهم العملاء؟

يضاعف «عيد الحب» توقعات العملاء ما يجعل أي خلل في فهم سلوكهم الرقمي أكثر وضوحاً وتأثيراً على الثقة (أدوبي)
يضاعف «عيد الحب» توقعات العملاء ما يجعل أي خلل في فهم سلوكهم الرقمي أكثر وضوحاً وتأثيراً على الثقة (أدوبي)
TT

كيف يصبح «عيد الحب» اختباراً حقيقياً للذكاء الاصطناعي على فهم العملاء؟

يضاعف «عيد الحب» توقعات العملاء ما يجعل أي خلل في فهم سلوكهم الرقمي أكثر وضوحاً وتأثيراً على الثقة (أدوبي)
يضاعف «عيد الحب» توقعات العملاء ما يجعل أي خلل في فهم سلوكهم الرقمي أكثر وضوحاً وتأثيراً على الثقة (أدوبي)

لطالما كان التسوّق في «عيد الحب» مسألة تخمين. يحاول المستهلكون فك شفرة التفضيلات اعتماداً على إشارات محدودة ووقت ضيق وضغوط عاطفية عالية. لكن بشكل متزايد، تجد متاجر التجارة الإلكترونية نفسها تلعب اللعبة ذاتها مستخدمةً الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بما يريده العملاء، غالباً تحت ضغط موسمي مكثف.

في الشرق الأوسط، تزداد أهمية هذا المشهد، حيث من المتوقَّع أن يصل حجم التجارة الإلكترونية في المنطقة إلى 80.3 مليار دولار بحلول عام 2029، مدفوعاً بسكان شباب متمرسين رقمياً وبتوقعات متصاعدة لتجارب تسوق مخصصة. كما أن إنفاق عيد الحب يتغير. فلم يعد يقتصر على الشركاء العاطفيين، بل يشمل «Galentine’s Day» والهدايا الذاتية وحتى هدايا الحيوانات الأليفة؛ ما يوسّع تحدي التخصيص أمام المتاجر الإلكترونية.

لمواكبة هذه التوقعات، يدمج تجار التجزئة الذكاء الاصطناعي في محركات التوصية، وأنظمة التنبؤ بالطلب، وخوارزميات التسعير، وأدوات التفاعل مع العملاء. في كثير من الحالات، أصبح الذكاء الاصطناعي في قلب عملية اتخاذ القرار داخل قطاع التجزئة. لكن فعالية هذه الأنظمة تعتمد على عامل حاسم وهو البيانات.

يضاعف «عيد الحب» توقعات العملاء ما يجعل أي خلل في فهم سلوكهم الرقمي أكثر وضوحاً وتأثيراً على الثقة (أدوبي)

عندما يتحول التخصيص إلى تخمين

تعتمد منصات التجارة الإلكترونية الحديثة على شبكة معقدة من إشارات البيانات لتخصيص تجربة التسوق. تشمل هذه الإشارات سجل التصفح والمشتريات السابقة وبيانات المرتجعات وتفضيلات التوصيل وحتى تفاعلات خدمة العملاء.

كل نقطة بيانات توفر سياقاً؛ فسجلّ التصفح يكشف الاهتمام، والمشتريات السابقة توحي بالنية أو التفضيلات المتكررة، وبيانات المرتجعات تشير إلى عدم الرضا، بينما تكشف تفضيلات التوصيل عن درجة الإلحاح، خاصة حول تواريخ ثابتة مثل 14 فبراير. كما قد تكشف تفاعلات خدمة العملاء عن مشكلات في المقاسات أو الجودة أو تأخر الشحن.

في الشرق الأوسط، حيث تُجرى نسبة كبيرة من المشتريات عبر الأجهزة المحمولة، وتلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في اكتشاف المنتجات، يجب معالجة هذه الإشارات لحظياً. يتوقع المستهلكون توصيات فورية تبدو دقيقة وذات صلة.

تكمن المشكلة عندما تكون هذه البيانات مجزأة عبر أنظمة مختلفة كأدوات التسويق وأنظمة إدارة المخزون وقواعد بيانات الخدمات اللوجستية ومنصات خدمة العملاء وبوابات الدفع. عندما لا تتكامل هذه الأنظمة بسلاسة، تعمل نماذج الذكاء الاصطناعي على معلومات غير مكتملة.

فالخوارزميات المصممة للتنبؤ بالنية أو تحسين قرارات التوصيل تحتاج إلى بيانات موحَّدة في الوقت الحقيقي. ومن دون ذلك، حتى أكثر المحركات تقدماً قد تنتج توصيات واثقة لكنها غير دقيقة.

النتائج معروفة حيث قد يُعرض على العميل منتج سبق أن أعاده. أو تُروَّج هدية لا يمكن توصيلها قبل 14 فبراير. أو تظهر فئات غير ذات صلة، أو تُتجاهل تفضيلات التوصيل المعروفة. وفي بعض الحالات، تؤدي العروض غير المناسبة إلى مشتريات اندفاعية تنتهي بمرتجعات بعد العطلة. هذه الأخطاء ليست مجرد تفاصيل صغيرة، بل تعمل على تقويض الثقة. فعندما يبدو التخصيص غير دقيق، يستنتج المستهلك أن المنصة لا تفهمه حقاً.

فبراير... اختبار ضغط لأنظمة التجزئة

يُضخم «عيد الحب» هذه التحديات؛ فالمناسبة تجلب موجة من الزيارات، خصوصاً من المتسوقين في اللحظات الأخيرة. مواعيد التوصيل ثابتة وغير قابلة للتفاوض والقرارات عاطفية والتوقعات مرتفعة.

يتعين على تجار التجزئة إدارة المخزون والخدمات اللوجستية والتفاعل مع العملاء تحت ضغط زمني مكثف. وفي الوقت نفسه، تتزايد عمليات الشراء عبر الحدود، كما تحل المدفوعات الرقمية تدريجياً محل الدفع عند التسلُّم في العديد من أسواق المنطقة، ما يضيف طبقة إضافية من التعقيد إلى إدارة البيانات وتكامل الأنظمة. وعندما تتعطل رؤية البيانات تحت هذا الضغط الموسمي، يلجأ تجار التجزئة غالباً إلى عرض المنتجات الأكثر مبيعاً أو إلى افتراضات سطحية. قد تحقق هذه الاستراتيجية مبيعات قصيرة الأجل، لكنها نادراً ما تبني تجربة ذات معنى للعميل.

في لحظات عالية الحساسية، مثل «عيد الحب»، تترك التجربة المحبطة أثراً طويل الأمد. فقد تؤثر هدية متأخرة أو توصية غير مناسبة على صورة العلامة التجارية لفترة أطول بكثير من الموسم نفسه.

تحت ضغط 14 فبراير تظهر الفجوة بين التخصيص الحقيقي والتوصيات القائمة على بيانات مجزأة

الذكاء الاصطناعي... بقدر قوة بياناته

يقدم تجار التجزئة الذكاء الاصطناعي باعتباره الحل لتحديات التخصيص. لكن قدرات الذكاء الاصطناعي محدودة بجودة البيانات التي يعتمد عليها وإمكانية الوصول إليها ومدى تكاملها.

تقول سيما العيدلي، المديرة الإقليمية لدى «دينودو» إن «عيد الحب يرفع سقف التوقعات. يعتمد تجار التجزئة اليوم بشكل كبير على الذكاء الاصطناعي لتشغيل التوصيات والتسعير والتفاعل مع العملاء. لكن الذكاء الاصطناعي لا يكون فعالاً إلا بقدر جودة البيانات التي تقف خلفه». وتضيف: «إذا لم يتمكن التجار من رؤية الصورة الكاملة للعميل في الوقت الحقيقي، فإن التوصيات المدفوعة بالذكاء الاصطناعي قد تبدو غير دقيقة. الرؤية الشاملة هي ما يحول التحليلات من تخمين إلى تجربة تبدو مدروسة وموثوقة».

التمييز هنا أساسي، والتخصيص لا يعني فقط نشر أدوات الذكاء الاصطناعي، بل يتطلب رؤية بيانات موحَّدة عبر كامل منظومة التجزئة، من التصفح إلى التوصيل إلى ما بعد الشراء. ومن دون هذه الرؤية، يتحول الذكاء الاصطناعي إلى محرك تخمين متقدم. أما بوجودها، فيمكنه مساعدة التجار على الانتقال من العروض الترويجية التفاعلية إلى تجارب تنبؤية مدركة للسياق.

الدلالات الأوسع

مع استمرار نمو التجارة الإلكترونية في الشرق الأوسط بوتيرة سريعة، تمثل المناسبات الموسمية، مثل «عيد الحب» اختبارات حقيقية للبنية التحتية الرقمية؛ فهي تكشف نقاط الضعف في تكامل البيانات، وتبرز أهمية بناء منظومات رقمية موحَّدة. ولا تقتصر الرهانات على عطلة واحدة، فالمستهلكون باتوا معتادين على بيئات رقمية ذكية وسريعة الاستجابة. والمنصات التي تفشل في الربط بين سلوك التصفح والشراء والمرتجعات تخاطر بالتراجع في سوق تحكمها توقعات متصاعدة. قد يكون «عيد الحب» مناسبة عاطفية، لكنه بالنسبة لتجار التجزئة اختبار للدقة التشغيلية. وفي عصر أصبح فيه الذكاء الاصطناعي في قلب القرارات التجارية، لا يعتمد النجاح على الخوارزميات المتقدمة فحسب، بل على وضوح واكتمال البيانات التي تغذيها. ففي لحظات ترتفع فيها التوقعات، لا يرغب أحد في الشعور بأن منصَّته المفضلة للتجارة الإلكترونية ترمي السهام في الظلام.


371 % نمواً في تبني أدوات الذكاء الاصطناعي إجرامياً

الذكاء الاصطناعي أزال «عنق الزجاجة» البشري ما سمح بتوسّع الجريمة السيبرانية بسرعة ونطاق غير مسبوقين (رويترز)
الذكاء الاصطناعي أزال «عنق الزجاجة» البشري ما سمح بتوسّع الجريمة السيبرانية بسرعة ونطاق غير مسبوقين (رويترز)
TT

371 % نمواً في تبني أدوات الذكاء الاصطناعي إجرامياً

الذكاء الاصطناعي أزال «عنق الزجاجة» البشري ما سمح بتوسّع الجريمة السيبرانية بسرعة ونطاق غير مسبوقين (رويترز)
الذكاء الاصطناعي أزال «عنق الزجاجة» البشري ما سمح بتوسّع الجريمة السيبرانية بسرعة ونطاق غير مسبوقين (رويترز)

على مدى أكثر من ثلاثة عقود، تطورت الجريمة السيبرانية عبر موجات متتالية من مجتمعات الاختراق الأولى بدوافع الفضول، إلى شبكات إجرامية منظمة تستثمر في البرمجيات الخبيثة وبرامج الفدية والاحتيال. لكن حسب دميتري فولكوف، الرئيس التنفيذي لـ«غروب آي بي» (Group-IB) فإن الموجة الحالية تمثل تحولاً جذرياً مختلفاً عبر تصنيع الجريمة السيبرانية من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي سلاحاً.

يقول فولكوف، في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما يبدو مختلفاً جذرياً هذه المرة هو أن الذكاء الاصطناعي أزال عنق الزجاجة البشري».

ويضيف: «في الماضي، كانت الجريمة السيبرانية تنمو بالسرعة التي يستطيع بها المجرمون كتابة الشيفرات أو التلاعب بالضحايا أو تنسيق الفرق. أما اليوم، فيتولى الذكاء الاصطناعي هذه المهام فوراً، وبشكل متكرر، وعلى نطاق واسع».

هذا التحول لا يعني فقط تسريع الهجمات، بل يمثل تغييراً هيكلياً في طريقة تصميم الجرائم الرقمية وتسويقها وتنفيذها ما يحوّلها من نشاط قائم على مهارات أفراد إلى صناعة قابلة للتوسع.

دميتري فولكوف الرئيس التنفيذي لـ«غروب آي بي» متحدثاً إلى «الشرق الأوسط» (الشركة)

من المهارة البشرية إلى التوسع الآلي

تقليدياً، اعتمدت الجريمة السيبرانية على خبرات بشرية متخصصة. وقد تطلب تطوير برمجيات خبيثة أو صياغة رسائل تصيد مقنعة أو تنفيذ هجمات هندسة اجتماعية وقتاً وخبرةً وتنسيقاً. هذا كان يحدّ من سرعة الانتشار وحجم العمليات. لكن فولوف يشرح كيف ألغى الذكاء الاصطناعي هذه القيود، موضحاً أن «حتى المجرمين الأقل خبرة باتوا قادرين على تنفيذ هجمات كانت تتطلب سابقاً مستوى عالياً من التخصص».

المهام التي كانت تُنجز يدوياً كالتقمص والإقناع والبرمجة والاستهداف، أصبحت اليوم مؤتمتة أو متاحة عبر أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي تعمل بشكل مستمر. وتظهر هذه الطفرة بوضوح في منتديات الإنترنت المظلم، حيث رصدت شركة «Group-IB» ارتفاعاً كبيراً في النقاشات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي داخل تلك البيئات.

ويشير فولكوف إلى أن أول المنشورات التي تتضمن كلمات مفتاحية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي ارتفعت بنسبة 371 في المائة بين عامي 2019 و2025. وفي عام 2025 وحده، تم تسجيل 23 ألفاً و621 منشوراً أولياً ونحو 298 ألفاً و231 رداً. هذا يعني أن الذكاء الاصطناعي انتقل من مرحلة الفضول إلى كونه أداةً إجراميةً سائدةً. ويذكر فولكوف أن «المجرمين لا يجرّبون... بل يتبنون بسرعة كل ما ينجح».

الهجمات المدفوعة بالذكاء الاصطناعي تجمع بين الحجم الكبير والتعقيد العالي، وتترك آثاراً جنائية أقل (رويترز)

الذكاء الاصطناعي بنيةً تحتيةً إجراميةً

الخطورة لا تكمن فقط في الاستخدام، بل في تحول الذكاء الاصطناعي إلى بنية تحتية أساسية للجريمة. وألمح فولكوف «إلى وجود تبنّ غير متكافئ وفي مجالات مثل الاحتيال والهندسة الاجتماعية، أصبح الذكاء الاصطناعي بنيةً تحتيةً أساسيةً، ولم يعد خياراً بل هو أساس». ويؤكد فولكوف أن الذكاء الاصطناعي أضحى جزءاً محورياً في توليد المحتوى والاستهداف وانتحال الهوية والأتمتة، وأن الأدوات المعتمدة عليه تُباع عبر نماذج اشتراك منخفضة التكلفة. ويذكر أنه «عندما تصبح الأدوات المتقدمة متاحة بسعر يعادل اشتراكاً في منصة بث، تختفي حواجز المهارة والمال».

الجريمة خدمةً

تتشابه الأسواق الإجرامية اليوم مع شركات البرمجيات السحابية المشروعة. ويعد فولكوف أن «هؤلاء الفاعلين يفكرون في الاحتفاظ بالعملاء وسهولة الاستخدام وقابلية التوسع، تماماً مثل الشركات الناشئة».

وعندما تُعامل الجريمة بوصفها منتجاً، تصبح أكثر مرونة واستدامة وأصعب في التعطيل. كما أن الذكاء الاصطناعي خفّض عتبة المهارة المطلوبة لتنفيذ هجمات متقدمة. ويرى فولكوف أن «الذكاء الاصطناعي يحوّل مهارات بشرية مثل الإقناع والتقليد والبرمجة إلى خدمات متاحة عند الطلب». وعلى عكس الاعتقاد بأن الأتمتة تقلل الجودة، يرى فولكوف أن الذكاء الاصطناعي زاد من الحجم والتعقيد معاً مع ارتفاع في حجم الهجمات، وفي مستوى تعقيدها. ويقول إن الذكاء الاصطناعي لا يضاعف عدد المحاولات فحسب، بل يحسّن واقعية الانتحال ويزيد من التخصيص الثقافي واللغوي.

لا تزال الأطر التنظيمية متأخرة عن وتيرة التهديدات ما يتطلب دفاعات استخباراتية وتعاوناً دولياً أوسع (غيتي)

قابلية الهوية للبرمجة

يحذر فولكوف من أن أحد أخطر التحولات يتمثل في الهجمات القائمة على الهوية، حيث أصبحت «الهوية قابلة للبرمجة... فالصوت والوجه والوثائق، يمكن تصنيعها وبيعها».

عندما تصبح الهوية سلعة، يتحول الاحتيال من استغلال الأنظمة إلى استغلال الثقة. وبالنسبة للفاعلين ذوي الدوافع المالية، تمثل الهوية بوابةً إلى البنية المالية. ويلفت على سبيل المثال إلى تجاوز إجراءات «اعرف عميلك» الذي يسمح بفتح حسابات مصرفية والوصول إلى أنظمة الدفع وتحويل الأموال المسروقة.

وقد وثّقت «Group-IB» حالة ساعدت فيها مؤسسة مالية على رصد 8065 محاولة تجاوز لأنظمة «KYC» باستخدام تقنيات التزييف العميق خلال الفترة بين يناير (كانون الثاني) وأغسطس (آب) 2025، ما أدى إلى اكتشاف 5702 حساب احتيالي. وبعد تطبيق أدوات كشف قائمة على التحليل الاستخباراتي، انخفض النشاط الاحتيالي بشكل حاد واستقر عند مستويات منخفضة.

أزمة ثقة في آليات التحقق

يقول فولكوف إن «رؤية شخص أو سماعه لم تعد دليلاً على هويته»، وإن الكثير من أنظمة التحقق الحالية صُممت في عالم ما قبل التزييف العميق، وتعتمد على التحقق البصري أو الصوتي.

لكن الجمع بين تحليل السلوك وذكاء الأجهزة وتقييم المخاطر يوفر دفاعاً أكثر فاعلية، إذ يمكن كشف التناقضات التي لا يستطيع التزييف إخفاءها، وينوه بأن الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تترك آثاراً جنائيةً أقل «ما يجعل التحقيق الرقمي والاستجابة للحوادث أكثر أهمية من أي وقت مضى».

أدوات الجريمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تُباع بنماذج اشتراك منخفضة التكلفة ما خفّض حواجز الدخول أمام مهاجمين جدد (شاترستوك)

فجوة تنظيمية

يلفت فولكوف إلى أن التشريعات لم تواكب بعد سرعة التحول، وأن «التنظيم يتحرك لكنه غير متسق، والمجرمون يستغلون الفجوات عبر الحدود».

في الشرق الأوسط، لا يوجد حتى الآن قانون موحد قائم على تقييم المخاطر مشابه لقانون الاتحاد الأوروبي للذكاء الاصطناعي، خصوصاً في ما يتعلق بالاستخدامات عالية المخاطر مثل انتحال الهوية والاحتيال.

ويختتم فولكوف حديثه لـ«الشرق الأوسط» بدعوة إلى «التوقف عن النظر إلى الجرائم المدفوعة بالذكاء الاصطناعي حوادث منفصلة، وإدراك أنها نظام مترابط»، وأن وضع الذكاء الاصطناعي في قلب استراتيجيات الأمن وتعزيز التعاون الدولي وتبني دفاعات قائمة على الاستخبارات بات ضرورة ملحّة.


التعليم الرقمي كبنية تحتية… هل هو الرهان الحاسم لعقد الذكاء الاصطناعي؟

التحول الرقمي الحقيقي لا يتحقق بالاستثمار في البنية التحتية وحدها، بل ببناء القدرات البشرية والمهارات الرقمية (بيكسلز)
التحول الرقمي الحقيقي لا يتحقق بالاستثمار في البنية التحتية وحدها، بل ببناء القدرات البشرية والمهارات الرقمية (بيكسلز)
TT

التعليم الرقمي كبنية تحتية… هل هو الرهان الحاسم لعقد الذكاء الاصطناعي؟

التحول الرقمي الحقيقي لا يتحقق بالاستثمار في البنية التحتية وحدها، بل ببناء القدرات البشرية والمهارات الرقمية (بيكسلز)
التحول الرقمي الحقيقي لا يتحقق بالاستثمار في البنية التحتية وحدها، بل ببناء القدرات البشرية والمهارات الرقمية (بيكسلز)

فيما تتسابق الدول لتوسيع شبكات الجيل الخامس والألياف البصرية والمنصات الرقمية، يبرز سؤال أعمق: هل يكفي الاستثمار في الاتصال وحده لتحقيق التحول الرقمي؟

يجيب حسين درويش، رئيس الاستراتيجية والأداء في منظمة التعاون الرقمي (DCO)، خلال لقاء خاص مع "الشرق الأوسط»، أن «الخطأ الأكثر شيوعاً هو الافتراض أن البنية التحتية وحدها ستحقق التحول. فالبنية التحتية بحد ذاتها لا تُحدث أثراً». مع تسارع الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، يؤكد درويش أن المحرك الحقيقي للتغيير ليس الشبكات، بل البشر.

حسين درويش رئيس الاستراتيجية والأداء في منظمة التعاون الرقمي (DCO) )

الاتصال دون قدرة

شهدت دول منظمة التعاون الرقمي استثمارات ضخمة في البنية التحتية الرقمية خلال السنوات الأخيرة. وهذه الاستثمارات ضرورية بلا شك. لكن درويش يحذر من عكس ترتيب الأولويات. يشرح أنه «لا يمكن للاقتصادات الرقمية أن تزدهر من دون أشخاص يمتلكون المهارات لاستخدام هذه التقنيات بفاعلية. وإذا لم تتطور أنظمة التعليم بالتوازي مع البنية التحتية، فإن الفرصة تضيع».

هذا الطرح ينسجم مع مخرجات الجمعية العامة الخامسة للمنظمة التي عقدت بداية فبراير الحالي في الكويت، حيث اعتمدت الدول الأعضاء «إعلان الكويت بشأن الذكاء الاصطناعي المسؤول من أجل ازدهار رقمي عالمي». يؤكد الإعلان أن النمو المدفوع بالذكاء الاصطناعي يجب أن يكون شاملاً وموثوقاً وقابلاً للقياس، وهي مبادئ لا يمكن تحقيقها دون كوادر مؤهلة. ويضيف درويش أن «التحوُّل الحقيقي يحدث عندما تتوازن الاستثمارات في الاتصال مع الاستثمارات في التعليم والمهارات الرقمية والقدرات البشرية».

لقطة تذكارية من الجمعية العامة الخامسة لمنظمة التعاون الرقمي الذي عقدت بداية فبراير في الكويت (المنظمة)

التعليم الرقمي كبنية تحتية أساسية

إذا اعتُبر التعليم الرقمي جزءاً من البنية التحتية الوطنية؛ فما الذي سيتغير؟ يجيب درويش أن « أنظمة التعليم ستتحول نحو استثمار مستدام وشامل في المهارات الرقمية وتحديث المناهج وتمكين المعلمين».

ستُعامل الثقافة الرقمية بوصفها مهارة أساسية، مدمجة عبر جميع المراحل والمواد التعليمية، لا كإضافة هامشية. لكن التغيير لا يقتصر على التمويل، بل يشمل أيضاً آليات القياس. فاليوم غالباً ما يُقاس التقدم الرقمي بمؤشرات الوصول، مثل نسب انتشار الإنترنت أو توزيع الأجهزة. وباعتقاد درويش هذا غير كافٍ حيث «يجب على أدوات القياس التطور لتتجاوز مؤشرات الوصول، وتركز على النتائج أي ضمان تطوير قدرات رقمية عملية وتفكير نقدي وجاهزية لسوق العمل».

الفجوة الخفية في المهارات

أحد أكبر المخاوف التي يطرحها درويش يتمثل في فجوة دقيقة، لكنها مؤثرة، ويعد أن «الفجوة الأكثر إثارة للقلق هي الفرق بين الألفة الرقمية الأساسية والمهارات الرقمية الجاهزة لسوق العمل».

كثير من الشباب يجيدون استخدام الأدوات الرقمية اجتماعياً، لكن قلة منهم يمتلكون القدرة على البرمجة أو تحليل البيانات أو توظيف التكنولوجيا مهنياً. ويرى أن «عدداً أقل بكثير لديه القدرة على البرمجة أو تحليل البيانات أو تطبيق الأدوات الرقمية بشكل احترافي». هذه الفجوة تحد من الابتكار والإنتاجية والتنوع الاقتصادي؛ فالدول التي تستهلك التكنولوجيا دون أن تُنتجها أو تُطوّرها تفقد فرصاً استراتيجية.

مسار تدريجي لبناء المهارات

يعتبر درويش أن الحل يجب أن يُبنى تدريجياً حيث «ينبغي التعامل مع الأمر بوصفه مساراً متدرجاً». يبدأ ذلك بتأسيس مهارات رقمية أساسية في سن مبكرة، ثم الانتقال إلى التفكير الحاسوبي وحل المشكلات، وصولاً إلى مهارات متقدمة، مثل البرمجة وعلوم البيانات. لكن المهارات التقنية وحدها لا تكفي، ويشدد درويش على ضرورة أن يركز التعليم أيضاً على الإبداع والتفكير النقدي والتعاون. وهذا التوازن ضروري في عصر الذكاء الاصطناعي، خصوصاً في ظل تأكيد «إعلان الكويت» على أهمية الحوكمة الأخلاقية لتجنب المخاطر المرتبطة بالتحيز وعدم المساواة.

التعليم الرقمي يجب أن يُعامل كبنية تحتية وطنية أساسية مع تمويل مستدام وقياس يعتمد على النتائج لا على مؤشرات الوصول (رويترز)

المعلمون كمضاعف للأثر

لا يمكن تحقيق التحول دون تمكين المعلمين الذين «يحتاجون إلى تطوير مهني مستمر، وتدريب في التربية الرقمية، والوصول إلى أدوات حديثة»، كما يقول درويش. كثير من المعلمين لم يتلقوا تدريباً أصلياً على دمج التقنيات الرقمية في التعليم. ومن دون دعم مستدام قد تفشل المبادرات الرقمية رغم التمويل. ويؤكد درويش أن «الاستثمار في المعلمين يضاعف الأثر، لأن كل معلم مؤهل يؤثر في مئات الطلاب».

ويصرح درويش بأن الوصول إلى الإنترنت والأجهزة ضروري، لكنه غير كافٍ، «وأن الاندماج الحقيقي يتطلب أكثر من الاتصال والأجهزة. يتطلب مهارات رقمية، وجاهزية المعلمين، وبيئات تعليمية داعمة».

من دون هذه العناصر، يبقى الوصول شكلياً لا تحويلياً. كما يربط درويش بين التعليم الرقمي والأداء الاقتصادي بشكل مباشر، وينوه بأن «الفجوة المستمرة في المهارات الرقمية تمنع الدول من الاستفادة الكاملة من التقنيات الرقمية؛ ما يحد من الابتكار والإنتاجية والتنويع الاقتصادي».

ويحذر كذلك من أن تجاهل التعليم الرقمي سيؤدي إلى «اتساع فجوات عدم المساواة، وفقدان فرص اقتصادية، وتراجع القدرة التنافسية».

في المقابل، الاستثمار في التعليم الرقمي «يمكّن الأفراد ويقوي الاقتصادات، ويضمن استفادة المجتمعات من التقدم

التكنولوجي».

شراكات تبني منظومات مستدامة

يشدد درويش على أهمية الشراكات بين القطاعين العام والخاص، بشرط أن تكون مستدامة ومتوافقة مع الاستراتيجيات الوطنية. ويشرح أن «الشراكات الناجحة تركز على بناء منظومات مهارات مستدامة، لا برامج تدريب قصيرة الأجل». كما يلفت إلى ارتفاع مشاركة النساء في قطاع تقنية المعلومات خلال السنوات الأخيرة، معتبراً أن الدرس الأهم أن الشمولية يجب أن تُبنى منذ البداية و«يجب أن تكون الشمولية مقصودة ومضمنة في استراتيجيات التعليم وسوق العمل».

يختتم درويش حديثه لـ"الشرق الأوسط» بتحذير واضح: «التعليم هو أساس الازدهار الرقمي وأن تكلفة التقاعس مرتفعة للغاية». فإذا كانت الموجة الأولى من التحول الرقمي قد ركزت على بناء الشبكات، فإن الموجة التالية ستركز على بناء المواهب.