إيمانويل ماكرون... من حاكم مطلق إلى باحث عن حلفاء وتسويات

نتائج الانتخابات النيابية في فرنسا تعيد خلط الأوراق

جان لوك ميلونشون زعيم كتلة «الاتحاد الشعبي الاجتماعي والاقتصادي الجديد» (رويترز)
جان لوك ميلونشون زعيم كتلة «الاتحاد الشعبي الاجتماعي والاقتصادي الجديد» (رويترز)
TT

إيمانويل ماكرون... من حاكم مطلق إلى باحث عن حلفاء وتسويات

جان لوك ميلونشون زعيم كتلة «الاتحاد الشعبي الاجتماعي والاقتصادي الجديد» (رويترز)
جان لوك ميلونشون زعيم كتلة «الاتحاد الشعبي الاجتماعي والاقتصادي الجديد» (رويترز)

دخلت فرنسا، منذ ليل الأحد - الاثنين الماضي، عند ظهور نتائج الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية، في منطقة من المطبات الهوائية العنيفة التي عنوانها فشل الرئيس إيمانويل ماكرون ومعه كتلته النيابية في الحصول على الأكثرية النيابية المطلقة في البرلمان الجديد في واقعة هي الأولى من نوعها منذ العام 1988. اللافت بالنسبة لماكرون أن فشله يأتي بعد أقل من شهرين على إعادة انتخابه لولاية ثانية من خمس سنوات. وللتذكير، فإنه منذ اعتمد تعديل مدة الولاية الرئاسية من سبع إلى خمس سنوات، حددت الانتخابات التشريعية مباشرة بعد الرئاسية. وكان الهدف من ذلك توفير نوع من الاستقرار السياسي وتسهيل عمل المؤسسات بحيث يستفيد الرئيس المنتخب حديثا من الديناميكية الرئاسية للحصول على أكثرية نيابية تضمن له تنفيذ برنامجه الانتخابي وتساعده على استصدار القوانين التي يريدها بالاعتماد على أكثرية صلبة. لكن ما حصل أن ماكرون فشل في الاستفادة من هذه القاعدة غير المكتوبة، ومع أن حزبه «الجمهورية إلى الأمام» - الذي غير اسمه إلى «النهضة» - حصل منفردا على أكبر عدد من المقاعد (175 نائباً) وأن تكتله النيابي حصد 250 مقعداً ليحتل المرتبة الأولى، فإن ماكرون يجد نفسه في حالة دونية لأن عليه البحث عن أصوات إضافية لدى الكتل والأحزاب الأخرى ليتمكن من تسيير أمور الدولة. وليس سراً لأحد أن على الرئيس الفرنسي أن «يدفع الثمن» السياسي ولا شك أنه سيكون مرتفعا. ومن هنا، جاءت مسارعته، بعد يوم واحد من إعلان النتيجة التي بينت عن حصوله على أكثرية نسبية - وبالتالي حاجته إلى دعم ما لا يقل عن 45 نائبا لضمان الأكثرية المطلقة - إلى إجراء جولة واسعة من المشاورات شملت مختلف رؤساء الأحزاب بحثا عن مخارج سياسية لتجنب شلل المؤسسات ولانعدام الاستقرار السياسي... وباختصار، إنقاذ ولايته الثانية.
خلال العقود التي مرت على قيام الجمهورية الخامسة في فرنسا عام 1958 على يدي الجنرال شارل ديغول، كانت اللعبة السياسية - البرلمانية واضحة القواعد: كانت هناك أكثرية تحكم وأقلية تعارض، وكان الحكم متداولا بين اليمين واليسار. بيد أنه مع وصول إيمانويل ماكرون إلى قصر الإليزيه الرئاسي، تغيرت اللعبة لأنه أراد تخطي الأحزاب فاختلط الحابل بالنابل، ونجح طيلة خمس سنوات، في جمع الأضداد في حزبه وحكومته وأكثريته بحيث غابت الخطوط الفاصلة التقليدية. وكانت نتيجة ذلك ضمور اليمين الذي أعطى فرنسا، منذ قيام الجمهورية الخامسة، خمسة رؤساء، وأيضاً ضمور اليسار الاشتراكي الذي أوصل رئيسين إلى الإليزيه. ماكرون، لا هو من اليمين ولا من اليسار، بل وسطي تأرجح بين اليمين واليسار، اجتذب إلى صفه شخصيات من هذا وذاك مع ميل واضح إلى اليمين الليبرالي. وظهر ذلك في سياساته الاقتصادية والاجتماعية، وفي الشخصيتين اللتين اختارهما لترؤس حكومات عهده الأول وهما إدوار فيليب ثم جان كاستيكس... والرجلان ينتميان إلى اليمين وتحديدا إلى حزب الجمهوريين.
في المقابل، وفر الوهن الذي أصاب الحزبين التقليديين بسبب سياسات ماكرون الفرصة للأحزاب الراديكالية كي يشتد عودها. وأبلغ دليل على هذا نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية حين حل ماكرون في المرتبة الأولى تتبعه مرشحة اليمين المتطرف وزعيمة حزب «التجمع الوطني» مارين لوبن ثم مرشح اليسار المتشدد وزعيم حزب «فرنسا المتمردة» جان لوك ميلونشون. ثم جاءت الانتخابات التشريعية لتثبت صورة المشهد السياسي حيث تتجاور ثلاث قوى: واحدة وسطية هي كتلة ماكرون التي تضم حزبه وثلاثة أحزاب رديفة تدور في فلكه، وقوتان على طرفي الخريطة السياسية هما كتلة اليسار «الاتحاد الشعبي الاجتماعي والاقتصادي الجديد» بزعامة ميلونشون، وكتلة اليمين المتطرف بزعامة مارين لوبن. الأولى حصدت 150 مقعدا موزعة على أطرافها الأربعة وأهمها «فرنسا الأبية» (84 مقعداً). والثانية أوصلت 89 نائبا إلى البرلمان، الأمر الذي يُعد حدثاً تاريخياً قياساً لما كان لديها في البرلمان السابق (ثمانية نواب).
اليمين المتطرف
لم يسبق للبرلمان الفرنسي في تاريخه أن شهد توزيعاً بهذا الشكل. ورغم أهمية النجاح الذي أحرزه ميلونشون في رص صفوف اليسار والبيئويين الذين تنافسوا في الحملة الرئاسية ما حرمه من الحلول في المرتبة الثانية والتنافس على الرئاسة مع إيمانويل ماكرون، فإن الظاهرة الأهم تكمن في القفزة التاريخية التي حققها اليمين المتطرف. هذا اليمين أوصل لوبن إلى الجولة الرئاسية الحاسمة بحصولها على 42 في المائة من الأصوات، ثم فاز بـ89 مقعدا في البرلمان الجديد رغم أن القانون الانتخابي القائم على دورتين وعلى أساس الدائرة الصغرى ليس الأكثر ملاءمة بالنسبة لـ«التجمع الوطني»: إذ أثبتت النتائج الأخيرة أن سير اليمين المتطرف إلى السلطة قائم ومتواصل، وأنه مع كل استحقاق انتخابي تشريعي أو رئاسي يتقدم خطوات. بل الأهم من ذلك، وفق المحللين السياسيين، أن ما يسمى «السقف الزجاجي» الذي كان يمنعه من تحقيق اختراقات سياسية قد تصدع. والسبب هنا أن «الجبهة الجمهورية» التي كانت تتشكل من اليمين واليسار كلما لاح في الأفق خطر اليمين المتطرف العنصري والمعادي للسامية وللمهاجرين قد تفككت بدورها.
في تفسير هذه النقلة التاريخية، اعتبر جان بيار ليفي من معهد «هاريس إنتراكتيف»، أن «تبدلاً عميقاً قد حصل في علاقة الفرنسيين مع حزب التجمع الوطني» الذي يطرح نفسه الآن حزب المعارضة الأول في مجلس النواب. ووصف الخبير السياسي جان - إيف كامو تقدم الحزب المذكور بـ«الصاروخي» ذلك أن حضوره لم يعد مقتصراً على «المناطق المؤيدة له، بل إنه تغلغل إلى مناطق ودوائر جديدة، وهو ما تعكسه الخريطة السياسية بحيث لم يعد محصوراً في الأرياف بل بات موجوداً في المدن الصغرى والمتوسطة. أما الخبير باسكال بيرينو فقد اعتبر أن «التجمع الوطني يتحول رويداً رويداً إلى حزب يتمتع بجذور محلية (...) وقد أصبح حامل لواء الانقسامات في المجتمع والمناطق».
تغييرات مارين لوبن
حقيقة الأمر أن القفزة الاستثنائية التي حققها «التجمع الوطني» تعود بالدرجة الأولى إلى سياسة «التطبيع» التي تنتهجها مارين لوبن لتغيير صورة حزبها، وطمس ما كان ينفر جميع الفرنسيين منه. وهي بذلك تفعل عكس ما فعله والدها جان ماري لوبن، أحد مؤسسي «الجبهة الوطنية» التي غيرت اسمها وأداءها وجددت كوادرها وركزت على المشاكل الحياتية للفرنسيين بدل المسائل الآيديولوجية. وها هي اليوم تطرح نفسها كالمعارضة الأولى لعهد ماكرون، مطالبة بنيابة رئاسة المجلس النيابي وبرئاسة اللجنة المالية وبكل ما يتيحه لها وضع حزبها كأكبر أحزاب المعارضة.
لقد تعلمت لوبن أن تبتسم وأن تتحدث بهدوء واتزان، ولكن من غير أن تغير شيئا في المفاهيم التي يدافع عنها حزبها الذي يبقى يمينياً متطرفاً معاديا للأجانب وللمهاجرين، ومندداً بالتطرف الإسلامي وبتراجع الأمن في البلاد وفشل الحكومات المتعاقبة في التصدي للهجرات غير الشرعية.
بل لعل مارين لوبن استفادت من وجود إريك زيمور، المرشح الرئاسي اليميني والشعبوي السابق الذي يتجاوزها في تطرفه ومواقفه بحيث إنها بدت «معتدلة» إلى جانبه. ورأى جيل إيفالدي، الخبير في برنامج التجمع الوطني الاقتصادي في المركز الوطني للبحث العلمي، في مقابلة إذاعية، أن ثمة ثلاثة تفسيرات لتقدم الحزب المتطرف: أولاها تنظيمه حملة خفية وبعيدة عن الأضواء ركزت على مواضيع تقع في صلب اهتمامات الفرنسيين مثل القدرة الشرائية والغلاء وما إلى ذلك، وثانيها اعتماد استراتيجية لمواجهة «شيطنته»، وثالثها اعتماده على كوادر جديدة تمكنت من ترسيخ وجودها المحلي.
لقد سعت لوبن إلى تقديم نفسها على أنها «مرشحة الشعب مقابل مرشح النخبة» (أي ماكرون) و«مرشحة فرنسا مقابل مرشح العولمة». والخلاصة أن «التجمع الوطني» أفلح في بلوغ هدفه الأول أي أن يتحول إلى حزب كبقية الأحزاب، وأن يخرج من التهميش... فيصبح لاعباً رئيساً على الخريطة السياسية، الأمر الذي سيضع عقبة كبيرة بوجه إيمانويل ماكرون. وإذا أضيف إلى ذلك وجود كتلة «الاتحاد الشعبي الجديد»، وخصوصاً نواب حزب ميلونشون «فرنسا المتمردة»، فهذا السيناريو كفيل بتحويل البرلمان إلى ساحة حرب دائمة بين مجموعتين، رئاسية من جهة ومعارضة من جهة أخرى، لا شيء يجمع بينهما.
عودة إلى الجمهورية الرابعة
ما يميز الجمهورية الرابعة في فرنسا عن تابعتها أن السلطة الحقيقية في الأولى كانت موجودة في البرلمان، الذي كان يقيم الحكومات ويسقطها بوتيرة مرتفعة. في حين أن مركز السلطة والقرار في الجمهورية الخامسة واقع في رئاسة الجمهورية.
خسارة ماكرون الآن للأكثرية المطلقة تفقده هذه السلطة إلى حد بعيد وتضعف موقعه في الداخل - والأرجح في الخارج أيضاً - وتحول عهده إلى عهد من المساومات المتواصلة بحثا عن أكثرية تقبل الوقوف إلى جانبه والتصويت لصالح مشاريع القوانين التي ستتقدم بها حكوماته المتعاقبة.
خلال السنوات الخمس المنقضية، مارس ماكرون الحكم «عمودياً»، بمعنى أن التوجيهات التي كان يطرحها كانت تترجم مشاريع قوانين تنقلها الحكومة إلى المجلس النيابي، الذي يتمتع بالكلمة الفصل في حال خلافه مع مجلس الشيوخ.
في المجلس الأول كان ماكرون يتمتع بأكثرية كاسحة لم تخذله مرة واحدة بل صوتت دائماً لصالحه. أما في المجلس الجديد، فإن الأمور ستختلف جذريا. إذ قال دومينيك روسو، أستاذ القانون الدستوري في جامعة بانثيون - سوربون لوكالة الصحافة الفرنسية: «ليس هناك تجديد لرئاسة قوية جدا» كما في ولاية ماكرون الأولى بل إن الولاية الجديدة «ستغلب عليها مفاوضات وتسويات برلمانية. لم يعد الأمر حكم رجل مهيمن إنما رئيس يعاني من نقص في الغالبية في الجمعية الوطنية». وخلاصته «نحن نتجه نحو ولاية سيعاد فيها تأهيل دور البرلمان. هذه هي ممارسة كل الدول الأوروبية الأخرى».
من جهة ثانية، يتعين على الرئيس الفرنسي الآن حل إشكاليتين مترابطتين: الأولى، أن يغير أسلوبه في الحكم الذي كان في الأغلب أحاديا وفوقياً، فيقبل أن تكون للمعارضة رؤيتها في إدارة شؤون فرنسا وللحلول المقترحة لمشاكلها. والإشكالية الثانية تتناول تعيين الجهة التي سيتمكن من التعاون معها للتغلب على عقبة افتقاره للأكثرية المطلقة.
منذ صبيحة الثلاثاء أطلق ماكرون، ليومين، جولة استشارات موسعة مع مختلف الأحزاب، لإيجاد حل مقبول لمعادلة تبدو عصية على الحل. وفُهم من تصريحات الذين التقاهم أن أحد السيناريوهات التي يفكر بها تشكيل «حكومة اتحاد وطني». غير أن هذا الخيار أجهضه، كل من جانبه، ولقي رفضا من كل الأطراف. ولكن وزير شؤون البرلمان أوليفيه فيران سارع إلى القول إن فهمه للمشروع الرئاسي هو أنه لا يشمل «التجمع الوطني» ولا حزب «فرنسا المتمردة» لأنهما في نظره «لا ينتميان إلى القوس الجمهوري» بسبب تطرفهما. ومن جانبه، دعا إدوار فيليب، رئيس الحكومة الأسبق، إلى بناء «أوسع تحالف» من شأنه توفير «إدارة مستقرة» لشؤون البلاد. وهو ما نادى به أيضاً - ولو بعبارات مختلفة - فرنسوا بايرو، رئيس حزب «الحركة الديمقراطية». وللعلم، فيليب وبايرو حليفان لماكرون وحزباهما جزء من كتلته السياسية «معاً». ومع استبعاد اليمين المتطرف واليسار المتشدد لا يبقى في الميدان أمام ماكرون سوى مجموعة نواب اليمين الكلاسيكي من التابعين لحزب الجمهوريين، وتضم هذه المجموعة مع حليفها «اتحاد الديمقراطيين والمستقلين» 64 نائبا.
الساعات القليلة الماضية
خلال الساعات القليلة الماضية، كانت الاتصالات على أشدها لمحاولة إيجاد مخارج للأزمة السياسية التي يمكن أن تتحول إلى أزمة مؤسسات ونظام. ويبدو اليوم بوضوح أن أمام الرئيس ماكرون احتمالين لا ثالث لهما: إما أن ينجح في إقناع مجموعة نواب اليمين الكلاسيكي بالدخول مع تكتله في ائتلاف حكومي يجري التفاوض على شروطه بين الطرفين، على غرار ما هو حاصل في ألمانيا مثلا، بحيث يكون الرابط بين المجموعتين الالتزام بمضمون الاتفاق... أي السياسات التي ستنفذها الحكومة للسنوات الخمس القادمة. إلا أن التوصل إلى اتفاق كهذا له ثمن على ماكرون دفعه إن عن طريق توزير شخصيات من الجمهوريين أو عن طريق الانفتاح على قبول التعديلات التي يطرحها شريكه المفترض على السياسات الحكومية. والحل الثاني يقوم على السعي لإيجاد أكثرية متحركة أو متغيرة وفق الحاجة، إن لدى اليمين أو اليسار، وبحسب مشاريع القوانين المعروضة.
وفي هذا السياق، يمكن تصور أن نواب حزب الجمهوريين أو الحزب الاشتراكي، أو حتى «الخضر» - الذين يتمتعون بثقافة الحكم الذي مارسوه لسنوات - يمكن أن يقبلوا التصويت لصالح مشاريع قوانين محددة تقترحها الحكومة إذا وجدوا أنها تتوافق مع توجهاتهم. وبكلام آخر، ستكون الحكومة مضطرة في جميع مشاريعها، إلى التفاوض والمهادنة، وأن تتوجه أحياناً إلى نواب اليمين وأحياناً أخرى إلى نواب اليسار... كما فعل رئيس الحكومة الاشتراكي الأسبق ميشال روكار ما بين العامين 1988 و1991.
ليل الأربعاء - الخميس، توجه ماكرون بكلمة متلفزة للفرنسيين بعد أن أنجز مشاوراته مع مختلف الأحزاب. وخلاصة ما جاء فيها ثلاثة أمور:
- الأول، دعوة القوى السياسية لتحمل مسؤولياتها وقبول التوصل إلى «حلول وسط» للخروج من الأزمة.
- الثاني، طرح المخارج الممكنة، وهي ثلاثة: تشكيل حكومة وحدة وطنية وقد استبعده، أو التوصل إلى إنشاء ائتلاف حكومي، وآخرها «العمل على القطعة» أي القبول على التصويت الإيجابي على مشاريع قوانين محددة وعلى الميزانية وغير ذلك.
- الثالث، أعطى ماكرون القوى السياسية مهلة 48 ساعة للرد عليه معترفا بالحاجة «للعمل بشكل مختلف» عما حصل في السنوات الماضية. لكنه نبه، في الوقت عينه، إلى عزمه «عدم فقدان تماسك المشروع» الذي حمله مجددا إلى رئاسة الجمهورية، بمعنى أنه سيتعين على القوى الأخرى الالتحاق به لأن تكتله يشكل القوة الأولى في البرلمان الجديد.
الرد جاء سريعاً وفاتراً على المقترح الرئاسي، ولم يعرب أحد عن استعداده للمشاركة في ائتلاف حكومي، بينما لم يغلق الباب أمام التعاون حول مشاريع قوانين معينة انطلاقا من مبدأ المحافظة على مصلحة الفرنسيين. وحتى الساعة، تبدو الصورة ضبابية. إذ بغض النظر عن أقصى طرفي الخريطة السياسية - أي «التجمع الوطني» و«فرنسا المتمردة» - ثمة مواقف تبدو قابلة للتبدل. فداخل مجموعة نواب الجمهوريين، هناك خطان، الأول رافض للدخول في ائتلاف حكومي مع ماكرون، والثاني راغب فيه رغم أن الموقف «الرسمي» للحزب المذكور يقول إنه «معارض»، وأنه «لن يشكل سترة نجاة» لرئيس الجمهورية. الخط الميال للتعاون يشدد على أن مواقف الطرفين السياسية والاقتصادية والأمنية ليست متباعدة. وكانت رئاسة الحكومات الماكرونية المتعاقبة في أيدي اليمين، ثم إن أبرز وزيرين في حكومته الحالية - وهما وزيرا الاقتصاد والمالية برونو لومير وجيرالد درامانان - كانا عضوين في حزب الجمهوريين قبل أن يجتذبهما ماكرون. وثمة وزراء آخرون جاءوا أخيراً من اليمين إلى حضن ماكرون أشهرهم داميان آباد، وزير شؤون المُعاقين الذي كان رئيس مجموعة النواب الجمهوريين في البرلمان السابق.


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».