«السيمبسونز»: بين الصدفة الصائبة وفريقٍ من الكتّاب المتنوّرين

لغز توقعات «العائلة الصفراء»

مسلسل «عائلة سيمبسون» هو الأطول في تاريخ الـ«سيتكوم» الأميركي
مسلسل «عائلة سيمبسون» هو الأطول في تاريخ الـ«سيتكوم» الأميركي
TT

«السيمبسونز»: بين الصدفة الصائبة وفريقٍ من الكتّاب المتنوّرين

مسلسل «عائلة سيمبسون» هو الأطول في تاريخ الـ«سيتكوم» الأميركي
مسلسل «عائلة سيمبسون» هو الأطول في تاريخ الـ«سيتكوم» الأميركي

يحب الناس الغامض والغريب، يجذبهم. وما ارتفاع نسبة مشاهدة برامج التوقّعات في بعض البلاد العربية مؤخراً، سوى انعكاسٍ لذلك الانجذاب. لكن أن تأتي التوقّعات من شخصياتٍ كرتونيّة كوميديّة وأن تَصدُق، فهنا يكمن اللغز الأكبر.
مسلسل «عائلة سيمبسون» يتوقع فوز دونالد ترمب في الانتخابات الأميركية. «عائلة سيمبسون» تتنبّأ بجائحة «كورونا»... وغير ذلك من الأحداث العالمية التي جرى التلميح إليها أو ذكرها بوضوح في البرنامج، فتحوّلت إلى حقائق بعد أسابيع أو حتى سنوات من بثّها.
لكن إلى أي مدى يصحّ توصيف «الظاهرة السيمبسونية» بالتنبّؤات؟ وما الحدّ الفاصل بين الجدّ والمزاح؟
في واحدة من حلقات الموسم الـ11 من المسلسل، وتحديداً خلال سنة 2000، ذكرت إحدى الشخصيات الرئيسية أنه يجب إصلاح أزمة الميزانية التي تَسبب بها دونالد ترمب خلال ولايته الرئاسية. بعد 16 عاماً على تلك الحلقة، دخل ترمب رئيساً إلى البيت الأبيض. عندئذٍ اتجهت الأنظار فوراً إلى أرشيف الـ«سيمبسونز»، وبدأ الحديث عن تنبؤاتهم يكبر حجماً ويتّسع انتشاراً.
وقد تَزامن ذلك مع تَراجع في شعبيّة المسلسل بعد 27 عاماً من العرض المتواصل. فأتى الحديث عن التنبؤات والتوقّعات، لا سيّما من عشّاق «السيمبسونز»، ليُنعش برنامجاً كان قد بدأ يفقد وهجه.
ثم حلّت جائحة «كورونا» على العالم سنة 2019، ليتّضح أنّ البرنامج كان قد تطرّق إلى سيناريو مُشابِه عام 1993 عندما ضربت حمّى «أوساكا» مدينة «سبرينغفيلد» حيث يعيش «السيمبسونز»، بعد دخول طَردٍ موبوء إليها.

فريق من الكتّاب «المتنوّرين»
ليس الـ«سيمبسونز» عرّافين ولا عالِمي غَيب ولا سحَرة، ولا هُم نوستراداموس العصر الحديث. يرفض مُعدّو المسلسل وكتّابه هذه النظريّة، ولا يريدون لعملهم أن يرتدي طابع الشعوذة. لكن ما هو مصدر رؤيويّتِهم تلك، وكيف تَحقّق عددٌ لا بأس به من توقّعاتهم؟
يقف وراء مسلسل الرسوم المتحرّكة الأميركي الأوّل، فريقٌ من الكتّاب المتضلّعين في مجالات العلوم والفنون والآداب كافة. واللافت أنّ معظمهم متخصصٌ في الرياضيات، وعلوم الكومبيوتر، والفيزياء، والكيمياء... لديهم ما يكفي من البصيرة وحسّ النقد، إلى جانب أبحاثهم وإحصاءاتهم ومواكبتهم الدائمة لمجريات الأحداث. يساعد كل ذلك في تكوين رؤية مستقبليّة صائبة يقدّمها فريق كتّاب «عائلة سيمبسون» ضمن إطار كوميدي ساخر، فيشاركون المشاهدين رؤيتهم للحاضر والمستقبل، بناءً على تجاربهم ومتابعتهم ليوميات الولايات المتحدة والعالم.
في كتابه «السيمبسونز والفلسفة»، يقول ويليام إروين إنّ «البرنامج هو من صناعة أدمغة لامعة، تملأه بالإشارات إلى الفن والأدب والسياسة والعلوم. وليس مستغرباً بالتالي أن ينتج عن ذلك بعض التوقعات المدهشة».
وفي المقابلات التي أُجريت معهم، يحاول كتّاب المسلسل تبسيط الأمر والتخفيف من وطأته. يكادون يُجمعون على كلمة «صدفة» لتفسير ما يجري. يفضّلونها على كلمة «تنبّؤات». ويصل مبتكر «السيمبسونز»، مات غرونينغ، إلى حدّ السخرية من الموضوع قائلاً: «نبتكر النكات الأكثر غرابة واستحالة وسخافة، ليتّضح لنا لاحقاً أنّ مخيّلتنا ليست على قدرٍ كبير من الخيال!».
تعليقاً على الحلقة التي توقّعت وصول ترمب إلى سدّة الرئاسة، يقول آي جين، وهو أحد أبرز كتّاب المسلسل، إنّ «الموضوع لم يأتِ من فراغ». ينظر إلى الأمر ببساطة غيرَ آبهٍ بالضجّة التي أثيرت حوله، مذكّراً بأنّ المشهد بُثّ عام 2000 أي بعد أشهُر قليلة من إعلان ترمب رغبته في خوض السباق الرئاسي يوماً ما. أما كاتب تلك الحلقة الشهيرة فعلّق مرّة بالقول: «إذا رميت الكثير من السهام، لا بدّ من أن تصيب بعض الأهداف».

يلعب العنصر الزمني دوراً كبيراً في تعزيز ظاهرة التنبّؤات. فالمسلسل التلفزيوني الذي انطلق على شبكة «فوكس» سنة 1989 راكَمَ حتى اللحظة 33 موسماً وأكثر من 725 حلقة وهو أطول مسلسل في تاريخ الـ«سيتكوم» الأميركي. وقد ساهم هذا الكمّ الضخم من المحتوى في تحوّل بعض السيناريوهات الخياليّة إلى أحداثٍ واقعيّة.
وفي هذا السياق، يوضح بيل أوكلي، أحد كتّاب المسلسل: «نادرة هي المرّات التي تنبّأ فيها السيمبسونز بشيء. هي إجمالاً محض صدفة، لأنّ معظم الحلقات قديمة إلى درجة يصحّ فيها القول إن التاريخ يعيد نفسه». ويضيف أوكلي أنّ «أكثرية تلك الحلقات مبنيّة على أحداث حصلت في الستينات والسبعينات والثمانينات».

أبرز تنبّؤات العائلة الصفراء
إلى جانب رئاسة ترمب وجائحة كوفيد، تَناوب أفراد «عائلة سيمبسون» (الأب هومر، الأم مارج، الأولاد بارت وليزا وماغي) على توقّعاتٍ شملت كل المجالات، من السياسة إلى الرياضة، مروراً بالتكنولوجيا والعلوم والصحّة والبيئة والاقتصاد والفنون.
- السمكة ذات العيون الثلاث
هي أول تنبؤات «السيمبسونز» على الإطلاق. في حلقة بُثّت سنة 1990، يصطاد بارت سمكة بثلاث عيون من نهرٍ مجاور لمحطّة نوويّة. بعد 21 عاماً، ظهرت سمكة ثلاثيّة العيون في بحيرة قريبة من محطة نووية في الأرجنتين.

- أحداث 11 سبتمبر (أيلول)
في حلقة بُثّت عام 1996 حيث يزور «السيمبسونز» نيويورك، يظهر بارت أمام مُلصَق دعائي يروّج لجولات سياحية في المدينة بـ9 دولارات، وقرب الرقم 9 رَسمٌ لبُرجَي مركز التجارة العالمي على هيئة الرقم 11.
يصف آي جين تلك الحلقة بالغريبة، ولا يجد الكاتب تفسيراً للموضوع فيختصر ما جرى بالقول: «إنها صدفة مجنونة».

- التواصل عبر الفيديو
منذ سنة 1995 دخل الـvideo call إلى يوميات «السيمبسونز»، أي 15 سنة قبل الظهور الفعلي للتقنية. وقد استعانت ليزا في تلك الحلقة بعرّافة ساعدتها على التواصل مع والدتها، بواسطة شاشة فيديو مربوطة بالهاتف التقليدي.

- فضيحة «فيفا»
في إحدى حلقات عام 2014 تَحوّل هومر سيمبسون إلى حكَم في مباريات كأس العالم لكرة القدم على خلفية فضيحة فساد هزّت «فيفا»، حسب السيناريو. وكان شاهداً على فوز المنتخب الألماني ضد البرازيل. ما هي إلا أشهر قليلة حتى صدقت التوقّعات، ففازت ألمانيا واهتزّت شِباك «فيفا» فساداً.

- فضيحة ماكينات التصويت
قبيل انتخابات 2008 الرئاسية، ظهر هومر سيمبسون وهو يحاول التصويت لباراك أوباما بواسطة ماكينة التصويت الإلكتروني، فاحتُسب صوته خطأً لمنافس أوباما حينها، جون ماكين. وبعد 4 سنوات، حصلت مشكلة مماثلة في الانتخابات التي تَواجَهَ فيها أوباما وميت رومني.

تكثر التوقّعات التي صدَق فيها «السيمبسونز»، كنتائج السوبر بول، وجائحة إيبولا، وفضيحة لحوم الحصان في بريطانيا، وإفلاس اليونان، ونتائج جائزة نوبل للاقتصاد، واستحواذ شركة «ديزني» على شبكة «فوك»س، وغيرها...
في المقابل، ثمة توقّعات كثيرة لم تَصدُق، أو على الأقل لم تتحقق بعد، من بين آلاف المشاهد التي تضمّنت إيحاءات بأحداث مستقبليّة.
من جهة أخرى، لم يسلَم مسلسل «عائلة سيمبسون» من ظاهرة الأخبار المفبركة أو fake news. إذ إنّ البرنامج، وعلى عكس ما جرى تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي من صور مركّبة، لم يتنبّأ بتفجير مرفأ بيروت، ولا بالحرب الروسية الأوكرانية، ولا بمرض جدري القِردة.


مقالات ذات صلة

بعد 18 عام زواج... زوجة كيفين كوستنر تتقدم بطلب للطلاق

يوميات الشرق بعد 18 عام زواج... زوجة كيفين كوستنر تتقدم بطلب للطلاق

بعد 18 عام زواج... زوجة كيفين كوستنر تتقدم بطلب للطلاق

تقدمت كريستين باومغارتنر، الزوجة الثانية للممثل الأميركي كيفين كوستنر، بطلب للطلاق، بعد زواجٍ دامَ 18 عاماً وأثمر عن ثلاثة أطفال. وذكرت صحيفة «ديلي ميل» البريطانية أن الانفصال جاء بسبب «خلافات لا يمكن حلُّها»، حيث تسعى باومغارتنر للحضانة المشتركة على أطفالهما كايدين (15 عاماً)، وهايس (14 عاماً)، وغريس (12 عاماً). وكانت العلاقة بين كوستنر (68 عاماً)، وباومغارتنر (49 عاماً)، قد بدأت عام 2000، وتزوجا عام 2004.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
يوميات الشرق متحف «المركبات» بمصر يحيي ذكرى الملك فؤاد الأول

متحف «المركبات» بمصر يحيي ذكرى الملك فؤاد الأول

افتتح متحف المركبات الملكية بمصر معرضاً أثرياً مؤقتاً، اليوم (الأحد)، بعنوان «صاحب اللقبين فؤاد الأول»، وذلك لإحياء الذكرى 87 لوفاة الملك فؤاد الأول التي توافق 28 أبريل (نيسان). يضم المعرض نحو 30 قطعة أثرية، منها 3 وثائق أرشيفية، ونحو 20 صورة فوتوغرافية للملك، فضلاً عن فيلم وثائقي يتضمن لقطات «مهمة» من حياته. ويشير عنوان المعرض إلى حمل فؤاد الأول للقبين، هما «سلطان» و«ملك»؛ ففي عهده تحولت مصر من سلطنة إلى مملكة. ويقول أمين الكحكي، مدير عام متحف المركبات الملكية، لـ«الشرق الأوسط»، إن المعرض «يسلط الضوء على صفحات مهمة من التاريخ المصري، من خلال تناول مراحل مختلفة من حياة الملك فؤاد».

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق وضع تسلسل كامل لجينوم «اللبلاب» المقاوم لتغير المناخ

وضع تسلسل كامل لجينوم «اللبلاب» المقاوم لتغير المناخ

قام فريق بحثي، بقيادة باحثين من المعهد الدولي لبحوث الثروة الحيوانية بكينيا، بوضع تسلسل كامل لجينوم حبة «فول اللبلاب» أو ما يعرف بـ«الفول المصري» أو «الفول الحيراتي»، المقاوم لتغيرات المناخ، بما يمكن أن يعزز الأمن الغذائي في المناطق المعرضة للجفاف، حسب العدد الأخير من دورية «نيتشر كومينيكيشن». ويمهد تسلسل «حبوب اللبلاب»، الطريق لزراعة المحاصيل على نطاق أوسع، ما «يجلب فوائد غذائية واقتصادية، فضلاً على التنوع الذي تشتد الحاجة إليه في نظام الغذاء العالمي».

حازم بدر (القاهرة)
يوميات الشرق «الوثائقية» المصرية تستعد لإنتاج فيلم عن «كليوباترا»

«الوثائقية» المصرية تستعد لإنتاج فيلم عن «كليوباترا»

في رد فعل على فيلم «الملكة كليوباترا»، الذي أنتجته منصة «نتفليكس» وأثار جدلاً كبيراً في مصر، أعلنت القناة «الوثائقية»، التابعة لـ«الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية بمصر»، اليوم (الأحد)، «بدء التحضير لإنتاج فيلم وثائقي عن كليوباترا السابعة، آخر ملوك الأسرة البطلمية التي حكمت مصر في أعقاب وفاة الإسكندر الأكبر». وأفاد بيان صادر عن القناة بوجود «جلسات عمل منعقدة حالياً مع عدد من المتخصصين في التاريخ والآثار والأنثروبولوجيا، من أجل إخضاع البحوث المتعلقة بموضوع الفيلم وصورته، لأقصى درجات البحث والتدقيق». واعتبر متابعون عبر مواقع التواصل الاجتماعي هذه الخطوة بمثابة «الرد الصحيح على محاولات تزييف التار

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق مؤلفا «تحت الوصاية» لـ«الشرق الأوسط»: الواقع أصعب مما طرحناه في المسلسل

مؤلفا «تحت الوصاية» لـ«الشرق الأوسط»: الواقع أصعب مما طرحناه في المسلسل

أكد خالد وشيرين دياب مؤلفا مسلسل «تحت الوصاية»، أن واقع معاناة الأرامل مع «المجلس الحسبي» في مصر: «أصعب» مما جاء بالمسلسل، وأن بطلة العمل الفنانة منى زكي كانت معهما منذ بداية الفكرة، و«قدمت أداء عبقرياً زاد من تأثير العمل». وأثار المسلسل الذي تعرض لأزمة «قانون الوصاية» في مصر، جدلاً واسعاً وصل إلى ساحة البرلمان، وسط مطالبات بتغيير بعض مواد القانون. وأعلنت شركة «ميديا هب» المنتجة للعمل، عبر حسابها على «إنستغرام»، أن «العمل تخطى 61.6 مليون مشاهدة عبر قناة (DMC) خلال شهر رمضان، كما حاز إشادات عديدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي». وكانت شيرين دياب صاحبة الفكرة، وتحمس لها شقيقها الكاتب والمخرج خالد د

انتصار دردير (القاهرة)

أسئلة النصّ المسرحي في ورشة تميل إلى الحوار

حيث تبقى الكلمة ممكنة مهما اشتدَّ الخارج (الشرق الأوسط)
حيث تبقى الكلمة ممكنة مهما اشتدَّ الخارج (الشرق الأوسط)
TT

أسئلة النصّ المسرحي في ورشة تميل إلى الحوار

حيث تبقى الكلمة ممكنة مهما اشتدَّ الخارج (الشرق الأوسط)
حيث تبقى الكلمة ممكنة مهما اشتدَّ الخارج (الشرق الأوسط)

شكَّل حوارٌ مسرحيّ من أسئلة طُرِحت وأخرى تكوَّنت من التجربة الشخصية، ورشةَ «صياغة نصّ مسرحي» التي نظَّمها «مسرح المونو» بالتعاون مع «المسرح الملكي في لندن». حوارٌ يندرج ضمن سلسلة لقاءات أسبوعية يحرص المسرح على استضافتها، في محاولة لترسيخ حضور ثقافي يتغلَّب على وطأة الحرب وثقل أخبار الخراب.

الورشة التي قدَّمتها الكاتبة المسرحية والدراماتورغ والمخرجة البريطانية، بيث فلينتوف، اتخّذت من الأسئلة نقطة انطلاق. منذ اللحظة الأولى، وضعت المشاركين أمام جوهر الكتابة، فسألتهم أيّ نوع من المسرح يُثيرهم، وأيّ حكاية يريدون سردها؟ أسئلة كشفت عن بنى تفكير متشابكة؛ إذ انحاز الحضور إلى مسرح يُقلق، ومسرح يتوغَّل في الداخل، فيُحاكي ثنائية الجسد والروح، ويتناول العبث والوجود والمناطق الرمادية التي يختلط فيها الحقيقي بالمتخيَّل.

مكان يراهن على الثقافة حين يثقل الواقع بما يكفي (الشرق الأوسط)

هذا التوجُّه انعكس في المداخلات التي لم تكتفِ بوصف رغبات جمالية، فلامست قضايا الظلم والسخرية السوداء والدورات النفسية المُغلقة، حيث تتكرَّر الأحداث كأنها عالقة في دوّامة بلا نهاية. من الإجابات، بدا أنّ المشاركين يميلون إلى تجاوز الحكاية التقليدية، متّجهين نحو تفكيك بنيتها وإعادة صياغتها وفق تصوّرات مغايرة.

ضمن هذا السياق، جاءت مداخلة فلينتوف أقرب إلى إدارة حوار جماعي منها إلى تقديم محاضرة بالمعنى التقليدي. استمعت إلى الحضور بانتباه وطرحت أسئلة إضافية تُعزّز النقاش، أكثر مما قدَّمت نموذجاً تعليمياً مُتكاملاً حول كيفية كتابة النصّ المسرحي. تحدّثت عن الفكرة التي تنشأ في الداخل وعن حاجة غامضة تدفع الكاتب إلى إخراج ما يختلج فيه، مشيرةً إلى ضرورة التقاط هذه البذرة الأولى من دون الإفراط في تحليل مسارها أو محاولة ضبط نهاياتها مُسبقاً.

خرائط للسرد... والتجربة الشخصية تبقى المرجع (الشرق الأوسط)

هذا المنحى التفاعلي على أهميته ترك انطباعاً بأنّ الورشة مالت إلى العموميات أكثر مما اقتربت من أدوات الكتابة في ذاتها. فبين طرح الأسئلة وتبادل الأفكار، كان ثمة توقُّع بالحصول على مفاتيح أوضح لبناء النصّ المسرحي لجهة البنية وتطوّر الشخصيات وإيقاع المشهد. تصويبات فلينتوف جاءت دقيقة في بعض اللحظات، وكذلك نصائحها، لكنها ظلَّت موزَّعة ضمن سياق حواري مفتوح، أكثر من ضبطها بإطار منهجي متماسك.

اللافت في العرض البصري الذي رافق الورشة، أنه حاول رسم خريطة لأنماط الكتابة المسرحية، بين تقليدية وتجريبية. جرى التوقُّف عند نماذج تعتمد زمناً مغلقاً ومكاناً واحداً، حيث يتكثَّف الصراع ضمن مساحة محدودة، مقابل نماذج أخرى تنفتح على تعدُّد الأزمنة والأمكنة، وتسمح بتشظّي السرد. كما برزت مقاربات أكثر راديكالية، تعتمد تفكيك البنية بالكامل، سواء عبر نصوص مجزّأة أو أعمال تتخلَّى عن الشخصية على أنها المحور الأساسي للحكاية.

تفاصيل تُبنى منها ملامح نصّ (الشرق الأوسط)

بدت هذه الإشارات، رغم اختصارها، كأنها تدعو إلى التفكير في شكل المسرح أكثر من محتواه، وفي علاقته بالزمن تحديداً. بالزمن الذي يسير إلى الأمام، أو يتكسّر، أو يُعيد نفسه في حلقات متكرّرة. وهو طرحٌ يتقاطع مع ما عبَّر عنه المشاركون، الذين بدوا ميّالين إلى مسرح يكسر الخطّ المستقيم للحكاية، ويستبدل به مسارات مُتداخلة تعكس تعقيد التجربة الإنسانية.

وسط هذا النقاش، تبرز أهمية المبادرة التي يقودها «مسرح المونو» الذي يواصل، عبر ورشاته الأسبوعية، خَلْق مساحة لقاء بين كتّاب أو مخرجين ومهتمّين بالمسرح، في وقت تتكثَّف فيه الحاجة إلى منصّات تسمح بالتفكير الجماعي وتبادل الخبرات. وهذا أحد أدوار المسرح في الشدائد، فيسعى إلى حماية الحضور الثقافي للمدينة في مواجهة صوت الصاروخ وصورة الدمار.

أفكار على الشاشة وأسئلة تتكوّن في القاعة (الشرق الأوسط)

نجحت ورشة فلينتوف، بما حملته من تفاعل وأسئلة، في تحريك النقاش حول الكتابة المسرحية، وإنْ بقيت بعض جوانبها في إطار الإضاءة العامة. التجربة توزَّعت بين ما طُرح وما ظلَّ معلقاً، فتركت أثرها في تحفيز مزيد من الاشتغال، وأكدت أنّ الكتابة المسرحية تنطلق في أساسها من سؤال بلا إجابة نهائية.


الحقيقة خلف «جنون البدر»... هل فعلا يحرّك القمر مشاعرنا؟

يرتفع القمر بدراً خلف تماثيل الملائكة في كاتدرائية القديس إسحاق في سانت بطرسبرغ، روسيا (أ.ب)
يرتفع القمر بدراً خلف تماثيل الملائكة في كاتدرائية القديس إسحاق في سانت بطرسبرغ، روسيا (أ.ب)
TT

الحقيقة خلف «جنون البدر»... هل فعلا يحرّك القمر مشاعرنا؟

يرتفع القمر بدراً خلف تماثيل الملائكة في كاتدرائية القديس إسحاق في سانت بطرسبرغ، روسيا (أ.ب)
يرتفع القمر بدراً خلف تماثيل الملائكة في كاتدرائية القديس إسحاق في سانت بطرسبرغ، روسيا (أ.ب)

«لا بد أنه القمر المكتمل (Full Moon)». كم مرة نستخدم هذه العبارة عندما نواجه سائقين متهورين أو تقلبات في المزاج أو سلوكيات غريبة أو ارتفاع الحوادث.

فلطالما ارتبط اكتمال القمر بالخرافات والسلوكيات الغريبة. وتعود هذه الفكرة إلى القرن الأول، حين افترض الفيلسوف اليوناني أرسطو والمؤرخ الروماني بليني الأكبر أن اكتمال القمر يسبب الجنون. وفي الواقع، كلمة «مجنون» (lunatic) بالإنجليزية مشتقة من الكلمة اللاتينية «lunaticus» التي تعني «من القمر» أو «متأثر بالقمر».

لكن مع تطور الأبحاث العلمية، يزداد الجدل حول حقيقة تأثير القمر على الإنسان، وما إذا كان هذا الارتباط حقيقياً أم مجرد وهم نفسي متوارث.

ويستعرض تقرير نشره موقع «فيريويل مايند» ما يقوله العلم عن تأثير القمر، ولماذا لا تزال هذه الفكرة راسخة في أذهان الكثيرين.

في الواقع، قد يكون أي «تأثير» للقمر مرتبطاً بأسلافنا. لكن أهميته الكبيرة في بعض الممارسات والطقوس الروحية، القديمة والحديثة، إضافة إلى ارتباطه بالفولكلور والأساطير والحكايات الشعبية، تعني أنه رغم ما تقوله العلوم، لا يزال البعض يختار الإيمان بقوة القمر.

مصدر الأسطورة

في فرضية قديمة تعود إلى قرون، اعتقد أرسطو وبليني الأكبر أن الدماغ، لكونه رطباً، قد يتأثر بالقمر كما تتأثر مياه الأرض به. واعتقدا أن القمر قادر على التسبب في الجنون أو الصرع.

كما تناول بعض المفكرين المعاصرين هذه الفكرة. فقد بحث الطبيب النفسي أرنولد ليبر هذا الاعتقاد في كتابيه «تأثير القمر: المدّ البيولوجي والعواطف البشرية» (1978) و«كيف يؤثر القمر عليك».

واقترح ليبر أن جسم الإنسان، الذي يتكون بنحو 70 في المائة من الماء، يتعرض لتغيرات تشبه المد والجزر تبعاً لمراحل القمر، كما يحدث في محيطات الأرض. وادعى أن معدلات القتل والانتحار والاعتداءات الشديدة وحالات الطوارئ النفسية وحوادث السير المميتة ترتفع بشكل كبير خلال البدر.

ورغم أن هذه النظرية قد تبدو منطقية في البداية، فإن الخبراء سارعوا إلى رفضها. فقد بيّنت إحدى الدراسات أن قوة جاذبية الأرض أقوى بـ5012 مرة من جاذبية القمر، وأن تأثير القمر لا يتجاوز وزن برغوث. وبينما ينظم القمر المد والجزر في المسطحات المائية الكبيرة، فإن تأثيره على كوب ماء أو حوض استحمام أو جسم الإنسان يُعد ضئيلاً للغاية.

وقد خلص علماء الفلك والفيزياء وعلم النفس إلى أن سلوك الإنسان لا يرتبط بمراحل القمر.

وفي عام 1985، أجرى باحثون تحليلاً شمل 37 دراسة قارنت بين دورات القمر ومعدلات مكالمات مراكز الأزمات والانتحار والجرائم والمشكلات النفسية، وأظهرت النتائج عدم وجود أي علاقة بين البدر وزيادة هذه الحالات.

كما أكدت دراسات حديثة أخرى عدم وجود صلة بين اكتمال القمر ودخول المستشفيات أو الحالات النفسية أو السلوك العدواني. بل إن دراسة أُجريت في فنلندا وجدت أن جرائم القتل كانت أقل خلال البدر.

إذاً، لماذا تستمر هذه الخرافات رغم نفي العلم لها؟

السلوك المرتبط بالوعي القمري

عندما يستمر اعتقاد لآلاف السنين، قد يفترض الناس أن له أساساً ما. وقد أشارت مقالة إلى أن تأثير «جنون القمر» ربما نشأ لأن ضوء القمر الساطع كان يؤثر على نوم أسلافنا، ما قد يؤدي إلى قلة النوم وتغير المزاج.

واليوم، تشير بعض الأدلة إلى أن النوم قد يتأثر بدورات القمر، وهو ما قد يفسر بعض التغيرات السلوكية.

لكن كثيراً من الخبراء يرون أن الإيمان القوي بتأثير القمر هو مثال على «الارتباط الوهمي» أو «التحيز التأكيدي»، حيث يركز الناس على الأحداث التي تدعم معتقداتهم ويتجاهلون ما يخالفها.

فنحن أكثر ميلاً لملاحظة الأمور الغريبة عندما يكون القمر بدراً، وتبقى هذه الملاحظات عالقة في الذاكرة.

وتقول المعالجة النفسية إيمي مورين: «قد يكون التوقع بأن الأمور تصبح أكثر غرابة خلال البدر يتحول إلى معتقد يحقق نفسه. فقد يبدأ الناس في التصرف بشكل مختلف لأنهم يعتقدون أنهم يجب أن يفعلوا ذلك».

وسواء كان للقمر تأثير خفي على سلوك الإنسان أم لا، فإن هناك جانباً يتعلق بالوعي في طريقة تفاعل البشر مع دوراته.

الأهمية الروحية للقمر

يحمل القمر أهمية كبيرة لدى ثقافات السكان الأصليين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، كان السكان الأصليون الأوائل يعتبرون أن «الجدة القمر» تنظم المد والجزر وتراقب مياه الأرض، وكانت الأقمار الكاملة تُستخدم لتتبع مرور السنة، ولذلك تحمل أسماء مختلفة بحسب كل قبيلة. ولا تزال طقوس تكريم القمر والرقصات المرتبطة به تمثل جزءاً مهماً من العلاقة مع الطبيعة.

كما يحمل القمر أهمية روحية لدى مجموعات أخرى أيضاً. ففي علم التنجيم، يُعتقد أن دورات القمر تؤثر بشكل كبير على السلوكيات والمشاعر.

وغالباً ما يُرتبط القمر بالعقل الباطن، ويُعتقد أن «برج القمر»، المرتبط بموقعه لحظة الولادة، يكشف عن العواطف والحدس.

ويُنظر إلى التوافق الواعي مع مراحل القمر كأداة قوية للعناية الذاتية. فكل 29.5 يوم، يُكمل القمر دورة كاملة، وترتبط كل مرحلة منها بأنشطة معينة تختلف حسب الثقافات. فمثلاً، يُعتقد أن البدر وقت للتأمل، بينما يمثل القمر الجديد فرصة لتحديد الأهداف.

ورغم أن العلم دحض العديد من الأساطير المرتبطة بالقمر، لا يزال البعض متمسكاً بهذه المعتقدات.


اكتشاف سفينة حربية دنماركية أغرقها الأسطول البريطاني قبل 225 عاماً

قارب لعلماء آثار يبحر عبر ميناء كوبنهاغن في31 مارس 2026 (أ.ب)
قارب لعلماء آثار يبحر عبر ميناء كوبنهاغن في31 مارس 2026 (أ.ب)
TT

اكتشاف سفينة حربية دنماركية أغرقها الأسطول البريطاني قبل 225 عاماً

قارب لعلماء آثار يبحر عبر ميناء كوبنهاغن في31 مارس 2026 (أ.ب)
قارب لعلماء آثار يبحر عبر ميناء كوبنهاغن في31 مارس 2026 (أ.ب)

بعد مرور أكثر من 200 عام على غرقها على يد الأدميرال هوراشيو نيلسون والأسطول البريطاني، تمكّن علماء للآثار البحرية من اكتشاف سفينة حربية دنماركية في قاع ميناء كوبنهاغن، وفق ما أفادت وكالة «أسوشييتد برس».

ويسابق الغواصون الزمن، في ظل تراكمات رسوبية عميقة وانعدام الرؤية على عمق 15 متراً تحت سطح الماء، من أجل كشف حطام سفينة «دانبروج» التي تعود للقرن التاسع عشر، قبل أن تتحول إلى موقع بناء في منطقة سكنية جديدة تجري إقامتها قبالة ساحل الدنمارك.

وأعلن متحف «فايكنغ شيب» الدنماركي، الذي يقود عمليات البحث والتنقيب تحت الماء منذ أشهر، اكتشافاته، الخميس، بعد مرور 225 عاماً على وقوع معركة كوبنهاغن في عام 1801.

ويقول مورتن يوهانسن، رئيس قسم الآثار البحرية بالمتحف: «إنها تشكل جزءاً من الهوية الوطنية في الدنمارك».

مورتن يوهانسن رئيس قسم الآثار البحرية بمتحف سفن الفايكنغ في الدنمارك يعرض جزءاً من عظم الفك السفلي البشري الذي استُخرج من حطام السفينة الدنماركية الرئيسية «دانبروغ» التي غرقت خلال معركة كوبنهاغن عام 1801 في كوبنهاغن بالدنمارك 31 مارس 2026 (أ.ب)

ويوضح يوهانسن أن هناك الكثير الذي كُتب عن المعركة «من جانب أشخاص شديدي الحماس، لكننا في الواقع لا نعرف كيف كان شعور الوجود على متن سفينة تتعرض للقصف حتى دمرتها السفن الحربية الإنجليزية تماماً، وربما يمكننا التعرف على بعض تفاصيل تلك القصة من خلال رؤيةِ ما تبقّى من حطامها».

وشهدت معركة كوبنهاغن هجوم نيلسون والأسطول البريطاني على «البحرية» الدنماركية وهزيمتها.

وأسفرت الاشتباكات البحرية الوحشية التي استمرت ساعات، والتي تُعد واحدة من «المعارك الكبرى» التي خاضها نيلسون، عن مقتل وإصابة الآلاف.

وكان الهدف منها هو إخراج الدنمارك من تحالف لقوى شمال أوروبا، كان يضم روسيا وبروسيا والسويد.

ومن المقرر أن تجري قريباً إحاطة موقع الحفر بأعمال بناء لصالح مشروع «لينيتهولم» الضخم، لإقامة منطقة سكنية جديدة في وسط ميناء كوبنهاغن.