«توكلنا» تحصد جائزة الأمم المتحدة للخدمة العامة

المنظومة سهلت التعاملات وسرعت عملية الحوكمة الرقمية

من حفل إعلان فوز منظومة «توكلنا» بالجائزة (واس)
من حفل إعلان فوز منظومة «توكلنا» بالجائزة (واس)
TT

«توكلنا» تحصد جائزة الأمم المتحدة للخدمة العامة

من حفل إعلان فوز منظومة «توكلنا» بالجائزة (واس)
من حفل إعلان فوز منظومة «توكلنا» بالجائزة (واس)

تسعى السعودية إلى تطوير الحوكمة الرقمية عبر برنامج التحول الوطني التابع لرؤية 2030، عبر إطلاقها العديد من الخدمات الهادفة إلى تسريع عملية التحول الرقمي في البلاد، لتسهيل الحياة العامة للمواطنين، وزيادة جودة الخدمات المقدمة من جميع الجهات الخدمية.
وتعد منظومة «توكلنا» رائدة التحول الرقمي في السعودية، إذ أسهمت في ربط أغلب الخدمات التي يحتاج إليها المواطن والمقيم والزائر في منصة واحدة تحقق الكفاءة الرقمية، وتسهل عمليات الربط الإلكتروني معها، كما تعد محفظة رقمية تحتوي على جميع المستندات الحكومية الرسمية، بالإضافة إلى دورها المهم في تنظيم الإجراءات الاحترازية إبان الجائحة في فترة انتشار فيروس «كورونا».
وحصلت المنظومة منذ إطلاقها في 2020 على العديد من الجوائز من جميع أنحاء العالم، آخرها جائزة الأمم المتحدة للخدمة العامة 2022، التي فازت بها أمس (الخميس)، عن فئة المرونة المؤسسية والاستجابات المبتكرة لجائحة «كوفيد-19»، وذلك في الحفل الذي نظمته الأمم المتحدة افتراضياً ضمن المنتدى السنوي لتكريم المتميزين في الخدمة العامة، دعماً لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

تعد المنظومة رائدة التحول الرقمي في السعودية (واس)

وعدّ الدكتور عبد الله الغامدي، رئيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا»، حصول المنظومة على الجائزة تتويجاً لما يحظى به القطاع التقني من دعم واهتمام غير محدودين من الحكومة، وثمرة توجيه وتمكين ولي العهد، ورئيس مجلس إدارة الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، ودعمه غير المحدود لمختلف المبادرات التي أطلقتها الهيئة، وحرصه على تعزيز التكامل الحكومي للاستفادة القصوى من البيانات والذكاء الاصطناعي.
وأشار الغامدي إلى أن «سدايا» استطاعت أن تُحقق العديد من الإنجازات على الصعيدين الوطني والعالمي، بقدراتٍ وطنية عالية التأهيل من أبنائها وبناتها الذين يمثلون الفخر الحقيقي بإنجازات وضعت المملكة في مكانها الطبيعي بمقدمة دول العالم. كما لفت النظر إلى أن هذا المنجز يعد تأكيداً لريادة المملكة ومواصلتها السير للمنافسة عالمياً، وتحقيقاً لمستهدفات رؤيتها، ويعكس المنجز ما تتمتع به «سدايا» من بنية تحتية تقنية متطورة، وذات موثوقية عالية أسهمت في تحقيقه؛ مبيناً أن تجربة تطبيق «توكلنا» منذ إطلاقه للمرة الأولى مع بداية «كورونا»، مروراً بجميع المراحل التي مرّ بها، تؤكد مهنية شباب وشابات المملكة الذين يقفون خلف كل النجاحات التي تحققت على صعيد المنظومة.
وقد أطلقت «سدايا» تطبيق «توكلنا» لمساندة الجهود الحكومية لمواجهة فيروس «كورونا»، وهدفه كان المساهمة في إدارة عملية منح التصاريح إلكترونياً خلال فترة منع التجول، وذلك لمنسوبي القطاعات الحكومية والقطاعات الخاصة، بالإضافة إلى الأفراد، ما ساعد في الحد من انتشار الفيروس في المملكة.
وخلال مرحلة «العودة بحذر» ورفع إجراءات المنع، أطلق التطبيق العديد من الخدمات الجديدة والمهمة التي أسهمت في تحقيق العودة الآمنة، أبرزها توضيح الحالة الصحية لمستخدم التطبيق في أعلى درجات الأمان والخصوصيَّة؛ كما اقتصر بعد رفع الإجراءات الاحترازية والوقائية المتعلقة بمكافحة الفيروس في المملكة، على الخدمات المتعلقة بالجائحة من إثبات الحالة الصحية للمُستخدمين والجواز الصحي، وخدمات فحص ولقاح كورونا، ومتطلبات السفر، وإدارة التصاريح اللازمة خلال عمليات التنقل.
ولا تقتصر خدمات التطبيق على الخدمات داخل السعودية، بل يمكن لمستخدمه إبراز الجواز الصحي الذي يثبت تلقيه لجرعات اللقاح بعد أن وقعت المنظومة اتفاقية مع اتحاد النقل الدولي (إياتا)، تشمل التحقق من أهلية المسافرين الصحية، حسب أفضل الممارسات الدولية لتشريعات الطيران المدني لحماية حقوق المسافرين وأصحاب المصلحة، إضافة إلى قبول منصة جواز السفر الصحي، كمبادرة لرقمنة الشهادات الصحية، من «مصادر موثوقة ومختبرات معتمدة من خلال التعاون مع شركات الطيران».
كما أطلقت «سدايا» أخيراً، تطبيق «توكلنا خدمات» أحد المنتجات النوعية للمنظومة، ليصبح المُمكّن الرقمي الموثوق والآمن لتسهيل جميع جوانب الحياة اليومية للمواطن والمقيم والزائر، بتقديم خدمات إلكترونية لهم لإنهاء أعمالهم اليومية من مكان واحد.
يُذكر أن الأمم المتحدة قد أطلقت جائزتها للخدمة العامة في عام 2003 لتشجيع الابتكارات العالمية المتميزة في مجال الخدمة العامة ودعمها ضمن المنتدى السنوي.


مقالات ذات صلة

رئيس وزراء بريطانيا يسعى لصلاحيات أكبر لتنظيم استخدام الإنترنت

أوروبا  رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر متحدثاً في «مؤتمر ميونيخ للأمن» (رويترز)

رئيس وزراء بريطانيا يسعى لصلاحيات أكبر لتنظيم استخدام الإنترنت

سيسعى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، إلى الحصول على صلاحيات أوسع لتنظيم الوصول إلى ​الإنترنت، وهو ما قال اليوم الأحد إنه ضروري لحماية الأطفال.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب والسيدة الأولى ميلانيا يودعان الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما وزوجته ميشيل لدى مغادرتهما عقب تنصيب ترمب في مبنى الكابيتول بواشنطن عام 2017 (رويترز) p-circle

ترمب يرفض الاعتذار عن فيديو يُظهر أوباما وزوجته على هيئة قردين

رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاعتذار عن مشاركته مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يُظهر الرئيس الأسبق باراك أوباما وزوجته ميشيل على هيئة قردين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الشرطة الهندية لم تتمكن بعد من تحديد اللعبة التي تسببت في ردّة الفعل العنيفة لدى الفتيات (رويترز)

بعد حرمانهن من لعبة كورية... 3 شقيقات ينتحرن بالقفز من شرفة منزلهن

لقيت ثلاث شقيقات صغيرات حتفهن في الهند، أمس الأربعاء، بعد سقوطهن من شرفة منزلهن، وذلك عقب منع والدهن لهن من ممارسة لعبة كورية تُعرف بـ«لعبة الحب» على هاتفه.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» (صفحة الجهاز على «فيسبوك»)

«النفاد السريع» لباقات «الإنترنت» يؤرّق المصريين... وسط تحرك برلماني

تصاعدت أزمة «النفاد السريع» لباقات الإنترنت، والتي باتت تؤرق المصريين، في حين وصف «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» الشكاوى بأنها «فردية».

عصام فضل (القاهرة)
الولايات المتحدة​ إيلون ماسك (رويترز)

ماسك يلمِّح لشراء «رايان إير» بعد رفض رئيسها استخدام «ستارلينك»

أجرى إيلون ماسك استطلاع رأي على «إكس» حول إمكانية شرائه شركة «رايان إير» للطيران، في أعقاب خلافه مع رئيسها بشأن استخدام نظام «ستارلينك» للإنترنت على متن طائراته

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أزمة البنتاغون و«أنثروبيك» تختبر حدود الدولة في عصر الذكاء الاصطناعي

صورة لموقع «كلود» للذكاء الاصطناعي الذي طورته شركة أنثروبيك (أ.ف.ب)
صورة لموقع «كلود» للذكاء الاصطناعي الذي طورته شركة أنثروبيك (أ.ف.ب)
TT

أزمة البنتاغون و«أنثروبيك» تختبر حدود الدولة في عصر الذكاء الاصطناعي

صورة لموقع «كلود» للذكاء الاصطناعي الذي طورته شركة أنثروبيك (أ.ف.ب)
صورة لموقع «كلود» للذكاء الاصطناعي الذي طورته شركة أنثروبيك (أ.ف.ب)

دخلت المواجهة بين وزارة الحرب الأميركية وشركة «أنثروبيك» مرحلة شديدة الحساسية، لا لأنها خلاف تعاقدي عادي، بل لأنها تمسّ السؤال الأكبر في سباق الذكاء الاصطناعي: من يضع الحدود النهائية لاستخدام التقنية المتقدمة، الدولة باسم الأمن القومي أم الشركة باسم السلامة والمسؤولية؟

حسب تقارير أميركية متقاطعة، منح وزير الحرب بيت هيغسيث الشركة مهلة تنتهي الجمعة 27 فبراير (شباط) عند نحو الخامسة مساءً بتوقيت الساحل الشرقي، للقبول بشروط البنتاغون التي تقوم على مبدأ استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي «لكل غرض قانوني»، وإلا فالتلويح مزدوج: إنهاء عقد قيمته 200 مليون دولار، أو وسم الشركة «خطراً على سلسلة التوريد»، أو حتى محاولة استخدام «قانون الإنتاج الدفاعي» لإجبارها على التعاون. وفي المقابل، تتمسّك «أنثروبيك» بخطين أحمرين: عدم استخدام نماذجها في المراقبة الجماعية للأميركيين، وعدم استخدامها في أسلحة ذاتية الاستهداف بلا إشراف بشري.

المفارقة التي التقطتها تغطيات أميركية أن التهديدين الأساسيين يبدوان متناقضين: تصنيف «أخطار سلسلة توريد» يهدف عملياً إلى استبعاد الشركة، بينما استخدام قانون الإنتاج الدفاعي يفترض إجبارها على الإتاحة والتوريد. وهذا التناقض بحدّ ذاته يكشف أن المعركة لم تعد تقنية فقط، بل معركة ردع سياسي ورسالة إلى السوق بأكملها.

نزاع أمن قومي

من زاوية البنتاغون، القضية تُقدَّم بوصفها أمناً قومياً خالصاً. وزارة الدفاع تُسرّع دمج الذكاء الاصطناعي في التخطيط والعمليات والتحليل، تحت ضغط المنافسة مع الصين، وتقول إن القيود يجب أن تكون «القانون» لا «شروط الشركات». كما تؤكد أن الاستخدامات المطروحة قانونية، وأن مسؤولية الالتزام بالقانون تقع على المؤسسة العسكرية لا على المورّد التجاري.

الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» داريو أمودي يتحدث بقمة تأثير الذكاء الاصطناعي 2026 في بهارات الهندية يوم 19 فبراير (إ.ب.أ)

هذه الحجة ليست هامشية. فواشنطن ترى أن بُطء القرار أو تقييد الأدوات قد يترجم فجوة عملياتية أمام خصوم يتقدمون بسرعة، خصوصاً في مجالات مثل أسراب المسيّرات، والتحليل الاستخباري واسع النطاق، وسلاسل القرار السريع تحت ضغط الوقت. وكالة «رويترز» أشارت إلى أن التفاوض الجاري مع «أنثروبيك» ليس منعزلاً، بل هو جزء من ترتيبات أوسع مع شركات كبرى، مثل «غوغل» و«أوبن إي أي» و«إكس إيه أي» ستؤثر في شكل الاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي مستقبلاً.

لكن في المقابل، تحويل أدوات مثل «قانون الإنتاج الدفاعي» إلى أداة ضغط لتجاوز ضوابط الاستخدام يفتح سؤالاً حساساً: هل تتوسع الدولة في مفهوم «الأمن القومي» بحيث يشمل فرض شروط تشغيلية على برمجيات عامة الغرض، لا مجرد أولوية التوريد والإنتاج؟ هنا ظهرت شكوك قانونية علنية من خبراء، إذ تساءلت تقارير عما إذا كان هذا القانون استُخدم أصلاً بهذه الصورة لإجبار شركة برمجيات على إسقاط قيودها الأخلاقية.

ما الذي يميّز أميركا عن الصين؟

السؤال الذي يطرحه هذا النزاع يتجاوز «أنثروبيك»: فإذا أصبحت الشركات الأميركية مجبرة على التسليم الكامل للدولة بكل استخدام «قانوني» من دون قدرة على فرض ضوابط تعاقدية، فأين يبقى الفارق المؤسسي الذي تقول واشنطن إنه يميّزها عن الصين؟

الفارق، من وجهة نظر أميركية، لا يقوم فقط على امتلاك التقنية، بل على منظومة ضوابط: قانون، وقضاء، ورقابة، ومراجعات مؤسسية، إضافة إلى ثقافة مؤسسية تعترف بمخاطر الخطأ والانحراف، وفق وكالة الخدمات اللوجيستية الدفاعية Defense Logistics Agency. وهذا يظهر حتى في سياسات البنتاغون نفسه، إذ تنصّ التوجيهات الأميركية الخاصة بالاستقلالية في أنظمة السلاح على «مستويات مناسبة من الحكم البشري» في استخدام القوة، وعلى متطلبات اختبار وتحقق ومراجعة قانونية وتشغيلية لأنظمة الاستقلالية والأسلحة شبه الذاتية.

بمعنى آخر «التميّز الأميركي» كما تُقدّمه واشنطن لا يُقاس فقط بسرعة الدمج العسكري للذكاء الاصطناعي، بل أيضاً بقدرته على الحفاظ على «ضبط الاستخدام» داخل نظام ديمقراطي. وإذا جرى تهميش دور الشركات تماماً، فإن الرسالة قد تصبح أن الفرق بين واشنطن وبكين هو فقط هوية المستخدم النهائي لا فلسفة الحوكمة.

وهذا لا يعني مساواة بين النظامين، لكنه يعني أن الضغط المفرط على الضوابط الخاصة قد يضعف الحجة الأميركية الأخلاقية والسياسية عالمياً، خصوصاً في ملفين شديدَي الحساسية: المراقبة الداخلية، واتخاذ قرار القتل آلياً.

حسابات «أنثروبيك» والشركات الأخرى

يشير المدافعون عن «أنثروبيك» أنها لا تتحرك هنا بوصفها «جمعية حقوقية»، بل بوصفها شركة تحاول التوفيق بين ثلاثة اعتبارات متعارضة: الحفاظ على حضورها في سوق الأمن القومي، وحماية سمعتها بوصفها شركة آمنة، وتجنّب سابقة قانونية وتجارية تفرغ سياساتها من المضمون.

وزير الحرب بيت هيغسيث يقف خارج البنتاغون يوم 15 يناير (أ.ب)

وسبق للشركة أن شدّدت في تحديثات سياسة الاستخدام على استمرار القيود المتعلقة بالمراقبة والتتبع والتوصيف والقياسات الحيوية، مع السماح باستخدامات تحليلية وإدارية محددة. كما أن مواد الدعم لديها تتحدث عن استثناءات تعاقدية للحكومات، لكن بشرط أن ترى الشركة أن الضمانات والقيود كافية لتخفيف الأضرار المحتملة. هذا يعني أن موقفها ليس رفضاً مطلقاً للعمل الحكومي، بل رفض انتقال القرار بالكامل إلى معيار «كل ما هو قانوني» من دون ضمانات إضافية.

أما بالنسبة لبقية الشركات، فالأزمة الحالية تبدو اختباراً مبكراً لما سيصبح لاحقاً «قاعدة السوق». إذا تراجعت «أنثروبيك»، فسوف يتلقى قطاع الذكاء الاصطناعي رسالة واضحة: عقود الدفاع الكبرى تُدار بمنطق الامتثال الكامل. وإذا صمدت وربحت قانونياً أو تفاوضياً، فقد تترسخ سابقة تسمح للشركات بالاحتفاظ بضوابط استخدام نوعية داخل العقود الحكومية.

وفي الحالتين، ستعيد الشركات الأخرى حساباتها: ليس فقط فيما يخص البنتاغون، بل أيضاً في العلاقة مع المستثمرين، والعملاء المدنيين، والهيئات التنظيمية داخل الولايات المتحدة وخارجها. الخلاصة أن الأزمة ليست سؤالاً بسيطاً عن «شركة تعاند الدولة». إنها لحظة تأسيسية في تعريف من يملك سلطة وضع الحدود على أكثر تقنيات العصر حساسية. وإذا كانت واشنطن تريد فعلاً التفوق على الصين، فالتحدي لن يكون فقط في تسريع الاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي، بل في إثبات أن السرعة يمكن أن تتعايش مع الضبط، وأن الأمن القومي لا يبتلع تلقائياً كل الحواجز التي أرستها المؤسسات على مدى عقود.


«سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: السيادة والثقة تقودان تحول الذكاء الاصطناعي في السعودية

السعودية تنتقل من تبنّي الذكاء الاصطناعي إلى بناء بنية تحتية سيادية واسعة النطاق تصل لغيغاواط بحلول 2030 (غيتي)
السعودية تنتقل من تبنّي الذكاء الاصطناعي إلى بناء بنية تحتية سيادية واسعة النطاق تصل لغيغاواط بحلول 2030 (غيتي)
TT

«سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: السيادة والثقة تقودان تحول الذكاء الاصطناعي في السعودية

السعودية تنتقل من تبنّي الذكاء الاصطناعي إلى بناء بنية تحتية سيادية واسعة النطاق تصل لغيغاواط بحلول 2030 (غيتي)
السعودية تنتقل من تبنّي الذكاء الاصطناعي إلى بناء بنية تحتية سيادية واسعة النطاق تصل لغيغاواط بحلول 2030 (غيتي)

لم يعد الذكاء الاصطناعي في السعودية طموحاً نظرياً أو مشروعاً تجريبياً، بل أصبح بنية تحتية تُقاس بالميغاواط، وتُؤمَّن بهندسة سيادية، وتندمج في صميم الاستراتيجية الاقتصادية الوطنية.

في أنحاء المملكة، انتقل الذكاء الاصطناعي من مرحلة الاختبار إلى النشر واسع النطاق. تشهد السعودية توسعاً في مراكز البيانات وتحولاً في الحوسبة السيادية ليصبحا أولوية استراتيجية. كما يُعاد تصميم الشبكات لاستيعاب أحمال عمل «وكيلية» تولّد حركة بيانات بسرعات الآلة.

بالنسبة إلى مهند أبو عيسى، المدير التنفيذي لهندسة الحلول المتطورة والرئيس التنفيذي للتقنية لـ«سيسكو» في الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا ورومانيا ورابطة الدول المستقلة، فإن ما يحدث اليوم يمثل تحوّلاً هيكلياً. يقول في حديث خاص مع «الشرق الأوسط»: «نشهد انتقالاً من النظرية إلى البناء واسع النطاق في منطقة الشرق الأوسط، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي أولوية وطنية».

في السعودية، يتجسد هذا البناء من خلال مشروع مشترك بين «سيسكو» و«هيوماين» و«AMD» يهدف إلى تطوير ما يصل إلى واحد غيغاواط من البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030، بدءاً بنشر قدرة تبلغ 100 ميغاواط في المرحلة الأولى داخل المملكة.

مهند أبو عيسى المدير التنفيذي لهندسة الحلول المتطورة والرئيس التنفيذي للتقنية لـ«سيسكو» في الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا ورومانيا ورابطة الدول المستقلة

السيادة خياراً استراتيجياً

أصبحت البنية التحتية السيادية للذكاء الاصطناعي ركيزة من ركائز التنافسية الوطنية. ففي السعودية، تتقاطع متطلبات توطين البيانات والسيطرة على البنية التحتية والحوسبة المحلية مع مستهدفات «رؤية 2030» في التنويع الاقتصادي والاستقلال الرقمي. المشروع المشترك والمتوقع أن يبدأ عملياته في 2026، سيجمع بين مراكز بيانات «هيوماين» الحديثة ووحدات معالجة الرسوميات من طراز «AMD Instinct MI450» وحلول البنية التحتية الحيوية من «سيسكو».

المرحلة الأولى تستهدف 100 ميغاواط، مع خطط للتوسع نحو غيغاواط كامل بحلول نهاية العقد. لكن بالنسبة إلى أبو عيسى، فإن السيادة لا تختزل في القدرة الكهربائية، بل إن «هذه المبادرات تعزز التعاون المفتوح وبناء منظومات ذكاء اصطناعي موثوقة». ويضيف: «نحن ملتزمون ببناء بنية تحتية آمنة وموثوقة وعالية الأداء لعصر الذكاء الاصطناعي». السيادة برأيه لا تتعلق فقط بمكان وجود البيانات، بل بكيفية حمايتها وإدارتها وضمان مرونتها.

الثقة قبل التوسع

مع تزايد انتشار وكلاء الذكاء الاصطناعي، أي الأنظمة القادرة على اتخاذ قرارات وتنفيذ مهام بشكل مستقل، تتصاعد المخاوف الأمنية، لا سيما في القطاعات المنظمة مثل البنوك والجهات الحكومية.

يقول أبو عيسى إنه في عصر الذكاء الاصطناعي، تعدّ السلامة والأمن شرطَين أساسيين لاعتماده، ووكلاء الذكاء الاصطناعي يطرحون مجموعة جديدة كلياً من التحديات.

ردُّ «سيسكو» يرتكز على دمج الأمن مباشرة في نسيج الشبكة. فقد عززت الشركة حلول «Cisco AI Defense» ومنصة «Secure Access Service Edge (SASE)» لتمكين المؤسسات من اكتشاف حركة بيانات الذكاء الاصطناعي وتحسينها في الوقت الفعلي، وتحليل الرسائل الوكيلية عبر آليات فحص مدركة للسياق، إضافة إلى حماية الاتصالات عبر تقنيات التشفير المقاوم للحوسبة الكمومية.

ويضيف أبو عيسى: «من خلال دمج الأمن في صميم الشبكة، نتيح للمؤسسات نشر وكلاء ذكاء اصطناعي سريعين ومرنين، والأهم من ذلك محصنين ضد الأنشطة غير المصرح بها». في بيئة سيادية، تصبح الثقة مكوناً أساسياً لا يقل أهمية عن الأداء.

الثقة والأمن المدمجان في الشبكات شرط أساسي لاعتماد وكلاء الذكاء الاصطناعي بالقطاعات الحساسة (أدوبي)

تصاعد توقعات الحوكمة

يتطور الإطار التنظيمي في السعودية بالتوازي مع توسع الذكاء الاصطناعي. وتؤكد السياسات الوطنية أن الابتكار يجب أن يقوم على المساءلة والشفافية والاستخدام المسؤول للبيانات.

يعدّ أبو عيسى أن «الجهات التنظيمية والاستراتيجيات الوطنية في المنطقة باتت واضحة في أن الابتكار في الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون مرتكزاً إلى المساءلة والشفافية».

وتشير دراسة «سيسكو» لعام 2026 حول البيانات والخصوصية في السعودية إلى أن 92 في المائة من المؤسسات وسعت برامج الخصوصية لديها لدعم التوسع المسؤول في الذكاء الاصطناعي، في حين يخطط العدد ذاته لمزيد من الاستثمار. كما يرى 97 في المائة أن الأطر القوية لحماية البيانات ضرورية لتعزيز الابتكار وبناء الثقة.

ويؤكد أبو عيسى أن «حوكمة البيانات هي الأساس الذي يقوم عليه الذكاء الاصطناعي الموثوق، وليس مجرد متطلب امتثال». ومن هنا، تُدمج ممارسات مثل إدارة دورة حياة البيانات وتصنيفها وتقليلها وضبط الوصول إليها وإمكانية تدقيقها، ضمن بنية الذكاء الاصطناعي، مدعومة بمبادئ «الثقة الصفرية».

فجوة الاستعداد

رغم الطموح الكبير، لا تزال الجاهزية غير مكتملة. فمؤشر «جاهزية الذكاء الاصطناعي» لعام 2025 من «سيسكو» يظهر أن 61 في المائة من المؤسسات لديها خريطة طريق للذكاء الاصطناعي، لكن 16 في المائة فقط مستعدة فعلياً للنشر. وينوّه أبو عيسى إلى أن «الحماس موجود، لكن فجوة البنية التحتية حقيقية». وتزداد أهمية هذا التحدي مع التخطيط لاعتماد وكلاء الذكاء الاصطناعي؛ إذ تشير بيانات «سيسكو» إلى أن 92 في المائة من المؤسسات تخطط لاستخدامهم؛ ما يعني تضاعف حركة البيانات على الشبكات.

ويشير أبو عيسى إلى أهمية «تحديث الشبكات الآن؛ حتى لا تتحول إلى عنق زجاجة يعيق الابتكار». وقد طرحت «سيسكو» شريحة «Silicon One G300» بقدرة تحويل تصل إلى 102.4 تيرابت في الثانية؛ بهدف تقليل وقت إنجاز مهام الذكاء الاصطناعي بنسبة 28 في المائة وتحسين كفاءة الطاقة بنحو 70 في المائة مقارنة بالأجيال السابقة عند استخدامها مع أنظمة التبريد السائل.

92 % من المؤسسات تخطط لاستخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي... لكن 16 % فقط جاهزة فعلياً للنشر (غيتي)

من التعقيد إلى المنصات الموحدة

يشير أبو عيسى إلى أن التعقيد التشغيلي يمثل تحدياً آخر، ويقول إن «العملاء يعانون التعقيد، ويبحثون بشكل متزايد عن نهج قائم على المنصات المتكاملة».

التحول نحو «منصات موحدة» يهدف إلى دمج الشبكات والأمن والرصد في إطار واحد مدعوم بالذكاء الاصطناعي؛ ما يتيح رؤية شاملة، وتوقّع الأعطال قبل حدوثها، والاستجابة للتهديدات بسرعة الآلة.

إلا أن الاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات لا تكفي وحدها. فتنمية رأس المال البشري عنصر حاسم. من خلال «أكاديمية سيسكو للشبكات» التي دربت أكثر من 480 ألف متعلم في السعودية، مع التزام بتدريب 500 ألف آخرين خلال خمس سنوات، إضافة إلى «معهد سيسكو للذكاء الاصطناعي» في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، تسعى الشركة إلى مواءمة البنية التحتية مع تنمية المهارات.

المعهد الجديد سيركز على أبحاث الذكاء الاصطناعي التطبيقية، والبنية التحتية المتقدمة للحافة الرقمية وأنظمة النقل الذكية وحلول الطاقة والمياه والصحة.

إذا كان العقد الماضي عقد الحوسبة السحابية، فإن العقد المقبل قد يكون عقد البنية التحتية السيادية للذكاء الاصطناعي. ويختتم أبو عيسى حديثه لـ«الشرق الأوسط» مذكراً بأن التحولات التي سيقودها الذكاء الاصطناعي تتطلب توسعاً غير مسبوق في الطاقة والحوسبة والشبكات مع دمج الثقة والسلامة والأمن في كل طبقة.


جسيمات البلاستيك الدقيقة... خطرٌ صامت يتسلل إلى أورام البروستاتا

الجسيمات البلاستيكية الدقيقة تُحيط بنا في كل مكان (رويترز)
الجسيمات البلاستيكية الدقيقة تُحيط بنا في كل مكان (رويترز)
TT

جسيمات البلاستيك الدقيقة... خطرٌ صامت يتسلل إلى أورام البروستاتا

الجسيمات البلاستيكية الدقيقة تُحيط بنا في كل مكان (رويترز)
الجسيمات البلاستيكية الدقيقة تُحيط بنا في كل مكان (رويترز)

كشفت دراسات علمية حديثة عن مؤشرات مقلقة تتعلق بانتشار الجسيمات البلاستيكية الدقيقة داخل جسم الإنسان، بعدما رُصدت في معظم الأعضاء الحيوية، فضلاً عن سوائل الجسم والمشيمة، في تطور يعيد طرح تساؤلات ملحّة حول أثرها الصحي طويل الأمد.

وأظهرت دراسة جديدة العثور على هذه الجسيمات في تسعة من كل عشرة أورام لسرطان البروستاتا، حيث تبين أن تركيزها داخل الأنسجة السرطانية كان أعلى بوضوح مقارنة بالأنسجة السليمة المجاورة، في إشارة يراها الباحثون جديرة بالتوقف والتحقيق. وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وأجرى فريق بحثي من مركز «إن واي يو لانغون هيلث» في الولايات المتحدة الدراسة لاستكشاف ما إذا كان التعرض للجسيمات البلاستيكية الدقيقة قد يسهم في تطور سرطان البروستاتا، الذي يُعد الأكثر تشخيصاً لدى الرجال فوق سن الخامسة والأربعين، وفقاً لهيئة الخدمات الصحية البريطانية.

ويشير خبراء إلى أن البلاستيك المستخدم في تغليف الأغذية ومستحضرات التجميل ومنتجات الحياة اليومية يمكن أن يتحلل بفعل الاستخدام أو التسخين أو المعالجة الكيميائية إلى شظايا متناهية الصغر، قادرة على التسلل إلى جسم الإنسان عبر الطعام والهواء والجلد، من دون أن يشعر بها.

وكانت دراسات سابقة قد رصدت هذه الجسيمات في معظم أعضاء الجسم تقريباً، إلا أن انعكاساتها الصحية لا تزال غير مفهومة بصورة كاملة، وهو ما يجعل النتائج الجديدة موضع اهتمام علمي متزايد.

وفي الدراسة الحالية، فحص الباحثون أنسجة بروستاتا مأخوذة من عشرة مرضى خضعوا لجراحات استئصال الغدة، فوجدوا جسيمات بلاستيكية في 90 في المائة من عينات الأورام، مقابل 70 في المائة في الأنسجة الحميدة.

ولفت الباحثون إلى أن الفارق في التركيز كان واضحاً، إذ احتوت عينات الأورام في المتوسط على كمية من البلاستيك تزيد بنحو 2.5 مرة مقارنة بالأنسجة السليمة، بواقع نحو 40 ميكروغراماً لكل غرام من النسيج مقابل 16 ميكروغراماً.

وقالت الدكتورة ستايسي لوب، الباحثة الرئيسية في الدراسة وأستاذة جراحة المسالك البولية وصحة السكان في كلية غروسمان للطب بجامعة نيويورك، إن الدراسة «تقدم دليلاً استكشافياً مهماً على أن التعرض للجسيمات البلاستيكية الدقيقة قد يكون عاملاً خطراً للإصابة بسرطان البروستاتا».

وأضافت أن مؤشرات مبكرة كانت قد ربطت هذه الجسيمات بحالات صحية أخرى، مثل أمراض القلب والخرف، إلا أن الأدلة المباشرة المتعلقة بسرطان البروستاتا ظلت محدودة حتى الآن.

من جانبه، قال الباحث المشارك فيتوريو ألبيرغامو إن النتائج «تكشف عن مصدر قلق صحي محتمل جديد مرتبط بالبلاستيك»، مؤكداً الحاجة إلى تشديد الإجراءات التنظيمية للحد من تعرض الجمهور لهذه المواد المنتشرة بيئياً على نطاق واسع.

وأوضح أن الفريق البحثي يعتزم في المرحلة المقبلة التعمق في فهم ما تفعله الجسيمات البلاستيكية الدقيقة داخل الجسم، وكيف يمكن أن تسهم في مسار تطور السرطان.

ومن بين الفرضيات التي سيجري اختبارها أن هذه الجسيمات قد تحفّز استجابة مناعية مفرطة مثل الالتهاب المزمن داخل الأنسجة، الأمر الذي قد يقود، مع مرور الوقت، إلى تلف خلوي وتغيرات جينية تُمهّد لنشوء خلايا سرطانية.

وفي المملكة المتحدة، تشير التقديرات إلى أن رجلاً واحداً من كل ثمانية قد يُصاب بسرطان البروستاتا خلال حياته، ما يضفي بعداً إنسانياً وصحياً إضافياً على نتائج هذه الدراسة التي لا تزال في مراحلها الاستكشافية، لكنها تفتح باباً واسعاً لأسئلة أكبر حول عالم بات البلاستيك فيه جزءاً لا ينفصل عن تفاصيل الحياة اليومية.