«الدول النووية» التسع ترفض المشاركة في اجتماع فيينا لـ«إزالة أسلحة الدمار الشامل»

تقرير يتوقع 100 مليون ضحية خلال ساعات إذا حصل تصعيد نووي بين «الناتو» وموسكو

أعرب رئيس المؤتمر الدبلوماسي النمساوي ألكسندر كمينت يقول «نحن أمام خطر عودة الوضع إلى ما كان عليه في خمسينات وستينات القرن الماضي، في وجود مزيد من الجهات الفاعلة»(ا.ف.ب)
أعرب رئيس المؤتمر الدبلوماسي النمساوي ألكسندر كمينت يقول «نحن أمام خطر عودة الوضع إلى ما كان عليه في خمسينات وستينات القرن الماضي، في وجود مزيد من الجهات الفاعلة»(ا.ف.ب)
TT

«الدول النووية» التسع ترفض المشاركة في اجتماع فيينا لـ«إزالة أسلحة الدمار الشامل»

أعرب رئيس المؤتمر الدبلوماسي النمساوي ألكسندر كمينت يقول «نحن أمام خطر عودة الوضع إلى ما كان عليه في خمسينات وستينات القرن الماضي، في وجود مزيد من الجهات الفاعلة»(ا.ف.ب)
أعرب رئيس المؤتمر الدبلوماسي النمساوي ألكسندر كمينت يقول «نحن أمام خطر عودة الوضع إلى ما كان عليه في خمسينات وستينات القرن الماضي، في وجود مزيد من الجهات الفاعلة»(ا.ف.ب)

«منذ الحرب الباردة، لم يسبق أن كان خطر حدوث تصعيد نووي حاضراً كما هو اليوم»، بهذه الكلمات افتتح وزير الخارجية النمساوي ألكسندر شالنبرغ اجتماع أمس في فيينا حول أهمية نزع الأسلحة النووية التي ازداد خطر استعمالها على خلفية الحرب الأوكرانية، مضيفاً أن «سيف ديموقليس يقترب منا».
يجتمع دبلوماسيون ونشطاء وخبراء ابتداءً من أمس (الثلاثاء) وحتى غدٍ (الخميس) لتفعيل الوثيقة التي صادقت عليها حتى الآن 65 دولة (من 86 دولة موقعة) على خلفية التهديد الروسي. وكانت قد دخلت الوثيقة لأول مرة حيز التنفيذ في بداية عام 2021.
تمثل إزالة الأسلحة النووية بشكل كامل، لا رجوع فيه ويمكن التحقق منه، الهدف النهائي للموقعين على المعاهدة الدولية لحظر الأسلحة النووية (TPNW) التي «تدرج مواضيع مبتكرة مثل أخذ الضحايا في الاعتبار، بما في ذلك خلال التجارب النووية». ورغبة في أن تكون «مكملة» لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (TNP) التي مضى عليها نصف قرن، يجب أن تحدد هذه الوثيقة الجديدة أيضاً موعداً نهائياً للقوى النووية التي تنضم إليها.
وقال جان ماري كولين، المتحدث باسم الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية (ICAN) في فرنسا «في سياق حربي كالذي نشهده اليوم هذه هي المرة الأولى التي يُعقد فيها اجتماع بشأن نزع السلاح»، موضحاً في مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية، أن «عدم القيام بأي شيء يعني أننا نتجه نحو كارثة. لا يمكننا ببساطة أن نُركن إلى اعتقادنا بأن ذلك لن يحدث أبداً».
فبعد 35 عاماً من تراجع الترسانة النووية في العالم، يدفع السياق الحالي «العديد من القوى لإعادة التفكير في استراتيجياتها النووية»، وفقاً لتقرير صدر مؤخراً عن معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام (Sipri).
ويعرب رئيس المؤتمر الدبلوماسي النمساوي ألكسندر كمينت عن قلقه بقوله «نحن أمام خطر عودة الوضع إلى ما كان عليه في خمسينات وستينات القرن الماضي، في وجود مزيد من الجهات الفاعلة». وهو يريد على العكس من ذلك أن يرى في النزاع الدائر حالياً «طلقة تحذير للابتعاد عن نموذج الردع النووي المحفوف بالمخاطر والخطر».
في مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية، قال كمينت، المتخصص في نزع السلاح وأحد مهندسي المعاهدة الدولية لحظر الأسلحة النووية (TPNW)، إن الإشارات الصريحة إلى استخدام القنبلة الذرية التي أطلقها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «تظهر هشاشة مثل هذا النظام».
من جانبه، قال داريل كيمبال، مدير جمعية مراقبة الأسلحة، خلال مؤتمر للخبراء في فيينا، الاثنين، إن دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) تشيد بالأهمية الوقائية لترسانتها من هذه الأسلحة، ولكن «في الواقع، أثبتت أسلحتها عدم جدواها في منع العدوان الروسي على أوكرانيا». وحذر من أن روسيا القوية بفضل أسلحتها النووية، تشن هجوماً يحتمل أن يكون «أكثر خطورة». وأشار إلى محاكاة أجرتها جامعة برينستون الأميركية بينت أن تصعيداً نووياً بين الناتو وموسكو يمكن أن «يخلّف نحو 100 مليون ضحية في الساعات الأولى فقط».
وتكمن المشكلة الكبيرة في أن أياً من الدول التسع التي تملك السلاح النووي، وهي الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وفرنسا، والمملكة المتحدة، والهند، وباكستان، وإسرائيل وكوريا الشمالية، لم توافق بعد على التوقيع عليها ولا حتى المشاركة في الاجتماع وإن كأطراف مراقبة.
في مقال نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية اليومية الأسبوع الماضي، دعا 56 برلمانياً فرنسياً وأعضاء في البرلمان الأوروبي باريس إلى عدم ترك مقعدها فارغاً في مواجهة «تلميحات» بوتين. في حين تخشى من جانبها وزارة الخارجية الفرنسية من أن هذه المعاهدة «ستضعف معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، حجر الزاوية في نظام عدم الانتشار».
يقول كمينت «علينا إقناع هذه الدول، لكن الأمر سيستغرق وقتاً... لن نجعل الأسلحة النووية تختفي بحركة من عصا سحرية». لكن الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية (ICAN) رحبت بإرسال أربع من دول الناتو هي ألمانيا والنروج وبلجيكا وهولندا. كما تشارك في الاجتماع أستراليا التي تستفيد من المظلة النووية الأميركية.
استبعدت اليابان حليفة واشنطن في الوقت الحالي الانضمام إلى العملية على الرغم من كونها الدولة الوحيدة التي تعرضت لضربات نووية.
«لماذا هذا الرفض؟»، تساءل الناشط الياباني سوتشي كيدو البالغ من العمر 82 عاماً، الاثنين، في فيينا أمام جمع مع رئيسي بلديتي ناغازاكي وهيروشيما. وقال كيدو وهو من «الهيباكوشا»، وهو لقب يُطلق على الناجين من القنبلة الذرية، إنه «سلاح الشر المطلق» الذي يقضي على الأحياء بضربة واحدة ولا يدع الناجين يعيشون في سلام.
في سياق متصل، أعلنت وزيرة دفاع كندا، الاثنين، تحديث نظام الدفاع الجوي والصاروخي للبلاد في القطب الشمالي، والذي يتم تنفيذه بالتعاون مع الولايات المتحدة. وعزت الوزيرة الإجراءات الجديدة إلى التهديدات العسكرية المتزايدة من روسيا وظهور تقنيات جديدة للعدو، مثل الصواريخ الفرط صوتية. في مؤتمر صحافي في أكبر قاعدة جوية في كندا في مدينة ترينتون بأونتاريو، أعلنت الوزيرة أنيتا أناند تخصيص ميزانية قدرها 4.9 مليار دولار كندي (3.6 مليار يورو) على مدى ست سنوات. سيتم إنفاق الأموال على إنشاء رادارات أرضية وأقمار صناعية قادرة على رصد القاذفات أو الصواريخ، بالإضافة إلى شبكات الاستشعار ذات «القدرات السرية» لمراقبة الأجسام المقتربة من الجو والبحر من القطب الشمالي إلى البر.
أدى غزو روسيا لأوكرانيا في فبراير (شباط) إلى تسريع عملية التحديث. ستحل الأنظمة الجديدة محل نظام الإنذار الشمالي القديم الذي يعود إلى حقبة الحرب الباردة والذي لم تعد محطاته الخمسون قادرة على رصد الصواريخ الحديثة. وأضافت، أن الإنفاق الجديد يمثل «أهم تحديث خلال ما يقرب من أربعة عقود». وأعلنت الحكومة الكندية في مارس (آذار) نيتها شراء 88 طائرة مقاتلة أميركية من طراز «F - 35» لتحل محل أسطولها القديم للقيام بدوريات في أقصى شمال كندا.


مقالات ذات صلة

النمساوي ألابا يستعد للانتقال الحر إلى أودينيزي

رياضة عالمية النمساوي ديفيد ألابا (د.ب.أ)

النمساوي ألابا يستعد للانتقال الحر إلى أودينيزي

خضع النمساوي ديفيد ألابا، للفحص الطبي في العاصمة الإيطالية روما، وسيسافر إلى الشمال من أجل توقيع عقد جديد مع نادي أودينيزي.

«الشرق الأوسط» (أوديني (إيطاليا))
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي (الشرق الأوسط)

وزير الخارجية السعودي يبحث الموضوعات المشتركة مع النمسا وترينيداد وتوباغو

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي مع نظيرته النمساوية بياته ماينل رايزنجر، والترينيدادي والتوباغي شون سوبرز المستجدات الإقليمية والموضوعات المشتركة

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان خلال استقباله الوزيرة بياته ماينل رايزنغر في الرياض (الخارجية السعودية)

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيرته النمساوية مستجدات المنطقة

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع نظيرته النمساوية بياته ماينل رايزنغر، الثلاثاء، مستجدات الأوضاع الراهنة في المنطقة، وتداعياتها الخطيرة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
رياضة عالمية كاش بوينت أرينا بملعب نادي ألتاش للكرة النسائية النمساوي (رويترز)

حُكم مخفف لمتهم بتصوير لاعبات نمساويات في غرف الملابس يثير غضباً واسعاً

أثارت قضية صادمة في النمسا موجة غضب واسعة داخل الأوساط الرياضية، بعد صدور حكم مخفف بحق رجل أُدين بتصوير لاعبات فريق ألتاش للسيدات خلسة داخل غرف الملابس والصالة.

فاتن أبي فرج (بيروت)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان والوزيرة بياته ماينل رايزنجر خلال لقائهما في الرياض الخميس (الخارجية السعودية)

السعودية والنمسا تبحثان تطوير التعاون بمختلف المجالات

استعرض وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، مع نظيرته النمساوية بياته ماينل رايزنجر، علاقات التعاون الثنائي بين البلدين، وسبل تطويرها في مختلف المجالات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

أمن الطيران بعد 11 سبتمبر: كيف يُفتح باب قمرة الطائرة في الطوارئ؟

صورة من قمرة طائرة منطادية (ويكيبيديا)
صورة من قمرة طائرة منطادية (ويكيبيديا)
TT

أمن الطيران بعد 11 سبتمبر: كيف يُفتح باب قمرة الطائرة في الطوارئ؟

صورة من قمرة طائرة منطادية (ويكيبيديا)
صورة من قمرة طائرة منطادية (ويكيبيديا)

لم تعد قمرة قيادة الطائرات التجارية مجرد مساحة فنية لإدارة المحركات وتوجيه المسارات، بل تحولت على مدار الربع قرن الأخير إلى ما يشبه الحصن العسكري المعزول سيادياً عن بقية أجزاء الطائرة.

وأعادت الواقعة الأخيرة لرحلة «فلاي دبي» فتح التساؤلات العميقة حول الهندسة الأمنية والقوانين الصارمة التي تحكم الدخول إلى هذا الجيب الاستراتيجي المعلق في السماء.

في عالم ما بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، تبدلت فلسفة الطيران المدني بالكامل، إذ استُبدلت الأبواب الخشبية الواهية بدروع مصفحة مقاومة للرصاص والانفجارات، وصيغت تشريعات دولية تحظر أي تواصل فيزيائي غير مصرح به بين الركاب وطاقم القيادة.

فما هي القوانين الدولية التي نظمت هذا التحول الجذري، ومن يملك الحق القانوني في تجاوز العتبة المحصنة، وكيف يُدار لغز فتح الباب المغلق من الداخل أو الخارج أثناء الأزمات؟

صورة من قمرة طائرة بوينغ 737-400 (ويكيبيديا)

الثورة التشريعية لما بعد سبتمبر وصناعة الدرع الفولاذي

قبل خريف عام 2001، كان نظام الأمان المحيط بقمرة القيادة مرناً إلى حد كبير، إذ كان بإمكان المسافرين، وخاصة الأطفال، زيارة الطيارين وتبادل الحديث معهم في أوقات الطيران المستقر كنوع من الترحيب. لكن اختطاف أربع طائرات تجارية وتحويلها إلى قنابل موجهة صدم العالم ودفع منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) بالتنسيق مع إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية (FAA) ووكالة سلامة الطيران الأوروبية (EASA) إلى صياغة الملحق السادس من اتفاقية شيكاغو للطيران المدني، والذي فرض تعديلات هيكلية إلزامية على جميع الطائرات التي تزيد سعتها عن ستين راكباً. قضت هذه القوانين الصارمة بإعادة تصميم أبواب قمرات القيادة بالكامل لتصبح مقاومة للمقذوفات النارية والشظايا والانفجارات والقنابل اليدوية الصغيرة، وتتحمل صدمات فيزيائية هائلة تمنع أي محاولة لاقتحامها بالقوة الغاشمة.

ولم يتوقف الأمر عند التدريع المعدني، بل أُلزمت شركات الطيران بنظام إغلاق إلكتروني تلقائي يظل مقفلاً بشكل دائم طوال فترة الرحلة منذ لحظة إغلاق أبواب الطائرة الرئيسية على المدرج وحتى فتحها في وجهة الوصول، مما جعل القمرة بمثابة قلعة مستقلة بذاتها لا يمكن اختراقها من الخارج.

جغرافيا الصلاحيات ومن يملك حق العبور العتبة؟

تحدد القوانين الدولية بصرامة بالغة هوية الأشخاص الذين يُسمح لهم بعبور عتبة القمرة المحصنة أثناء الطيران، وتضيق هذه الدائرة إلى حد كبير لمنع أي ثغرة أمنية. يقع الحق الأول والمطلق لقائد الرحلة (Captain) ومساعده (First Officer) المعينين رسمياً لتشغيل الطائرة، بالإضافة إلى أفراد الطاقم الإضافيين في الرحلات الطويلة الذين يتناوبون على القيادة. ولا يملك أي راكب، مهما بلغت درجته في السفر أو نفوذه السياسي أو المالي، الحق في طلب الدخول أو حتى الاقتراب من المنطقة العازلة المحيطة بالباب.

أما الفئة الثانية التي ينظم القانون دخولها فتشمل المفتشين الجويين التابعين لهيئات الطيران الوطنية الذين يحملون بطاقات تفويض رسمية لمراقبة أداء الطاقم، أو مهندسي الطيران التابعين للشركة بشرط وجود حاجة تقنية ماسة يوافق عليها القبطان مسبقاً.

وبالنسبة لأفراد ضيافة الطائرة، فإن دخولهم لا يتم بصفة دائمة بل يخضع لبروتوكول خدمة وتفتيش دقيق ومعقد، حيث يمنع القانون وجود أي شخص في القمرة بخلاف هؤلاء، وتعتبر أي محاولة لتجاوز هذه الحدود جريمة فيدرالية تندرج تحت بند التهديد الإرهابي والتدخل غير المشروع.

صورة من قمرة طائرة إيرباص A320 (ويكيبيديا)

لغز «فلاي دبي» وكيف اخترق الذعر جدار القمرة؟

أثارت الحادثة المرتبطة برحلة «فلاي دبي» جدلاً واسعاً حول كيفية وصول التوتر أو الركاب إلى مسافة قريبة من القمرة دفع الطيارين لتفعيل الرموز التحذيرية المركبة.

تشير الأعراف الملاحية والتحقيقات الأولية في مثل هذه الحالات إلى أن الركاب لا يدخلون القمرة عبر كسر الباب المصفح، فالأبواب الحديثة مصممة هندسياً لمنع ذلك تماماً، ولكن الأزمة تبدأ غالباً في مقصورة الركاب الأمامية الخاصة بدرجة رجال الأعمال (Business Class) أو الممر المؤدي إلى دورة المياه الأمامية المحاذية للمطبخ وقمرة القيادة.

عندما يبدي أحد الركاب سلوكاً عدوانياً غير منضبط، أو يحاول الاندفاع نحو الممر الأمامي في توقيت متزامن مع خروج أحد الطيارين لقضاء حاجة بيولوجية، ينشأ ما يُعرف بـ«التهديد الوشيك».

في هذه اللحظة، تلجأ المضيفات إلى إطلاق صيحات التحذير واستخدام أجسادهن أو عربات الضيافة كحواجز فيزيائية مؤقتة لمنع الراكب من التقدم، بينما يقوم الطيار الموجود في الداخل بإغلاق الباب فوراً وحصاره إلكترونياً، مما يجعل الأزمة تدور خارج جدار القمرة المصفح لكنها تستدعي تفعيل الرموز التحذيرية نظراً لوجود مهدد أمني على بعد سنتيمترات قليلة من قمرة القيادة.

آليات التحكم الرقمي وكيف يُفتح الباب المغلق؟

يرتكز نظام إدارة أبواب الطائرات الحديثة، مثل «بوينغ» و«إيرباص»، على مفتاح تحكم ثلاثي المستويات يقع في المنصة المركزية لقمرة القيادة تحت السيطرة المباشرة للطيارين، ويحتوي على ثلاثة خيارات أساسية وهي: الإغلاق التام (LOCK)، والوضع التلقائي العادي (NORM)، ووضع السماح بالدخول (UNLKD). في الحالة الطبيعية، يكون المفتاح على الوضع التلقائي، مما يعني أن الباب مغلق بإحكام ولا يمكن فتحه بمجرد سحب المقبض الخارجي. إذا أراد أحد أفراد طاقم الضيافة الدخول لأمر روتيني كتقديم الطعام، يقوم باستخدام لوحة مفاتيح رقمية (Keypad) مثبتة خارج الباب، حيث يدخل رمزاً سرياً مخصصاً يطلق نغمة صوتية وإشارة ضوئية داخل القمرة.

ينظر الطيارون إلى الكاميرات الأمنية الخارجية للتحقق من هوية المضيفة، فإذا كان الوضع آمناً، يحركون المفتاح يدوياً إلى وضع السماح بالدخول (UNLKD) لعدة ثوانٍ ليفتح الباب إلكترونياً.

أما إذا استشعر الطيارون أي خطر أو لاحظوا وجود شخص غريب خلف المضيفة، فإنهم يحركون المفتاح فوراً إلى وضع الإغلاق التام (LOCK)، وهو إجراء يلغي فعالية اللوحة الرقمية الخارجية تماماً ويمنع فتح الباب لمدد زمنية متجددة تصل إلى عشرين دقيقة حتى لو أُدخلت الرموز الصحيحة.

الطوارئ القصوى وبروتوكول تجاوز عجز الطاقم

وضعت تشريعات السلامة الدولية سيناريو شديد الندرة والخطورة، وهو تعرض الطيارين معاً لحالة عجز طبي مفاجئ (كفقدان الوعي بسبب نقص الأكسجين أو التسمم الغذائي) مما يجعلهم غير قادرين على الاستجابة للنداءات الأرضية أو نغمات طلب الدخول من طاقم الضيافة. لمواجهة هذا المأزق، يتضمن النظام الرقمي للباب كود طوارئ سري للغاية (Emergency Access Code) لا يعلمه إلا رئيس طاقم الضيافة. عند إدخال هذا الكود الخاص بالطوارئ القصوى في اللوحة الخارجية، يبدأ نظام الطائرة عداً تنازلياً صوتياً وبصرياً داخل القمرة يستمر لمدة تتراوح بين 30 إلى 60 ثانية.

صُمم هذا التأخير الزمني لمنح الطيارين فرصة لرفض الدخول إذا كان هناك خاطف يحاول استخدام الكود بالقوة، فإذا كان الطيارون في وعيهم ورفضوا الأمر بالضغط على (LOCK)، يظل الباب مغلقاً. أما إذا التزم الطيارون الصمت التام ولم يضغطوا على أي زر طوال فترة العد التنازلي بسبب عجزهم الطبي، يفترض النظام الإلكتروني وجود كارثة صحية داخل القمرة، ويقوم بفتح القفل التلقائي لمدة خمس ثوانٍ فقط، مما يسمح للمضيفين بالدخول لإنقاذ الطائرة والركاب وتولي السيطرة.

خط الدفاع البشري: بروتوكول التقييد وأدوات السيطرة في المقصورة

لا تتوقف هندسة الأمن الجوي عند التدريع الفولاذي لأبواب قمرة القيادة، بل تمتد لتشمل تدريب طواقم الضيافة بصفتهم «خط الدفاع البشري الأول» المؤهل للتعامل الفوري مع الركاب المشاغبين أو الذين يشكلون تهديداً أمنياً وشيكاً. ووفقاً للوائح المنظمة الدولية للنقل الجوي (IATA)، يخضع أفراد الضيافة لتدريبات مكثفة على تقنيات الدفاع عن النفس وإدارة الأزمات السلوكية الحادة فوق السحاب. وفي حال فشل محاولات التهدئة اللفظية وتصاعد سلوك الراكب إلى مرحلة الخطر الفيزيائي، يُفعل الطاقم بروتوكول السيطرة القسرية باستخدام أدوات تقييد قانونية معتمدة تحتفظ بها الطائرات التجارية في مقصوراتها بانتظام، مثل الأصفاد البلاستيكية المرنة شديدة التحمل (Flex-Cuffs) أو أحزمة التثبيت القماشية المعززة. يُثبت الراكب المشاغب بموجب هذا الإجراء في مقعده بشكل محكم يمنعه من الحركة أو التقدم نحو الممرات الأمامية، ويظل تحت رقابة لصيقة من الطاقم حتى تلامس الطائرة الأرض، حيث يُسلم فوراً إلى السلطات الأمنية وقوات إنفاذ القانون المرابطة على المدرج لمواجهة عقوبات جنائية دولية صارمة.


بريطانيا تتهم الصين باستغلال أكاديميين للتجسس على أبحاث الذكاء الاصطناعي وتقنيات حساسة

العلمان الصيني والبريطاني يظهران خلال محادثات حول الطاقة في بكين (أ.ب)
العلمان الصيني والبريطاني يظهران خلال محادثات حول الطاقة في بكين (أ.ب)
TT

بريطانيا تتهم الصين باستغلال أكاديميين للتجسس على أبحاث الذكاء الاصطناعي وتقنيات حساسة

العلمان الصيني والبريطاني يظهران خلال محادثات حول الطاقة في بكين (أ.ب)
العلمان الصيني والبريطاني يظهران خلال محادثات حول الطاقة في بكين (أ.ب)

في تصعيد جديد للتحذيرات البريطانية بشأن أنشطة التجسُّس الصينية، اتَّهم جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني (MI5) منظمةً صينيةً بتمويل أبحاث أكاديمية في بريطانيا، في مجالات تقنية حساسة، من بينها الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، لمصلحة جهاز أمن الدولة الصيني.

وقال الجهاز، في تحذير أصدره يوم الأربعاء، إن المنظمة الصينية المعنية تربطها علاقات وثيقة بوزارة أمن الدولة الصينية (MSS)، وإن الأبحاث التي موَّلتها يمكن أن تسهم بصورة مباشرة في تعزيز القدرات التقنية لأجهزة الاستخبارات في بكين، وفقاً لشبكة «سي إن إن».

وفي «تنبيه بشأن التجسُّس»، أفاد جهاز «MI5» بأن أكثر من 100 أكاديمي مقيم في المملكة المتحدة شاركوا في مشاريع موّلتها منظمة «معهد الصين العام لأبحاث التكنولوجيا» (CGTRI)، التي قال الجهاز إنها تتمتع بـ«علاقات وثيقة للغاية» مع وزارة أمن الدولة الصينية، وهي جهاز الاستخبارات المدني في بكين.

وجاء في التحذير: «لقد رصد جهاز MI5 أن الغرض الأساسي من معهد (CGTRI) هو تمويل أبحاث أكاديمية تعزِّز بشكل مباشر القدرات التقنية لوزارة أمن الدولة (MSS) في مجال التجسُّس».

وأضاف الجهاز أن أكاديميِّين بريطانيِّين شاركوا في مشروعات موّلتها المنظمة وتناولت موضوعات تشمل «الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وأنظمة الاتصالات السرية، وتقنيات إخفاء المعلومات».

وأشار التحذير إلى أن هذه الأنشطة «تدعم عمليات التجسُّس التي تقوم بها وزارة أمن الدولة الصينية، مما يُشكِّل تهديداً للأمن القومي للمملكة المتحدة».

ويقصد بـ«إخفاء المعلومات (Steganography)» تقنية تُستخدَم لإخفاء بيانات داخل رسائل أو ملفات أو وسائل أخرى.

ويُعدُّ هذا التحذير تطوراً لافتاً في تعامل الاستخبارات البريطانية مع ما تصفها بالتهديدات المرتبطة بأنشطة التجسُّس الصينية، إذ قال جهاز «MI5» إنه المرة الأولى التي يصدر فيها، بشكل مستقل، تنبيهاً عاماً من هذا النوع.

ويأتي التحذير في وقت تزداد فيه الاتهامات البريطانية المتعلقة بأنشطة التجسُّس الصينية، كما يسلط الضوء على التوتر القائم بين المخاوف الأمنية في المملكة المتحدة من جهة، ومساعي الحكومة البريطانية إلى الحفاظ على علاقات مع بكين وتعزيز التعاون معها من جهة أخرى.

الصين ترفض الاتهامات

في المقابل، رفضت السفارة الصينية لدى بريطانيا الاتهامات البريطانية، ووصفتها بأنها «خيالية، ومختلقة تماماً».

وقال متحدث باسم السفارة، في بيان، إن بلاده «تعارض بشدة مثل هذه المزاعم التي لا أساس لها من الصحة»، مضيفاً أن السفارة قدَّمت «احتجاجاً رسمياً وشديد اللهجة إلى الجانب البريطاني».

وتابع المتحدث: «نحث أجهزة الاستخبارات البريطانية على الكفِّ عن نشر الأكاذيب، والتوقف عن تقويض التبادلات التعليمية والتعاون البحثي بين الصين والمملكة المتحدة».

وزير بريطاني يتعهد باتخاذ «إجراءات صارمة»

وفي سياق متصل، ذكر جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني أن كثيراً من الأكاديميين والمؤسسات ربما تعاملوا بحُسن نية مع منظمة (CGTRI)، التي تُترجم أحياناً باسم «الأكاديمية الصينية للتكنولوجيا العامة (CAGT)»، من دون أن يكونوا على دراية بصلاتها الوثيقة بوزارة أمن الدولة الصينية.

غير أن الجهاز حذَّر من أنَّ مواصلة التعامل مع المنظمة قد تعرِّض المعنيين لخطر الملاحقة القضائية بموجب «قانون الأمن القومي» البريطاني، الذي أُقرَّ عام 2023 ومنح السلطات صلاحيات أوسع للتصدِّي لأنشطة التجسُّس الأجنبي والأعمال المرتبطة بالدول التي تعدُّها بريطانيا معادية.

وقال وزير الأمن البريطاني، دان غارفيس، إنه وجَّه رسائل إلى جميع رؤساء الجامعات في بريطانيا، لضمان إنهاء الموظفين أي علاقة لهم بالمنظمة الصينية.

وأضاف في بيان: «يكشف هذا التحذير عن محاولات تقوم بها الاستخبارات الصينية للاستفادة سراً من خبرات وأبحاث أكاديميينا، مما يقوض أمننا القومي وأمن حلفائنا».

وتابع: «تُعدُّ الشراكات الدولية أمراً حيوياً لضمان استمرار ازدهار جامعاتنا ومعاهدنا البحثية، لكننا سنتخذ إجراءات صارمة للتصدي للتهديدات التي نواجهها».


ماذا يعني تفعيل رموز الطوارئ 7700 و7600 و7500 في عالم الطيران؟

صورة توضح البنية الهندسية لقمرات القيادة الحديثة (Glass Cockpits) حيث تنتشر الشاشات الرقمية المتقدمة، وتظهر لوحة التحكم المركزية (Center Pedestal) الواقعة بين مقعدي القبطان والمساعد. في هذه المنطقة تحديداً، يتواجد جهاز الإرسال والاستقبال (Transponder) الذي يستخدمه الطيارون لطباعة رموز الطوارئ الثلاثية (7700، 7600، 7500) لتظهر فوراً على رادارات المراقبين الأرضيين (ويكيبيديا)
صورة توضح البنية الهندسية لقمرات القيادة الحديثة (Glass Cockpits) حيث تنتشر الشاشات الرقمية المتقدمة، وتظهر لوحة التحكم المركزية (Center Pedestal) الواقعة بين مقعدي القبطان والمساعد. في هذه المنطقة تحديداً، يتواجد جهاز الإرسال والاستقبال (Transponder) الذي يستخدمه الطيارون لطباعة رموز الطوارئ الثلاثية (7700، 7600، 7500) لتظهر فوراً على رادارات المراقبين الأرضيين (ويكيبيديا)
TT

ماذا يعني تفعيل رموز الطوارئ 7700 و7600 و7500 في عالم الطيران؟

صورة توضح البنية الهندسية لقمرات القيادة الحديثة (Glass Cockpits) حيث تنتشر الشاشات الرقمية المتقدمة، وتظهر لوحة التحكم المركزية (Center Pedestal) الواقعة بين مقعدي القبطان والمساعد. في هذه المنطقة تحديداً، يتواجد جهاز الإرسال والاستقبال (Transponder) الذي يستخدمه الطيارون لطباعة رموز الطوارئ الثلاثية (7700، 7600، 7500) لتظهر فوراً على رادارات المراقبين الأرضيين (ويكيبيديا)
صورة توضح البنية الهندسية لقمرات القيادة الحديثة (Glass Cockpits) حيث تنتشر الشاشات الرقمية المتقدمة، وتظهر لوحة التحكم المركزية (Center Pedestal) الواقعة بين مقعدي القبطان والمساعد. في هذه المنطقة تحديداً، يتواجد جهاز الإرسال والاستقبال (Transponder) الذي يستخدمه الطيارون لطباعة رموز الطوارئ الثلاثية (7700، 7600، 7500) لتظهر فوراً على رادارات المراقبين الأرضيين (ويكيبيديا)

في عالم الطيران، تسير الرحلات وفق سيناريوهات مرسومة بدقة بديهية، لكن خلف الهدوء الظاهري لقمرات القيادة، تختبئ لغة رقمية مشفرة كفيلة بقلب موازين الأجواء في ثوانٍ معدودة.

أعادت الحادثة الأخيرة لرحلة «فلاي دبي»، والتي شهدت تفعيل رمزي الطوارئ (7700 ثم 7500)، تسليط الضوء على البروتوكولات الصارمة والمخفية التي تدير بها غرف المراقبة الجوية الأزمات المركبة.

بين وميض طوارئ العطل الفني، والتحول الدراماتيكي الشبيه بأفلام الإثارة إلى رمز التدخل غير المشروع، كيف يُدير «جنود الظل» على الأرض أزمة طائرة معلقة بين السماء والأرض حتى تلامس إطاراتها مدرج الأمان؟

الشفرة الصامتة وجغرافيا الخطر في غرف المراقبة

تعتمد غرف المراقبة الجوية في رصدها للحركة على نبضات لاسلكية مستمرة يرسلها جهاز الاستقبال والإرسال في الطائرة. وعندما يواجه طاقم القيادة مأزقاً هائلاً، فإن الكلمات تصبح عبئاً، ويغدو الضغط على أزرار الجهاز هو الوسيلة الأسرع للاستغاثة.

تظهر هذه الاستغاثات على شاشات الرادار الأرضية كرموز ضوئية وامضة ذات ألوان مميزة تلفت انتباه المراقب فوراً، وتُعرف دولياً بـ«رموز الاستجابة» المحددة من منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO). يمثل الرمز 7700 خط الدفاع الفني والتشغيلي الأول، إذ يعلن عن أزمة تشغيلية عامة كبرى قد تتراوح بين نقص الوقود الحاد أو تعطل المحركات أو الحالات الطبية الحرجة، مما يستدعي استنفاراً فورياً لتأمين مسار الهبوط.

لكن الخطر يتضاعف بنيوياً وسيادياً عندما يتبدل هذا الرمز إلى شفرة التدخل غير المشروع والاختطاف بالرمز 7500، وهي الإشارة المرعبة التي تعني لغرف العمليات الأرضية أن قمرة القيادة قد سقطت في يد طرف خارجي، أو أن هناك تهديداً حتمياً يمس سلامة الطائرة وركابها بقوة السلاح أو الترهيب.

صورة توضح البنية الهندسية لقمرات القيادة (ويكيبيديا)

لغز الصمت اللاسلكي وفك غموض الشفرة 7600

بين هذين الخطرين، يبرز الرمز الثالث الشهير 7600، وهو الكود المخصص للإعلان عن عطل كامل في أنظمة الاتصالات اللاسلكية للطائرة.

يمثل هذا الرمز تحدياً فريداً، فالطائرة تصبح «صماء وبكماء» في الجو، لا تستطيع استقبال توجيهات الأرض ولا إرسال تقاريرها، لكنها تظل مرئية على شاشات الرادار. تتعامل المراقبة الجوية مع الرمز 7600 وفق فرضية واضحة، تفترض الأرض أن الطيار سيتبع خطة الطيران الأصلية بدقة، ويبدأ المراقبون في إخلاء الأجواء أمامه بناءً على المسار المتوقع.

الخطورة الكبرى تكمن في التقاطع العضوي بين هذه الرموز، فقد يكون الكود 7600 ناجماً عن عطل كهربائي بريء، ولكنه في سيناريوهات أخرى قد يكون مناورة متعمدة من خاطفين قاموا بفصل أجهزة الاتصال لعزل الطائرة، ما يضع غرف المراقبة في حالة استنفار قصوى لفك هذا الغموض المريب والتأكد من عدم تحوله إلى الرمز 7500.

صورة توضح البنية الهندسية لقمرات القيادة (ويكيبيديا)

جراحة الأجواء وتأمين الممرات الحرة

بمجرد التقاط الرمز الخاص بالطوارئ الفنية 7700، تبدأ غرف المراقبة الجوية في إجراء ما يشبه الجراحة الدقيقة في الأجواء المحيطة. يتوقف المراقبون فوراً عن إدارة التدفق التجاري المعتاد، ويتركز الاهتمام الشامل على تأمين مسار الطائرة المنكوبة.

تتلقى جميع الطائرات القريبة أوامر حاسمة بتغيير ارتفاعاتها والابتعاد عن الخط الملاحي للطائرة المعنية، لتصبح الأجواء المحيطة بها فارغة تماماً ومحمية من أي اصطدام محتمل. تمنح السلطات الأرضية الطائرة المأزومة أولوية مطلقة لا تتقدمها أي رحلة أخرى، وتُعفى تماماً من الالتزام بالسرعات والارتفاعات القياسية المعمول بها في الملاحة الجوية. وفي غضون دقائق معدودة، تنسق أبراج المراقبة مع الأجهزة الأرضية في المطار المستهدف، لتصطف سيارات الإطفاء والإنقاذ على طول المدرج، في انتظار هبوط قد يتطلب تدخلاً ميكانيكياً عاجلاً.

صورة توضح البنية الهندسية لقمرات القيادة (ويكيبيديا)

بروتوكول التمويه وإدارة التدخل الأمني

ينقلب المشهد رأساً على عقب داخل غرف العمليات إذا ما تحول الإنذار إلى شفرة الاختطاف 7500. في هذه اللحظة، تكف الأزمة عن كونها حدثاً ملاحياً عاماً، وتتحول إلى قضية أمن قومي تقع تحت طائلة القوانين السيادية للدول. تقضي التعليمات الدولية الصارمة بأن يلتزم المراقب الجوي ببروتوكول الصمت والتمويه اللاسلكي، إذ يُحظر عليه تماماً استخدام أي عبارات تشير إلى الاختطاف أو وجود مهدد أمني عبر موجات الراديو المفتوحة، منعاً لإثارة المعتدين داخل المقصورة في حال كانوا يستمعون إلى الاتصالات الجوية. يلجأ المراقب في هذه الحالة إلى توجيه رسائل روتينية مبطنة، يطلب فيها من الطيار إعادة التحقق من رمز الاستجابة الخاص به كإجراء تأكيدي. فإذا أعاد الطيار تثبيت الرمز 7500 أو تعذر عليه الرد مع استمرار الإشارة، تُفعل الخطط الأمنية القصوى، وتنتقل إدارة الأزمة فوراً من الهيئات المدنية إلى قيادات الدفاع الجوي والقوات المسلحة.

الطوق العسكري وفرضية الحلول القاسية

تتحرك المقاتلات الحربية النفاثة في إطار ما يُعرف بالإقلاع الفوري السريع بمجرد تأكيد الرمز الأمني 7500، لتطويق الطائرة المدنية في الجو. يحافظ الطيارون العسكريون على مسافات أمان مدروسة تتيح لهم مراقبة قمرة القيادة بصرياً، والوقوف على طبيعة الوضع الداخلي، والتحقق من هوية الأشخاص الذين يقودون الطائرة في ظل الصمت اللاسلكي المفروض أو الناتج عن استخدام الرمز 7600. تعد هذه المرافقة العسكرية إجراءً احترازياً وسيادياً بالغ الحساسية، إذ تهدف إلى منع الطائرة من الاقتراب من المنشآت الحيوية أو المدن الكبرى ذات الكثافة السكانية العالية.

وتضع الدول في الحسبان سيناريوهات شديدة القسوة، فحين تتوفر دلائل قطعية على تحول الطائرة إلى قنبلة طائرة موجهة نحو تدمير منشأة استراتيجية، يظل قرار الإسقاط العسكري خياراً أخيراً ومؤلماً تلجأ إليه القيادات العليا لحماية الأمن القومي للبلاد.

صورة توضح البنية الهندسية لقمرات القيادة (ويكيبيديا)

الموقف المعزول ونقل الصلاحيات على الأرض

لا تسلك الطائرة المهددة أمنياً بالرمز 7500 المسارات المعتادة نحو بوابات المطار الرئيسية، بل تقودها المراقبة الجوية عبر ممرات معزولة تماماً نحو مساحة جغرافية نائية داخل المطار تُعرف بالموقف المعزول. تقع هذه المنطقة في أقصى أطراف المهبط، بعيداً عن صالات المسافرين، والمنشآت الحيوية، وخزانات الوقود الكبرى، لتقليل الخسائر في حال حدوث انفجار أو عمل تخريبي. وبمجرد أن تلامس إطارات الطائرة أرض هذا المدرج المعزول وتتوقف تماماً، تنتهي الصلاحية القانونية والتشغيلية لرجال المراقبة الجوية.

يغلق برج المراقبة ملفه الفني، لتتسلم زمام المبادرة على الأرض قوات إنفاذ القانون، ووحدات مكافحة الإرهاب، وفرق التفاوض الأمنية، التي تبدأ في التعامل المباشر مع الخاطفين وفق الخطط التكتيكية الموضوعة لإنقاذ الأرواح والسيطرة على المقصورة.

تتابع الرموز بين حقيقة الخطر والخطأ البشري

يثير تتابع رموز الطوارئ وتداخلها في رحلة واحدة حالة من الاستنفار والتحليل العميق لدى خبراء الطيران والمحققين. يحمل هذا التتابع التلقائي تفسيرين لا ثالث لهما في الأعراف الملاحية، الأول يشير إلى تصعيد حقيقي للحدث، حيث يبدأ الأمر بعطل فني ميكانيكي بالرمز 7700 أو انقطاع اتصالات بالرمز 7600، ثم يستغل طرف ما حالة الفوضى أو الهبوط المفاجئ لفرض السيطرة على قمرة القيادة، ما يجبر الطاقم على ترقية الإنذار إلى الرمز 7500. أما التفسير الثاني فيتعلق بالخطأ البشري الفني أثناء الضغط العالي، إذ إن تقارب الأرقام في لوحة التحكم قد يؤدي بالطيار تحت وطأة الذعر والتوتر العصبي الشديد إلى إدخال رمز الاختطاف بدلاً من الطوارئ العامة أو عطل الاتصالات.

ورغم احتمالية الخطأ، فإن بروتوكولات المراقبة الجوية وسلطات الطيران العالمية تقضي بالتعامل مع التتابع باعتباره خطراً أمنياً حقيقياً بنسبة 100 في المائة، ولا يتم التراجع عن الاستنفار العسكري والأمني إلا بعد استقرار الطائرة على الأرض وتفتيشها بالكامل والتأكد من سلامة ركابها وطاقمها.