«على جبل يشكُر»... رواية تضعنا أمام حياة موازية لأخرى مضت

رباب كساب تنحت «الغرابة» المكتسية بعباءة الخرافة

«على جبل يشكُر»... رواية تضعنا أمام حياة موازية لأخرى مضت
TT

«على جبل يشكُر»... رواية تضعنا أمام حياة موازية لأخرى مضت

«على جبل يشكُر»... رواية تضعنا أمام حياة موازية لأخرى مضت

هل تصلح لعبة التوازي روائياً مع أثر تاريخي، في إنقاذ حياة وبعثها في ولادة أخرى، ولو بالتماهي مع الأثر نفسه، وادعاء الانتساب إليه... يصلح هذا التساؤل برأيي في التعاطي مع رواية «على جبل يشكر» للكاتبة الروائية رباب كساب، فالرواية تحفز قارئها عليه، بداية من عنوانها بدلالته المكانية التي تفوح منها رائحة الأثر، ثم تفاصيل سير وحيوات أبطالها، وصراعاتهم مع الجني؛ وذلك وسط تعدد أقنعة الأثر نفسه والسرديات المروية عنه، التي رسختْ في الوجدان العام والذاكرة الشعبية لسنوات طويلة، مازجة ما بين الواقعي والأسطوري، ومنها ما يقال إن من أراد أن يستجاب دعاؤه فليقف على هذا الجبل، وإن سفينة نوح رست به، وموسى ناجى ربه من فوقه، وغيرها من الحكايات التي تنسج في «بيت الكريتلية» الذي بحضنه الجبل، مثل حكاية البئر المسحورة والوطاويط وكبير الجان وبناته السبع.
وسط كل هذا يبرز فعل المعايشة، كحلقة وصل بين زمانين مفارقين، فالكاتبة لا تستدعي الأثر من عباءة الماضي فحسب، بل تعيشه كلحظة متصلة مع واقعها الراهن، ومن ثم تضعنا أمام حياة موازية لحياة مضت. وتصل هذه المعايشة إلى حد الوقوع في لعنة الأثر نفسه... «راجية» بطلة الرواية الشابة التي تعمل محاسبة بإحدى الشركات، مسكونة بقرين لها، تشبهها وتكاد تكون صورة طبق الأصل منها، تكسب وصية الجد في الحلم حكاية هذا القرين مصداقية ما، وذلك في شكل رسالة لحفيدته إلى خالتها «راقية» قائلاً: «لا تنظري في المرآة، فلا الصورة حقيقية، ولا أنتِ أنتِ. المرآة خادعة».
في هذه المسافة الملتبسة تبدأ مناورة الرواية فيما يمكن تسميته «نحت الغرابة»، التي تنعكس بتراوحات متباينة في مرايا الشخوص، وتبرز في ظلال خطواتهم المسكونة بفراغ قاتل وموحش، وفي ذواتهم المنقسمة على نفسها، وأحلامهم التي يختلط فيها الوهم بالحقيقة، إلى حد الشعور بالفصام، ولا تجد هذه الشخوص سوى اصطناع الحكي لتسد به فجوة هذا الفراغ، وتبقى قريبة من نفسها، أو على الأقل في مسافة آمنة.
تحت وطأة الولع بالغرابة، تغادر راجية بيت العائلة الكبير، وتستقل بنفسها، في شقة صغيرة في جوار «بيت الكريتلية»، أو بمعنى آخر بيت الأجداد، فجدها سليمان الكريتلي حارس ضريح ومقام الشيخ هارون الحسيني، روى تاريخ البيت وأساطيره لجابر أندرسون الطبيب والضابط الإنجليزي الذي عشق البيت وحوّله إلى متحف بعد أن اشتراه من الحكومة. في هذا البيت تتعرف على قرينتها، وتكتشف أن اسمها لطفية، ولا أحد يراها أو يلمسها سواها. تنجح راجية في تحريضها للخروج من البيت ومغادرة زمنها الماضي العتيق للتعرف على زمن آخر ابن اللحظة الراهنة. تنزع عن وجهها الوشاح، وتنطلق بها في زيارة مفاجئة للخالة راقية.
هنا تبرز سمة أساس في نحت الغرابة، وهي اللعب مع الزمن إلى حد سرقته، وكأنه صراع بين لصين، يتعاقبان عليه من أزمنة مختلفة. تقول في الفصل الخامس بعنوان «سيدي هارون»: «كانت طريقة خالتي غريبة، لم تكن في حالتها الطبيعية، اليوم كله أشعر بغرابتها، أحس بأني أكلم امرأة أخرى... لها فوق العمر عمران، لكنها ما أن قالت ذلك حتى تغير كل شيء من حولي، كأنني في زمن غير الزمن، السيارات تتراجع إلى الخلف، تنحسر على الجانبين، تتجه نحو الحوائط والجدران، صارت كحشرات تسير على جدران العمارات، تتسع عيناي عن آخرهما، تتعاظم دهشتها، الناس تطير في الهواء، يزحفون على حوائط البيوت، يصعدون، أنا وهي فقط على الأرض».
يشكل هذا المشهد الخاطف المعجون بإيقاع السينما مفتاحاً مهماً للوقوف على كنه الغرابة وعلاقتها بالزمن. ومن ثم تبدو الصورة أكثر اتساقاً لو نظرنا إلى هذه العلاقة من زاوية أخرى، هي سرقة الغرابة نفسها، وكأنها وديعة حميمة في جعبة الزمن، على النص أن يسرقها بمهارة وخفّة، من أجل أن يبقى الصراع ممتداً في الروح والجسد. أيضاً يمكن أن ننظر من هذه الزاوية إلى لطفية، قرينة راجية وتوأم مرآتها، باعتبارها وديعة الزمن، التي مثلت برأيي التجلي الأعمق للعلاقة بالأثر في الرواية؛ حيث تنساب مشاعر الغرابة بينهما بحنو وتلقائية، بلا فوصل أو عقد زمنية سميكة، خالصة في الوقت نفسه من شوائب ورتوش الاصطناع والمبالغة التي شابت علاقة الذات الساردة (الكاتبة) ببعض الشخوص الأخرى، على سبيل المثال علاقتها بالجارة المسنة البذيئة.
لا تتوقف علاقة الغرابة بالزمن عند هذا الحد، إنما تلوِّن مدارات الحكي برذاذها، فيصبح خفيفاً وشفيفاً، في الحكي عن الشخصيات التاريخية الملتصقة بالمكان المسرود عنهم، مثل الجد، والشيخ هارون، وأبي زياد، التاجر الحلبي، وظهوره الحلمي المفاجئ، وهو يرسي مركبه على شط النيل، لا تحضر هذه الشخصيات بسمتها الواقعي، وإنما تظل بؤرة تنوير مؤثرة في المشهد، في المقابل يتسم الزمن بالثقل والوطأة والتشتت والانقسام، خاصة في مكابدات قصة راجية وحبيبها ناجي الصحافي المرموق، المأزوم بمثاليته وثقته المفرطة في نفسه، حتى أصبح جزءٌ منها يحبه، وجزءٌ آخر يرفضه.
في اللعب مع الجني ومراودته، تكتسي الغرابة بعباءة الخرافة، في مظانها الشعبية، واللافت أن الجني يتلبس النساء فحسب، معتبراً أن كل من تلبسهن ملكية خاصة له، يسعى إلى الوقيعة بينهن، ويقر بفشله مع الرجال. تمثل الخالة راقية نموذجاً لذلك، فبعد التقاعد المبكر عن العمل، وفقد ابنها الوحيد، ورحيل زوجها، وتعرضها لحادث سير مروع أقعدها بالمشفى لبضعة أيام في غيبوبة، توصد أبواب شقتها القديمة وترحل إلى سكن جديد، تتوسل بالحكايات المعبقة برائحة الماضي والذكريات التي تحكيها لثلة من أصدقائها في النادي لسد فراغ ناتئ في العمر والروح، ويتحول الجني الذي وصفها بـ«المدنسة» إلى بئر للحكايات، لكن تظل تطاردها عقدة الماضي واختلاط الحلم بالحقيقة إلى حد الوهم والوقوع في النسيان. فتتخفف في حلمها من كرهها لزميلها صبري الذي أصبح مديرها، وتخلط بينه وبين زوجها ياسر الطبيب الحاذق الشهير، فتراه بملابس صبري التي اختارتها له، وكأنهما يتبادلان أقنعة لا ترى.
يصل اللعب مع الجني إلى حد المسامرة والمزاح أحياناً، لكنه يصبح أكثر درامية وفتكاً حين يشارف العشق بمعناه الحسي كما في علاقة «شَهد» به، التي تمنت منذ الصغر أن تصاحب جنياً وتتلبسها هذه الروح، لتتخفف من ثقل الحياة وأعبائها، ومن ثقل بدنها وأعبائه أيضاً. في ظل هذه الأجواء بمفارقاتها الكابوسية، لا يجد زوجها سبيلاً للنجاة، سوى طلاقها، وأخذ طفليها منها بعد أن تركتهما نهباً للتشرد. تصف الرواية هذه الحالة (ص90) على هذا النحو: «كانت تتمنى أن تلتقي جنياً ويعيش معها في الفراغ، أن تطير في الهواء وتتنقل في لمح البصر إلى أي مكان، ألا يطلب منها أحد من أقاربها ألا تجلس في الخلف، حتى لا تكون ثقلاً على عجلة سيارته العتيقة. كم ملّت كونها نغمة نشازٍ وسط تجمعات أصدقائها وأقاربها، لا شيء يميزها سوى بدانتها، تكره كل صورها معهم، هناك في عالم الجن، ستكون مثلهم، لها خفتهم، وقد تكون لها قدرات خارقة، فتفقد من وزنها عشرات الكيلوغرامات».
بيد أن هذه الخفة التي تحلم بها «شهد» تعكس مأزقاً طفيفاً للسرد في الرواية، فرغم أن الحكايات مفتوحة، بعضها على بعض، تسلم نفسها من طرف إلى آخر بسلاسة شيقة، إلا أن ثقل تراكمها يقربها من إيقاع الحواديت والحكايات الشعبية المعتادة عن عالم الجن والعفاريت، أيضاً لم تسلم رمزية قراءة الفنجان في الرواية وكسره من إيقاع العادة والمألوف، فلا جني في الفنجان، بل مجرد علاقة قاع ملوث بسطح فارغ يعكسان الحالة النفسية لصاحبه، وهي حالة ظنية وتخمينية محضة.
تبني الكاتبة شخوصها بذكاء وحساسية لافتين، لكن لا زمن خالصاً لذاته، معظم الشخوص مشدودة إلى حجر ما في الماضي، لا تزال تفتش عن نفسها في ظلاله، إنه زمنها الهارب من الحكاية والجني والأثر، زمن اللهفة البكر والنشوة الأولى، هنا تتكشف الغرابة عن أحد أوجه خفّتها الثرية المحلِّقة في الرواية؛ حيث تصبح المصادفة جزءاً من السرد ونسيج وجودنا الرخو. في مرآتها تخطف «شهد» ياسر الطبيب الحاذق الذي يعتبر نفسه عبقرياً في مهنته، تقرأ له الفنجان بالمشفى، وتخبره بأن في حياته ثلاثَ زيجات، يسخر منها، ثم يقع في حبها تاركاً وراءه كل شيء، ويحكي لها عن الماضي، عن مصادفة لقائه بزوجته الأولى «سليمة» السيدة العراقية الثرية الجميلة، التي كانت تكبره بتسع سنوات. كان لم يزل طالباً بالكلية، لكنه عاش معها الحب في صيرورة تتجدد يومياً. بعد سنوات تضجر من القاهرة، فتغادرها للعيش في لندن دون أن تلزمه بأي شيء.
في الفصول الثلاثة الأخيرة تلهث الرواية وكأنها تريد أن تضع الجني في القمقم وتتنفس هواء جديداً، تترك الأبواب مفتوحة، على كل شيء ولا شيء، على الحب واللا حب، بينما ومضات ثورة 25 يناير (كانون الثاني) الشاردة في ثنايا الحكي، تبدو وكأنها حلم ضل الطريق إلى نفسه. تعود راجية إلى زمنها الواقعي الحقيقي: «أحب القرن الحادي والعشرين، أحب التكنولوجيا التي أحس بجهلي أمامها، أحب حداثة حياتنا، أحب تاريخ نضال المرأة التي تطورت معه»، ويطلق ناجي صرخته المأزومة الموثقة في آخر مقال كتبه بالصحيفة.
«لطشة» النهاية هذه ليست قناعاً لمرثية في الهواء الطلق، إنما للرواية والثورة معاً. تسقط الثورة في العسف والمطاردة والاعتقال والسجن، ويسقط الأثر في لعنته التي صنعها البشر بحكاياتهم العجيبة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

عمرو محمود ياسين: عصر المنافسة الفنية الشريفة انتهى

المؤلف المصري عمرو محمود ياسين (حساب ياسين على فيسبوك)
المؤلف المصري عمرو محمود ياسين (حساب ياسين على فيسبوك)
TT

عمرو محمود ياسين: عصر المنافسة الفنية الشريفة انتهى

المؤلف المصري عمرو محمود ياسين (حساب ياسين على فيسبوك)
المؤلف المصري عمرو محمود ياسين (حساب ياسين على فيسبوك)

قال المؤلف والسيناريست المصري عمرو محمود ياسين إن مسلسله الرمضاني «وننسى اللي كان» تعرض لحملات تشويه دُفعت فيها أموال للإساءة للعمل ولبطلته الفنانة ياسمين عبد العزيز، مؤكداً في حوار لـ«الشرق الأوسط» أن المسلسل حقق نجاحاً لافتاً واحتل قائمة الأكثر مُشاهدة عبر منصة «شاهد»، مشدداً على أنه لم يُغَير نهاية العمل كما ردد البعض، وإنما كان هناك عيب فني في نسخة الحلقة الأخيرة تم اكتشافه قبل عرضها واستغرق وقتاً لحل المشكلة.

وقال ياسين إن «عصر المنافسة الفنية الشريفة قد انتهى، وإن أعظم الأعمال في تاريخ الدراما لو عُرضت في هذا التوقيت لواجهت من يعيب فيها»، لافتاً إلى «أنه لم يحسم وبطلته ياسمين عبد العزيز مسألة العمل معاً في رمضان القادم بعد أن جمعتهما 4 مسلسلات».

ياسمين عبد العزيز وكريم فهمي في لقطة من العمل (حساب ياسين على فيسبوك)

وكشف عمرو محمود ياسين أنه لم يكن ينوي تقديم عمل رمضاني هذا العام بعدما واصل العمل منذ رمضان الماضي في مسلسل «وتقابل حبيب» ثم مسلسل «2 قهوة» الذي عُرض خارج الموسم الرمضاني، وكان لديه مسلسل آخر قصير يكتبه فشعر بحاجته للتوقف في رمضان هذا العام، لكن جاء قرار تقديم عمل رمضاني مع ياسمين عبد العزيز متأخراً في أغسطس (آب) الماضي، موضحاً أنه كان لديه قصة ينوي كتابتها لتكون فيلماً عن نجمة لديها معاناة شخصية تطلب من حارسها الشخصي تخليصها من حياتها، وأنه قام بتطويرها لتكون موضوع المسلسل.

لكن هذا المسلسل أدخله في معارك عديدة يقول عنها: «هناك معارك فُرضت علينا خارج الإطار الطبيعي للمهنة، فقد تعرضنا لحملات تشويه غرضها التقليل من قيمة العمل، ومن قيمة أبطاله، ومني شخصياً، وهناك أموال دُفعت لأجل ذلك واستطعت التأكد منها، ما جعله يتصدى لها عبر مواقع (السوشيال ميديا)»، مؤكداً أنه «ليس من هواة الاختفاء والتجاهل، بل يحب الرد على الناس والتفاهم معهم؛ لأن عدم الرد على بعض الأمور أحياناً يجعل الناس تصدق كثيراً من الأكاذيب».

ياسين مع مخرج العمل (حساب ياسين على فيسبوك)

وحول وجود أكثر من عمل عن الوسط الفني وعن رياضة الفنون القتالية التي يؤديها بطله كريم فهمي يقول ياسين: «هذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك، بل تكرر في أكثر من موسم رمضاني، لكنني لم أكن أعرف شيئاً عن مسلسل (اتنين غيرنا)، وعلمت من اسم مسلسل (على كلاي) أن بطله ملاكم، لكن فوجئت أن الملاكمة تحولت لنفس اللعبة (إم إم إيه)، ووجدت الفنان محمد إمام يقوم بها أيضاً في مسلسل (الكينج)، لكن لا أحد اطلع على سيناريو الآخر، بل هو توارد خواطر مائة في المائة، ويبقى أن كلاً منا يعمل بطريقته، وأن تفاصيل كل عمل مختلفة عن الآخر».

وعن تأجيل عرض الحلقة الأخيرة من المسلسل يقول ياسين: «من أغبى ما ردده البعض أننا قمنا بتأجيل الحلقة الأخيرة من أجل تغيير نهاية المسلسل؛ لأن البعض لا يدرك أن النهاية تكون محددة منذ البداية ومعروفة لفريق العمل الأساسي، وهي أن جليلة ستتزوج بدر وسيعود ليتفوق رياضياً وستدعمه في ذلك، وبناء عليه ستكون نهاية سعيدة، لكن كيف سنذهب لهذه التفصيلة، هذا ما أبني عليه الأحداث من البداية لأصل لتلك اللحظة بشكل مقنع، وما حدث من تأخير عرض الحلقة الأخيرة أننا اكتشفنا عيباً فنياً بها استغرق وقتاً لإصلاحه».

ويقول ياسين: «يبدو أن زمن المنافسة الفنية الشريفة قد انتهى مع عصر (السوشيال ميديا) وتدخلها في سباق الدراما، فقد بات لها دور، جزء منه غير حقيقي ومدفوع الأجر عبر مقالات وفيديوهات وحملات تشويه لتغيير وجهة نظر الرأي العام، مما أفسد شكل المنافسة التي تتطلب أن يعمل كل فريق دوره ويترك الحكم للجمهور».

وأوضح أنه «لو كانت (السوشيال ميديا) موجودة زمان لقامت بتشويه أعظم الأعمال الدرامية بكل سهولة وبساطة، ورغم ذلك فهناك آراء أهتم بها من جمهور مواقع التواصل، حيث أثق بموضوعيتها، ولا تكون موجهة لصالحي أو ضدي».

ويؤكد ثقته في نجاح «وننسى اللي كان» قائلاً: «نجاح المسلسل مؤكد ومثبت من جهات عديدة، وأرقامنا على قناة (إم بي سي) ممتازة، من حيث حجم الإعلانات وحجم المشاهدة على القنوات، وقد تصدرنا طوال شهر رمضان الأعلى مشاهدة على منصة (شاهد) بين جميع مسلسلات الـ30 حلقة».

من كواليس «وننسى اللي كان» (حساب ياسين على فيسبوك)

ويصف عمرو محمود ياسين مسلسلات الـ30 حلقة بأنها «شغلانة كبيرة»، ويقول: «البعض يتكلم ويدلي برأيه دون معرفة أن هناك صعوبة خاصة حين يكون العمل به نجوم وحسابات إنتاجية وتجارية»، لافتاً إلى أنه ممن بدأوا «الخمس حلقات» والـ10 حلقات، وليس لديه مشكلة في الـ30 حلقة، «لكن من المهم أن نبدأ مبكراً حتى لا نتعرض جميعاً لصراع نفسي رهيب مع الزمن، فقد كنت أواصل العمل 72 ساعة متواصلة بلا نوم، لأكتب كتابات مرنة تناسب الظروف، وأتابع أكثر من وحدة تصوير، لذا أطالب الجهات المسؤولة بضرورة الاستقرار مبكراً لبدء التصوير في وقت مناسب».

وبعد 4 مسلسلات جمعت ياسين وياسمين، وهي «ونحب تاني ليه»، «اللي مالوش كبير»، و«تقابل حبيب»، و«ننسى اللي كان»، يقول إن «كل شيء وارد حيث لم يحسم بعد تعاونه المقبل معها»، مضيفاً: «أحب العمل مع ياسمين وبيننا علاقة قوية على المستوى الإنساني، وهي صديقة مقربة، ليس عندي قرار الآن ولم نجلس لنتحدث، فقد انشغل كل منا في الحصول على فترة راحة بعد إرهاق طويل».


«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
TT

«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)

يذهب فيلم «عصافير الحرب» إلى منطقة مختلفة داخل عالم الوثائقي، منطقة لا تُعنى بتقديم إجابات جاهزة بقدر ما تطرح تجربة حياتية بكل تناقضاتها، لا يحاول الفيلم الذي أنتج بتمويل بريطاني - سوري - لبناني أن يكون مرجعاً سياسياً يشرح ما جرى في سوريا أو لبنان، بل يقترب من الحكاية عبر بابها الأكثر هشاشة وصدقاً، ويكون بطلها العلاقة الإنسانية.

من هنا، تتشكل التجربة بين الصحافية اللبنانية جناي بولس وزميلها السوري الذي أصبح زوجها لاحقاً الصحافي عبد القادر حبق، فلا تنفصل الحكاية الشخصية عن السياق العام، لكنها أيضاً لا تذوب فيه، بل تحتفظ بمساحتها الخاصة، كأنها مقاومة هادئة لفكرة اختزال الإنسان في الحدث.

فيلم «عصافير الحرب» بدأ رحلته في مهرجان «صندانس السينمائي» بنسخته الماضية وحصد جائزة «لجنة التحكيم الخاصة للتأثير الصحافي»، ليكون عرضه الأول أوروبياً في مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية»، حيث نال 4 جوائز مختلفة منها جائزة «الإسكندر الفضي» بالمسابقة الدولية، وجائزة «الاتحاد الدولي للنقاد» (فيبرسي) لأفضل فيلم، وقد شارك الثنائي الصحافي العائلي في إخراجه.

وثق الفيلم قصة حب الثنائي السوري واللبناني خلال الثورات (الشركة المنتجة)

تبدأ جناي بولس حديثها عن الفيلم لـ«الشرق الأوسط» من نقطة تبدو بعيدة تماماً عن الشكل الذي انتهى إليه الفيلم، إذ تشير إلى أن الفكرة الأولى كانت مرتبطة برغبتها في توثيق ما جرى في لبنان، خصوصاً خلال لحظة الثورة والانهيار الاقتصادي في 2019، إلى جانب تجربتها كونها صحافية كانت في قلب التغطية اليومية لهذه الأحداث.

هذا الدافع كان أقرب إلى محاولة فهم الواقع أو إعادة ترتيبه بصرياً، لكن مع الوقت، ومع حضور زميلها السوري عبد القادر حبق في حياتها الذي أصبح زوجها بعد عملهما سوياً لفترة طويلة، بدأ هذا التصور يتغير تدريجياً. هنا يلتقط حبق الخيط، موضحاً أن التحول لم يكن مجرد إضافة عنصر جديد إلى القصة، بل إعادة تعريف كاملة لها، لأنهما أدركا أن الحكاية التي يمكن أن تُروى بصدق ليست حكاية بلدين بقدر ما هي حكاية شخصين يعيشان داخل هذا التعقيد.

تعود جناي لتؤكد أن هذا الإدراك كان حاسماً، وخصوصاً مع صعوبة تقديم سرد سياسي مباشر عن بلدين متداخلين مثل سوريا ولبنان، وهو ما كان سيؤدي إلى تشعب قد يبعد المشاهد بدلاً من جذبه، ومن هنا جاء القرار بالتركيز على قصة الحب باعتبارها مدخلاً، ليس بوصفها حيلة درامية، بل باعتبارها المساحة التي يمكن من خلالها فهم كل شيء آخر.

المخرج والصحافي السوري عبد القادر حبق

يؤكد حبق أن هذا الاختيار أتاح لهما أيضاً تجنب الوقوع في فخ التفسير الزائد، وترك مساحة للمشاهد كي يكوّن رؤيته الخاصة، بدلاً من تلقي خطاب مغلق، مؤكداً أنه كان يحتفظ بمواد مصورة تمتد لسنوات من عمله في سوريا، لكنها كانت بالنسبة له عبئاً نفسياً كبيراً، دفعه بعد وصوله إلى لندن إلى اتخاذ قرار واضح بعدم العودة إليها.

تتابع جناي الفكرة، مشيرة إلى أن إدخال هذا الأرشيف في الفيلم لم يكن قراراً سهلاً، لكنه أصبح ضرورياً مع تطور المشروع، لأنه يحمل جزءاً لا يمكن تجاهله من الحكاية، وهنا يوضح حبق أن التحدي لم يكن فقط في استخدام المواد، بل في كيفية التعامل معها دون أن تتحول إلى عبء جديد على الفريق.

تلتقط جناي هذه النقطة لتشير إلى أن العمل على الأرشيف فرض عليهم البحث عن آليات حماية نفسية، خصوصاً أن بعض المواد تحتوي على مشاهد قاسية للغاية، ويقول حبق إنهم اضطروا إلى تصنيف اللقطات وفق درجات حساسيتها، بحيث لا يتعرض أي فرد في الفريق لما قد يؤثر عليه بشكل مباشر دون استعداد، وهذا التنظيم لم يكن فقط إجراءً عملياً، بل كان جزءاً من فهم أعمق لطبيعة العمل، حيث لا يمكن فصل العملية الفنية عن أثرها الإنساني على من يشاركون فيها.

المخرجة والصحافية اللبنانية جناي بولس (الشركة المنتجة)

وعن مرحلة المونتاج؛ توضح جناي أن التحدي الأكبر لم يكن في توفر المواد، بل في اختيار ما يجب أن يبقى وما يجب أن يُستبعد، وهو اختيار وصفته بـ«المعقد»؛ لأن الذاكرة الشخصية كانت حاضرة بقوة، وهو ما جعل وجود فريق العمل عنصراً أساسياً في تحقيق التوازن، ليخرج الفيلم للجمهور بالصورة التي شاهدها الجمهور.


فرش أسنان مبتكرة تدمر البكتيريا في الفم

فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
TT

فرش أسنان مبتكرة تدمر البكتيريا في الفم

فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)

كشف باحثون من المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا عن تطوير جيل جديد من فرش الأسنان يعتمد على تقنية «أكسيد الغرافين»، القادرة على القضاء على البكتيريا بشكل انتقائي دون الإضرار بخلايا الفم. وأوضح الباحثون أن هذا الإنجاز يمثل خطوة نوعية قد تُحدث ثورة في مجال العناية بالفم والنظافة الشخصية، ونُشرت النتائج، الجمعة، بدورية «Advanced Functional Materials».

وتُعد النظافة في المنتجات التي تلامس الجسم مباشرة، مثل الملابس والكمامات وفرش الأسنان، أمراً بالغ الأهمية، إذ تلعب دوراً مباشراً في منع انتقال البكتيريا والجراثيم. وبما أن هذه المنتجات تُستخدم يومياً وتبقى على تماس دائم مع الجلد أو الفم، فإنها تمثل بيئة محتملة لتراكم الميكروبات إذا لم تكن مصممة بخصائص مضادة للبكتيريا، وهو ما يفسّر الاهتمام المتزايد بتطوير مواد وتقنيات حديثة تعزز مستويات النظافة والسلامة الصحية.

وتمكّن الفريق من تحديد الآلية التي يجعل من خلالها «أكسيد الغرافين» مادة فعالة ضد البكتيريا، مع بقائه آمناً على الخلايا البشرية. وتعتمد الفُرش الجديدة على هذه المادة النانوية المتطورة، وهي طبقة رقيقة من الكربون مرتبطة بذرات أكسجين، تتميز بقدرتها على التفاعل مع البكتيريا بطريقة دقيقة وآمنة.

وأظهرت الدراسة أن الفرش تعمل عبر آلية «استهداف انتقائي»، حيث تلتصق المادة النانوية بأغشية الخلايا البكتيرية فقط، وتقوم بتدميرها، بينما تظل الخلايا البشرية سليمة.

ويعود ذلك إلى قدرة أكسيد الغرافين على التعرف على مكوّن دهني يُعرف باسم (POPG)، يوجد في أغشية البكتيريا ولا يتوافر في خلايا الإنسان، ما يمكّن المادة من تمييز الهدف بدقة عالية.

وبفضل هذه الخاصية، تستطيع الفرش التعرف على «هدف محدد» داخل البكتيريا وتدميره دون أي تأثير جانبي، وهو تقدم كبير في فهم آلية عمل المواد المضادة للبكتيريا على المستوى الجزيئي.

وأكد الباحثون أن هذه الخاصية تجعل فرش الأسنان الجديدة فعالة ضد مجموعة واسعة من البكتيريا، بما في ذلك السلالات المقاومة للمضادات الحيوية.

كما أظهرت التجارب أن المادة لا تقتصر على القضاء على البكتيريا فقط، بل تسهم أيضاً في تعزيز بيئة صحية داخل الفم، دون التسبب في التهابات أو آثار جانبية، مما يعزز أمان استخدامها اليومي.

كما أثبتت الألياف المصنوعة من هذه المادة قدرتها على الاحتفاظ بخواصها المضادة للبكتيريا حتى بعد الغسل المتكرر، ما يزيد من احتمالات توظيفها في مجالات صناعية متعددة، مثل الملابس والمنسوجات الطبية.

ووفق الباحثين، لم يعد هذا الابتكار فكرة مخبرية فحسب، فقد تم تطبيقه بالفعل في منتجات تجارية، حيث طُرحت فرش أسنان مضادة للبكتيريا باستخدام هذه التقنية عبر شركة ناشئة منبثقة عن المعهد، وحققت مبيعات تجاوزت 10 ملايين وحدة، في مؤشر واضح على نجاحها التجاري.

ويشير الفريق إلى أن هذه التقنية تمثل خطوة مهمة نحو تطوير بدائل آمنة وفعالة للمطهرات الكيميائية والمضادات الحيوية، مع إمكانية توسيع استخدامها لتشمل مجالات مثل الأجهزة القابلة للارتداء.