«على جبل يشكُر»... رواية تضعنا أمام حياة موازية لأخرى مضت

رباب كساب تنحت «الغرابة» المكتسية بعباءة الخرافة

«على جبل يشكُر»... رواية تضعنا أمام حياة موازية لأخرى مضت
TT

«على جبل يشكُر»... رواية تضعنا أمام حياة موازية لأخرى مضت

«على جبل يشكُر»... رواية تضعنا أمام حياة موازية لأخرى مضت

هل تصلح لعبة التوازي روائياً مع أثر تاريخي، في إنقاذ حياة وبعثها في ولادة أخرى، ولو بالتماهي مع الأثر نفسه، وادعاء الانتساب إليه... يصلح هذا التساؤل برأيي في التعاطي مع رواية «على جبل يشكر» للكاتبة الروائية رباب كساب، فالرواية تحفز قارئها عليه، بداية من عنوانها بدلالته المكانية التي تفوح منها رائحة الأثر، ثم تفاصيل سير وحيوات أبطالها، وصراعاتهم مع الجني؛ وذلك وسط تعدد أقنعة الأثر نفسه والسرديات المروية عنه، التي رسختْ في الوجدان العام والذاكرة الشعبية لسنوات طويلة، مازجة ما بين الواقعي والأسطوري، ومنها ما يقال إن من أراد أن يستجاب دعاؤه فليقف على هذا الجبل، وإن سفينة نوح رست به، وموسى ناجى ربه من فوقه، وغيرها من الحكايات التي تنسج في «بيت الكريتلية» الذي بحضنه الجبل، مثل حكاية البئر المسحورة والوطاويط وكبير الجان وبناته السبع.
وسط كل هذا يبرز فعل المعايشة، كحلقة وصل بين زمانين مفارقين، فالكاتبة لا تستدعي الأثر من عباءة الماضي فحسب، بل تعيشه كلحظة متصلة مع واقعها الراهن، ومن ثم تضعنا أمام حياة موازية لحياة مضت. وتصل هذه المعايشة إلى حد الوقوع في لعنة الأثر نفسه... «راجية» بطلة الرواية الشابة التي تعمل محاسبة بإحدى الشركات، مسكونة بقرين لها، تشبهها وتكاد تكون صورة طبق الأصل منها، تكسب وصية الجد في الحلم حكاية هذا القرين مصداقية ما، وذلك في شكل رسالة لحفيدته إلى خالتها «راقية» قائلاً: «لا تنظري في المرآة، فلا الصورة حقيقية، ولا أنتِ أنتِ. المرآة خادعة».
في هذه المسافة الملتبسة تبدأ مناورة الرواية فيما يمكن تسميته «نحت الغرابة»، التي تنعكس بتراوحات متباينة في مرايا الشخوص، وتبرز في ظلال خطواتهم المسكونة بفراغ قاتل وموحش، وفي ذواتهم المنقسمة على نفسها، وأحلامهم التي يختلط فيها الوهم بالحقيقة، إلى حد الشعور بالفصام، ولا تجد هذه الشخوص سوى اصطناع الحكي لتسد به فجوة هذا الفراغ، وتبقى قريبة من نفسها، أو على الأقل في مسافة آمنة.
تحت وطأة الولع بالغرابة، تغادر راجية بيت العائلة الكبير، وتستقل بنفسها، في شقة صغيرة في جوار «بيت الكريتلية»، أو بمعنى آخر بيت الأجداد، فجدها سليمان الكريتلي حارس ضريح ومقام الشيخ هارون الحسيني، روى تاريخ البيت وأساطيره لجابر أندرسون الطبيب والضابط الإنجليزي الذي عشق البيت وحوّله إلى متحف بعد أن اشتراه من الحكومة. في هذا البيت تتعرف على قرينتها، وتكتشف أن اسمها لطفية، ولا أحد يراها أو يلمسها سواها. تنجح راجية في تحريضها للخروج من البيت ومغادرة زمنها الماضي العتيق للتعرف على زمن آخر ابن اللحظة الراهنة. تنزع عن وجهها الوشاح، وتنطلق بها في زيارة مفاجئة للخالة راقية.
هنا تبرز سمة أساس في نحت الغرابة، وهي اللعب مع الزمن إلى حد سرقته، وكأنه صراع بين لصين، يتعاقبان عليه من أزمنة مختلفة. تقول في الفصل الخامس بعنوان «سيدي هارون»: «كانت طريقة خالتي غريبة، لم تكن في حالتها الطبيعية، اليوم كله أشعر بغرابتها، أحس بأني أكلم امرأة أخرى... لها فوق العمر عمران، لكنها ما أن قالت ذلك حتى تغير كل شيء من حولي، كأنني في زمن غير الزمن، السيارات تتراجع إلى الخلف، تنحسر على الجانبين، تتجه نحو الحوائط والجدران، صارت كحشرات تسير على جدران العمارات، تتسع عيناي عن آخرهما، تتعاظم دهشتها، الناس تطير في الهواء، يزحفون على حوائط البيوت، يصعدون، أنا وهي فقط على الأرض».
يشكل هذا المشهد الخاطف المعجون بإيقاع السينما مفتاحاً مهماً للوقوف على كنه الغرابة وعلاقتها بالزمن. ومن ثم تبدو الصورة أكثر اتساقاً لو نظرنا إلى هذه العلاقة من زاوية أخرى، هي سرقة الغرابة نفسها، وكأنها وديعة حميمة في جعبة الزمن، على النص أن يسرقها بمهارة وخفّة، من أجل أن يبقى الصراع ممتداً في الروح والجسد. أيضاً يمكن أن ننظر من هذه الزاوية إلى لطفية، قرينة راجية وتوأم مرآتها، باعتبارها وديعة الزمن، التي مثلت برأيي التجلي الأعمق للعلاقة بالأثر في الرواية؛ حيث تنساب مشاعر الغرابة بينهما بحنو وتلقائية، بلا فوصل أو عقد زمنية سميكة، خالصة في الوقت نفسه من شوائب ورتوش الاصطناع والمبالغة التي شابت علاقة الذات الساردة (الكاتبة) ببعض الشخوص الأخرى، على سبيل المثال علاقتها بالجارة المسنة البذيئة.
لا تتوقف علاقة الغرابة بالزمن عند هذا الحد، إنما تلوِّن مدارات الحكي برذاذها، فيصبح خفيفاً وشفيفاً، في الحكي عن الشخصيات التاريخية الملتصقة بالمكان المسرود عنهم، مثل الجد، والشيخ هارون، وأبي زياد، التاجر الحلبي، وظهوره الحلمي المفاجئ، وهو يرسي مركبه على شط النيل، لا تحضر هذه الشخصيات بسمتها الواقعي، وإنما تظل بؤرة تنوير مؤثرة في المشهد، في المقابل يتسم الزمن بالثقل والوطأة والتشتت والانقسام، خاصة في مكابدات قصة راجية وحبيبها ناجي الصحافي المرموق، المأزوم بمثاليته وثقته المفرطة في نفسه، حتى أصبح جزءٌ منها يحبه، وجزءٌ آخر يرفضه.
في اللعب مع الجني ومراودته، تكتسي الغرابة بعباءة الخرافة، في مظانها الشعبية، واللافت أن الجني يتلبس النساء فحسب، معتبراً أن كل من تلبسهن ملكية خاصة له، يسعى إلى الوقيعة بينهن، ويقر بفشله مع الرجال. تمثل الخالة راقية نموذجاً لذلك، فبعد التقاعد المبكر عن العمل، وفقد ابنها الوحيد، ورحيل زوجها، وتعرضها لحادث سير مروع أقعدها بالمشفى لبضعة أيام في غيبوبة، توصد أبواب شقتها القديمة وترحل إلى سكن جديد، تتوسل بالحكايات المعبقة برائحة الماضي والذكريات التي تحكيها لثلة من أصدقائها في النادي لسد فراغ ناتئ في العمر والروح، ويتحول الجني الذي وصفها بـ«المدنسة» إلى بئر للحكايات، لكن تظل تطاردها عقدة الماضي واختلاط الحلم بالحقيقة إلى حد الوهم والوقوع في النسيان. فتتخفف في حلمها من كرهها لزميلها صبري الذي أصبح مديرها، وتخلط بينه وبين زوجها ياسر الطبيب الحاذق الشهير، فتراه بملابس صبري التي اختارتها له، وكأنهما يتبادلان أقنعة لا ترى.
يصل اللعب مع الجني إلى حد المسامرة والمزاح أحياناً، لكنه يصبح أكثر درامية وفتكاً حين يشارف العشق بمعناه الحسي كما في علاقة «شَهد» به، التي تمنت منذ الصغر أن تصاحب جنياً وتتلبسها هذه الروح، لتتخفف من ثقل الحياة وأعبائها، ومن ثقل بدنها وأعبائه أيضاً. في ظل هذه الأجواء بمفارقاتها الكابوسية، لا يجد زوجها سبيلاً للنجاة، سوى طلاقها، وأخذ طفليها منها بعد أن تركتهما نهباً للتشرد. تصف الرواية هذه الحالة (ص90) على هذا النحو: «كانت تتمنى أن تلتقي جنياً ويعيش معها في الفراغ، أن تطير في الهواء وتتنقل في لمح البصر إلى أي مكان، ألا يطلب منها أحد من أقاربها ألا تجلس في الخلف، حتى لا تكون ثقلاً على عجلة سيارته العتيقة. كم ملّت كونها نغمة نشازٍ وسط تجمعات أصدقائها وأقاربها، لا شيء يميزها سوى بدانتها، تكره كل صورها معهم، هناك في عالم الجن، ستكون مثلهم، لها خفتهم، وقد تكون لها قدرات خارقة، فتفقد من وزنها عشرات الكيلوغرامات».
بيد أن هذه الخفة التي تحلم بها «شهد» تعكس مأزقاً طفيفاً للسرد في الرواية، فرغم أن الحكايات مفتوحة، بعضها على بعض، تسلم نفسها من طرف إلى آخر بسلاسة شيقة، إلا أن ثقل تراكمها يقربها من إيقاع الحواديت والحكايات الشعبية المعتادة عن عالم الجن والعفاريت، أيضاً لم تسلم رمزية قراءة الفنجان في الرواية وكسره من إيقاع العادة والمألوف، فلا جني في الفنجان، بل مجرد علاقة قاع ملوث بسطح فارغ يعكسان الحالة النفسية لصاحبه، وهي حالة ظنية وتخمينية محضة.
تبني الكاتبة شخوصها بذكاء وحساسية لافتين، لكن لا زمن خالصاً لذاته، معظم الشخوص مشدودة إلى حجر ما في الماضي، لا تزال تفتش عن نفسها في ظلاله، إنه زمنها الهارب من الحكاية والجني والأثر، زمن اللهفة البكر والنشوة الأولى، هنا تتكشف الغرابة عن أحد أوجه خفّتها الثرية المحلِّقة في الرواية؛ حيث تصبح المصادفة جزءاً من السرد ونسيج وجودنا الرخو. في مرآتها تخطف «شهد» ياسر الطبيب الحاذق الذي يعتبر نفسه عبقرياً في مهنته، تقرأ له الفنجان بالمشفى، وتخبره بأن في حياته ثلاثَ زيجات، يسخر منها، ثم يقع في حبها تاركاً وراءه كل شيء، ويحكي لها عن الماضي، عن مصادفة لقائه بزوجته الأولى «سليمة» السيدة العراقية الثرية الجميلة، التي كانت تكبره بتسع سنوات. كان لم يزل طالباً بالكلية، لكنه عاش معها الحب في صيرورة تتجدد يومياً. بعد سنوات تضجر من القاهرة، فتغادرها للعيش في لندن دون أن تلزمه بأي شيء.
في الفصول الثلاثة الأخيرة تلهث الرواية وكأنها تريد أن تضع الجني في القمقم وتتنفس هواء جديداً، تترك الأبواب مفتوحة، على كل شيء ولا شيء، على الحب واللا حب، بينما ومضات ثورة 25 يناير (كانون الثاني) الشاردة في ثنايا الحكي، تبدو وكأنها حلم ضل الطريق إلى نفسه. تعود راجية إلى زمنها الواقعي الحقيقي: «أحب القرن الحادي والعشرين، أحب التكنولوجيا التي أحس بجهلي أمامها، أحب حداثة حياتنا، أحب تاريخ نضال المرأة التي تطورت معه»، ويطلق ناجي صرخته المأزومة الموثقة في آخر مقال كتبه بالصحيفة.
«لطشة» النهاية هذه ليست قناعاً لمرثية في الهواء الطلق، إنما للرواية والثورة معاً. تسقط الثورة في العسف والمطاردة والاعتقال والسجن، ويسقط الأثر في لعنته التي صنعها البشر بحكاياتهم العجيبة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

ملايين المصلين يشهدون ختم القرآن بـ«الحرمين الشريفين»

شهد المسجد الحرام ليلة التاسع والعشرين حضوراً كثيفاً لقاصديه من المعتمرين والمصلين لأداء صلاة العشاء والتراويح وختم القرآن الكريم (واس)
شهد المسجد الحرام ليلة التاسع والعشرين حضوراً كثيفاً لقاصديه من المعتمرين والمصلين لأداء صلاة العشاء والتراويح وختم القرآن الكريم (واس)
TT

ملايين المصلين يشهدون ختم القرآن بـ«الحرمين الشريفين»

شهد المسجد الحرام ليلة التاسع والعشرين حضوراً كثيفاً لقاصديه من المعتمرين والمصلين لأداء صلاة العشاء والتراويح وختم القرآن الكريم (واس)
شهد المسجد الحرام ليلة التاسع والعشرين حضوراً كثيفاً لقاصديه من المعتمرين والمصلين لأداء صلاة العشاء والتراويح وختم القرآن الكريم (واس)

شهد ملايين المصلين بالمسجد الحرام في مكة المكرمة، والمسجد النبوي في المدينة المنورة، ليلة ختم القرآن الكريم، مساء الثلاثاء، حيث أدوا صلاة العشاء والتراويح ليلة التاسع والعشرين من شهر رمضان المبارك، وسط أجواء روحانية تحفّها السكينة والاطمئنان.

ومنذ الصباح الباكر، توافد ضيوف الرحمن من المعتمرين والزوار والمصلين، إلى أروقة وساحات المسجد الحرام، والطرق المؤدية إليه، حيث تمكن أكثر من مليونين ونصف مليون مصلٍ من أداء مناسكهم وعباداتهم بكل يسر وأمان، بفضل ما وفرته الحكومة السعودية من خدمات، وما نفذته من مشروعات بإشراف ومتابعة قيادة البلاد.

يشهد المسجد الحرام في مكة المكرمة توافد أعداد كبيرة من المصلين من مختلف بقاع العالم (واس)

وجندت الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي كامل طاقاتها وإمكاناتها ضمن منظومة عمل متكاملة، وبالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، لاستقبال القاصدين وتنظيم حركتهم، وتوجيههم إلى صحن المطاف والمصليات المخصصة، مع مراعاة احتياجات كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة عبر مسارات مهيأة تسهّل تنقلهم.

وامتلأت أروقة المسجد النبوي وساحاته وسطحه، والتوسعات المحيطة به بالمصلين وزائريه، التي حرصت الهيئة على تهيئتها الكاملة، ووضع كل الترتيبات اللازمة للمحافظة على سلامة وراحة المصلين والزائرين، ومساعدتهم في قضاء أوقات مليئة بالذكر والعبادة والراحة والطمأنينة.

وتشهد صلاة التراويح في ليلة ختم القرآن الكريم بالمسجدين «الحرام» و«النبوي» توافداً مبكراً للمتعبدين، حيث تتوافد جموع المصلين منذ ساعات العصر، في انسيابية حركية، وتنظم دقيق، يعكس مستوى العناية براحة القاصدين وسلامتهم.

وهيأت الهيئة لوحات إرشادية مصنفة وفق المواقع، لتيسير وصول المصلين إلى الخدمات والمرافق، إلى جانب تعزيز أعمال النظافة والتعقيم والتعطير باستخدام أحدث المعدات والآليات، وتشغيل دورات المياه بكامل جاهزيتها، وفرش المسجد الحرام بأعداد كبيرة من السجاد، وتوفيرها على المدار الساعة نقاطاً كثيرة لسقيا ماء زمزم، مبردة وغير مبردة.

امتلأت أروقة المسجد النبوي وساحاته وسطحه والتوسعات بالمصلين وزائريه منذ وقت مبكر (واس)

وفي إطار تسهيل الدخول والخروج، عملت الهيئة على تخصيص مداخل لكبار السن وذوي الإعاقة، إلى جانب تكثيف فرق البلاغات لاستقبال الملاحظات، وتوفير المصاحف، والتأكد من كفاءة أنظمة الصوت والتكييف والتهوية، وتشغيل العربات الكهربائية واليدوية عبر تطبيق «تنقل»، وتنظيم عمل دافعي العربات وفق خطط تشغيلية دقيقة.

وعززت الهيئة وجود المراقبين على أبواب المسجد الحرام لتوجيه المصلين، استخدمت فيها شاشات الإلكترونية متعددة اللغات للإرشاد المكاني، بالتكامل مع الجهات الأمنية لتنظيم الحشود، خاصة عند امتلاء المصليات، إضافة إلى تنفيذ خطط متقدمة لأعمال التطهير والتعقيم.

وكثفت الهيئة جهودها الميدانية عبر كوادر مؤهلة للإشراف على تنظيم الساحات والممرات، ومتابعة أعمال النظافة وغسل المسجد الحرام بشكل مستمر، وتهيئة المداخل والممرات، وتنظيم استخدام السلالم الكهربائية، وإرشاد المصلين إلى الأدوار العلوية، والمعتمرين إلى صحن الطواف، مع التأكد من جاهزية أنظمة السلامة وخطط الطوارئ لمواجهة مختلف الظروف.

تعدّ ليلة ختم القرآن من أكثر الليالي ازدحاماً خلال شهر رمضان المبارك (واس)

وجهزت الهيئة السلالم الكهربائية والمصاعد، ورفعت من كفاءة الأنظمة الصوتية والتكييف والإضاءة والتهوية، وصيانة المرافق، وتطبيق أعلى معايير الوقاية البيئية، مع استخدام أنظمة متقدمة لمتابعة الحالة الجوية والتعامل الفوري مع أي مستجدات.

ونفذت الهيئة بالتكامل مع الجهات المعنية خططاً شاملة للإرشاد المكاني، وتخصيص مسارات واضحة في الممرات، ضمن مبادرة «اسألني» التي تقدم خدمات إرشادية ميدانية بعدة لغات، لمساعدة القاصدين وتيسير تنقلهم داخل المسجد الحرام وساحاته.

وأوضح المهندس محمد فقيهي مدير عام خدمات الحشود في هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين بالمسجد النبوي، أن الهيئة تعمل على تعزيز جوانب التكامل بين مختلف الجهات المعنية في خدمة زائر المسجد النبوي، وتكثيف الجهود التنظيمية والخدمية؛ إذ عُزّزت نقاط الإرشاد، وزادت من جاهزية الفرق الميدانية، للتعامل مع مختلف الحالات، لدعم تنفيذ الخطط التشغيلية بسلاسة وكفاءة، بالإضافة إلى الخدمات المساندة لتعزيز راحة المصلين، من خلال توفير مياه الشرب، واستمرار أعمال التطهير، والعناية بالسجاد، وتيسير حركة التنقل والعربات لكبار السن وذوي الإعاقة.

هيأت الهيئة العامة لـ«شؤون الحرمين» بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة منظومة متكاملة من الخدمات لاستقبال المصلين والزائرين (واس)

وتعكس هذه الجهود منظومة تشغيلية متكاملة تُدار وفق معايير عالية من الكفاءة والتنسيق، تُسهم في تمكين جموع المصلين من أداء صلاة التراويح في ليلة الختمة في أجواء يسودها التنظيم والانسيابية والطمأنينة، بما يجسد مستوى العناية المتواصلة بخدمة قاصدي الحرمين الشريفين، ويؤكد جاهزية المنظومة التشغيلية للتعامل مع أعلى معدلات الكثافة بكفاءة واقتدار.

وأكدت الهيئة العامة للعناية بـ«شؤون الحرمين» تسخير جميع إمكاناتها البشرية والتقنية لخدمة ضيوف الرحمن، والعمل وفق أعلى معايير الجودة والكفاءة، بما يحقق تجربة إيمانية ميسّرة وآمنة لقاصدي بيت الله الحرام في هذه الليلة المباركة.


«مدد مدد»... لوحات فطرية لتجليات الفلكلور في عالم حسن الشرق

من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)
من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)
TT

«مدد مدد»... لوحات فطرية لتجليات الفلكلور في عالم حسن الشرق

من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)
من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)

يبدو عالم الفنان المصري الراحل حسن الشرق، بفضائه الحالِم المشبع بموتيفات الفلكلور الشعبي، متناغماً مع الأصداء الروحية التي يستدعيها معرض «مدد مدد» الذي يبدو مثل هتاف روحي يستجلي العادات والتقاليد والقيم الأصيلة ويطلب منها العون.

ويعد الفنان حسن الشرق (1949 - 2022) من أبرز الأسماء المرتبطة بتجربة الفن الفطري في مصر. ذلك النوع من الفن الذي ينتجه فنانون لم يتلقوا تعليماً أكاديمياً تقليدياً في الفنون، بل يطورون لغتهم البصرية انطلاقاً من خبرتهم الحياتية والبيئية التي ينتمون إليها، وفي هذا السياق اكتسبت أعمال الشرق خصوصيتها، إذ استطاع أن يحوّل مفردات الحياة اليومية في الريف المصري إلى عالم بصري غني بالرموز والدلالات.

موتيفات شعبية تقليدية تميز أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)

يضم المعرض الذي يستضيفه غاليري «خان المغربي» بالقاهرة حتى 19 مارس (آذار) الحالي نحو 40 عملاً للفنان الراحل، تسري فيها روح البيئة الريفية وذاكرتها الشعبية، في حوار بصري مع منحوتات للفنان محمود سالم، واختارت صاحبة الغاليري سهير المغربي عنوان المعرض «مدد مدد» لما يحمله من صدى واضح في الفلكلور الشعبي، وارتباطه بالأجواء الروحية لشهر رمضان الكريم، وعن هذا العنوان تقول لـ«الشرق الأوسط»: «يتردد هذا النداء في حلقات الذكر والمواويل الشعبية بوصفه استدعاء للبركة والدعم الروحي، وهو ما يتناغم مع روح أعمال حسن الشرق التي تستلهم الخيال الشعبي بما يحمله من رموز وأساطير، يطوعها بأسلوبه الفطري الفريد».

أعمال حسن الشرق استلهمت الموروث الشعبي (غاليري خان المغربي)

تستقبل الزائر لوحات يغمرها اللون وتفيض بالحركة، أبطالها شخصيات بشرية وفرسان وطيور تتجاور داخل فضاء زخرفي كثيف، مرسومة بخطوط عفوية تمنح المشهد طاقة نابضة بالحياة، ففي أعمال الشرق تبدو الشخصيات والخيول والطيور وكأنها تتحاور في دينامية مرحة، داخل عالم بصري تتشابك فيه العناصر وتحيط بها موتيفات شعبية تمنحها طابعاً احتفالياً.

في إحدى اللوحات يظهر عازف مزمار يستقل مركباً صغيراً، بينما تتلألأ السماء خلفه بنجوم مزركشة الألوان، كأنها امتداد لعالمه الداخلي العفوي، وتغطي الخلفية زخارف دقيقة ونقاط متكررة، وفي لوحة أخرى تُحلّق شخصياته فوق الخيل، بينما تتوزع حولهم مفردات نباتية وطيور في فضاء جمالي مكثف.

وترى الفنانة والناقدة التشكيلية الدكتورة إنجي عبد المنعم فهيم، أن تجربة حسن الشرق تمثل حالة استثنائية داخل هذا المسار، إذ تقدم رغم فطريتها صياغة بصرية عميقة لفلسفة البقاء والارتباط بالأرض والمخيال الشعبي، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «عبقرية الشرق تكمن في قدرته على الحفاظ على دهشة الطفل، رغم نضجه الفني وتجربته العالمية إذ يرسم الأشياء كما تُدرك في الوجدان لا كما تُرى في الواقع العيني، محولاً المفردات اليومية إلى رموز وجدانية عابرة للزمن».

رقصة المولوية التقليدية ضمن الأعمال المعروضة (غاليري خان المغربي)

وتضيف: «في أعماله التي تُصوّر الفرسان، نجد فكرة القوة والتحام الكيان الإنساني بالحيواني في وحدة وجودية مطلقة، أما الإيقاع الوجودي في فن الشرق فيظهر بوضوح من خلال فلسفة ملء الفراغ حيث تغطي النقاط والزخارف المتكررة مساحات اللوحة، معبرةً عن استمرارية الزمن وتداخل الكائنات، فسر استمرار تجربة حسن الشرق وتأثيرها حتى اليوم يكمن في أصالتها التي تقاوم المحو، ففي عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي يظل فنه يمثل نوعاً من الصدق البشري الخالص، إذ استطاع مخاطبة العالم بلغة بصرية مصرية صميمة صهرت داخلها مواريث الفن المصري القديم والقبطي والإسلامي».

الهدهد يجاور أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)

ويتداخل مع لوحات المعرض عدد من المنحوتات للفنان محمود سالم، الذي ترى سهير المغربي أن تجربته تتناغم مع روح المعرض، وتوضح أن سالم «يعمل بروح فطرية في النحت، ويشتغل على ثيمات مصرية خالصة، مستخدماً تقنيات النحت التقليدي بالإزميل، حيث تظهر في أعماله طيور مثل أبو قردان والهدهد، وغيرها من الكائنات المرتبطة بالطبيعة المصرية والتراث الشعبي».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الإعلان عن مسلسل «مصطفى محمود» يخطف الاهتمام في مصر

خالد النبوي (حسابه على فيسبوك)
خالد النبوي (حسابه على فيسبوك)
TT

الإعلان عن مسلسل «مصطفى محمود» يخطف الاهتمام في مصر

خالد النبوي (حسابه على فيسبوك)
خالد النبوي (حسابه على فيسبوك)

بعد أكثر من 15 عاماً على طرح فكرة تقديم عمل درامي يتناول سيرة العالم الراحل الدكتور مصطفى محمود (1921 - 2009)، أعيد طرحها ولكن برؤية تتضمن عرضه في رمضان 2027 على أن يقوم الكاتب محمد هشام عبية بكتابة العمل وتخرجه كاملة أبو ذكري.

وتصدر العمل الذي يعد أول مشروع درامي يعلن تقديمه في رمضان المقبل الاهتمام في مصر، لكثرة العثرات التي واجهتها الفكرة من قبل، بالإضافة لطبيعة أعمال السيرة الذاتية التي عادة ما تكون محل ردود فعل متباينة وترقب لما سيتم تقديمه على الشاشة.

المسلسل الذي تقوم المنتجة مها سليم عبر شركتها بتنفيذه من إنتاج «الشركة المتحدة» و«سعدي - جوهر» حصل صناعه على موافقات رسمية بتوقيعات من ورثة العالم الراحل وهما ابناه أدهم وأمل لتقديم العمل درامياً، مع إنهاء أي تعاقدات سابقة وفق بيان صدر عن المنتجة المصرية.

وأكدت المنتجة أن ورثة الراحل انتهى تعاقدهم الذي يعود لعام 2012 مع المنتج أحمد عبد العاطي، الذي كان يمنحه حق تنفيذ العمل خلال 5 سنوات، لافتة إلى أن الورثة بدأوا منذ عام 2018 توجيه إنذارات عبر المحكمة تفيد بانتهاء جميع الصلاحيات القانونية لأي طرف سابق، مع توجيه إنذار أخير في فبراير (شباط) الماضي.

وأوضحت أن شركتها «فورايفر دراما» حصلت على حقوق العمل من الورثة بالفعل قبل الإعلان عن المشروع، مؤكدة اعتزامهم إصدار بيان توضيحي خلال الأيام المقبلة لتوضيح الحقائق حول المشروع وتفاصيله.

ومن المقرر أن يقدم الفنان خالد النبوي شخصية مصطفى محمود، وقد أشارت إليه منتجة المسلسل في المقطع الدعائي الذي نشرته، وكان النبوي هو بطل المشروع السابق للمسلسل.

من المقطع الترويجي للعمل (يوتيوب)

وقال الناقد خالد محمود إن شخصية «مصطفى محمود» ثرية جداً، وتستحق أن تتحول إلى عمل درامي، لما تحمله من قيمة يمكن أن تقدم نموذجاً مهماً للأجيال الجديدة، لكن التحدي لا يكمن فقط في تقديم القصة، بل في كيفية صياغتها درامياً، بحيث توضح كيف وصل إلى هذه المرحلة وما طبيعة تكوينه، خصوصاً أنها شخصية تجمع بين أنشطة وتجارب متعددة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «مثل هذه الشخصيات تغري كثيراً من المؤلفين، لكن الأهم أن يُكتب العمل بطريقة قادرة على جذب الجمهور وتحقيق تفاعل معه، لا سيما وأن أعمال السيرة الذاتية غالباً ما تواجه ردود فعل متباينة، وهو ما يتطلب معالجة دقيقة ومتوازنة».

وأوضح أن «اختيار البطل عنصر أساسي في نجاح العمل، وخالد النبوي ممثل ذكي ومتحمس لتجسيد الشخصية منذ فترة، وهو أمر إيجابي، لكن الأهم أن يمتلك القدرة على نقل كل المشاعر والتفاصيل الإنسانية الخاصة بالشخصية إلى الجمهور، لأن هذا النوع من الأعمال يعتمد على صدق الأداء وقدرته على التأثير».

شخصية مصطفى محمود ضمن تناول الدراما (إكس)

وأثير جدل «سوشيالي» حول فريق عمل مشروع المسلسل السابق، وعدم الاستعانة بهم في العمل الجديد، الأمر الذي أرجعه الناقد أحمد سعد الدين إلى وجود صور نشرت بالفعل من تحضيرات وتجهيزات للعمل السابق، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «شخصية مصطفى محمود من الشخصيات التي تستحق بالفعل تقديمها درامياً وبأكثر من زاوية للمعالجة».

وأضاف أن ارتباط اسم مصطفى محمود ببرنامج «العلم والإيمان»، الذي يُعد من أنجح البرامج في تاريخ التلفزيون، يضاعف من حجم التوقعات والاهتمام بالعمل، عادّاً أن الإعلان المبكر عن المسلسل قد يسهم في استمرار الجدل لفترة أطول، خصوصاً في ظل عدم بدء التصوير حتى الآن أو الكشف الكامل عن فريق العمل.