«على جبل يشكُر»... رواية تضعنا أمام حياة موازية لأخرى مضت

رباب كساب تنحت «الغرابة» المكتسية بعباءة الخرافة

«على جبل يشكُر»... رواية تضعنا أمام حياة موازية لأخرى مضت
TT

«على جبل يشكُر»... رواية تضعنا أمام حياة موازية لأخرى مضت

«على جبل يشكُر»... رواية تضعنا أمام حياة موازية لأخرى مضت

هل تصلح لعبة التوازي روائياً مع أثر تاريخي، في إنقاذ حياة وبعثها في ولادة أخرى، ولو بالتماهي مع الأثر نفسه، وادعاء الانتساب إليه... يصلح هذا التساؤل برأيي في التعاطي مع رواية «على جبل يشكر» للكاتبة الروائية رباب كساب، فالرواية تحفز قارئها عليه، بداية من عنوانها بدلالته المكانية التي تفوح منها رائحة الأثر، ثم تفاصيل سير وحيوات أبطالها، وصراعاتهم مع الجني؛ وذلك وسط تعدد أقنعة الأثر نفسه والسرديات المروية عنه، التي رسختْ في الوجدان العام والذاكرة الشعبية لسنوات طويلة، مازجة ما بين الواقعي والأسطوري، ومنها ما يقال إن من أراد أن يستجاب دعاؤه فليقف على هذا الجبل، وإن سفينة نوح رست به، وموسى ناجى ربه من فوقه، وغيرها من الحكايات التي تنسج في «بيت الكريتلية» الذي بحضنه الجبل، مثل حكاية البئر المسحورة والوطاويط وكبير الجان وبناته السبع.
وسط كل هذا يبرز فعل المعايشة، كحلقة وصل بين زمانين مفارقين، فالكاتبة لا تستدعي الأثر من عباءة الماضي فحسب، بل تعيشه كلحظة متصلة مع واقعها الراهن، ومن ثم تضعنا أمام حياة موازية لحياة مضت. وتصل هذه المعايشة إلى حد الوقوع في لعنة الأثر نفسه... «راجية» بطلة الرواية الشابة التي تعمل محاسبة بإحدى الشركات، مسكونة بقرين لها، تشبهها وتكاد تكون صورة طبق الأصل منها، تكسب وصية الجد في الحلم حكاية هذا القرين مصداقية ما، وذلك في شكل رسالة لحفيدته إلى خالتها «راقية» قائلاً: «لا تنظري في المرآة، فلا الصورة حقيقية، ولا أنتِ أنتِ. المرآة خادعة».
في هذه المسافة الملتبسة تبدأ مناورة الرواية فيما يمكن تسميته «نحت الغرابة»، التي تنعكس بتراوحات متباينة في مرايا الشخوص، وتبرز في ظلال خطواتهم المسكونة بفراغ قاتل وموحش، وفي ذواتهم المنقسمة على نفسها، وأحلامهم التي يختلط فيها الوهم بالحقيقة، إلى حد الشعور بالفصام، ولا تجد هذه الشخوص سوى اصطناع الحكي لتسد به فجوة هذا الفراغ، وتبقى قريبة من نفسها، أو على الأقل في مسافة آمنة.
تحت وطأة الولع بالغرابة، تغادر راجية بيت العائلة الكبير، وتستقل بنفسها، في شقة صغيرة في جوار «بيت الكريتلية»، أو بمعنى آخر بيت الأجداد، فجدها سليمان الكريتلي حارس ضريح ومقام الشيخ هارون الحسيني، روى تاريخ البيت وأساطيره لجابر أندرسون الطبيب والضابط الإنجليزي الذي عشق البيت وحوّله إلى متحف بعد أن اشتراه من الحكومة. في هذا البيت تتعرف على قرينتها، وتكتشف أن اسمها لطفية، ولا أحد يراها أو يلمسها سواها. تنجح راجية في تحريضها للخروج من البيت ومغادرة زمنها الماضي العتيق للتعرف على زمن آخر ابن اللحظة الراهنة. تنزع عن وجهها الوشاح، وتنطلق بها في زيارة مفاجئة للخالة راقية.
هنا تبرز سمة أساس في نحت الغرابة، وهي اللعب مع الزمن إلى حد سرقته، وكأنه صراع بين لصين، يتعاقبان عليه من أزمنة مختلفة. تقول في الفصل الخامس بعنوان «سيدي هارون»: «كانت طريقة خالتي غريبة، لم تكن في حالتها الطبيعية، اليوم كله أشعر بغرابتها، أحس بأني أكلم امرأة أخرى... لها فوق العمر عمران، لكنها ما أن قالت ذلك حتى تغير كل شيء من حولي، كأنني في زمن غير الزمن، السيارات تتراجع إلى الخلف، تنحسر على الجانبين، تتجه نحو الحوائط والجدران، صارت كحشرات تسير على جدران العمارات، تتسع عيناي عن آخرهما، تتعاظم دهشتها، الناس تطير في الهواء، يزحفون على حوائط البيوت، يصعدون، أنا وهي فقط على الأرض».
يشكل هذا المشهد الخاطف المعجون بإيقاع السينما مفتاحاً مهماً للوقوف على كنه الغرابة وعلاقتها بالزمن. ومن ثم تبدو الصورة أكثر اتساقاً لو نظرنا إلى هذه العلاقة من زاوية أخرى، هي سرقة الغرابة نفسها، وكأنها وديعة حميمة في جعبة الزمن، على النص أن يسرقها بمهارة وخفّة، من أجل أن يبقى الصراع ممتداً في الروح والجسد. أيضاً يمكن أن ننظر من هذه الزاوية إلى لطفية، قرينة راجية وتوأم مرآتها، باعتبارها وديعة الزمن، التي مثلت برأيي التجلي الأعمق للعلاقة بالأثر في الرواية؛ حيث تنساب مشاعر الغرابة بينهما بحنو وتلقائية، بلا فوصل أو عقد زمنية سميكة، خالصة في الوقت نفسه من شوائب ورتوش الاصطناع والمبالغة التي شابت علاقة الذات الساردة (الكاتبة) ببعض الشخوص الأخرى، على سبيل المثال علاقتها بالجارة المسنة البذيئة.
لا تتوقف علاقة الغرابة بالزمن عند هذا الحد، إنما تلوِّن مدارات الحكي برذاذها، فيصبح خفيفاً وشفيفاً، في الحكي عن الشخصيات التاريخية الملتصقة بالمكان المسرود عنهم، مثل الجد، والشيخ هارون، وأبي زياد، التاجر الحلبي، وظهوره الحلمي المفاجئ، وهو يرسي مركبه على شط النيل، لا تحضر هذه الشخصيات بسمتها الواقعي، وإنما تظل بؤرة تنوير مؤثرة في المشهد، في المقابل يتسم الزمن بالثقل والوطأة والتشتت والانقسام، خاصة في مكابدات قصة راجية وحبيبها ناجي الصحافي المرموق، المأزوم بمثاليته وثقته المفرطة في نفسه، حتى أصبح جزءٌ منها يحبه، وجزءٌ آخر يرفضه.
في اللعب مع الجني ومراودته، تكتسي الغرابة بعباءة الخرافة، في مظانها الشعبية، واللافت أن الجني يتلبس النساء فحسب، معتبراً أن كل من تلبسهن ملكية خاصة له، يسعى إلى الوقيعة بينهن، ويقر بفشله مع الرجال. تمثل الخالة راقية نموذجاً لذلك، فبعد التقاعد المبكر عن العمل، وفقد ابنها الوحيد، ورحيل زوجها، وتعرضها لحادث سير مروع أقعدها بالمشفى لبضعة أيام في غيبوبة، توصد أبواب شقتها القديمة وترحل إلى سكن جديد، تتوسل بالحكايات المعبقة برائحة الماضي والذكريات التي تحكيها لثلة من أصدقائها في النادي لسد فراغ ناتئ في العمر والروح، ويتحول الجني الذي وصفها بـ«المدنسة» إلى بئر للحكايات، لكن تظل تطاردها عقدة الماضي واختلاط الحلم بالحقيقة إلى حد الوهم والوقوع في النسيان. فتتخفف في حلمها من كرهها لزميلها صبري الذي أصبح مديرها، وتخلط بينه وبين زوجها ياسر الطبيب الحاذق الشهير، فتراه بملابس صبري التي اختارتها له، وكأنهما يتبادلان أقنعة لا ترى.
يصل اللعب مع الجني إلى حد المسامرة والمزاح أحياناً، لكنه يصبح أكثر درامية وفتكاً حين يشارف العشق بمعناه الحسي كما في علاقة «شَهد» به، التي تمنت منذ الصغر أن تصاحب جنياً وتتلبسها هذه الروح، لتتخفف من ثقل الحياة وأعبائها، ومن ثقل بدنها وأعبائه أيضاً. في ظل هذه الأجواء بمفارقاتها الكابوسية، لا يجد زوجها سبيلاً للنجاة، سوى طلاقها، وأخذ طفليها منها بعد أن تركتهما نهباً للتشرد. تصف الرواية هذه الحالة (ص90) على هذا النحو: «كانت تتمنى أن تلتقي جنياً ويعيش معها في الفراغ، أن تطير في الهواء وتتنقل في لمح البصر إلى أي مكان، ألا يطلب منها أحد من أقاربها ألا تجلس في الخلف، حتى لا تكون ثقلاً على عجلة سيارته العتيقة. كم ملّت كونها نغمة نشازٍ وسط تجمعات أصدقائها وأقاربها، لا شيء يميزها سوى بدانتها، تكره كل صورها معهم، هناك في عالم الجن، ستكون مثلهم، لها خفتهم، وقد تكون لها قدرات خارقة، فتفقد من وزنها عشرات الكيلوغرامات».
بيد أن هذه الخفة التي تحلم بها «شهد» تعكس مأزقاً طفيفاً للسرد في الرواية، فرغم أن الحكايات مفتوحة، بعضها على بعض، تسلم نفسها من طرف إلى آخر بسلاسة شيقة، إلا أن ثقل تراكمها يقربها من إيقاع الحواديت والحكايات الشعبية المعتادة عن عالم الجن والعفاريت، أيضاً لم تسلم رمزية قراءة الفنجان في الرواية وكسره من إيقاع العادة والمألوف، فلا جني في الفنجان، بل مجرد علاقة قاع ملوث بسطح فارغ يعكسان الحالة النفسية لصاحبه، وهي حالة ظنية وتخمينية محضة.
تبني الكاتبة شخوصها بذكاء وحساسية لافتين، لكن لا زمن خالصاً لذاته، معظم الشخوص مشدودة إلى حجر ما في الماضي، لا تزال تفتش عن نفسها في ظلاله، إنه زمنها الهارب من الحكاية والجني والأثر، زمن اللهفة البكر والنشوة الأولى، هنا تتكشف الغرابة عن أحد أوجه خفّتها الثرية المحلِّقة في الرواية؛ حيث تصبح المصادفة جزءاً من السرد ونسيج وجودنا الرخو. في مرآتها تخطف «شهد» ياسر الطبيب الحاذق الذي يعتبر نفسه عبقرياً في مهنته، تقرأ له الفنجان بالمشفى، وتخبره بأن في حياته ثلاثَ زيجات، يسخر منها، ثم يقع في حبها تاركاً وراءه كل شيء، ويحكي لها عن الماضي، عن مصادفة لقائه بزوجته الأولى «سليمة» السيدة العراقية الثرية الجميلة، التي كانت تكبره بتسع سنوات. كان لم يزل طالباً بالكلية، لكنه عاش معها الحب في صيرورة تتجدد يومياً. بعد سنوات تضجر من القاهرة، فتغادرها للعيش في لندن دون أن تلزمه بأي شيء.
في الفصول الثلاثة الأخيرة تلهث الرواية وكأنها تريد أن تضع الجني في القمقم وتتنفس هواء جديداً، تترك الأبواب مفتوحة، على كل شيء ولا شيء، على الحب واللا حب، بينما ومضات ثورة 25 يناير (كانون الثاني) الشاردة في ثنايا الحكي، تبدو وكأنها حلم ضل الطريق إلى نفسه. تعود راجية إلى زمنها الواقعي الحقيقي: «أحب القرن الحادي والعشرين، أحب التكنولوجيا التي أحس بجهلي أمامها، أحب حداثة حياتنا، أحب تاريخ نضال المرأة التي تطورت معه»، ويطلق ناجي صرخته المأزومة الموثقة في آخر مقال كتبه بالصحيفة.
«لطشة» النهاية هذه ليست قناعاً لمرثية في الهواء الطلق، إنما للرواية والثورة معاً. تسقط الثورة في العسف والمطاردة والاعتقال والسجن، ويسقط الأثر في لعنته التي صنعها البشر بحكاياتهم العجيبة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«فلسطين حرة» ... 5 لحظات بارزة في حفل الأوسكار 2026

خافيير بارديم وبريانكا شوبرا جوناس على خشبة المسرح خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار في دورته الثامنة والتسعين بهوليوود (رويترز)
خافيير بارديم وبريانكا شوبرا جوناس على خشبة المسرح خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار في دورته الثامنة والتسعين بهوليوود (رويترز)
TT

«فلسطين حرة» ... 5 لحظات بارزة في حفل الأوسكار 2026

خافيير بارديم وبريانكا شوبرا جوناس على خشبة المسرح خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار في دورته الثامنة والتسعين بهوليوود (رويترز)
خافيير بارديم وبريانكا شوبرا جوناس على خشبة المسرح خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار في دورته الثامنة والتسعين بهوليوود (رويترز)

شهد حفل توزيع جوائز الأوسكار لهذا العام تتويج فيلم «معركة تلو الأخرى» لموسم جوائزه المتميز بحصوله على الجائزة الكبرى لأفضل فيلم، كما حقق فيلم «خاطئون» فوزاً كبيراً أيضاً.

كانت ليلة الأوسكار حافلةً بالمنافسة، زاخرةً بالعروض المبهرة، والتعليقات الطريفة، والأزياء الراقية على السجادة الحمراء، وخطابات التكريم المؤثرة. وإليكم ملخصاً لأبرز أحداث الليلة:

1. لحظات موسيقية

استعاد العرض الموسيقي الأول في الحفل مشهداً استثنائياً من فيلم الرعب «خاطئون»، وهو عبارة عن مونتاج يتتبع تاريخ الموسيقى السوداء من غرب أفريقيا إلى موسيقى دلتا بلوز وصولاً إلى موسيقى الهيب هوب.

جانب من العرض التكريمي لفيلم «خاطئون» خلال حفل الأوسكار (أ.ب)

قاد الممثل مايلز كاتون زملاءه في أداء أغنية «I Lied to You»، وانضم إليهم فنانون من الصف الأول مثل راقصة الباليه ميستي كوبلاند، التي رقصت رغم خضوعها مؤخراً لعملية استبدال مفصل الورك. ولاحقاً، قدمت المغنيات الثلاث من فرقة الفتيات HUNTR/X من فيلم «KPop Demon Hunters» أغنية «Golden». ثم حصدت الأغنية نجاحاً باهراً، وفازت بجائزة أفضل أغنية أصلية، لتصبح أول أغنية كيبوب تفوز بهذه الفئة.

2. السياسة تتصدر المشهد

أثناء تقديمه جائزة أفضل فيلم دولي، أدلى الفائز السابق خافيير بارديم بتصريح: «لا للحرب، وفلسطين حرة».

شعار فلسطين على بذلة خافيير بارديم في حفل فانيتي فير للأوسكار (أ.ب)

وفاز الفيلم النرويجي الكوميدي الدرامي العائلي «قيمة عاطفية» (Sentimental Value) بجائزة أفضل فيلم دولي.

وفي كلمته، اقتبس المخرج يواكيم تراير من الكاتب الأميركي من أصل أفريقي جيمس بالدوين، الذي قال إنه «يذكرنا بأن جميع البالغين مسؤولون عن جميع الأطفال»، وتابع: «دعونا لا نصوّت للسياسيين الذين لا يأخذون هذا الأمر على محمل الجد».

وقال بول توماس أندرسون، الفائز بالجائزة الكبرى بست جوائز، إنه صنع فيلم «معركة تلو الأخرى» لأبنائه كاعتذار «عن الفوضى التي تركناها في هذا العالم الذي نسلمه لهم». وأضاف: «ولكن أيضاً بتشجيعهم على أن يكونوا الجيل الذي نأمل أن يجلب لنا بعضاً من الحس السليم والنزاهة».

وقال بافيل تالانكين، المخرج المشارك وبطل فيلم «مستر نوبادي أجينيست بوتين»، إن على العالم «أن يوقف كل هذه الحروب الآن».

3. وداع للراحلين من الفنانين

حظيت فقرة تأبين مطوَّلة بوقت كافٍ بعد عامٍ رحل معه عدد من أساطير السينما.

وقدَّم بيلي كريستال، وهو مُقدِّم حفلات أوسكار مخضرم، رثاءً مؤثراً لصديقه الراحل وزميله الدائم روب راينر، الذي قُتل مع زوجته في منزلهما بلوس أنجليس أواخر العام الماضي. ثمّ صعد إلى المسرح فريق من الأشخاص الذين عملوا مع راينر، بمن فيهم ميغ رايان.

باربرا سترايساند تحدث عن روبرت ريدفورد خلال فقرة تأبين الراحلين في حفل توزيع جوائز الأوسكار (أ.ب)

كما تمّ تكريم نخبة من أبرز نجوم هوليوود الذين رحلوا في العام الماضي، من بينهم ديان كيتون، وكاثرين أوهارا، وروبرت ريدفورد.

وغنّت باربرا سترايساند، أيقونة الغناء البالغة من العمر 83 عاماً، لصديقها روبرت ريدفورد، حيث أدّت مقاطع من أغنية «The Way We Were» لزميلها في فيلم يحمل الاسم نفسه.

باربرا سترايساند تُحيي ذكرى روب راينر وزوجته ميشيل على خشبة المسرح خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار السنوي الثامن والتسعين في مسرح دولبي بمدينة لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وقالت سترايساند: «كان بوب يتمتع بشخصية قوية، سواءً على الشاشة أو في حياته الشخصية. كنت أصفه بأنه راعي بقر مثقف شقَّ طريقه الخاص».

4. فكاهة وترويج

تم بث حفل توزيع جوائز الأوسكار على شبكة «إيه بي سي» المملوكة لشركة ديزني، واستغل المنظمون هذه الفرصة للترويج لأفلام الاستوديو القادمة.

أثناء تقديم الجوائز، قدّمت سيغورني ويفر وبيدرو باسكال، نجما فيلم «حرب النجوم» لهذا العام «ذا ماندالوريان وغروغو»، فقرةً كوميديةً ظهر فيها غروغو (المعروف أيضاً باسم بيبي يودا) بين الحضور.

وقفت آنا وينتور وآن هاثاواي على خشبة المسرح خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار في دورته الثامنة والتسعين بهوليوود (رويترز)

كما قدّمت آنا وينتور، عميدة مجلة فوغ، برفقة آن هاثاواي، الحائزة على جائزة الأوسكار، فقرةً فكاهيةً مثَّلت أيضاً ترويجاً لفيلم «الشيطان يرتدي برادا 2» المرتقب عرضه هذا الربيع.

واجتمع أيضاً نجما عالم مارفل السينمائي، كريس إيفانز وروبرت داوني جونيور، على خشبة المسرح قبل عرض فيلم «المنتقمون: يوم القيامة» في وقت لاحق من هذا العام.

كريس إيفانز وروبرت داوني جونيور على خشبة المسرح خلال حفل الأوسكار (د.ب.أ)

5. ملاحظة لـ«نتفليكس»... وإبستين

أشار مقدم الحفل كونان أوبراين إلى السياسة، وخفَّف من حدة بعض الانتقادات، بعضها ذو صدى عالمي، وبعضها الآخر موجَّه للمطلعين على بواطن الأمور.

قال مازحاً: «من الرائع العودة لتقديم حفل توزيع جوائز الأوسكار. في العام الماضي، عندما قدمت الحفل، كانت لوس أنجليس تعج بالأحداث. أما هذا العام، فالأمور تسير على ما يرام»، ثم توقَّف قليلاً لإضفاء تأثير على كلامه.

كما وجَّه أوبراين ملاحظة لاذعة إلى تيد ساراندوس، الرئيس التنفيذي لشركة «نتفليكس»، قائلاً: «إنها المرة الأولى له في مسرح».

كونان أوبراين يُقدِّم حفل توزيع جوائز الأوسكار السنوي الثامن والتسعين في مسرح دولبي بمدينة لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وألمح أوبراين أيضاً إلى قضية جيفري إبستين. قال أوبراين: «إنها المرة الأولى منذ عام 2012 التي لا يُرشّح فيها أي ممثل بريطاني لجائزة أفضل ممثل أو أفضل ممثلة». وأضاف ساخراً: «قال متحدث بريطاني (حسناً، على الأقل نُلقي القبض على المتحرشين بالأطفال لدينا)».

كما تعرّض تيموثي شالاميه، نجم فيلم «مارتي سوبريم»، الذي غادر خالي الوفاض دون أي جوائز، لانتقادات لاذعة من أوبراين، الذي سخر مؤخراً من الباليه والأوبرا.


«وان باتل أفتر أناذر» يهيمن على «الأوسكار» بـ6 جوائز

فريق عمل فيلم «وان باتل أفتر أناذر» يحتفلون بفوزه بـ6 جوائز (أ.ف.ب)
فريق عمل فيلم «وان باتل أفتر أناذر» يحتفلون بفوزه بـ6 جوائز (أ.ف.ب)
TT

«وان باتل أفتر أناذر» يهيمن على «الأوسكار» بـ6 جوائز

فريق عمل فيلم «وان باتل أفتر أناذر» يحتفلون بفوزه بـ6 جوائز (أ.ف.ب)
فريق عمل فيلم «وان باتل أفتر أناذر» يحتفلون بفوزه بـ6 جوائز (أ.ف.ب)

هيمن فيلم «وان باتل أفتر أناذر» على حفلة الأوسكار، أمس الأحد، بعدما حصد ست جوائز؛ إحداها في الفئة الرئيسية عن أفضل فيلم، متفوقاً على «سينرز»، في ختام أحد أكثر مواسم الجوائز تنافسية خلال السنوات الأخيرة.

ووفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، فقد فاز المخرج بول توماس أندرسون نفسه بثلاث جوائز أوسكار، للمرة الأولى في مسيرته، عن فيلمه السياسي المثير الذي يتناول قضايا حساسة كحملات مكافحة الهجرة غير القانونية، والتيار المُنادي بتفوق العِرق الأبيض.

وقال أندرسون، وسط ضحكات الحضور، أثناء تسلمه جائزة أفضل مُخرج: «يبذل المرء جهداً كبيراً للفوز بواحدة من هذه الجوائز».

المخرج بول توماس أندرسون (أ.ب)

كما صرّح، بعد تسلمه جائزة أفضل سيناريو مقتبس: «كتبتُ هذا الفيلم لأبنائي، لأعتذر لهم عن الفوضى التي أوجدناها في هذا العالم الذي نُسلمهم إياه»، لكن «مع التشجيع أيضاً على أن يكونوا الجيل الذي نأمل أن يجلب لنا بعضاً من المنطق السليم والنزاهة».

ويروي فيلم «وان باتل أفتر أناذر» قصة ثائر سابق يؤدي دوره ليوناردو دي كابريو، يُضطر لاستئناف نشاطه، عندما يتعرض للاستهداف مع ابنته من جانب ضابط عسكري فاسد يؤدي دوره شون بن، الذي فاز بجائزة أفضل ممثل بدور ثانوي، ما يجرُّه إلى مواجهة خطيرة تتطور إلى صراع سياسي أكبر.

كما فاز الفيلم بجائزة أفضل مونتاج وبالجائزة الافتتاحية في الأمسية لأفضل طاقم ممثلين.

ويُعدّ أندرسون أحد أهم مُخرجي السينما الأميركية المعاصرة، لكنه لم يفز بجائزة أوسكار قبل الأحد، رغم ترشيحه 11 مرة سابقاً عن أفلام لقيت استحساناً كبيراً، من بينها «ذير ويل بي بلاد» و«بوغي نايتس».

أربع جوائز لـ«سينرز»

وقد دخل «سينرز» للمخرج رايان كوغلر، وهو فيلم خيالي عن مصاصي الدماء يقدّم تأملاً في تاريخ أميركا العنصري الصعب، أمسية الأوسكار برقم قياسي بلغ 16 ترشيحاً.

لكنّ غلّة الفيلم اقتصرت على أربع جوائز، من بينها جائزة أفضل سيناريو أصلي لكوغلر، وأفضل ممثل لمايكل بي. جوردان الذي جسّد شخصيتي الأخوين التوأمين سموك وستاك، اللذين كانا يبحثان عن الثروة في الجنوب الأميركي، خلال حقبة التمييز العنصري.

مايكل بي. جوردان يتسلم جائزة الأوسكار لأفضل ممثل (رويترز)

وقال جوردان، للصحافيين خلف الكواليس، إنه دوَّن مذكرات مفصّلة لتوضيح خلفية الشخصيتين؛ بهدف إبراز الفروق الدقيقة بينهما.

ومِن بين الجوائز الأخرى، جائزة أفضل موسيقى تصويرية للودفيغ جورانسون، وجائزة أفضل تصوير سينمائي لأوتوم دورالد أركاباو، لتكون بذلك أول امرأة تفوز بهذه الجائزة.

وصف كوغلر جائزة الكتابة التي حصل عليها بأنها «شرف عظيم»، عازياً، في تصريحات للصحافيين، الفضل في نجاحه إلى أستاذه في الكتابة الإبداعية.

المخرج رايان كوغلر (أ.ب)

وقد أُنتج فيلما «وان باتل أفتر أناذر» و«سينرز» من جانب استوديوهات «وارنر براذرز»، التي شكّلت محور منافسة شرسة بين مجموعتيْ «باراماونت» و«نتفليكس» للاستحواذ عليها.

وحصدت «وارنر براذرز» 12 جائزة أوسكار، من أصل 24 قُدمت الأحد.

وفي جائزة كانت متوقعة على نطاق واسع بتلك الأمسية، فازت جيسي باكلي بجائزة أفضل ممثلة عن تجسيدها شخصية أغنيس، زوجة وليام شكسبير المفجوعة بفقدان ابنهما في فيلم «هامنت».

جيسي باكلي تحمل جائزتها (رويترز)

وصرحت باكلي، للصحافيين خلف الكواليس، بأن فوزها بالجائزة في يوم عيد الأم في وطنها آيرلندا منحها شعوراً «غريباً».

وقالت: «أشعر بأنه من دواعي سروري أن أستكشف الأمومة من خلال هذه الأم الرائعة، أغنيس».

وفازت إيمي ماديغان بجائزة الأوسكار لأفضل ممثلة بدور ثانوي عن دورها ساحرة مختلة عقلياً في فيلم الرعب «ويبنز».

إيمي ماديغان محتفية بجائزتها (أ.ب)

وفاز الفيلم الدرامي العائلي النرويجي «سنتيمنتل فاليو» بجائزة أفضل فيلم دولي.

كما حصد فيلم «كيبوب ديمون هانترز» جائزة أفضل فيلم رسوم متحركة وأفضل أغنية أصلية عن أغنية «غولدن».

كلمات مؤثرة

وأضفى المذيع المخضرم كونان أوبراين جواً من المرح والفكاهة على الحفل بأسلوبه المميز الزاخر بالسخرية اللاذعة.

تضمّن ذلك انتقاداً لاذعاً لحلفاء الرئيس دونالد ترمب، الذين اعترضوا بشدة على اختيار الفنان البورتوريكي باد باني نجماً لعرضِ ما بين شوطيْ مباراة السوبر بول.

المذيع كونان أوبراين (أ.ف.ب)

وقال مخاطباً كبار نجوم هوليوود: «أودُّ أن أُنبهكم إلى أن الليلة قد تأخذ منحى سياسياً».

وشهدت الأمسية فقرة مطوَّلة خُصصت لتأبين الراحلين في هوليوود، تخلّلتها تحية مؤثرة للمخرج روب راينر، الذي طُعن حتى الموت في منزله خلال ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وللممثل روبرت ريدفورد، كما تضمنت أداء مسرحياً نادراً من باربرا سترايساند.

وقال بيلي كريستال، الذي اختاره راينر ليشارك ميغ رايان بطولة فيلم «ون هاري مت سالي»، في أواخر الثمانينات، إن تأثير راينر على هوليوود كان هائلاً.

وأضاف: «ستبقى أفلام روب خالدة؛ لأنها كانت تدور حول ما يُضحكنا ويُبكينا، وما نطمح إليه؛ أيْ ما هو أفضل بكثير في نظره، وأكثر لطفاً ومرحاً وإنسانية».

سترايساند، البالغة 83 عاماً، والتي شاركت ريدفورد بطولة فيلم «ذي واي وي وير» الكلاسيكي عام 1973، قالت عن الممثل الراحل إنها أحبت رجلاً كان يناديها بمودّة: «بابس».

باربرا سترايساند أثناء حديثها عن روبرت ريدفورد (أ.ب)

وأضافت: «كان ممثلاً بارعاً ومتقناً لأدواره. كان بوب يتمتع بشخصية قوية، سواء على الشاشة أم في حياته الشخصية»، و«كنت أصفه بأنه راعي بقر مثقف شق طريقه الخاص. أفتقده الآن أكثر من أي وقت مضى».

القائمة الكاملة للفائزين في الفئات الرئيسية لجوائز الأوسكار بنسخته الـ98:

- أفضل فيلم: "وان باتل أفتر أناذر"

- أفضل مخرج: بول توماس أندرسون عن «وان باتل أفتر أناذر»

- أفضل ممثل: مايكل بي. جوردان عن دوره في «سينرز»

- أفضل ممثلة: جيسي باكلي عن دورها في «هامنت»

- أفضل ممثل في دور ثانوي: شون بن عن دوره في «وان باتل أفتر أناذر»

- أفضل ممثلة في دور ثانوي: إيمي ماديغان عن دورها في «ويبنز»

- أفضل سيناريو أصلي: راين كوغلر عن «سينرز»

- أفضل سيناريو مقتبس: بول توماس أندرسون عن «وان باتل أفتر أناذر»

- أفضل فيلم دولي: «سنتيمنتل فاليو» (النروج)

- أفضل فيلم رسوم متحركة طويل: «كيبوب ديمون هنترز»

- أفضل وثائقي: «مستر نوبادي إغينست بوتين»


رحيل حمد الجميح بعد مسيرة ثرية في عالم التجارة والصناعة السعودية

رحيل حمد الجميح بعد مسيرة ثرية في عالم التجارة والصناعة السعودية
TT

رحيل حمد الجميح بعد مسيرة ثرية في عالم التجارة والصناعة السعودية

رحيل حمد الجميح بعد مسيرة ثرية في عالم التجارة والصناعة السعودية

فقدت السعودية، الأحد، أحد أبرز رجالات الأعمال فيها، بوفاة الشيخ حمد بن عبد العزيز الجميح، الذي شكّل على مدى عقود أحد أعمدة القطاع الخاص في البلاد، وأسهم في بناء واحدة من أبرز المجموعات التجارية العائلية التي لعبت دوراً مهماً في تطور النشاط الاقتصادي فيها.

وينتمي الراحل إلى عائلة الجميح المعروفة بنشاطها التجاري الممتد منذ عقود، حيث تولّى رئاسة العائلة بعد رحيل المؤسسين، كما شغل مناصب قيادية في عدد من الشركات والمؤسسات التابعة للمجموعة، من بينها رئاسة مجلس إدارة شركة الجميح للسيارات وشركة الجميح للمشروبات، إضافة إلى توليه منصب نائب رئيس مجلس إدارة شركة الجميح القابضة، ورئاسة مجلس إدارة مؤسسة التطوير والتنمية في محافظة شقراء.

ولد الشيخ حمد الجميح في محافظة شقراء - وسط السعودية - عام 1931 (1350 هجرياً)، ونشأ في بيئة تجارية بسيطة في فترة كانت فيها الحركة الاقتصادية في المملكة في بداياتها. وقد عاصر مراحل التحول الكبرى التي شهدتها البلاد مروراً بمرحلة بناء الدولة الحديثة وتطور اقتصادها.

ويروي الراحل في أحاديثه عن بداياته أنه بدأ حياته العملية في سن مبكرة، حيث كان يجمع بين الدراسة والعمل في متجر العائلة، إذ كان يذهب إلى المدرسة صباحاً ثم يعمل في المتجر (الدكان) بعد الظهر لبيع الأقمشة والبضائع الأساسية مثل القهوة والهيل والسكر. وكان هذا التوازن بين التعليم والعمل، بحسب ما كان يذكر، مدرسة مبكرة في الانضباط والمسؤولية.

يقول الجميح في حديث سابق: «كانت قيم الأمانة والالتزام من أبرز ما تشكلت عليه شخصيتي منذ تلك السنوات»، مشيراً إلى أنه اعتاد منذ شبابه الحفاظ على أموال التجارة بدقة شديدة، حتى إنه كان يروي أن العائلة كانت تفصل تماماً بين المال الشخصي ومال البضاعة، وهو مبدأ ظل يؤكد أنه أساس النجاح في العمل التجاري.

ومع انتقال العائلة إلى الرياض واتساع النشاط التجاري، بدأت مرحلة جديدة في مسيرة الجميح، حيث شارك في تطوير أعمال العائلة وتوسيعها، لتصبح لاحقاً واحدة من أبرز المجموعات التجارية في المملكة. وأسهم في الحصول على عدد من الوكالات التجارية العالمية، وكان من أبرزها وكالة «بيبسي كولا» في المملكة، التي شكّلت نقطة تحول في مسيرة المجموعة، إلى جانب نشاطها في قطاع السيارات الذي تطور لاحقاً عبر شراكات مع شركات عالمية والتي من أهمها شركة «جنرال موتورز» الأميركية.

وقد شهدت المجموعة خلال تلك الفترة توسعاً كبيراً في أنشطتها، لتشمل مجالات متعددة من التجارة والصناعة والخدمات، معتمدة في نموها على السمعة التجارية والالتزام المهني، وهي القيم التي كان الجميح يحرص دائماً على ترسيخها داخل الشركة العائلية بحسب حديثه.

وعُرف الراحل باهتمامه بالعمل التنموي والاجتماعي، خصوصاً في مسقط رأسه محافظة شقراء، حيث دعم عدداً من المبادرات التنموية والخيرية، إيماناً منه بدور رجال الأعمال في خدمة المجتمع إلى جانب دورهم الاقتصادي.

ونعت شركة الجميح القابضة فقيدها في بيان رسمي، وبرحيل الشيخ حمد الجميح، تفقد الساحة الاقتصادية السعودية واحداً من رجال الأعمال الذين عاصروا بدايات النهضة الاقتصادية للمملكة، وأسهموا في بناء مؤسسات تجارية عائلية تحولت مع الزمن إلى كيانات اقتصادية مؤثرة في السوق السعودية.