«الخدمات المدفوعة»... تجارب إعلامية «مُرتبكة» تسعى لتحسين المحتوى

خبراء يطالبون بالدقة وتفادي الأزمات الإدارية

تساؤلات بعد إيقاف «سي إن إن بلَس» المعنية بتقديم خدمة إخبارية بنمط البث المباشر أو «الستريمينغ»
تساؤلات بعد إيقاف «سي إن إن بلَس» المعنية بتقديم خدمة إخبارية بنمط البث المباشر أو «الستريمينغ»
TT

«الخدمات المدفوعة»... تجارب إعلامية «مُرتبكة» تسعى لتحسين المحتوى

تساؤلات بعد إيقاف «سي إن إن بلَس» المعنية بتقديم خدمة إخبارية بنمط البث المباشر أو «الستريمينغ»
تساؤلات بعد إيقاف «سي إن إن بلَس» المعنية بتقديم خدمة إخبارية بنمط البث المباشر أو «الستريمينغ»

يبدو أن مجانية الخدمات الإعلامية وتداول الأخبار تتلاشى تدريجياً لصالح «الخدمات المدفوعة»، بعدما باتت واقعاً تتجه له صناعة الإعلام... وإنْ بخطوات بطيئة ومواربة. فقد أثار إيقاف خدمة «سي إن إن بلَس» المعنية بتقديم خدمة إخبارية بنمط البث المباشر أو «الستريمينغ»، بعد إطلاقها بنحو شهر واحد فقط من عملها، تساؤلات عدة يدور معظمها حول مستقبل «الخدمات الإعلامية المدفوعة»، وبات السؤال الأبرز بين صناع الخبر، هو هل الجمهور مُهيأ لاستقبال خدمة البث المباشر المدفوعة؟ وهذا وسط مطالب من بعض الخبراء والمتخصصين بمزيد من «الدقة وتفادي الأزمات الإدارية مع أي تجارب جديدة».
في بيان صحافي نُشر في نهاية أبريل (نيسان) الماضي، أعلنت شركة «وارنر بروذرز ديسكفري» (WBD)، التي كانت قد وقّعت في وقت سابق شراكة تستهدف الاندماج مع شبكة «سي إن إن» وشركة الاتصالات العملاقة «آي تي آند تي»، عن وقف خدمة البث المباشر المدفوعة للقناة الإخبارية -التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها- بعد شهر واحد فقط من إطلاقها، وكانت محاولة لجلب الإيرادات من اشتراكات تدفق الأخبار. وأضاف البيان أن الشركة أنفقت ما يصل إلى 300 مليون دولار أميركي على تطوير الخدمة، لكنها بدأت بداية بطيئة، واجتذبت 10 آلاف مشاهد فقط يومياً.
كريس ليخت، الرئيس التنفيذي الجديد لشبكة «سي إن إن»، قال في تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية، إن الشركة تستهدف أن تكون أقوى بعد الاندماج مع «وارنر بروذرز ديسكفري» لتصبح جزءاً من استراتيجية بث تضم الأخبار إلى جانب محتوى رياضي وترفيهي وواقعي. وأضاف: «لذلك اتخذنا قراراً بوقف مشاريع (سي إن إن) الحالية، ومنها البث المباشر للأخبار». أما جي بي بريت، رئيس البث المباشر في «ديسكفري»، فأفاد بأن «الشركة كانت تبحث عن نموذج أعمال أكثر استدامة لدفع استثماراتها المستقبلية في الصحافة وتقديم قصص إخبارية عالية الجودة».

                     تراجع القيمة السوقية لعملاق الترفيه «نتفليكس»
وتعليقاً على هذا التطور، رأى أحمد عصمت، استشاري تكنولوجيا الإعلام والتحول الرقمي في مصر، أن «ما حدث لم يكن واقعة أولى من نوعها، ذلك أن ثمة مؤسسات كبرى أطلقت مشاريع مماثلة، ثم عاودت وأغلقتها بعد فترة وجيزة، لا سيما أن الإعلام في الأصل صناعة تحتمل تغيير استراتيجيتها للتكيف وتلبية احتياجات الجمهور». وأردف عصمت خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»: «الإغلاق السريع لخدمة البث المباشر لخدمة إخبارية مدفوعة ذكّرنا بما حدث في شبكة (كويبي) التي أطلقت خدمة البث المباشر عبر الإنترنت، وبتكلفة نحو 1.5 مليار دولار، ثم أغلقت بعد 7 أشهر فقط... وهذا أمر من شأنه زيادة الشكوك حول خدمات البث المباشر المدفوعة وإمكانية تطبيقها في الواقع. إلا أن الحقيقة لا تتعلق بالفكرة في حد ذاتها، إذ لكل مشروع منهما أسبابه الخاصة التي دفعت إلى التعجيل بوقف التجربة». وحسب عصمت فإن «أسباب الإغلاق السريع للخدمة في حالة (سي إن إن) ربما تعود إلى أن المدير التنفيذي للشبكة اتخذ قراراً بتسريع الاندماج بين المؤسسة وبين شركة (وارنر بروذرز ديسكفري)، ما أدى إلى تغير الاستراتيجيات... لكن المؤسف في هذا الشأن هو تسريح نحو 350 موظفاً، كان منتظراً أن يكونوا جزءاً من الخدمة، من أصل 700 موظف». ويتابع عصمت موضحاً: «على الرغم من أن (سي إن إن) واحدة من المؤسسات الإعلامية العالمية ذات الربحية المالية الضخمة، وسط الأزمات التي يواجهها الإعلام، فقد يؤدي فشلها في تفادي الأزمات الإدارية إلى التأثير على مستقبلها».
فتّش على المحتوى
من جانبه، ذكر أسامة عصام الدين، الخبير في تطوير مواقع التواصل الاجتماعي بالمملكة العربية السعودية، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «المحتوى هو الدافع الأهم وراء توقّف التجربة. فقد كانت المجالات التي ركّزت عليها الخدمة، محدودة الاهتمام وضيقة جداً، من محتوى الطعام إلى رياضة الغولف والسيارات والأمومة... وهذا محتوى محدود الفئة في مقابل المنصات التي تقدم المحتوى المتنوع الذي يغطي كل الاهتمامات والمجالات». وأضاف: «إذا نظرنا إلى محتوى (سي إن إن) الإخباري الأساسي لهذه الخدمة المدفوعة، سيتساءل المستخدمون عن القيمة التي سيقدمها لهم الاشتراك، ما دامت الأخبار تُقدّم بالفعل على (سي إن إن)، ناهيك بشعبية القناة وقاعدتها الجماهيريّة التي انخفضت إلى أرقام غير مسبوقة خلال العامين الماضيين».

                                                                                 أسامة عصام الدين
على ما يبدو، فإن تجربة الشبكة الأميركية أصابت سوق الإعلام الطامح نحو التحول إلى الخدمات المدفوعة بـ«خيبة الأمل». وتساءل الخبراء والمتخصصون حول مدى استعداد الجمهور للخدمات الإخبارية المدفوعة. إلا أن عصمت يقول: «على المستوى العالمي، يمكن القول بأن العالم بات مهيئاً ومعنياً بتقديم خدمة إعلامية مدفوعة، وهناك تجارب في سوق الإعلام تؤكد جاهزيته لاستقبال مثل هذه الخدمات والتفاعل معها. ويعزز هذا الاتجاه التقرير الأخير الذي صدر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة التابع لجامعة أكسفورد، الذي أكد تزايد الطلب على الخدمات الإعلامية المدفوعة». ويضيف: «ربما تكون المنطقة العربية أيضا مهيأة قريباً... وبشكل عام نحن أمام نموذج عمل يسير بسرعة في اتجاه الخدمات المدفوعة على حساب المجاني لا العكس، وإن ليس بشكل كامل. لكن أرى أننا بانتظار توفير خدمات إضافية أو حسابات مميزة». ويتابع عصمت أن «الفضل في التحول إلى البث المباشر المدفوع يعود لصحافة المواطن... إذ فتحت صحافة المواطن أبواباً جديدة، وغدا نقل المعلومات عن طريقة البث المباشر الشكل الأسرع والأرجح، ما أعطى الخدمة الإخبارية بعداً أكثر آنية ومصداقية».
في المقابل، يرى عصام الدين أن «هذه التجارب ما زالت حذرة... ومع أن الجمهور دائماً مهيّأ، فإن السؤال يجب أن يُوجه إلى المنصات، فالجمهور عندما ينظر اليوم إلى السوق المزدحم بالخدمات المدفوعة للمحتوى، يبحث عن القيمة التي تقدمها له هذه الخدمات، سواء أكان من حيث التنوع في المحتوى وتغطية أهم المجالات، أو القيمة المقدمة من الأخبار وتغطية ما وراءها. ولدى النظر إلى التجارب على الأرض ليست هناك منصة «ستريمينغ Streaming» إخبارية أثبتت نجاحاً باهراً. هذا الأمر يدفعني للتساؤل أساساً عن مدى جدوى وجود منصة كهذه، فما القيمة التي ستقدمها قناة تقدم أخباراً متاحة وموجودة في كل مكان؟ علينا أن نسأل أولاً وأخيراً عن القيمة المقدمة والمحتوى الحصري الذي قد تقدمه منصة كهذه».
حول تراجع «نتفليكس»
في السياق ذاته، ربطت توقعات لخبراء ومتخصصين بين توقف الخدمة الإخبارية المدفوعة من الشبكة الأميركية، وبين تراجع القيمة السوقية لعملاق الترفيه «نتفليكس»، بعدما أعلنت الأخيرة عن خسارتها نحو 50 مليار دولار بسبب تراجع الاشتراكات. وهنا يعلّق عصمت شارحاً إن «تراجع (نتفليكس) ليس مؤشراً يؤخذ بدلالاته عند الحديث عن الخدمات المدفوعة بشكل عام... إنها تداعيات الأزمة الاقتصادية التي يعيشها العالم والتي بدأت ترمي بظلالها على ثقافة الإنفاق والترشيد وتقنين النفقات. وبناءً عليه، فنحن بحاجة إلى قياس المؤشرات من خلال مدد زمنية أطول وليس عبر مشهد عرضي يخص منصة واحدة».
لكن عصام الدين يعتقد أننا «أمام تراجع واضح للخدمات الإعلامية المدفوعة». ويدلل على ذلك بأن «المنافسة على أشدّها، وشركات الترفيه التقليدية أدركت أن البث عبر الإنترنت هو المستقبل، ما أدّى إلى توافدها على السوق ودخول شركة جديدة على الخط كل عام... ويكفي أن نشاهد (نتفليكس)، الخدمة الأبرز والمثل الأعلى للشركات في هذا السوق، تخسر مشتركين للمرة الأولى خلال عقدٍ من الزمان». ويشير عصام الدين من ثم إلى أن «نجاح خدمة البث المباشر الإخبارية المدفوعة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بجودة المادة الصحافية، فإن لم توفر الجودة والدقة والمصداقية، لن يجد المستخدم دافعاً للتكلفة المادية. ومن هنا أتصور أن الصحافة أمام فرصة لرفع جودة الخدمات التي تقدمها، بينما الوجه الآخر هو أن الخدمات المدفوعة تضع صناع الخدمات الإعلامية أمام ضرورة الدفع بعناصر الجذب التي ليس بالضرورة أن تتوافق مع المهنية».
وأخيراً ينصح عصام الدين المؤسسات الإعلامية، بعد قراءة وتحليل تجربة «سي إن إن» غير المكتملة، قائلاً: «إذا أردت أن تكسب المال من منصة محتوى متخصص، لا تنفق إنفاقاً ضخماً كأنك منصة محتوى رئيسية ذات جماهيرية. وإذا أردت أن تكون منصة محتوى رئيسية ذات جماهيرية، فلا تُشعر الجمهور بأنك منصة متخصصة».


مقالات ذات صلة

الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

الولايات المتحدة​ الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

تواجه المحكمة العليا للولايات المتحدة، التي كانت تعدّ واحدة من أكثر المؤسّسات احتراماً في البلاد، جدلاً كبيراً يرتبط بشكل خاص بأخلاقيات قضاتها التي سينظر فيها مجلس الشيوخ اليوم الثلاثاء. وتدور جلسة الاستماع، في الوقت الذي وصلت فيه شعبية المحكمة العليا، ذات الغالبية المحافظة، إلى أدنى مستوياتها، إذ يرى 58 في المائة من الأميركيين أنّها تؤدي وظيفتها بشكل سيئ. ونظّمت اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ، التي يسيطر عليها الديمقراطيون، جلسة الاستماع هذه، بعد جدل طال قاضيين محافظَين، قبِل أحدهما وهو كلارنس توماس هبة من رجل أعمال. ورفض رئيس المحكمة العليا جون روبرتس، المحافظ أيضاً، الإدلاء بشهادته أمام الك

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الجمود السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس يثير ذعر الأسواق المالية

الجمود السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس يثير ذعر الأسواق المالية

أعلن رئيس مجلس النواب الأميركي كيفين مكارثي قبول دعوة الرئيس جو بايدن للاجتماع (الثلاثاء) المقبل، لمناقشة سقف الدين الأميركي قبل وقوع كارثة اقتصادية وعجز الحكومة الأميركية عن سداد ديونها بحلول بداية يونيو (حزيران) المقبل. وسيكون اللقاء بين بايدن ومكارثي في التاسع من مايو (أيار) الجاري هو الأول منذ اجتماع فبراير (شباط) الماضي الذي بحث فيه الرجلان سقف الدين دون التوصل إلى توافق. ودعا بايدن إلى لقاء الأسبوع المقبل مع كل من زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ تشاك شومر (ديمقراطي من نيويورك)، وزعيم الأقلية في مجلس النواب ميتش ماكونيل (جمهوري من كنتاكي)، وزعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز (ديمقراطي م

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ شاهد.... مراهق أميركي ينقذ حافلة مدرسية بعد فقدان سائقها الوعي

شاهد.... مراهق أميركي ينقذ حافلة مدرسية بعد فقدان سائقها الوعي

تمكّن تلميذ أميركي يبلغ 13 سنة من إيقاف حافلة مدرسية تقل عشرات التلاميذ بعدما فقد سائقها وعيه. وحصلت الواقعة الأربعاء في ولاية ميشيغان الشمالية، عندما نهض مراهق يدعى ديلون ريفز من مقعده وسيطر على مقود الحافلة بعدما لاحظ أنّ السائق قد أغمي عليه. وتمكّن التلميذ من إيقاف السيارة في منتصف الطريق باستخدامه فرامل اليد، على ما أفاد المسؤول عن المدارس الرسمية في المنطقة روبرت ليفرنوا. وكانت الحافلة تقل نحو 70 تلميذاً من مدرسة «لويس أي كارتر ميدل سكول» في بلدة وارين عندما فقد السائق وعيه، على ما ظهر في مقطع فيديو نشرته السلطات.

يوميات الشرق أول علاج بنبضات الكهرباء لمرضى السكري

أول علاج بنبضات الكهرباء لمرضى السكري

كشفت دراسة أجريت على البشر، ستعرض خلال أسبوع أمراض الجهاز الهضمي بأميركا، خلال الفترة من 6 إلى 9 مايو (أيار) المقبل، عن إمكانية السيطرة على مرض السكري من النوع الثاني، من خلال علاج يعتمد على النبضات الكهربائية سيعلن عنه للمرة الأولى. وتستخدم هذه الطريقة العلاجية، التي نفذها المركز الطبي بجامعة أمستردام بهولندا، المنظار لإرسال نبضات كهربائية مضبوطة، بهدف إحداث تغييرات في بطانة الجزء الأول من الأمعاء الدقيقة لمرضى السكري من النوع الثاني، وهو ما يساعد على التوقف عن تناول الإنسولين، والاستمرار في التحكم بنسبة السكر في الدم. وتقول سيلين بوش، الباحثة الرئيسية بالدراسة، في تقرير نشره الجمعة الموقع ال

حازم بدر (القاهرة)
آسيا شويغو: روسيا تعزز قواعدها في آسيا الوسطى لمواجهة أميركا

شويغو: روسيا تعزز قواعدها في آسيا الوسطى لمواجهة أميركا

نقلت وكالة الإعلام الروسية الحكومية عن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو قوله، اليوم (الجمعة)، إن موسكو تعزز الجاهزية القتالية في قواعدها العسكرية بآسيا الوسطى لمواجهة ما قال إنها جهود أميركية لتعزيز حضورها في المنطقة. وحسب وكالة «رويترز» للأنباء، تملك موسكو قواعد عسكرية في قرغيزستان وطاجيكستان، لكن الوكالة نقلت عن شويغو قوله إن الولايات المتحدة وحلفاءها يحاولون إرساء بنية تحتية عسكرية في أنحاء المنطقة، وذلك خلال حديثه في اجتماع لوزراء دفاع «منظمة شنغهاي للتعاون» المقام في الهند. وقال شويغو: «تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها، بذريعة المساعدة في مكافحة الإرهاب، استعادة حضورها العسكري في آسيا الوسطى

«الشرق الأوسط» (موسكو)

بعد التأجيل بسبب حرب إيران... ترمب يزور الصين منتصف مايو

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

بعد التأجيل بسبب حرب إيران... ترمب يزور الصين منتصف مايو

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أعلن البيت الأبيض، اليوم (الأربعاء)، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيزور الصين في زيارة دولة يومي 14 و15 مايو (أيار)، حيث سيلتقي الرئيس الصيني شي جينبينغ، على أن يقوم الأخير بزيارة متبادلة إلى واشنطن في موعد لاحق، وفق ما أفادت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت للصحافيين يوم الأربعاء.

وكان من المقرر أن تُجرى الزيارة الأسبوع المقبل، لكنها تأجلت في ظل الحرب المستمرة التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.


استطلاعات الرأي الأميركية تكشف انقساماً حاداً حول حرب إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في البيت الأبيض يوم 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في البيت الأبيض يوم 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

استطلاعات الرأي الأميركية تكشف انقساماً حاداً حول حرب إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في البيت الأبيض يوم 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في البيت الأبيض يوم 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

في الوقت الذي دخل فيه الصراع الأميركي - الإسرائيلي مع إيران أسبوعه الرابع، أظهرت استطلاعات جديدة للرأي العام الأميركي صورة واضحة لانقسام سياسي واجتماعي عميق داخل الولايات المتحدة. وكشفت عن واقع معقّد: فالأميركيون يريدون منع إيران من امتلاك سلاح نووي، لكنهم يرفضون الانخراط في حرب طويلة ترفع أسعار البنزين وتُعرّض قواتهم للخطر.

وتُظهر النتائج أن الرئيس ترمب لا يزال يحظى بدعم مستقر داخل قاعدته من حركة «ماغا»، لكن الغالبية ترى أن التصعيد العسكري ضد إيران مفرط، وتدعو إلى إشراك الحلفاء أو العودة إلى المسار الدبلوماسي. ويرى محللو الاستطلاعات أن مهلة الأيام الخمسة التي أعلنها ترمب للمحادثات قد تكون حاسمة: إما أن تُحوّل القلق الشعبي إلى دعم لتسوية، وإما تُعيد التصعيد وتُفاقم الاستياء الذي بدأ يتحوّل إلى «عبء سياسي» حقيقي على الإدارة الجمهورية قبل الانتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

ويشير استطلاع «إيكونوميست - يوغوف» الذي أُجري هذا الأسبوع، واستطلاع «أسوشييتد برس - نورك» الذي أُجري بين 19 و23 مارس (آذار) 2026، إلى توافق في النتائج؛ إذ يربط معظم الأميركيين الحرب مباشرة بارتفاع أسعار البنزين، ويعدون التصعيد العسكري «مفرطاً»، فيما يظل الرئيس دونالد ترمب يحظى بدعم محدود لكنه مستقر نسبياً.

ويُظهر استطلاع «إيكونوميست - يوغوف» أن 55 في المائة من الأميركيين يرفضون تعامل ترمب مع الصراع مع إيران (مقابل دعم 36 في المائة)، وهي نسبة قريبة جداً من نتائج الأسبوع الماضي التي بلغت 56 في المائة. أما النتيجة الأبرز فهي أن «تقريباً جميع الأميركيين» يرون أن الصراع يرفع أسعار البنزين: 69 في المائة يعتقدون بوجود ارتفاع «كبير جداً»، و20 في المائة يرون ارتفاعاً «قليلاً»، فيما لا يتوقع أحد تقريباً انخفاض الأسعار.

هل يتراجع ترمب عن أهدافه؟

في الاستطلاع نفسه، يتوقع 49 في المائة من الأميركيين أن ترمب «لن يتراجع مبكراً» عن تحقيق أهداف الولايات المتحدة، مقابل 21 في المائة فقط يتوقعون تراجعه. ويظهر الانقسام الحزبي بوضوح: 71 في المائة من الجمهوريين يعتقدون أنه لن يتراجع، بينما ينقسم الديمقراطيون (36 في المائة مقابل 31 في المائة).

أما استطلاع «أسوشييتد برس - نورك» فيؤكد هذه الصورة ويُعمّقها، مشيراً إلى أن 59 في المائة من الأميركيين يقولون إن «التصعيد العسكري الأميركي ضد إيران قد تجاوز الحد». كما ارتفع القلق بشأن قدرة الأسر الأميركية على شراء البنزين إلى 45 في المائة (مقابل 30 في المائة باستطلاع سابق بعد فوز ترمب).

ومع ذلك، يحظى هدف «منع إيران من الحصول على سلاح نووي» بتأييد واسع، إذ يرى ثلثا الأميركيين أنه هدف «مهم جداً» أو «مهم». لكن الهدف المقابل، وهو الحفاظ على انخفاض أسعار النفط والغاز، يحظى بتأييد مماثل، ما يضع البيت الأبيض أمام معادلة صعبة، وفقاً للمحللين.

الحلفاء ومضيق هرمز

ويبرز الاستطلاعان أيضاً موقفاً واضحاً تجاه حلفاء الولايات المتحدة؛ ففي استطلاع «إيكونوميست - يوغوف»، يقول 56 في المائة من الأميركيين إن الولايات المتحدة «تحتاج إلى مساعدة الحلفاء» (60 في المائة من الديمقراطيين و57 في المائة من الجمهوريين)، وأنه لا ينبغي لها التحرك بمفردها في ملف إيران. كما يرى كثيرون أن على الدول الأخرى تحمّل مسؤولية المساعدة في إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، إذ يعتقد 40 في المائة أن «الدول الأخرى مسؤولة عن مساعدة الولايات المتحدة في منع إيران من إغلاق المضيق»، مقابل 15 في المائة فقط يرون أن المسؤولية تقع على واشنطن وحدها.

لكن عند السؤال عمّا إذا كان ينبغي للحلفاء الاستجابة لطلب أميركي، ينخفض التأييد إلى 47 في المائة، ويرتفع الرفض إلى 26 في المائة، خصوصاً بين الديمقراطيين (44 في المائة) والمستقلين (30 في المائة).

ويُظهر الاستطلاع أيضاً انقساماً لافتاً داخل الجمهوريين؛ إذ يؤيد نحو 90 في المائة من أنصار «ماغا» مطالبة الحلفاء بالمساعدة، مقابل 62 في المائة فقط من الجمهوريين غير المنتمين للحركة. وفي المقابل، يؤيد 61 في المائة من الأميركيين أن «تساعد الولايات المتحدة حلفاءها إذا طلبوا»، وترتفع هذه النسبة بين الجمهوريين (76 في المائة) وتصل إلى 81 في المائة بين مؤيدي «ماغا».

من يستفيد من الحرب؟

أما بشأن من «يستفيد» من الحرب، فيُظهر استطلاع «إيكونوميست - يوغوف» أن غالبية الأميركيين (55 في المائة) يرون أن إسرائيل هي المستفيد الأكبر، بينما يعتقد 48 في المائة أن ترمب سيستغلّ الوضع لصالحه. في المقابل، يرى 59 في المائة أن الولايات المتحدة «ستتضرّر» من الحرب، و66 في المائة أن «الشعب الإيراني سيتضرّر»، و80 في المائة أن إيران ستتضرر. كما يؤكد 81 في المائة من الأميركيين أن «الشعب الإيراني يجب أن يقرر من يحكمه».

وتنقسم الآراء حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستجني نفعاً أم ستتضرر من الحرب بشكل حاد وفق الانتماء الحزبي؛ إذ يرى غالبية الديمقراطيين (83 في المائة) ومن المستقلين (64 في المائة) أن الولايات المتحدة ستتضرر، مقابل 29 في المائة فقط من الجمهوريين. وعلى الجانب الآخر، يرى نحو نصف الجمهوريين (52 في المائة) أن الولايات المتحدة ستجني نفعاً من الحرب، بينهم 65 في المائة من مؤيدي «ماغا»، مقابل 27 في المائة فقط من الجمهوريين غير المؤيدين للحركة.


بعد «هدنة الانشغال» بإيران... روسيا تُصعّد في أوكرانيا

أوكرانيون يتجمعون أمام الكنيسة التاريخية بمدينة لفيف غرب أوكرانيا خلال عمليات إطفاء الحرائق بعد استهدافها بهجوم روسي يوم 24 مارس 2026 (إ.ب.أ)
أوكرانيون يتجمعون أمام الكنيسة التاريخية بمدينة لفيف غرب أوكرانيا خلال عمليات إطفاء الحرائق بعد استهدافها بهجوم روسي يوم 24 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

بعد «هدنة الانشغال» بإيران... روسيا تُصعّد في أوكرانيا

أوكرانيون يتجمعون أمام الكنيسة التاريخية بمدينة لفيف غرب أوكرانيا خلال عمليات إطفاء الحرائق بعد استهدافها بهجوم روسي يوم 24 مارس 2026 (إ.ب.أ)
أوكرانيون يتجمعون أمام الكنيسة التاريخية بمدينة لفيف غرب أوكرانيا خلال عمليات إطفاء الحرائق بعد استهدافها بهجوم روسي يوم 24 مارس 2026 (إ.ب.أ)

بعد نحو 3 أسابيع بدت فيها الحرب الأوكرانية كأنها تراجعت إلى المرتبة الثانية في سُلّم الاهتمام الأميركي والدولي بسبب حرب إيران، عادت الجبهة لتفرض نفسها مجدداً، ولكن في ظروف معقّدة بالنسبة إلى كييف.

فروسيا لم تتعامل مع انشغال واشنطن بوصفه فراغاً عابراً فقط، بل على أنه نافذة لزيادة الضغط العسكري وتثبيت منطق تفاوضي أكبر تشدداً: تصعيد واسع بالطائرات المسيّرة والصواريخ، ومحاولة انتزاع مكاسب ميدانية في دونيتسك وزابوريجيا، مع الإيحاء في الوقت نفسه بأنها ما زالت «منفتحة» على التفاوض مع الولايات المتحدة، ولكن وفق شروطها.

هذا التزامن بين التصعيد العسكري والمرونة الدبلوماسية الشكلية هو ما يفسر دعوات الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، مواطنيه إلى الاستعداد لحرب قد تمتد سنوات أخرى، في وقت تخشى فيه كييف أن تتحول حرب الاستنزاف إلى واقع ثابت لا مجرد احتمال نظري. وفي هذا السياق، يكتسب حديث جون هاردي، الباحث بالشأن الروسي في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، لـ«الشرق الأوسط»، أهمية خاصة؛ إذ يقول إن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، «أظهر باستمرار عدم استعداده لتسوية ذات مغزى، ومع انتقال اهتمام الولايات المتحدة ومواردها الآن إلى الشرق الأوسط، ومع جني روسيا مزيداً من الأموال من مبيعات النفط، فقد يصبح بوتين أشد تصلباً».

موسكو تستثمر انشغال واشنطن

المؤشرات الميدانية خلال الأيام الأخيرة توحي بأن موسكو قرّرت استئناف المبادرة بعد فترة جمود نسبي. فالتقارير الغربية تتحدث عن هجوم روسي ربيعي جديد يركز على ما يسمى «حزام القلاع» في شرق دونيتسك، مع ضغط قرب سلوفيانسك وبوكروفسك وكوستيانتينيفكا، فيما بدا أن الكرملين يستثمر تباطؤ الدبلوماسية الأميركية وانشغال واشنطن بحرب إيران. ويرى خبراء أن موسكو جمّدت مسار التفاوض حتى تعود الولايات المتحدة إلى التركيز على الملف الأوكراني، لا من أجل تقديم تنازلات، بل من أجل استئناف التفاوض من موقع قوة أكبر.

عناصر إنقاذ يعملون على إخماد حرائق جراء هجوم روسي على مدينة خاركيف الأوكرانية يوم 25 مارس 2026 (أ.ب)

والأهم أن الكرملين لم يبدل مطالبه الأساسية، فما زالت موسكو تتمسك بمنع انضمام أوكرانيا إلى «حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، وبانسحاب كييف من 4 مناطق تسيطر عليها قوات موالية لموسكو، وهما شرطان ضمن شروط تراها أوكرانيا أقرب إلى إملاءات استسلام منها إلى صيغة تسوية. وحتى حين يُكرّر المتحدث باسم الكرملين، ديميتري بيسكوف، أن بلاده ما زالت على اتصال بالولايات المتحدة بشأن التسوية، فإن ذلك لا يقترن بأي خفض للسقف السياسي أو العسكري. لذلك؛ يبدو أن «الانفتاح» الروسي على التفاوض ليس بديلاً للتصعيد، بل امتداد له بوسائل أخرى.

ومن هنا، يمكن فهم القلق الأوكراني من أن تكون حرب إيران قد منحت موسكو امتيازات سياسية ومالية وعسكرية معاً. فارتفاع عائدات النفط، وتباطؤ تدفق بعض الأسلحة، وتراجع التركيز الغربي على الجبهة الأوكرانية... كلها عوامل تصب في مصلحة روسيا. وهذا ما التقطه جون هاردي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، حين ربط بين انشغال الولايات المتحدة بمنطقة الشرق الأوسط، وازدياد تصلب بوتين، بما يوحي بأن الكرملين يرى في اللحظة الحالية فرصة لتشديد الشروط لا تليينها.

المسيّرات في قلب المعركة

الحدث الأبرز في عودة الحرب إلى الواجهة كان الهجوم الروسي الكثيف هذا الأسبوع. فقد شنّت روسيا إحدى أضخم موجات الهجمات بالطائرات المسيّرة منذ بدء الحرب، مُستخدمة مئات المسيّرات خلال أقل من 24 ساعة، في رسالة تتجاوز البُعد العسكري البحت إلى الضغط النفسي والسياسي. فاستهداف المدن والمستشفيات والمباني السكنية ومواقع ثقافية، وفق كييف، يهدف أيضاً إلى تكريس فكرة أنه لا تهدئة مجانية، وأن لا موقع آمناً إطلاقاً داخل أوكرانيا.

فني من شركة أوكرانية مختصة بإنتاج المسيرات خلال عرضها داخل موقع غير محدد في أوكرانيا يوم 19 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وهنا تظهر وظيفة المُسيّرات في الحرب الحالية بوصفها أكثر من مجرد أداة مساندة. فروسيا تستخدمها على مستويين متوازيين: استنزاف الدفاعات الجوية الأوكرانية، وفرض ضغط يومي على المجتمع والاقتصاد والبنية التحتية. وحتى إذا تمكّنت كييف من اعتراض نسبة كبيرة منها، فإن مجرد إطلاق هذا الكم يخلق معركة استنزاف في الذخائر والاعتراض والجاهزية. بهذا المعنى، تحولت المسيّرات إلى أداة منخفضة التكلفة نسبياً وعالية التأثير في حرب طويلة النفس.

في المقابل، تسرّع أوكرانيا من إجراءات إنتاج وتوظيف المسيرات. وفق صحيفة «نيويورك تايمز»، فقد طورت ما تشبه «سوقاً إلكترونية» عسكرية تسمح للوحدات باختيار المسيّرات التي تحتاجها مباشرة، في خروج واضح على البيروقراطية التقليدية المركزية في التسليح. غير أن هذا الابتكار، على أهميته، لا يلغي المشكلة الأعمق: نقص المال، والذخائر، والدفاعات الجوية، والمقاتلين. أي إن أوكرانيا تحاول تعويض الاختلال في الموارد بالمرونة والتكيّف، لكن قدرتها على فعل ذلك تبقى مرتبطة باستمرار الدعم الغربي.

لا سلام قريباً

في التعليقات السياسية والإعلامية، تتشكّل صورة تكاد تكون شبه جامعة: لا أحد يرى اختراقاً قريباً. زيلينسكي شدد على أن الحرب في إيران تشجع روسيا، وأن حجم القصف الروسي يؤكد غياب أي نية حقيقية لإنهاء الحرب. هذا الخطاب لا يعكس مجرد تعبئة معنوية داخلية، بل قناعة متصاعدة في كييف بأن الدبلوماسية من دون ضغطٍ عسكري ودعم غربي فعليٍ قد تتحول مظلة تتيح لموسكو إعادة التموضع فقط.

أقارب وأصدقاء جنود أوكرانيين خلال وقفة احتجاجية في كييف يوم 25 مارس 2026 (رويترز)

ومن الجانب الأميركي، فقد نقلت «رويترز» عن مديرة الاستخبارات الوطنية، تولسي غابارد، قولها أمام المشرعين إن روسيا تملك اليد العليا حالياً، وإن حرب الاستنزاف تبقى استراتيجيتها المرجحة ما لم يُتوصل إلى اتفاق. لكن المشكلة أن أي اتفاق يبدو بعيداً في ضوء الشروط الروسية الحالية، وفي ضوء اقتناع بوتين بأنه يستطيع الصمود أطول والاستفادة من عامل الوقت.

وهنا يرى جون هاردي أن بوتين غير مستعد لتسوية جدية، «بل يربط تشدده الإضافي بتحول الأولويات الأميركية وارتفاع مداخيل روسيا النفطية». وهذا يعني أن المسار الأرجح الآن ليس سلاماً وشيكاً، بل جولة أشد قسوة من الحرب الطويلة: مفاوضات متقطعة، وشروط روسية قاسية، ومسيّرات تملأ السماء، فيما يراهن كل طرف على إنهاك الآخر قبل أن يقتنع بتقديم التنازل.