«الخدمات المدفوعة»... تجارب إعلامية «مُرتبكة» تسعى لتحسين المحتوى

خبراء يطالبون بالدقة وتفادي الأزمات الإدارية

تساؤلات بعد إيقاف «سي إن إن بلَس» المعنية بتقديم خدمة إخبارية بنمط البث المباشر أو «الستريمينغ»
تساؤلات بعد إيقاف «سي إن إن بلَس» المعنية بتقديم خدمة إخبارية بنمط البث المباشر أو «الستريمينغ»
TT

«الخدمات المدفوعة»... تجارب إعلامية «مُرتبكة» تسعى لتحسين المحتوى

تساؤلات بعد إيقاف «سي إن إن بلَس» المعنية بتقديم خدمة إخبارية بنمط البث المباشر أو «الستريمينغ»
تساؤلات بعد إيقاف «سي إن إن بلَس» المعنية بتقديم خدمة إخبارية بنمط البث المباشر أو «الستريمينغ»

يبدو أن مجانية الخدمات الإعلامية وتداول الأخبار تتلاشى تدريجياً لصالح «الخدمات المدفوعة»، بعدما باتت واقعاً تتجه له صناعة الإعلام... وإنْ بخطوات بطيئة ومواربة. فقد أثار إيقاف خدمة «سي إن إن بلَس» المعنية بتقديم خدمة إخبارية بنمط البث المباشر أو «الستريمينغ»، بعد إطلاقها بنحو شهر واحد فقط من عملها، تساؤلات عدة يدور معظمها حول مستقبل «الخدمات الإعلامية المدفوعة»، وبات السؤال الأبرز بين صناع الخبر، هو هل الجمهور مُهيأ لاستقبال خدمة البث المباشر المدفوعة؟ وهذا وسط مطالب من بعض الخبراء والمتخصصين بمزيد من «الدقة وتفادي الأزمات الإدارية مع أي تجارب جديدة».
في بيان صحافي نُشر في نهاية أبريل (نيسان) الماضي، أعلنت شركة «وارنر بروذرز ديسكفري» (WBD)، التي كانت قد وقّعت في وقت سابق شراكة تستهدف الاندماج مع شبكة «سي إن إن» وشركة الاتصالات العملاقة «آي تي آند تي»، عن وقف خدمة البث المباشر المدفوعة للقناة الإخبارية -التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها- بعد شهر واحد فقط من إطلاقها، وكانت محاولة لجلب الإيرادات من اشتراكات تدفق الأخبار. وأضاف البيان أن الشركة أنفقت ما يصل إلى 300 مليون دولار أميركي على تطوير الخدمة، لكنها بدأت بداية بطيئة، واجتذبت 10 آلاف مشاهد فقط يومياً.
كريس ليخت، الرئيس التنفيذي الجديد لشبكة «سي إن إن»، قال في تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية، إن الشركة تستهدف أن تكون أقوى بعد الاندماج مع «وارنر بروذرز ديسكفري» لتصبح جزءاً من استراتيجية بث تضم الأخبار إلى جانب محتوى رياضي وترفيهي وواقعي. وأضاف: «لذلك اتخذنا قراراً بوقف مشاريع (سي إن إن) الحالية، ومنها البث المباشر للأخبار». أما جي بي بريت، رئيس البث المباشر في «ديسكفري»، فأفاد بأن «الشركة كانت تبحث عن نموذج أعمال أكثر استدامة لدفع استثماراتها المستقبلية في الصحافة وتقديم قصص إخبارية عالية الجودة».

                     تراجع القيمة السوقية لعملاق الترفيه «نتفليكس»
وتعليقاً على هذا التطور، رأى أحمد عصمت، استشاري تكنولوجيا الإعلام والتحول الرقمي في مصر، أن «ما حدث لم يكن واقعة أولى من نوعها، ذلك أن ثمة مؤسسات كبرى أطلقت مشاريع مماثلة، ثم عاودت وأغلقتها بعد فترة وجيزة، لا سيما أن الإعلام في الأصل صناعة تحتمل تغيير استراتيجيتها للتكيف وتلبية احتياجات الجمهور». وأردف عصمت خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»: «الإغلاق السريع لخدمة البث المباشر لخدمة إخبارية مدفوعة ذكّرنا بما حدث في شبكة (كويبي) التي أطلقت خدمة البث المباشر عبر الإنترنت، وبتكلفة نحو 1.5 مليار دولار، ثم أغلقت بعد 7 أشهر فقط... وهذا أمر من شأنه زيادة الشكوك حول خدمات البث المباشر المدفوعة وإمكانية تطبيقها في الواقع. إلا أن الحقيقة لا تتعلق بالفكرة في حد ذاتها، إذ لكل مشروع منهما أسبابه الخاصة التي دفعت إلى التعجيل بوقف التجربة». وحسب عصمت فإن «أسباب الإغلاق السريع للخدمة في حالة (سي إن إن) ربما تعود إلى أن المدير التنفيذي للشبكة اتخذ قراراً بتسريع الاندماج بين المؤسسة وبين شركة (وارنر بروذرز ديسكفري)، ما أدى إلى تغير الاستراتيجيات... لكن المؤسف في هذا الشأن هو تسريح نحو 350 موظفاً، كان منتظراً أن يكونوا جزءاً من الخدمة، من أصل 700 موظف». ويتابع عصمت موضحاً: «على الرغم من أن (سي إن إن) واحدة من المؤسسات الإعلامية العالمية ذات الربحية المالية الضخمة، وسط الأزمات التي يواجهها الإعلام، فقد يؤدي فشلها في تفادي الأزمات الإدارية إلى التأثير على مستقبلها».
فتّش على المحتوى
من جانبه، ذكر أسامة عصام الدين، الخبير في تطوير مواقع التواصل الاجتماعي بالمملكة العربية السعودية، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «المحتوى هو الدافع الأهم وراء توقّف التجربة. فقد كانت المجالات التي ركّزت عليها الخدمة، محدودة الاهتمام وضيقة جداً، من محتوى الطعام إلى رياضة الغولف والسيارات والأمومة... وهذا محتوى محدود الفئة في مقابل المنصات التي تقدم المحتوى المتنوع الذي يغطي كل الاهتمامات والمجالات». وأضاف: «إذا نظرنا إلى محتوى (سي إن إن) الإخباري الأساسي لهذه الخدمة المدفوعة، سيتساءل المستخدمون عن القيمة التي سيقدمها لهم الاشتراك، ما دامت الأخبار تُقدّم بالفعل على (سي إن إن)، ناهيك بشعبية القناة وقاعدتها الجماهيريّة التي انخفضت إلى أرقام غير مسبوقة خلال العامين الماضيين».

                                                                                 أسامة عصام الدين
على ما يبدو، فإن تجربة الشبكة الأميركية أصابت سوق الإعلام الطامح نحو التحول إلى الخدمات المدفوعة بـ«خيبة الأمل». وتساءل الخبراء والمتخصصون حول مدى استعداد الجمهور للخدمات الإخبارية المدفوعة. إلا أن عصمت يقول: «على المستوى العالمي، يمكن القول بأن العالم بات مهيئاً ومعنياً بتقديم خدمة إعلامية مدفوعة، وهناك تجارب في سوق الإعلام تؤكد جاهزيته لاستقبال مثل هذه الخدمات والتفاعل معها. ويعزز هذا الاتجاه التقرير الأخير الذي صدر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة التابع لجامعة أكسفورد، الذي أكد تزايد الطلب على الخدمات الإعلامية المدفوعة». ويضيف: «ربما تكون المنطقة العربية أيضا مهيأة قريباً... وبشكل عام نحن أمام نموذج عمل يسير بسرعة في اتجاه الخدمات المدفوعة على حساب المجاني لا العكس، وإن ليس بشكل كامل. لكن أرى أننا بانتظار توفير خدمات إضافية أو حسابات مميزة». ويتابع عصمت أن «الفضل في التحول إلى البث المباشر المدفوع يعود لصحافة المواطن... إذ فتحت صحافة المواطن أبواباً جديدة، وغدا نقل المعلومات عن طريقة البث المباشر الشكل الأسرع والأرجح، ما أعطى الخدمة الإخبارية بعداً أكثر آنية ومصداقية».
في المقابل، يرى عصام الدين أن «هذه التجارب ما زالت حذرة... ومع أن الجمهور دائماً مهيّأ، فإن السؤال يجب أن يُوجه إلى المنصات، فالجمهور عندما ينظر اليوم إلى السوق المزدحم بالخدمات المدفوعة للمحتوى، يبحث عن القيمة التي تقدمها له هذه الخدمات، سواء أكان من حيث التنوع في المحتوى وتغطية أهم المجالات، أو القيمة المقدمة من الأخبار وتغطية ما وراءها. ولدى النظر إلى التجارب على الأرض ليست هناك منصة «ستريمينغ Streaming» إخبارية أثبتت نجاحاً باهراً. هذا الأمر يدفعني للتساؤل أساساً عن مدى جدوى وجود منصة كهذه، فما القيمة التي ستقدمها قناة تقدم أخباراً متاحة وموجودة في كل مكان؟ علينا أن نسأل أولاً وأخيراً عن القيمة المقدمة والمحتوى الحصري الذي قد تقدمه منصة كهذه».
حول تراجع «نتفليكس»
في السياق ذاته، ربطت توقعات لخبراء ومتخصصين بين توقف الخدمة الإخبارية المدفوعة من الشبكة الأميركية، وبين تراجع القيمة السوقية لعملاق الترفيه «نتفليكس»، بعدما أعلنت الأخيرة عن خسارتها نحو 50 مليار دولار بسبب تراجع الاشتراكات. وهنا يعلّق عصمت شارحاً إن «تراجع (نتفليكس) ليس مؤشراً يؤخذ بدلالاته عند الحديث عن الخدمات المدفوعة بشكل عام... إنها تداعيات الأزمة الاقتصادية التي يعيشها العالم والتي بدأت ترمي بظلالها على ثقافة الإنفاق والترشيد وتقنين النفقات. وبناءً عليه، فنحن بحاجة إلى قياس المؤشرات من خلال مدد زمنية أطول وليس عبر مشهد عرضي يخص منصة واحدة».
لكن عصام الدين يعتقد أننا «أمام تراجع واضح للخدمات الإعلامية المدفوعة». ويدلل على ذلك بأن «المنافسة على أشدّها، وشركات الترفيه التقليدية أدركت أن البث عبر الإنترنت هو المستقبل، ما أدّى إلى توافدها على السوق ودخول شركة جديدة على الخط كل عام... ويكفي أن نشاهد (نتفليكس)، الخدمة الأبرز والمثل الأعلى للشركات في هذا السوق، تخسر مشتركين للمرة الأولى خلال عقدٍ من الزمان». ويشير عصام الدين من ثم إلى أن «نجاح خدمة البث المباشر الإخبارية المدفوعة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بجودة المادة الصحافية، فإن لم توفر الجودة والدقة والمصداقية، لن يجد المستخدم دافعاً للتكلفة المادية. ومن هنا أتصور أن الصحافة أمام فرصة لرفع جودة الخدمات التي تقدمها، بينما الوجه الآخر هو أن الخدمات المدفوعة تضع صناع الخدمات الإعلامية أمام ضرورة الدفع بعناصر الجذب التي ليس بالضرورة أن تتوافق مع المهنية».
وأخيراً ينصح عصام الدين المؤسسات الإعلامية، بعد قراءة وتحليل تجربة «سي إن إن» غير المكتملة، قائلاً: «إذا أردت أن تكسب المال من منصة محتوى متخصص، لا تنفق إنفاقاً ضخماً كأنك منصة محتوى رئيسية ذات جماهيرية. وإذا أردت أن تكون منصة محتوى رئيسية ذات جماهيرية، فلا تُشعر الجمهور بأنك منصة متخصصة».


مقالات ذات صلة

الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

الولايات المتحدة​ الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

تواجه المحكمة العليا للولايات المتحدة، التي كانت تعدّ واحدة من أكثر المؤسّسات احتراماً في البلاد، جدلاً كبيراً يرتبط بشكل خاص بأخلاقيات قضاتها التي سينظر فيها مجلس الشيوخ اليوم الثلاثاء. وتدور جلسة الاستماع، في الوقت الذي وصلت فيه شعبية المحكمة العليا، ذات الغالبية المحافظة، إلى أدنى مستوياتها، إذ يرى 58 في المائة من الأميركيين أنّها تؤدي وظيفتها بشكل سيئ. ونظّمت اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ، التي يسيطر عليها الديمقراطيون، جلسة الاستماع هذه، بعد جدل طال قاضيين محافظَين، قبِل أحدهما وهو كلارنس توماس هبة من رجل أعمال. ورفض رئيس المحكمة العليا جون روبرتس، المحافظ أيضاً، الإدلاء بشهادته أمام الك

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الجمود السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس يثير ذعر الأسواق المالية

الجمود السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس يثير ذعر الأسواق المالية

أعلن رئيس مجلس النواب الأميركي كيفين مكارثي قبول دعوة الرئيس جو بايدن للاجتماع (الثلاثاء) المقبل، لمناقشة سقف الدين الأميركي قبل وقوع كارثة اقتصادية وعجز الحكومة الأميركية عن سداد ديونها بحلول بداية يونيو (حزيران) المقبل. وسيكون اللقاء بين بايدن ومكارثي في التاسع من مايو (أيار) الجاري هو الأول منذ اجتماع فبراير (شباط) الماضي الذي بحث فيه الرجلان سقف الدين دون التوصل إلى توافق. ودعا بايدن إلى لقاء الأسبوع المقبل مع كل من زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ تشاك شومر (ديمقراطي من نيويورك)، وزعيم الأقلية في مجلس النواب ميتش ماكونيل (جمهوري من كنتاكي)، وزعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز (ديمقراطي م

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ شاهد.... مراهق أميركي ينقذ حافلة مدرسية بعد فقدان سائقها الوعي

شاهد.... مراهق أميركي ينقذ حافلة مدرسية بعد فقدان سائقها الوعي

تمكّن تلميذ أميركي يبلغ 13 سنة من إيقاف حافلة مدرسية تقل عشرات التلاميذ بعدما فقد سائقها وعيه. وحصلت الواقعة الأربعاء في ولاية ميشيغان الشمالية، عندما نهض مراهق يدعى ديلون ريفز من مقعده وسيطر على مقود الحافلة بعدما لاحظ أنّ السائق قد أغمي عليه. وتمكّن التلميذ من إيقاف السيارة في منتصف الطريق باستخدامه فرامل اليد، على ما أفاد المسؤول عن المدارس الرسمية في المنطقة روبرت ليفرنوا. وكانت الحافلة تقل نحو 70 تلميذاً من مدرسة «لويس أي كارتر ميدل سكول» في بلدة وارين عندما فقد السائق وعيه، على ما ظهر في مقطع فيديو نشرته السلطات.

يوميات الشرق أول علاج بنبضات الكهرباء لمرضى السكري

أول علاج بنبضات الكهرباء لمرضى السكري

كشفت دراسة أجريت على البشر، ستعرض خلال أسبوع أمراض الجهاز الهضمي بأميركا، خلال الفترة من 6 إلى 9 مايو (أيار) المقبل، عن إمكانية السيطرة على مرض السكري من النوع الثاني، من خلال علاج يعتمد على النبضات الكهربائية سيعلن عنه للمرة الأولى. وتستخدم هذه الطريقة العلاجية، التي نفذها المركز الطبي بجامعة أمستردام بهولندا، المنظار لإرسال نبضات كهربائية مضبوطة، بهدف إحداث تغييرات في بطانة الجزء الأول من الأمعاء الدقيقة لمرضى السكري من النوع الثاني، وهو ما يساعد على التوقف عن تناول الإنسولين، والاستمرار في التحكم بنسبة السكر في الدم. وتقول سيلين بوش، الباحثة الرئيسية بالدراسة، في تقرير نشره الجمعة الموقع ال

حازم بدر (القاهرة)
آسيا شويغو: روسيا تعزز قواعدها في آسيا الوسطى لمواجهة أميركا

شويغو: روسيا تعزز قواعدها في آسيا الوسطى لمواجهة أميركا

نقلت وكالة الإعلام الروسية الحكومية عن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو قوله، اليوم (الجمعة)، إن موسكو تعزز الجاهزية القتالية في قواعدها العسكرية بآسيا الوسطى لمواجهة ما قال إنها جهود أميركية لتعزيز حضورها في المنطقة. وحسب وكالة «رويترز» للأنباء، تملك موسكو قواعد عسكرية في قرغيزستان وطاجيكستان، لكن الوكالة نقلت عن شويغو قوله إن الولايات المتحدة وحلفاءها يحاولون إرساء بنية تحتية عسكرية في أنحاء المنطقة، وذلك خلال حديثه في اجتماع لوزراء دفاع «منظمة شنغهاي للتعاون» المقام في الهند. وقال شويغو: «تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها، بذريعة المساعدة في مكافحة الإرهاب، استعادة حضورها العسكري في آسيا الوسطى

«الشرق الأوسط» (موسكو)

انقسام حزبي حول «آيس» يُعمّق أزمة المطارات الأميركية ويُعرقل التسوية

ازدحام خانق في مطار «جون إف كيندي» في نيويورك يوم 23 مارس 2026 (د.ب.أ)
ازدحام خانق في مطار «جون إف كيندي» في نيويورك يوم 23 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

انقسام حزبي حول «آيس» يُعمّق أزمة المطارات الأميركية ويُعرقل التسوية

ازدحام خانق في مطار «جون إف كيندي» في نيويورك يوم 23 مارس 2026 (د.ب.أ)
ازدحام خانق في مطار «جون إف كيندي» في نيويورك يوم 23 مارس 2026 (د.ب.أ)

تستمر أزمة المطارات الأميركية وزحمتها الخانقة، ومعها يحتدم الجدل حول تمويل وزارة الأمن القومي. فالانفراجة التي شهدتها المحادثات لتمويل الوزارة مطلع الأسبوع عادت للانحسار بعد معارضة بعض الجمهوريين والديمقراطيين على طبيعة الاتفاق وتفاصيله.

ولاقت بنود الاتفاق القاضية بتمويل كل الوزارة، ما عدا عمليات وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (آيس) استياء عدد من الجمهوريين الذين عدّوا أن تصويتاً على اتفاق من هذا النوع يعني تصويتاً لسحب التمويل من عمليات اعتقال المهاجرين وترحيلهم.

وقال السيناتور الجمهوري جوش هولي: «لا أريد التصويت لإلغاء تمويل (آيس)، ولا أريد التصويت لخفض تمويلها. أريدها أن تكون ممولة بالكامل».

معارضة ديمقراطية

يعارض الديمقراطيون هذا المبدأ كلياً. فقد خاضوا هذه المعركة منذ البداية بهدف واحد، وهو الحدّ من ممارسات وكالة الهجرة وعناصرها، وقدَّموا لائحة طويلة من المطالب لفرض إصلاحات على الوكالة؛ مثل منع عناصرها من إخفاء وجوههم وراء أقنعة، وإلزامهم بالحصول على مذكرات قضائية قبل تنفيذ عمليات مداهمة أو اعتقال.

وتحدّث زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، عن توجُّه حزبه قائلاً: «يجب أن نضع قيوداً على وكالة الهجرة والجمارك ونوقف العنف. نحن بحاجة إلى إصلاحات. وكل واحد من زملائي من دون استثناء يؤمن بضرورة أن نكون موحّدين لفرض إصلاحات على (آيس)».

عنصر من وكالة «آيس» في مطار هيوستن بتكساس يوم 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ويعوّل الديمقراطيون على استمرار وحدة صفّهم في مواجهة تصاعد الضغوط لإنهاء الإغلاق الجزئي، الذي بدأ منتصف الشهر الماضي بسبب اعتراضهم على ممارسات «آيس». لكن المعضلة التي يواجهها الحزبان اليوم هي أن هذه المعركة السياسية تحوّلت إلى أزمة حقيقية في المطارات الأميركية التي تشهد ازدحاماً خانقاً بسبب غياب نحو 11 في المائة من إجمالي القوة العاملة، بما يشمل عناصر الأمن والتفتيش الذين لم يتقاضوا رواتبهم بسبب الإغلاق الجزئي.

ورغم قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب إرسال عناصر «آيس» للمساعدة على ضبط طوابير المسافرين الطويلة، فإن هذا لم يُحسّن من أوضاع السفر كثيراً. وقد عمدت بعض شركات الطيران إلى تحفيز المسافرين على إلغاء رحلاتهم، كما ألغت بعضها برامج خدمة أعضاء الكونغرس الخاصة، التي تُسهّل معاملاتهم ورحلاتهم بسبب نقص الموظفين.

تبادل اتهامات

وفيما يتبادل الحزبان الاتهامات حيال المسؤولية عن الأزمة التي تمُرّ بها البلاد، ظهرت بوادر أمل خجولة بعد اجتماع عقده جمهوريون مع ترمب في البيت الأبيض، وخرجوا منه بتسوية اعتبروا أنها ستُرضي الديمقراطيين.

وتقضي هذه التسوية بفصل تمويل عمليات «آيس» عن تمويل الوزارة، «على أن يُبحث تمرير هذا التمويل لاحقاً عبر مسار المصالحة»، مع إقرانه ببعض بنود مشروع «أنقذوا أميركا». كما عرضوا تزويد عناصر الوكالة بكاميرات جسدية لتصوير ممارساتهم المثيرة للجدل خلال عمليات الاعتقال.

مشروع المصالحة

غير أن وعود الجمهوريين بدمج مشروع «أنقذوا أميركا» ضمن مسار «المصالحة» تصطدم بعقبات إجرائية واضحة. فالمقترح يقوم عملياً على فصل تمويل عمليات «آيس» عن مشروع تمويل وزارة الأمن القومي، ثم محاولة تمريره لاحقاً عبر آلية المصالحة التي تتيح إقرار البنود المالية بأغلبية بسيطة في مجلس الشيوخ.

غير أن هذا المسار مقيّد بشدة، إذ تفرض «قاعدة بيرد» حظراً على إدراج أي بنود لا ترتبط مباشرة بالموازنة، ما يجعل إدراج عناصر من مشروع انتخابي -كالتغييرات في قوانين التصويت- عرضة للاستبعاد.

وبذلك، يتحول رهان الجمهوريين على المصالحة إلى خيار إجرائي محفوف بالمخاطر، سواء من حيث قابلية تمرير تمويل «آيس» نفسه، أو إمكانية ربطه بأجندة تشريعية أوسع.

ترمب يتحدث مع الصحافيين في البيت الأبيض يوم 24 مارس 2026 (أ.ب)

وشكّك الديمقراطيون في هذه المبادرة، وقال السيناتور الديمقراطي تيم كاين: «حتى نحصل على الإصلاحات التي نريدها في (آيس)، لن نُصوّت على تمويلها». وقد أعلن شومر أنه سيُقدّم طرحاً للرد على المبادرة الجمهورية بهدف التوصل إلى تسوية، لكن هذا لم يلقَ استحسان الجمهوريين، كالسيناتور ليندسي غراهام الذي قال: «لم أذهب إلى البيت الأبيض للقاء الرئيس لمدة ساعتين وإقناعه باتفاق لأقوم بتغييره لاحقاً. لا يمكننا العمل بهذه الطريقة».

ومن الواضح أن مباركة ترمب أساسية للحصول على الدعم الجمهوري اللازم لإقرار أي تسوية. وقد تمكن الجمهوريون الذين التقوا به من إقناعه بتسوية تفتح المجال لطرح أجزاء من مشروع «أنقذوا أميركا» ضمن مسار المصالحة بعد إقرار تمويل وزارة الأمن القومي.

ورغم أن البيت الأبيض بدا منفتحاً على الطرح في بيان وصفه بـ«الحل المقبول»، فإن ترمب قال لاحقاً، في معرض لقائه بالصحافيين، إنه غير راضٍ عن أي اتفاق مع الديمقراطيين، وتعهّد بالنظر بدقة في أي تسوية ناجمة عن المفاوضات قبل الموافقة عليها.


«البنتاغون»: سنعزز إمدادات الحرب باتفاقات مع شركات تصنيع أسلحة

صورة عامة لمبنى «البنتاغون» في العاصمة واشنطن (أ.ب)
صورة عامة لمبنى «البنتاغون» في العاصمة واشنطن (أ.ب)
TT

«البنتاغون»: سنعزز إمدادات الحرب باتفاقات مع شركات تصنيع أسلحة

صورة عامة لمبنى «البنتاغون» في العاصمة واشنطن (أ.ب)
صورة عامة لمبنى «البنتاغون» في العاصمة واشنطن (أ.ب)

قالت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، اليوم الأربعاء، إنها توصلت إلى اتفاقيات إطارية مع شركات «بي إيه إي سيستمز» و«لوكهيد مارتن» و«هانيويل» لزيادة إنتاج عدة أنظمة دفاعية وذخائر، في إطار تحولها إلى «حالة الاستعداد للحرب».

وأضافت «البنتاغون» أنه «بموجب هذه الاتفاقيات، ستقوم (هانيويل أيروسبيس) بزيادة إنتاج المكونات الضرورية لمخزون الذخائر الأميركي»، في إطار استثمار بقيمة 500 مليون دولار على مدى عدة سنوات.

وأشارت «البنتاغون» إلى أن شركتي «بي إيه إي سيستمز» و«لوكهيد مارتن» ستزيدان إنتاج أجهزة التوجيه الخاصة بصاروخ «ثاد» الاعتراضي بمقدار أربعة أمثال، كما ستسرع اتفاقية إطارية جديدة مع شركة «لوكهيد مارتن» من إنتاج صاروخها من طراز «بريسيجن سترايك ميسيل» للضربات دقيقة التوجيه.

وتأتي هذه الإعلانات بعد مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على بدء الرئيس الأميركي دونالد ترمب وإسرائيل الحرب على إيران.


ديمقراطية تفوز بانتخابات خاصة في معقل ترمب بولاية فلوريدا

الديمقراطية إميلي غريغوري الفائزة في انتخابات خاصة الثلاثاء في ولاية فلوريدا الأميركية (متداولة)
الديمقراطية إميلي غريغوري الفائزة في انتخابات خاصة الثلاثاء في ولاية فلوريدا الأميركية (متداولة)
TT

ديمقراطية تفوز بانتخابات خاصة في معقل ترمب بولاية فلوريدا

الديمقراطية إميلي غريغوري الفائزة في انتخابات خاصة الثلاثاء في ولاية فلوريدا الأميركية (متداولة)
الديمقراطية إميلي غريغوري الفائزة في انتخابات خاصة الثلاثاء في ولاية فلوريدا الأميركية (متداولة)

فازت المرشحة الديمقراطية إميلي غريغوري في انتخابات خاصة جرت الثلاثاء في ولاية فلوريدا الأميركية، لتقلب دائرة تشريعية كانت تُعد معقلاً للجمهوريين، وهي الدائرة التي تضم منتجع مارالاغو في بالم بيتش، الذي يتخذه الرئيس دونالد ترمب مقر إقامته.

وكان الرئيس قد دعم منافس غريغوري، الجمهوري جون مابلز. وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الاثنين، دعا الناخبين إلى المشاركة بكثافة، مشيراً إلى أن مابلز يحظى بدعم «عدد كبير من أصدقائي في مقاطعة بالم بيتش».

واحتفى الديمقراطيون بهذا الفوز بعدّه مؤشراً جديداً على تحوّل مزاج الناخبين ضد ترمب والحزب الجمهوري قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني). وتُعد انتخابات الثلاثاء الأحدث ضمن سلسلة من الانتصارات غير المتوقعة أو الكاسحة التي حققها الديمقراطيون في انتخابات خاصة عبر البلاد منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض قبل أكثر من عام، وفق تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».

وكان المقعد يشغله سابقاً الجمهوري مايك كاروسو، الذي استقال لتولي منصب كاتب مقاطعة بالم بيتش. وكان كاروسو قد فاز بالمقعد بفارق 19 نقطة مئوية في عام 2024.

صورة جوية لنادي مارالاغو التابع للرئيس الأميركي دونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا (أ.ب - أرشيفية)

«سئموا من الجمهوريين»

وقالت هيذر ويليامز، رئيسة لجنة الحملة التشريعية الديمقراطية: «إذا كان مارالاغو نفسه عرضة للخسارة، فتخيلوا ما يمكن تحقيقه في نوفمبر (تشرين الثاني)». وأضافت أن سباق الثلاثاء يمثل المقعد التاسع والعشرين الذي ينتزعه الديمقراطيون من سيطرة الجمهوريين منذ تولي ترمب منصبه.

وأضافت: «أسعار الوقود ترتفع، وتكاليف البقالة تزداد، والعائلات تعاني لتأمين احتياجاتها — من الواضح أن الناخبين سئموا من الجمهوريين».

ومع فرز شبه كامل للأصوات، تقدمت غريغوري بفارق 2.4 نقطة مئوية، أي ما يعادل 797 صوتاً.

نشأت غريغوري شمال بالم بيتش في مدينة ستيوارت، وهي مالكة شركة للياقة البدنية تُعنى بالنساء الحوامل وما بعد الولادة، ولم يسبق لها الترشح لأي منصب منتخب.

وقالت في مقابلة مع «إم إس ناو» بعد فوزها، إنها «مصدومة إلى حد كبير» وتشعر وكأنها «تعيش تجربة خارج الجسد».

وحقق الديمقراطيون مكاسب ملحوظة في ولاية فلوريدا التي يسيطر عليها الجمهوريون. ففي ديسمبر (كانون الأول)، فازت إيلين هيغينز برئاسة بلدية ميامي، في أول مرة يقود فيها ديمقراطي المدينة منذ نحو ثلاثة عقود، بعدما هزمت مرشحاً جمهورياً مدعوماً من ترمب، في حملة ركزت بشكل كبير على انتقاد سياسات الرئيس المتشددة بشأن الهجرة، وهو خطاب لاقى صدى لدى السكان من أصول لاتينية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى وسائل الإعلام قبل مغادرته ويست بالم بيتش على متن طائرة الرئاسة الأميركية... فلوريدا 23 مارس 2026 (رويترز)

ترمب ينأى بنفسه

وفي ولاية تكساس، قلب الديمقراطي تايلور ريهمِت دائرة موثوقة للجمهوريين في مجلس الشيوخ المحلي خلال انتخابات خاصة في يناير (كانون الثاني).

وسارع ترمب إلى النأي بنفسه عن الخسارة في دائرة كان قد فاز بها بفارق 17 نقطة في عام 2024، قائلاً: «أنا غير معني بذلك»، رغم دعمه السابق للمرشح الجمهوري.

وقد أعطت نتائج تكساس دفعة معنوية للديمقراطيين الذين يبحثون عن مؤشرات على استعادة الزخم بعد إقصائهم من السلطة في واشنطن في انتخابات 2024 الرئاسية.

لكن الفوز في معقل ترمب الخاص منحهم حماسة أكبر.

وقال كين مارتن، رئيس اللجنة الوطنية الديمقراطية: «جيران دونالد ترمب أنفسهم بعثوا برسالة واضحة للغاية: هم غاضبون ومستعدون للتغيير».

وبحسب سجلات الناخبين في مقاطعة بالم بيتش، أدلى ترمب بصوته عبر البريد في انتخابات الثلاثاء، وتم احتساب صوته. وقد اختار التصويت بالبريد رغم انتقاده العلني لهذه الوسيلة وعدّها مصدراً للتزوير، ودعوته الكونغرس إلى الحد منها.

وكان ترمب مقيماً في نيويورك معظم حياته، لكنه غيّر محل إقامته وتسجيله الانتخابي إلى فلوريدا خلال ولايته الأولى. وأصبح منتجع مارالاغو مركز تجمع لأصدقائه وحلفائه، إضافة إلى رجال أعمال وقادة أجانب يسعون لكسب وده، حيث يقضي هناك العديد من عطلات نهاية الأسبوع خلال فترة رئاسته.