نظرة فلسفيّة في معنى «الإعجاب» على مواقع التواصل

كأنها عُملة «رأس مال» اجتماعي

نظرة فلسفيّة في معنى «الإعجاب» على مواقع التواصل
TT

نظرة فلسفيّة في معنى «الإعجاب» على مواقع التواصل

نظرة فلسفيّة في معنى «الإعجاب» على مواقع التواصل

لقد غيّر انتشار الإنترنت أشياء كثيرة في هذا العالم. ولا شك في أن تأثيره على مجال التواصل بين البشر كان ثوريّاً بحق، إذ جعل من هذا الكوكب المترامي الأطراف قرية صغيرة، بحيث يمكن بأقل الجهد وأرخص التكاليف ربط أي عدد من الأشخاص معاً، وتبادل الرسائل فيما بينهم بأشكال مختلفة، كما منح الجميع فرصة تأسيس دوائر اتصال تتراوح بين عدد محدود من الأقرباء والأصدقاء إلى جمهور عالمي قد يغدو كبيراً، وكل ما بينهما.
التغيير الأهم مع ذلك مسّ معنى التواصل وماهيته، إذ إن الشبكات الاجتماعيّة أضافت جوانب جديدة لصيغ التخاطب الإنساني، مثل «الإعجابات» أو إعادة التغريد، كما أشكال جديدة للتعبير، مثل «الإيموجي»، والتعبيرات المختصرة، والـ«جي آي إف»، وغيرها، والتي أصبحت خلال أقلّ من عقد واحد جزءاً لا يتجزأ من خبرة التواصل لما يقارب 4 مليارات مستخدم للمنصات الاجتماعيّة عبر العالم، يقضي كل منهم ما معدله ساعتين ونصف يومياً في التفاعل معها.
ومع كل هذه التغييرات الهائلة المتسارعة، ما زال البحث الفلسفي والقانوني واللغوي بشكل عام متأخراً عن تفكيك وتفسير سرعة أدوات الخطاب الجديد تلك. ومن ذلك -مثلاً- الجدل القانوني الذي شهدته محكمة في زيوريخ (سويسرا) عام 2020، بعدما حكم القضاة بأن وضع علامة الإعجاب على منشور مسيء على «فيسبوك» يرتقي كي يكون عملاً جرمياً، على اعتبار أن علامة الإعجاب إشارة إلى تأييد المحتوى –المسيء في هذه الحالة– والمساعدة على نشره، بحكم أن خوارزميات هذه المنصة توصل المنشورات بطريقة أو بأخرى إلى جمهور صاحب علامة الإعجاب. وهناك حالات قانونيّة سُجلت في بريطانيا والهند وتايلاند لأناس استُدعوا إلى المساءلة أو اعتُقلوا جراء إبدائهم الإعجاب بمنشورات معينة.
ومن المعروف أن خاصية الإعجاب بالتحديد تمتاز بسهولتها المطلقة، إذ لا تتطلب كبير جهد سوى الضغط على الزر المناسب. لكن قبل إضافتها لمواقع التواصل كان رد الفعل الممكن الوحيد هو كتابة تعليق، الأمر الذي لا يفضله كثيرون لما يتطلبه من وقت وجهد وحذر أيضاً. والواقع أن استخدام خاصية الإعجاب على الشبكات الاجتماعيّة لا تعني بالضرورة أن الشخص يقول بأنّه يمتدح محتوى المنشور، بقدر ما هو ينخرط في سلوك اجتماعي أقرب إلى تعابير الوجه أو الابتسامة أو التلويح باليد أو الأصوات التي نصدرها كي نُشعر الآخر بأننا نستمع له، أو حتى تلك التعابير الفارغة من المعنى التي نتبادلها كنوع من المجاملة، مثل: «كيف الحال»، و«يا له من طقس جميل»، وهكذا. وهو ربما يعني مديح المحتوى للبعض؛ لكنه أيضاً قد يكون بمثابة تقدير متبادل بين طرفين يتبادلان الإعجابات، ربما دون الاطلاع على تفاصيل مادة المنشور. وهناك حتى أمثلة لمنشورات تعلن عن وفاة أشخاص حازت إعجابات مليونيّة، لم يكن أصحابها بالتأكيد يعبرون عن إعجابهم بموت نجومهم، بقدر ما كان نوعاً من إبداء المشاركة العاطفيّة في الحدث الحزين، أو حتى تأكيداً اجتماعيّاً للاطلاع على ذلك المنشور. ولذلك فإن المعنى الحقيقي للإعجاب يظل في أفضل الأحوال ملتبساً وغير محسوم.
وحتى عندما حاولت منصة «فيسبوك» –أكبر الشبكات الاجتماعيّة على الإطلاق بحوالي 2.5 مليار مستخدم– إضافة تعبيرات أدق للتعبير عن المشاعر تجاه المنشورات، فإن معناها النهائي أيضاً غير مؤكد. فهل إشارة الضحك تعني تأييداً للمنشور أم سخرية منه؟
على أنّ إبداء الإعجاب الفردي قد يكون أقل أهميّة في بيئة الشبكات الاجتماعيّة من عمليّة تراكمه، التي يبدو أنّها تمنح عند تكرره وتضخم أعداده، صاحب الحساب، نوعاً من مكانة أو سلطة، كأنها «رأس مال اجتماعيّ» على الصيغة التي وصفها عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، يمكن أن يستثمر تالياً لكسب رأس مال سياسي أو اقتصاديّ، ناهيك عن قيمتها المضمرة كشبكة علاقات اجتماعيّة، تقارب تلك التي ينسجها المرء من خلال عضويته في نادٍ اجتماعي أو لجنة تطوعيّة.
وفي الحقيقة، فإن الحصول على الإعجابات قد يتضمن جوانب أبعد حتى من مسألة اكتساب المكانة تلك. فطبيعة التواصل عبر المنصات الافتراضيّة تبدو من دون تلقي ردود أفعال من الآخرين، أشبه بالصراخ في فضاء مفتوح، ولذلك فإن الإعجابات من تلك الناحية ضروريّة لمنح صاحب المنشور الشعور باكتمال عمليّة التواصل (مرسل ورسالة ومتلقٍّ)، وإن ما عبّر عنه يلقى نوعاً من القبول الاجتماعي، أقلّه على سبيل الافتراض، وإلا فغالباً ما سينتهي إلى الانسحاب من العمليّة.
وأيضاً، لا شكّ في أن منح الإعجابات يخلق بشكل عام نوعاً من الأجواء الإيجابيّة في العلاقات الاجتماعيّة، كما الهدايا أو البطاقات البريديّة التي يتم تبادلها في المناسبات، وبالطبع يبقى معناها النهائي مرتبطاً بالشخصين وطبيعة علاقتهما؛ سواء الحقيقية أو الافتراضيّة، مع الصلاحيّة للمتلقي دائماً في قبولها من عدمه، لا سيما في حالات تتعلق بشخصيات تقتصر معرفتنا بها على الشبكات، أو تتعلق بأفراد من جنسين مختلفين، إذ يمكن في بعض الأحيان أن تقرأ تلك الإعجابات في إطار إيماءات أقرب للغزل –الافتراضي دائماً-.
ولبناء رأس مال اجتماعي من وراء الإعجابات، سيكون ضرورياً الاستمرار في إنتاج المنشورات والتفاعل مع الآخرين على شبكة التواصل، وهي عمليّة تتطلب وقتاً وجهداً، ويضطر بعض المشاهير لتوكيل إدارتها اليوميّة لمساعدين. على أن الأبحاث أظهرت أن تلقي الإعجابات بأعداد كبيرة على الشبكات الافتراضيّة يمنح الشخص شعوراً بالسعادة، إذ وُجد أنها تطلق مادة «الدوبامين» في الدّماغ، تماماً كما لو كان الشخص قد تلقى هديّة مالية مثلاً، ولذلك فإن كثيرين ينتهون إلى مستوى ما من الإدمان على تلقي الإعجابات، والشعور بآثار الانسحاب عند انحسارها.
ويتفق كثيرون اليوم على أن الصيغة التي بُنيت عليها خوارزميات شبكات التواصل تساعد بشكل عام في نشر معلومات ومعارف وتحديثات وآراء، لم يكن ممكناً في أوقات سابقة الوصول إليها، أقلّه بالسهولة التي تقدّمها الشبكات في وقتنا الرّاهن. لكن ذلك ينبغي ألا ينسينا الجوانب السلبيّة التي يمكن لها أن تتضمنها تجربة الشبكات الافتراضيّة، ومنها السقوط في فخّ التخندق مع أشخاص يقاربوننا في الفكر، والابتعاد عمن لا تعجبنا أقواله دون دلائل. وهذا يؤدي إلى نشوء نوع من «غُرف صدى» من متشابهين لا يثقون بجمهور غرف الصدى الأخرى، على نحو يعيق صيغ الحوار السياسي بين مختلف فئات المواطنين، ويعيد إنتاج الاستقطابات القائمة بينهم ويعمقها. ويشتق من هذه الجهة أن التورط في غرف الصدى تلك يدفع بصاحبه إلى نوع من الكسل الفكري، وتوزيع الإعجابات كجزء من لعبة نكاية بالآخرين، الأمر الذي يخلق بيئة من العلاقات السطحيّة دون فهم معمّق لماهيّة المحتوى المتضمن في المنشورات والتغريدات، أو برغم رداءته، وهو ما يسميه الفلاسفة «سقوط المعنى». ولعل ذلك يفسّر ظواهر مثل: شعراء/ شاعرات «فيسبوك»، أو المفكرين الافتراضيين السطحيين الذين قد تدفعهم الإعجابات المتواردة إلى نشر مزيد من المادة الرديئة، وشغل الفضاء الافتراضي بها.
وقد تنبه القائمون على شبكات التواصل الاجتماعي إلى الجوانب السلبية لمسألة تجميع الإعجابات تلك، والسلوكيّات الخطرة التي يقوم بها البعض سعياً للحصول عليها. وهم بصدد إجراء تجارب للتخلّص من عداداتها الملحقة بكل منشور، بينما أضاف «فيسبوك» خدمة اختيارية يمكن من خلالها إخفاء العدادات الظاهرة أمام المستخدم على صفحته.
ومع ذلك، فإن الإعجابات تحديداً، وجوانب التواصل الإنساني التي أضافتها الشبكات الافتراضية، تظل في النهاية محايدة القيمة، كما كل تكنولوجيا حديثة، ومتعددة الأوجه، بحيث يمكن استخدامها في الأبيض من المعنى، كما في الأسود منه.


مقالات ذات صلة

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

إعلام مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

بينما تتواصل المعارك العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، اندلعت حرب أخرى على منصّات التواصل الاجتماعي.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
إعلام شعار "ميتا" (رويترز)

أدوات «ميتا» لدعم الفيديوهات تُغيّر مستقبل تقديم الأخبار على المنصات

أعلنت شركة «ميتا» عن حزمة تحديثات جديدة لتعزيز إنتاج الفيديو على حساب الروابط، في خطوة ذكرت أن هدفها إتاحة تجربة متكاملة عبر تطبيقاتها الرقمية

إيمان مبروك (القاهرة)
يوميات الشرق أجهزة الأمن كثَّفت حملات إلقاء القبض على بلوغرز (وزارة الداخلية)

توقيف «بلوغرز الرقص»... هل تهدد «السوشيال ميديا» قيم المجتمع المصري؟

في الآونة الأخيرة تزايدت وقائع القبض على صانعات محتوى على «السوشيال ميديا» بمصر للقيام بنشر مقاطع فيديو تتضمن مشاهد وألفاظ «خادشة للحياء».

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق لا أحد في الهامش... الجميع داخل الإطار نفسه (منظّمة «كير»)

«كرامة بلا مساومة»: إعادة صياغة خطاب الحماية في لبنان

العنف قد يتسلَّل عبر عبارة أو نظرة أو سلوك داخل بيت يُفترض أنه مساحة أمان...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق تُستخدم «لينكد إن» مؤخراً كمنصة تعارف بعد أن ارتبطت بالمحتوى المهني والوظيفي (بكسلز)

الحب بتوقيت «لينكد إن»... من منصة مهنية إلى تطبيق تَعارُف ومواعدة

منصة «لينكد إن» المهنية ملاذٌ جديد للباحثين عن علاقات عاطفية والسبب المصداقيّة في مواصفات المستخدمين، والإرهاق من تطبيقات المواعدة.

كريستين حبيب (بيروت)

تقنية مبتكرة من مخلّفات القطن لتنقية المياه

مخلّفات قشور القطن تنتج عن بقايا العمليات الزراعية المرتبطة بالمحصول (جامعة ولاية ميسيسيبي)
مخلّفات قشور القطن تنتج عن بقايا العمليات الزراعية المرتبطة بالمحصول (جامعة ولاية ميسيسيبي)
TT

تقنية مبتكرة من مخلّفات القطن لتنقية المياه

مخلّفات قشور القطن تنتج عن بقايا العمليات الزراعية المرتبطة بالمحصول (جامعة ولاية ميسيسيبي)
مخلّفات قشور القطن تنتج عن بقايا العمليات الزراعية المرتبطة بالمحصول (جامعة ولاية ميسيسيبي)

طوَّر فريق بحثي في الصين تقنية جديدة تعتمد على تحويل مخلّفات القطن إلى مادة محفزة فعّالة قادرة على تحسين كفاءة تنقية المياه بشكل كبير. وأوضح الباحثون من جامعة شنيانغ الزراعية الصينية أن التقنية المبتكرة تقوم على تحويل مخلَّفات زراعية بسيطة إلى مادة عالية القيمة تُستخدم في تنقية المياه، بما يعزز مفهوم الاقتصاد الدائري ويحدّ من النفايات. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «Biochar».

وتعتمد معالجة المياه بالأوزون على استخدام غاز الأوزون بوصفه مؤكسداً قوياً لقتل الكائنات الدقيقة وتفكيك الملوّثات العضوية في المياه، حيث يعمل على أكسدة المركبات الضارة وتحويلها إلى مواد أبسط وأقل خطورة، مما يحسِّن جودة المياه ويقلل الروائح واللون. ومع ذلك، فقد لا يكون الأوزون وحده كافياً في بعض الحالات لمعالجة الملوثات المستقرة أو المعقدة، لذلك تُستخدم محفزات إضافية لتعزيز كفاءته وتسريع التحلُّل الكامل للملوثات.

وتعتمد التقنية الجديدة على تحويل مخلَّفات القطن؛ وهي بقايا العمليات الزراعية المرتبطة بمحصول القطن، إلى مادة وظيفية متقدمة تُعرَف باسم الفحم الحيوي المطعَّم بالنيتروجين، والمصمَّم ليعمل محفِّزاً يعزز كفاءة معالجة المياه باستخدام الأوزون. ويُنتَج هذا الفحم الحيوي عبر عملية تحلل حراري للمخلَّفات الزراعية مع إضافة مصدر للنيتروجين مثل اليوريا، لإعادة تشكيل البنية السطحية للمادة.

وتمكَّن الباحثون من تطوير مادة محدَّدة من هذا الفحم الحيوي المطعَّم بالنيتروجين تُعرف باسم «N-BC-800» صُنِّعت من مخلَّفات القطن باستخدام اليوريا بوصفها مصدراً للنيتروجين، عبر عملية تحلل حراري من مرحلتين.

وأظهرت النتائج أن المادة الجديدة قادرة على رفع كفاءة معالجة المياه، بشكل ملحوظ، خصوصاً في إزالة مركب «ديت» (DEET)، وهو من أكثر المواد استخداماً في طرد الحشرات، ويُعد من الملوثات المستمرة في البيئات المائية وصعبة التحلل.

وتمكنت التقنية من إزالة نحو 74 في المائة من هذا المركب عند دمجه مع الأوزون، متفوقة، بشكل واضح، على استخدام الأوزون وحده أو الفحم الحيوي غير المعدَّل.

كما سجلت العملية زيادة كبيرة في سرعة التفاعل، إذ ارتفع معدل التفاعل بنحو 106 أضعاف، مقارنة بالأوزون وحده، ونحو 25 ضِعفاً مقارنة بالأوزون مع الفحم الحيوي التقليدي، مما يعكس تحسناً كبيراً في كفاءة المعالجة.

ووفق الدراسة، تكمن آلية العمل في أن المادة المحفزة لا تقوم بدور تنقية المياه، بشكل مباشر فحسب، بل تسهم في تنشيط جزيئات الأوزون داخل الماء، ما يحوِّلها إلى نظام أكسدة أكثر قوة وفاعلية. وينتج عن ذلك تكوين أنواع شديدة التفاعل من الأكسجين، مسؤولة عن تفكيك الروابط الكيماوية في الملوثات العضوية المعقدة.

وأوضح الباحثون أن هذا الأداء المتميز يعود إلى التعديل الكيماوي لسطح الفحم الحيوي، حيث أسهم إدخال النيتروجين في زيادة المساحة السطحية وتحسين انتقال الإلكترونات.

ولم تقتصر فاعلية المادة على مركب «ديت»، بل أثبتت كفاءتها أيضاً في إزالة ملوثات دوائية وزراعية أخرى، مثل الإيبوبروفين، والكيتوبروفين، والأترازين، والبريميدون، مما يعزز إمكانية استخدامها، على نطاق واسع، في معالجة المياه الملوثة.

كما أظهرت التجارب أن المادة الجديدة تتمتع بدرجة جيدة من الاستقرار، إذ احتفظت بنحو 80 في المائة من نشاطها بعد 5 دورات استخدام متتالية، وظلَّت فعَّالة حتى في مياه الصرف الحقيقية، مع احتفاظها بنحو 73 في المائة من كفاءتها.


«روتردام للفيلم العربي» يراهن على سينما المهجر وحقوق الإنسان

لبلبة خلال التكريم (فيسبوك المهرجان)
لبلبة خلال التكريم (فيسبوك المهرجان)
TT

«روتردام للفيلم العربي» يراهن على سينما المهجر وحقوق الإنسان

لبلبة خلال التكريم (فيسبوك المهرجان)
لبلبة خلال التكريم (فيسبوك المهرجان)

يحتفي مهرجان روتردام للفيلم العربي بالسينما الفلسطينية في دورته الـ26، التي تُقام خلال الفترة من 10 إلى 14 يونيو (حزيران) الحالي. ويراهن المهرجان في هذه الدورة على سينما المهجر، ويولي اهتماماً خاصاً بالأفلام التي تعكس قضايا حقوق الإنسان. كما تشهد الدورة حضوراً لافتاً للسينما الفلسطينية، وهو حضور تحرص إدارة المهرجان على تكريسه في جميع دوراته.

وعكس ملصق الدورة هذا الاهتمام، إذ حمل دلالات رمزية مستوحاة من «أسطول الحرية»، وتضمّن صورة لـ26 زورقاً أبيض تشق مياه البحر. كما أهدى المهرجان هذه الدورة إلى أرواح 3 شخصيات راحلة، هي: الشاعر الفلسطيني محمد أبو ليل، أحد مؤسسي المهرجان، والمخرج المصري داود عبد السيد، والممثل التونسي فتحي الهداوي.

وشهد حفل الافتتاح، الذي أُقيم الأربعاء، تكريم عدد من نجوم السينما العربية، من بينهم الفنانة المصرية لبلبة، والفنان السوري جمال سليمان، والفنانة السورية ديما قندلفت، والفنان التونسي لمين النهدي، إلى جانب المخرج المصري خالد يوسف، الذي يترأس لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الروائية الطويلة.

ويُنظّم المهرجان 3 مسابقات للأفلام الروائية الطويلة، والأفلام القصيرة، والأفلام الوثائقية الطويلة، بمشاركة نحو 70 فيلماً من 30 دولة.

وعبَّرت الفنانة لبلبة عن سعادتها بهذا التكريم، وقالت خلال تسلّمها درع المهرجان إنها تحضر للمرة الأولى، وإن هذه الزيارة تُعد الأولى لها إلى هولندا. ووجّهت الشكر إلى الجمهور الذي ساندها منذ طفولتها وحتى اليوم، كما شكرت كبار المخرجين الذين عملت معهم، مؤكدة أن لهم فضلاً كبيراً في مسيرتها الفنية. وأضافت أنه رغم مشاركتها في نحو 100 فيلم خلال مشوارها الفني، فإنها لا تزال تتطلع إلى تقديم أعمال جديدة وأدوار تنال إعجاب الجمهور.

وأكد مؤسس المهرجان، خالد شوكات، خلال حفل الافتتاح، أن «السينما العربية، والتونسية على وجه الخصوص، حققت نجاحات لافتة في المحافل الدولية، وأثبتت قدرتها على المنافسة عالمياً». في حين قال المدير الفني للمهرجان، روش عبد الفتاح، إن «المهرجان ظل، منذ تأسيسه، منحازاً للقضية الفلسطينية»، معتبراً أن السينما ليست مجرد مساحة للإبداع الفني، بل منصة للدفاع عن الحرية أيضاً.

الفنانة السورية ديما قندلفت حازت تكريماً من روتردام (فيسبوك المهرجان)

ويتضمن برنامج المهرجان العرض الأول لفيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب، الذي يتناول مأساة «مخيم اليرموك» في سوريا وتجربة الشتات الفلسطيني، وذلك بعد مشاركته في الدورة الماضية من مهرجان برلين. كما يشارك فيلم «يسعدني أنك ميت» للمخرج الفلسطيني توفيق برهوم في مسابقة الأفلام القصيرة.

ويخصص المهرجان يوماً لفلسطين تحت عنوان «عين على فلسطين»، تُعرض خلاله 4 أفلام حظيت باهتمام واسع العام الماضي، هي: «صوت هند رجب»، و«اللي باقي منك»، و«فلسطين 36»، و«الطبيب الأخير». كما يسلّط الضوء على عدد من القضايا العربية من خلال فعاليات أخرى، من بينها «سوريا الجديدة» و«مبدعات عربيات».

ويُعد مهرجان روتردام للفيلم العربي من أعرق التظاهرات السينمائية العربية في أوروبا، ويتضمن برنامجه لهذه الدورة عدداً من الفعاليات الفنية والثقافية الموازية، من بينها «سوق الإنتاج» المخصص لدعم المواهب الشابة، و«السوق العربي» الذي يمتد على مدى 3 أيام، ويضم مأكولات عربية وشرقية، إلى جانب عروض موسيقية ومعرض للكتاب العربي.

المخرج خالد يوسف تكريم ورئاسة لجنة التحكيم (فيسبوك المهرجان)

وأشاد الناقد سيد محمود بمهرجان «روتردام للفيلم العربي»، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «المهرجان حقق تأثيراً لافتاً عبر دوراته الممتدة لأكثر من ربع قرن، بوصفه مهرجاناً فنياً يقوم على حسن اختيار أفلامه وضيوفه. ويتجلى ذلك في تكريمات هذا العام التي شملت فنانين ومخرجين أصحاب تاريخ سينمائي ومكانة راسخة في السينما العربية، فضلاً عن اهتمامه المستمر بالسينما الفلسطينية».

ورأى محمود أن مهرجانات السينما العربية في أوروبا، سواء في روتردام أو باريس أو مالمو، تمثل جسوراً مهمة للسينما العربية في الخارج، لا سيما في ظل وجود جاليات عربية كبيرة. وأضاف أن هذه المهرجانات توفر مساحة حيوية للمخرجين وصنّاع الأفلام، خصوصاً من بلدان المغرب العربي وفلسطين والعراق، لعرض أعمالهم والتعريف بها، فضلاً عن دورها الأبرز في تعزيز التواصل بين السينما العربية ومنجزاتها المتراكمة عبر عقود طويلة، ونظيرتها الأوروبية.

Your Premium trial has ended


المسرح المصري لجذب الجمهور بأعمال «تراثية» وأسعار رمزية

عرض «التياترو» على مسرح السلام بمصر (البيت الفني للمسرح)
عرض «التياترو» على مسرح السلام بمصر (البيت الفني للمسرح)
TT

المسرح المصري لجذب الجمهور بأعمال «تراثية» وأسعار رمزية

عرض «التياترو» على مسرح السلام بمصر (البيت الفني للمسرح)
عرض «التياترو» على مسرح السلام بمصر (البيت الفني للمسرح)

تشهد المسارح التابعة للدولة في مصر طفرة في العروض التي تقدمها، ويحمل بعضها طابعاً تراثياً أو كلاسيكياً، وتُطرح تذاكرها بأسعار رمزية، في إطار خطوات تسعى إلى جذب الجمهور ومحبي المسرح إلى العروض المسرحية.

ويقدم «البيت الفني للمسرح» حالياً مجموعة من العروض على مسارح القاهرة والإسكندرية، تتنوع بين الكلاسيكية والمعاصرة والاستعراضية، وتمنح الجمهور فرصة لمتابعة عروض مسرحية متعددة تعكس تنوع الحركة المسرحية وحيويتها.

وتتراوح أسعار تذاكر هذه العروض بين 30 جنيهاً للتذكرة (الدولار يعادل نحو 52 جنيهاً) في مسرح الهناجر، الذي يقدم مسرحية «زائد واحد» من تأليف محمد عادل النجار، وأشعار يسري حسان، وإخراج محمود فؤاد صدقي، و110 جنيهات، وهو الحد الأقصى لسعر تذكرة مسرحية «الملك لير» على المسرح القومي (وسط القاهرة)، من تأليف ويليام شكسبير، وبطولة يحيى الفخراني، وإخراج شادي سرور، وفق ما أعلنته وزارة الثقافة المصرية.

ومن العروض التي تشهدها مسارح الدولة أيضاً مسرحية «متولي وشفيقة» على مسرح الطليعة، من تأليف محمد علي إبراهيم، وإخراج أمير اليماني، ومسرحية «تياترو» من تأليف أحمد الملواني، وإخراج أحمد فؤاد، على مسرح السلام، الذي يشهد أيضاً عرض «يمين في أول شمال» من تأليف محمود جمال حديني، وإخراج عبد الله صابر.

«الملك لير» قدم في أكثر من موسم عرض (البيت الفني للمسرح)

ويرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن «المسرح المصري كان يقوم على ركيزتين أساسيتين: القطاع العام والقطاع الخاص. وحين تراجع مسرح القطاع الخاص خلال الأعوام الـ15 الأخيرة، واختفى تقريباً إلا فيما ندر، استطاع مسرح القطاع العام أن يسدَّ هذه الفجوة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «بعض العروض يُعاد تقديمها ضمن نظام (الريبرتوار)، ويقبل الجمهور عليها رغم مشاهدته لها سابقاً، مثل: (الحفيد)، و(الملك لير)، و(أهلاً يا بكوات) التي قُدمت أكثر من مرة. كما ينجذب الجمهور عادةً إلى اسم النجم بطل العمل، مثل يحيى الفخراني في مسرحية (الملك لير)».

وأشار سعد الدين إلى أن مسرح القطاع الخاص، عندما ينتج مسرحية، تكون أسعار تذاكرها مبالغاً فيها، إذ تصل أحياناً إلى نحو 1500 جنيه، ما يجعلها بعيدة المنال بالنسبة للشريحة الكبرى من الجمهور.

مسرحيات متنوعة على مسرح الدولة في مصر (البيت الفني للمسرح)

وأكد أن «هناك مسرحيات لا تعتمد بالضرورة على وجود نجوم، وإنما ترتكز على نص جيد، مثل (تياترو) و(متولي وشفيقة)، ما يجعلها جاذبة للجمهور، خصوصاً خلال فصل الصيف». ويشير إلى أنه «رغم قدرة مسرح القطاع العام على ملء الفراغ الذي تركه المسرح الخاص، فإنه يظل محدود الجماهيرية؛ لأن مسرحيات القطاع العام، للأسف، لا تُصوَّر. ولو جرى تصويرها وعرضها على شاشات التلفزيون، لحققت نجاحاً أكبر وأصبحت أكثر جذباً للجمهور».

ووفقاً لتقرير صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 2022، يوجد في مصر 41 مسرحاً تابعاً للدولة (القطاع العام)، وقد شهد العديد منها نشاطاً لافتاً خلال الفترة الأخيرة، خصوصاً في مواسم الأعياد والإجازات.

ويلفت الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن إلى أنه «على الرغم من جميع الأزمات التي يمر بها مسرح الدولة، فإنه لا يزال يؤكد قدرته على العودة بأقل الإمكانات». وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «حين تتوفر في العرض عناصر الجذب، مثل اسم البطل كما في حالة يحيى الفخراني ومسرحية (الملك لير)، أو العنصر الكوميدي كما في (تياترو)، أو الموال والقصة التراثية كما في (متولي وشفيقة)، فإن الجمهور يقبل عليه؛ لأن بوصلته الفنية لم تفسد بعد».

وأعرب عبد الرحمن عن أمله في أن «تمثل هذه الحالة رسالةً للقائمين على هذا الملف لتحديث آليات مسرح الدولة وزيادة إمكاناته، من دون رفع أسعار التذاكر. فعلى الرغم من أن أسعار التذاكر الحالية تقل عن المتوسط، فإن هناك العديد من الأفكار التي يمكن أن تسهم في نهضة مسرح الدولة. كما يجب توجيه التحية إلى المخرجين الذين يعملون في مسرح الدولة، رغم العروض والفرص الأخرى التي قد تكون متاحة لهم خارج مصر».