نظرة فلسفيّة في معنى «الإعجاب» على مواقع التواصل

كأنها عُملة «رأس مال» اجتماعي

نظرة فلسفيّة في معنى «الإعجاب» على مواقع التواصل
TT

نظرة فلسفيّة في معنى «الإعجاب» على مواقع التواصل

نظرة فلسفيّة في معنى «الإعجاب» على مواقع التواصل

لقد غيّر انتشار الإنترنت أشياء كثيرة في هذا العالم. ولا شك في أن تأثيره على مجال التواصل بين البشر كان ثوريّاً بحق، إذ جعل من هذا الكوكب المترامي الأطراف قرية صغيرة، بحيث يمكن بأقل الجهد وأرخص التكاليف ربط أي عدد من الأشخاص معاً، وتبادل الرسائل فيما بينهم بأشكال مختلفة، كما منح الجميع فرصة تأسيس دوائر اتصال تتراوح بين عدد محدود من الأقرباء والأصدقاء إلى جمهور عالمي قد يغدو كبيراً، وكل ما بينهما.
التغيير الأهم مع ذلك مسّ معنى التواصل وماهيته، إذ إن الشبكات الاجتماعيّة أضافت جوانب جديدة لصيغ التخاطب الإنساني، مثل «الإعجابات» أو إعادة التغريد، كما أشكال جديدة للتعبير، مثل «الإيموجي»، والتعبيرات المختصرة، والـ«جي آي إف»، وغيرها، والتي أصبحت خلال أقلّ من عقد واحد جزءاً لا يتجزأ من خبرة التواصل لما يقارب 4 مليارات مستخدم للمنصات الاجتماعيّة عبر العالم، يقضي كل منهم ما معدله ساعتين ونصف يومياً في التفاعل معها.
ومع كل هذه التغييرات الهائلة المتسارعة، ما زال البحث الفلسفي والقانوني واللغوي بشكل عام متأخراً عن تفكيك وتفسير سرعة أدوات الخطاب الجديد تلك. ومن ذلك -مثلاً- الجدل القانوني الذي شهدته محكمة في زيوريخ (سويسرا) عام 2020، بعدما حكم القضاة بأن وضع علامة الإعجاب على منشور مسيء على «فيسبوك» يرتقي كي يكون عملاً جرمياً، على اعتبار أن علامة الإعجاب إشارة إلى تأييد المحتوى –المسيء في هذه الحالة– والمساعدة على نشره، بحكم أن خوارزميات هذه المنصة توصل المنشورات بطريقة أو بأخرى إلى جمهور صاحب علامة الإعجاب. وهناك حالات قانونيّة سُجلت في بريطانيا والهند وتايلاند لأناس استُدعوا إلى المساءلة أو اعتُقلوا جراء إبدائهم الإعجاب بمنشورات معينة.
ومن المعروف أن خاصية الإعجاب بالتحديد تمتاز بسهولتها المطلقة، إذ لا تتطلب كبير جهد سوى الضغط على الزر المناسب. لكن قبل إضافتها لمواقع التواصل كان رد الفعل الممكن الوحيد هو كتابة تعليق، الأمر الذي لا يفضله كثيرون لما يتطلبه من وقت وجهد وحذر أيضاً. والواقع أن استخدام خاصية الإعجاب على الشبكات الاجتماعيّة لا تعني بالضرورة أن الشخص يقول بأنّه يمتدح محتوى المنشور، بقدر ما هو ينخرط في سلوك اجتماعي أقرب إلى تعابير الوجه أو الابتسامة أو التلويح باليد أو الأصوات التي نصدرها كي نُشعر الآخر بأننا نستمع له، أو حتى تلك التعابير الفارغة من المعنى التي نتبادلها كنوع من المجاملة، مثل: «كيف الحال»، و«يا له من طقس جميل»، وهكذا. وهو ربما يعني مديح المحتوى للبعض؛ لكنه أيضاً قد يكون بمثابة تقدير متبادل بين طرفين يتبادلان الإعجابات، ربما دون الاطلاع على تفاصيل مادة المنشور. وهناك حتى أمثلة لمنشورات تعلن عن وفاة أشخاص حازت إعجابات مليونيّة، لم يكن أصحابها بالتأكيد يعبرون عن إعجابهم بموت نجومهم، بقدر ما كان نوعاً من إبداء المشاركة العاطفيّة في الحدث الحزين، أو حتى تأكيداً اجتماعيّاً للاطلاع على ذلك المنشور. ولذلك فإن المعنى الحقيقي للإعجاب يظل في أفضل الأحوال ملتبساً وغير محسوم.
وحتى عندما حاولت منصة «فيسبوك» –أكبر الشبكات الاجتماعيّة على الإطلاق بحوالي 2.5 مليار مستخدم– إضافة تعبيرات أدق للتعبير عن المشاعر تجاه المنشورات، فإن معناها النهائي أيضاً غير مؤكد. فهل إشارة الضحك تعني تأييداً للمنشور أم سخرية منه؟
على أنّ إبداء الإعجاب الفردي قد يكون أقل أهميّة في بيئة الشبكات الاجتماعيّة من عمليّة تراكمه، التي يبدو أنّها تمنح عند تكرره وتضخم أعداده، صاحب الحساب، نوعاً من مكانة أو سلطة، كأنها «رأس مال اجتماعيّ» على الصيغة التي وصفها عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، يمكن أن يستثمر تالياً لكسب رأس مال سياسي أو اقتصاديّ، ناهيك عن قيمتها المضمرة كشبكة علاقات اجتماعيّة، تقارب تلك التي ينسجها المرء من خلال عضويته في نادٍ اجتماعي أو لجنة تطوعيّة.
وفي الحقيقة، فإن الحصول على الإعجابات قد يتضمن جوانب أبعد حتى من مسألة اكتساب المكانة تلك. فطبيعة التواصل عبر المنصات الافتراضيّة تبدو من دون تلقي ردود أفعال من الآخرين، أشبه بالصراخ في فضاء مفتوح، ولذلك فإن الإعجابات من تلك الناحية ضروريّة لمنح صاحب المنشور الشعور باكتمال عمليّة التواصل (مرسل ورسالة ومتلقٍّ)، وإن ما عبّر عنه يلقى نوعاً من القبول الاجتماعي، أقلّه على سبيل الافتراض، وإلا فغالباً ما سينتهي إلى الانسحاب من العمليّة.
وأيضاً، لا شكّ في أن منح الإعجابات يخلق بشكل عام نوعاً من الأجواء الإيجابيّة في العلاقات الاجتماعيّة، كما الهدايا أو البطاقات البريديّة التي يتم تبادلها في المناسبات، وبالطبع يبقى معناها النهائي مرتبطاً بالشخصين وطبيعة علاقتهما؛ سواء الحقيقية أو الافتراضيّة، مع الصلاحيّة للمتلقي دائماً في قبولها من عدمه، لا سيما في حالات تتعلق بشخصيات تقتصر معرفتنا بها على الشبكات، أو تتعلق بأفراد من جنسين مختلفين، إذ يمكن في بعض الأحيان أن تقرأ تلك الإعجابات في إطار إيماءات أقرب للغزل –الافتراضي دائماً-.
ولبناء رأس مال اجتماعي من وراء الإعجابات، سيكون ضرورياً الاستمرار في إنتاج المنشورات والتفاعل مع الآخرين على شبكة التواصل، وهي عمليّة تتطلب وقتاً وجهداً، ويضطر بعض المشاهير لتوكيل إدارتها اليوميّة لمساعدين. على أن الأبحاث أظهرت أن تلقي الإعجابات بأعداد كبيرة على الشبكات الافتراضيّة يمنح الشخص شعوراً بالسعادة، إذ وُجد أنها تطلق مادة «الدوبامين» في الدّماغ، تماماً كما لو كان الشخص قد تلقى هديّة مالية مثلاً، ولذلك فإن كثيرين ينتهون إلى مستوى ما من الإدمان على تلقي الإعجابات، والشعور بآثار الانسحاب عند انحسارها.
ويتفق كثيرون اليوم على أن الصيغة التي بُنيت عليها خوارزميات شبكات التواصل تساعد بشكل عام في نشر معلومات ومعارف وتحديثات وآراء، لم يكن ممكناً في أوقات سابقة الوصول إليها، أقلّه بالسهولة التي تقدّمها الشبكات في وقتنا الرّاهن. لكن ذلك ينبغي ألا ينسينا الجوانب السلبيّة التي يمكن لها أن تتضمنها تجربة الشبكات الافتراضيّة، ومنها السقوط في فخّ التخندق مع أشخاص يقاربوننا في الفكر، والابتعاد عمن لا تعجبنا أقواله دون دلائل. وهذا يؤدي إلى نشوء نوع من «غُرف صدى» من متشابهين لا يثقون بجمهور غرف الصدى الأخرى، على نحو يعيق صيغ الحوار السياسي بين مختلف فئات المواطنين، ويعيد إنتاج الاستقطابات القائمة بينهم ويعمقها. ويشتق من هذه الجهة أن التورط في غرف الصدى تلك يدفع بصاحبه إلى نوع من الكسل الفكري، وتوزيع الإعجابات كجزء من لعبة نكاية بالآخرين، الأمر الذي يخلق بيئة من العلاقات السطحيّة دون فهم معمّق لماهيّة المحتوى المتضمن في المنشورات والتغريدات، أو برغم رداءته، وهو ما يسميه الفلاسفة «سقوط المعنى». ولعل ذلك يفسّر ظواهر مثل: شعراء/ شاعرات «فيسبوك»، أو المفكرين الافتراضيين السطحيين الذين قد تدفعهم الإعجابات المتواردة إلى نشر مزيد من المادة الرديئة، وشغل الفضاء الافتراضي بها.
وقد تنبه القائمون على شبكات التواصل الاجتماعي إلى الجوانب السلبية لمسألة تجميع الإعجابات تلك، والسلوكيّات الخطرة التي يقوم بها البعض سعياً للحصول عليها. وهم بصدد إجراء تجارب للتخلّص من عداداتها الملحقة بكل منشور، بينما أضاف «فيسبوك» خدمة اختيارية يمكن من خلالها إخفاء العدادات الظاهرة أمام المستخدم على صفحته.
ومع ذلك، فإن الإعجابات تحديداً، وجوانب التواصل الإنساني التي أضافتها الشبكات الافتراضية، تظل في النهاية محايدة القيمة، كما كل تكنولوجيا حديثة، ومتعددة الأوجه، بحيث يمكن استخدامها في الأبيض من المعنى، كما في الأسود منه.


مقالات ذات صلة

«الأعلى للإعلام» بمصر يوصي بعدم تداول الخلافات الأسرية

يوميات الشرق المجلس الأعلى للإعلام يعلن إجراءات لضبط الأداء الإعلامي (فيسبوك)

«الأعلى للإعلام» بمصر يوصي بعدم تداول الخلافات الأسرية

طالب المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر المؤسسات والوسائل الإعلامية والصحافية والمنصات الرقمية بعدم تداول أو إتاحة أو مناقشة أي محتوى عن الخلافات الأسرية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)

إجراءات مصرية لحماية الأطفال من مخاطر منصات «التواصل»

أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بمصر عن اتخاذ إجراءات لحماية الأطفال والنشء من مخاطر منصات التواصل الاجتماعي.

محمد الكفراوي (القاهرة )
إعلام إتاحة التحكم بالخوارزميات لمستخدمي «التواصل» تفتح باب التساؤلات

إتاحة التحكم بالخوارزميات لمستخدمي «التواصل» تفتح باب التساؤلات

طرحت الحكومة الأسترالية خطة لجعل خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي خياراً اختيارياً وهو ما قد يمنح المستخدمين تحكماً أكبر في المحتوى الذي يظهر أمامهم في صفحاتهم

إيمان مبروك (القاهرة)
يوميات الشرق لقطة من المقطع المتداول لاعتداء سيدة على فرد أمن كمبوند (إكس)

تكرار الاعتداء على «أفراد أمن» منتجعات سكنية فاخرة يثير تساؤلات بمصر

أعادت واقعة اعتداء سيدة على موظف أمن إداري داخل أحد التجمعات السكنية الفاخرة بمحافظة الجيزة تساؤلات تتعلق بالتعالي الطبقي.

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان يستعرض مهام وزارته أمام رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في اجتماع سابق (مجلس الوزراء المصري)

«الإعلام المصرية» تلوّح بالقضاء في مواجهة «استخدامات سلبية» لمواقع التواصل

لوّحت وزارة الدولة للإعلام المصرية باللجوء إلى الجهات القضائية للتعامل مع المخالفات «التي تهدد أمن المجتمع جراء نشر معلومات مضللة عبر مواقع التواصل الاجتماعي».

أحمد جمال (القاهرة)

انتهى الأمر... علامات تدل على فتور العلاقة الرومانسية

الانفصال العاطفي يحدث تدريجياً قبل الوصول إلى نهاية العلاقة (بيكسباي)
الانفصال العاطفي يحدث تدريجياً قبل الوصول إلى نهاية العلاقة (بيكسباي)
TT

انتهى الأمر... علامات تدل على فتور العلاقة الرومانسية

الانفصال العاطفي يحدث تدريجياً قبل الوصول إلى نهاية العلاقة (بيكسباي)
الانفصال العاطفي يحدث تدريجياً قبل الوصول إلى نهاية العلاقة (بيكسباي)

بعد مواعدة شخص ما لفترة من الوقت، قد تصل إلى نقطة تشعر فيها أن الأمور مختلفة. ربما تشعر بمزيد من عدم الأمان أو القلق، أو أنك لم تعد تنظر إلى المستقبل بأي ثقة، وتعد هذه الأمور دلائل على أن العلاقة الرومانسية تقترب من نهايتها، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بأخبار الصحة النفسية والعقلية.

فما علامات فتور العلاقة الرومانسية وفقاً للأبحاث؟

اكتشاف الانفصال عن العلاقة

استكشفت دراسة أجريت عام 2025 كيفية اكتشاف الانفصال العاطفي من خلال دراسة نماذج التعلم الآلي التي تمكنت من تحديد المؤشرات السلوكية والنفسية المتعلقة بالتواصل بدقة.

ومن خلال دراسة 156 زوجاً كندياً، وجدوا أن أفضل مؤشر للانفصال العاطفي هو الانسحاب العاطفي، يليه اندثار السلوكيات الداعمة اليومية، وانخفاض الاستجابة للتواصل، وتجنب الارتباط، وتكرار الصراع.

ويشير اكتشاف الانفصال عن العلاقة العاطفية، أو ما يُعرف بـ«الانفصال النفسي والعاطفي»، إلى المرحلة التي يبدأ فيها أحد الشريكين أو كلاهما بالانسحاب تدريجياً من العلاقة قبل حدوث الانفصال الفعلي.

وغالباً ما تبدأ هذه العملية بشكل غير واعٍ، وتظهر على شكل علامات سلوكية ونفسية واضحة. ومن أبرز علامات الانفصال العاطفي: التباعد في التواصل وتناقص الحديث اليومي، البرود العاطفي وغياب مظاهر المودة، زيادة المشاحنات أو الصمت التام، قضاء وقت أطول خارج العلاقة، غياب الخطط المستقبلية.

الاعتراف بتلاشي العلاقة

الاعتراف بتلاشي العلاقة هو أحد أصعب مراحل العلاقة العاطفية. وهناك عدة علامات تدل على تلاشي العلاقة بالفعل، منها: غياب التواصل الحقيقي والتحول من الأحاديث العميقة إلى الإجابات المقتضبة والروتينية، تلاشي الشغف والاهتمام واختفاء الرغبة في قضاء الوقت معاً، انخفاض الدعم اليومي، كثرة الخلافات التافهة أو الصمت التام، وأخيراً، التخطيط للمستقبل من دون الطرف الآخر.

ووفق «سيكولوجي توادي»، فإن الانفصال يحدث تدريجياً، حيث يمكن رصد العلامات المبكرة من خلال تراجع التعبير عن التعاطف، وزيادة التجنب، وانخفاض الحضور والانخراط في العلاقة.

ويشير الموقع إلى أهمية إدراك علامات قرب انهيار العلاقة في وقت مبكر، بما يتيح الوقت الكافي لاتخاذ قرار بشأن ما إذا كانت العلاقة تستحق الإنقاذ أم لا.


نسي أسراراً حكومية في القطار ودُمرت حياته... فكيف تعافى وعاد ليُعلم الناس التخطي؟

هناك دائماً طريق للرجوع عن أكبر خطأ في حياتك (بيكسباي)
هناك دائماً طريق للرجوع عن أكبر خطأ في حياتك (بيكسباي)
TT

نسي أسراراً حكومية في القطار ودُمرت حياته... فكيف تعافى وعاد ليُعلم الناس التخطي؟

هناك دائماً طريق للرجوع عن أكبر خطأ في حياتك (بيكسباي)
هناك دائماً طريق للرجوع عن أكبر خطأ في حياتك (بيكسباي)

كانت رحلة عادية بالقطار إلى العمل عندما ارتكب الموظف الحكومي البريطاني ريتشارد جاكسون أكبر خطأ في حياته. وبحلول الوقت الذي أدرك فيه خطأه، كان الأوان قد فات. لقد نسي وثائق حكومية سرية للغاية في القطار.

وأصبح الخطأ الذي وقع في جزء من الثانية «خبراً وطنياً»، ودخلت حياة جاكسون في حالة من الاضطراب. «لقد نهشه العار والذل»، وفق ما ذكرته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).

وبعد مرور ما يقرب من 20 عاماً، روى جاكسون تفاصيل هذا اليوم المشؤوم وتداعياته، وتحدث إلى إذاعة «بي بي سي 4»، مؤكداً أن ما حدث له يعد دليلاً على أنه حتى عندما ترتكب أسوأ خطأ، يمكنك إعادة بناء حياتك.

قبل أن تنهار حياته، كان جاكسون يبلغ من العمر 37 عاماً ويعيش في هامبشاير مع زوجته مادي وابنة زوجته شارلوت (15 عاماً). وكانت ابنة زوجته الأخرى بيكي (20 عاماً) في الجامعة. يقول: «كنا سعداء للغاية، لكنني كنت أركز بشدة على مسيرتي المهنية». ويضيف: «لقد وجدت نفسي أعمل لمدة 100 ساعة في الأسبوع لفترة من الوقت».

تم انتداب جاكسون من وزارة الدفاع إلى مكتب مجلس الوزراء لوظيفة في مجال الإرهاب العالمي، حيث يتعامل مع المعلومات الاستخبارية المباشرة من أهم أجهزة الأمن والاستخبارات البريطانية.

وفي أثناء مغادرته مكتبه في أحد الأيام، أخذ كومة من الأوراق التي تخصه إلى المنزل، وبعدها أدرك أن هناك «ورقتين مدفونتين داخل الحزمة حول موضوعين سريين للغاية».

اتهامات وتغريم وإفلات من السجن

وضع جاكسون الأوراق السرية للغاية في مجلد من الورق المقوى وجلس في القطار في صباح اليوم التالي وهو يفكر مراراً وتكراراً «لا تنس هذا». لكنه نزل من القطار وسار نحو المكتب، ثم أدرك أنه نسي المجلد وشعر للحظة و«كأن العالم قد توقف».

ذهب جاكسون إلى كل محطة توقف فيها القطار، وسأل عما إذا كان شخص ما قد قام بتسليم الملف. وكانت النتيجة «لا شيء». ولم ينهر ظاهرياً حتى رأى مادي. يقول: «أخبرتها أنني دمرت حياتنا. لقد احتضنتني فحسب. وأخبرتني أن الأمر سيكون على ما يرام وسنتجاوز هذا الأمر».

وفي العمل في اليوم التالي، اكتشف جاكسون أنه تم العثور على الوثائق وتم تسليمها إلى «بي بي سي». يقول إن شعوره الأول كان «الارتياح لأن الأوراق عادت إلى مكان آمن» قبل أن يدرك «أنها الآن ستصبح علنية». ويضيف: «كنت القصة الرئيسية في نشرة أخبار الساعة السادسة تلك الليلة. وقد أوقفوني عن العمل على ذمة التحقيق».

اختبأ جاكسون في المنزل ووجدته مادي جالساً يبكي. يقول: «لقد أمضيت الصباح محاولاً العثور على طريقة غير مؤلمة للموت». ويضيف: «لقد أمضينا فترة ما بعد الظهر نتحدث... وأعتقد أن هذه كانت المرة الأولى التي فكرت فيها، إذا كنت سأتجاوز هذا الأمر، فلن أستطيع القيام بذلك بمفردي».

وجد مكتب مجلس الوزراء أن ذلك كان عملاً من أعمال سوء السلوك الجسيم، وقام بخفض رتبة جاكسون ثلاث درجات. وتم اتهامه بموجب «قانون الأسرار الرسمية»، وتجنب السجن، لكن تم تغريمه.

على الورق انتهى الأمر. لكن جاكسون لم يستطع أن يهزم مشاعر الخجل والندم والمهانة بسهولة. وهو ينسب الفضل إلى العديد من الأشخاص الذين اهتموا به.

وبعد عودته إلى وزارة الدفاع، ثم انتقاله إلى وزارة الثقافة والإعلام والرياضة، ترك جاكسون العمل في الخدمة المدنية، ثم تولى بعد ذلك دوراً في إدارة فريق من المحللين الذين يبحثون في مخاطر الإرهاب العالمي، وبدأ التدريب كمدرب للحياة في أوقات فراغه، كما أنشأ شركة تدريب تساعد الأشخاص على التغلب على الضغط الناتج عن التعامل مع المواقف المؤلمة.

فكيف تغلب جاكسون على ذلك؟

يريد جاكسون أن يعرف الناس أن هناك طريقاً للرجوع عن أكبر خطأ في حياتك. ويقول: «يمكن أن تكون في مكان سيئ حقاً، لكن، لا يزال بإمكانك الوقوف، ويمكنك التغلب على ذلك، وهناك طرق لمساعدة نفسك على القيام بذلك والحصول على المساعدة».

وشارك جاكسون الخطوات التي ساعدته على تجاوز نوبة الصدمة التي تعرض لها، وهي:

أخرج أفكارك من رأسك

في مكان مظلم، يقفز عقلك من «لقد ارتكبت خطأ فادحاً» إلى «أنا شخص لا قيمة له». إن تدوين هذه الأفكار أو التحدث إلى شخص ما قد يؤدي إلى إبطاء الأمور ويمنحك فرصة لملاحظة القفزات غير المنطقية.

استمر في الأنشطة التي تستمتع بها

عندما تشعر بأنك لا تستحق، تتوقف عن فعل الأشياء التي تبهجك. اكتشف ماهية هذه الأنشطة، سواء كانت صالة الألعاب الرياضية، أو كتاباً، أو المشي لمسافات طويلة، واجعلها أجزاء غير قابلة للتفاوض في روتينك.

تذكر قيمتك ونجاحك

احتفظ بورقة تحتوي على ملاحظات عن الأشياء التي حققتها والأشياء الطيبة التي قالها الناس عنك. إنه تذكير ملموس بأنك لست ذلك الخطأ، بل أنت أكبر من ذلك بكثير.

ابحث عن صديقك الناقد

أنت بحاجة إلى شخص يكون بمثابة المشجع لك، ولكنه سيتصل بك أيضاً عندما تتخلى عن العادات الجيدة.

اكتشف ما يمكنك إصلاحه وما لا يمكنك إصلاحه

إذا تسببت في ضرر، تحمل المسؤولية. اعتذر وَأَعِد الأمور إلى نصابها الصحيح حيثما أمكنك ذلك. لكن لا تتحمل مسؤولية الأشياء التي لم يكن من حقك أن تحملها.

لا تخلط بين أسوأ لحظاتك وقصة حياتك بأكملها

أنت لست هذا الخطأ. أنت لا تزال الشخص الذي كان موجوداً قبل ذلك، ولا يزال هناك شخص بعده لم تقابله.


«الموسيقى العربية» المصري يتجاوز الأزمات و«يرد الجميل» لـهاني شاكر

أرملة هاني شاكر تتسلم تكريمه بالمهرجان (دار الأوبرا المصرية)
أرملة هاني شاكر تتسلم تكريمه بالمهرجان (دار الأوبرا المصرية)
TT

«الموسيقى العربية» المصري يتجاوز الأزمات و«يرد الجميل» لـهاني شاكر

أرملة هاني شاكر تتسلم تكريمه بالمهرجان (دار الأوبرا المصرية)
أرملة هاني شاكر تتسلم تكريمه بالمهرجان (دار الأوبرا المصرية)

أثار بكاء السيدة نهلة توفيق أرملة الفنان الراحل هاني شاكر خلال حفل افتتاح مهرجان ومؤتمر «الموسيقى العربية» الـ34، الثلاثاء، الذي احتفي باسم هاني شاكر رداً للجميل، «تعاطفاً واسعاً»، وكان لظهورها العلني عقب مرور 6 أشهر على رحليه وقْع مختلف على الحضور؛ كونها المرة الأولى التي تظهر فيها دون «شريك العمر»، بعدما كانت رفيقته الدائمة في جولاته وحفلاته، متصدرة الصفوف الأمامية لتستمع إليه وهو يغني «هو أنتِ لسه بتسألي».

وأضفى الظهور الأول لأرملة «أمير الغناء العربي» الذي اعتاد الوقوف على خشبات مسارح «الأوبرا المصرية» على الحفل شجناً عميقاً ومؤثراً بعدما وقفت مكانه لأول مرة، حيث سبقتها دموعها على استحياء؛ حرصاً على عدم إفساد أجواء الاحتفالية الأهم والأعرق بالدار.

أنوشكا في افتتاح المهرجان (دار الأوبرا المصرية)

لم تتحدث أرملة هاني شاكر باستفاضة لكنها تسلمت تكريمه، واكتفت بالشكر والثناء والإشارة لرغبته في ترك ذكرى طيبة لدى جمهوره ومحبيه، فتحولت أجواء الحفل لشعور موجع بالفقد، بعكس طبيعة حفلات هاني شاكر المليئة بالبهجة وأسلوبه الذي جسده في «علّي الضحكاية» كما اعتاد على ممازحة جمهوره حتى بات أسلوبه «ماركة مسجلة».

وبالتزامن مع إقامة أولى حفلات «الموسيقى العربية» أسدل الستار على كواليسه الشائكة بعد أن تجاوز أزماته المتتالية أخيراً، والتي شهدت جدلاً واسعاً خلال الأيام الماضية بسبب الاعتذارات والاعتراضات على ميزانية المهرجان ومواعيد الحفلات، وغيرها من الأسباب اللوجستية التي خرجت للعلن عقب انتهاء المؤتمر الصحافي الذي أقيم للإعلان عن برنامجه اعتراضاً على بعض تصريحات رئيس الأوبرا المصرية.

من حفل افتتاح مهرجان الموسيقى العربية (دار الأوبرا المصرية)

اللافت بالحفل وجود نخبة من أصوات الأوبرا المصرية الذين قدموا مجموعة من أغنيات هاني شاكر، ونالوا إعجاب الحضور، إلى جانب منشورات «سوشيالية» أشادت بأصواتهم، وهم: أشرف وليد، ومحمد طارق، وأحمد عصام، وأحمد سعيد، وياسر سعيد، ومحمد الخولي، وأحمد عفت، وأحمد صبري، وأحمد حسن، ومحمد حسن، الذين قدموا أغنيات من بينها: «الحلم الجميل»، و«لو بتحب حقيقي»، و«يا ريتني»، «نسيانك صعب أكيد»، و«أصاحب مين»، و«غلطة»، و«جرحى أنا».

وقدم محمد شاهين أغنية «يا ريتك معايا»، وغنت أنوشكا «أنا قلبي ليك»، كما تضمن برنامج الحفل تقديم نيفين رجب لأغنية جديدة بعنوان «فيه ناس بتغيب» إهداءً لاسم هاني شاكر، وبالختام غنت نادية مصطفى «مشتريكي»، «وكده برضه يا قمر» للفنان الراحل، وفي الختام الجماعي قُدمت الأغنية الوطنية «بلدي»، التي غناها شاكر عبر «ديو» جمعه بالفنان محمد ثروت الذي اعتذر عن الغناء بالمهرجان.

وفي كلمته بالافتتاح، أكد الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، والقائم بأعمال وزير الثقافة، أن المهرجان يجسد مكانة «الموسيقى العربية» في وجدان المصريين والعرب، كما حرص على تكريم نخبة من القامات بالمجال إلى جانب اسم هاني شاكر، والإعلان عن تدشين تمثال له في ساحة دار الأوبرا تكريماً وتخليداً لإبداعه.

نادية مصطفى وأنوشكا ونجوم الأوبرا خلال الافتتاح (دار الأوبرا المصرية)

وأشار الدكتور رضا الوكيل، رئيس دار الأوبرا المصرية، إلى أن المهرجان يجسد مكانة الموسيقى العربية في الوجدان، ويؤكد قدرتها على التواصل مع الأجيال، وصون الهوية والتراث، بينما أكد المايسترو محمد الموجي مدير المهرجان «أن الدورة الـ34 من (الموسيقى العربية) تواصل مسيرة الإبداع والاحتفاء بالطرب الأصيل».

من جانبه، أكد الناقد الموسيقي المصري أحمد السماحي أن «مهرجان الموسيقى العربية من أهم الفعاليات المصرية الراقية التي تقام بأروقة الأوبرا المصرية العريقة»، لافتاً إلى أن المهرجان ليس فعالية فنية لاستضافة نجوم الغناء فقط، لكنه يحمل مسؤولية الحفاظ على التراث وإتاحة الفرصة للأصوات القادرة والمميزة، وفتح المجال أمام التجارب المعاصرة التي تمتلك مشروعاً فنياً.

وأشاد السماحي، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بالأصوات الطربية المشاركة بالمهرجان من مصر والعالم العربي، مؤكداً قدرتها وتنوعها الكبير في المدارس الغنائية وأداء الأغنيات التراثية.

وتستمر ليالي «الموسيقى العربية» حتى 30 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، على مسارح الأوبرا بالقاهرة والإسكندرية، وتتضمن 24 حفلاً بمشاركة 91 فناناً، وتشمل الفعاليات ندوة ثقافية حول مسيرة هاني شاكر، بينما تمتد جلسات «المؤتمر العلمي» المصاحب لأربعة أيام بمشاركة 35 باحثاً من 15 دولة.