كاترين كولونا... الخارجية الفرنسية في عهدة «شيراكية» لا من اليمين ولا اليسار

الوزيرة الجديدة: خبرة ومهنية وتعلّق بحياة الأرياف

كاترين كولونا... الخارجية الفرنسية في عهدة «شيراكية» لا من اليمين ولا اليسار
TT

كاترين كولونا... الخارجية الفرنسية في عهدة «شيراكية» لا من اليمين ولا اليسار

كاترين كولونا... الخارجية الفرنسية في عهدة «شيراكية» لا من اليمين ولا اليسار

لم يشكل تعيين كاترين كولونا (66 سنة) على رأس وزارة الخارجية في فرنسا مفاجأة كبيرة، ومع أن وزيرة الخارجية الجديدة غير معروفة عند عامة الفرنسيين فإن سيرتها الذاتية حافلة بالإنجازات. ثم إن رجال السياسة وكبار موظفي الخارجية يعرفون جيداً «مدام كاترين» – كما تلقب - التي تتميز بالانضباط والمهنية، والتي تعرف عن ظهر قلب كل الملفات الساخنة بحكم خبرة طويلة مرت فيها بمناصب سفيرة وناطقة رسمية لقصر الإليزيه (مقر رئاسة الجمهورية) ووزيرة للشؤون الأوروبية.
تسلمت كاترين كولونا مهامها كوزيرة للخارجية الفرنسية خلفاً لنظيرها السابق جان إيف لو دريان الذي شغل هذا المنصب طوال السنوات الخمس الأخيرة، وبذا غدت ثاني امرأة تشغل هذا المنصب في تاريخ فرنسا بعد الوزيرة المخضرمة ميشيل أليو ماري.
بدأت كولونا مشوارها الدبلوماسي كمستشارة سياسية ثم إعلامية لدى السفارة الفرنسية في العاصمة الأميركية واشنطن. ووفق شهادة صديقها السفير السابق ميشال دوكلو، أسهمت فترة إقامتها ونشاطاتها في الولايات المتحدة في إتقانها اللغة الإنجليزية – التي تتكلمها بطلاقة – والتعرف على عدد من كبار السياسة الأميركيين، وبالأخص، الديمقراطيين، وتتابع عن كثب تطور العلاقات الثنائية، وهي الفترة التي تعرفت فيها أيضاً على دومينيك دو فيلبان الذي سيصبح صديقا حميماً ورفيقاً في العمل.
بعد عودة كاترين كولونا إلى فرنسا فإنها شغلت منصب مستشارة قانونية بمكتب وزير التجهيز والسكن في حكومة رولان دوما اليسارية. إلا أن أهم محطة في مشوارها السياسي جاءت بعد تعيينها ناطقةً رسمية للإليزيه عشية فوز الرئيس جاك شيراك في الانتخابات الرئاسية مايو (أيار) 1995، وهو المنصب الذي مكثت فيه أكثر من تسع سنوات محطمة رقماً قياسياً لم يصل إليه أي ناطق رسمي آخر في العالم.
- كفاءة واحترام دولي
حينذاك وصفت كاترين كولونا بالناطقة الرسمية «الصارمة» و«المجتهدة» التي تجيب على كل أسئلة الصحافيين مهما كان نوعها وتوقيتها. وكان الرئيس شيراك، بالتحديد، معجباً بعملها وحريصاً على اصطحابها معه في كل تنقلاته الخارجية. وحقاً، نقلت تقارير صحافية عديدة كيف أن الرئيس الفرنسي كان يعتمد عليها في كل صغيرة وكبيرة. وغالباً ما كان يلتفت إلى خلفه حين تغيب عن ذاكرته معلومة أو يفوته تاريخ أو اسم شخصية معينة، فكنا لا نرى الرئيس شيراك إلا ونرى وراءه «مدام كاترين» حاضرة.
على صعيد السياسة الخارجية، حظيت كاترين كولونا، ولا تزال، باحترام شخصيات عالمية مهمة كالرئيس الأميركي جورج بوش، الذي كان يناديها باسم «كاترين» مجرداً... أما الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فقد كتب لها رسالة وداع حين تركت منصبها كناطقة رسمية للإليزيه عام 2004. وللعلم، فهي دافعت عن موقف فرنسا الرافض للهجوم الأميركي على العراق وتعد من أشد المدافعين عن وحدة أوروبا.
كذلك كانت من أبرز الملتحقين بحكومة دو فيلبان للمساعدة في حلحلة أزمة الاستفتاء الأوروبي عام 2005. ورغم أنها لم تكشف يوماً عن انتمائها السياسي ولم تنضم لأي تشكيلة حزبية، لا من اليمين ولا من اليسار، فإنها أعربت غير مرة عن إعجابها بسياسات جاك شيراك حتى قيل بأنها «شيراكية» في القلب. ومن جهة ثانية، قالت بأنها لم تصرح يوماً عن مواقف رسمية لم تكن مقتنعة بها إزاء قضايا كالعلمانية والعراق والنزاع في الشرق الأوسط أو أوروبا... وإن اختيار الرئيس (شيراك) كان الأصح.
وفي سياق متصل، مع أن كولونا تلقت طلبات كثيرة وجهها الناشرون من أجل كتابة مذكراتها، ولا سيما، تفاصيل غير معروفة عن مشوارها السياسي مع الرئيس شيراك، فإنها كانت ترفض باستمرار مشددة في كل مرة على القول بأنها كانت «في خدمة الدولة... ولا يصح أن يستغل هذا الأمر لأغراض شخصية». وهنا نشير إلى أن عدة شخصيات قبلها كانت استغلت فرصة وجودها في موقع بهه الحساسية لإصدار سير ذاتية، كما فعل جاك أتالي - مثلاً - الذي كتب عن ذكرياته مع الرئيس الأسبق فرنسوا ميتران حين كان مستشاراً له ولاقت «سيرته» نجاحاً تجارياً واسعاً.
في أي حال، تجربة العمل مع رئيس من اليمين لم تمنع كاترين كولونا من العمل مع وزراء من اليسار مثل رولان دوما وهوبير فيدرين وموريس فور. ثم إن الرئيس شيراك أصر على بقائها في منصبها كناطقة رسمية حين قدمت استقالتها عام 2002، فقبلت التمديد لسنتين إضافيتين. وبعد انتهاء مهامها عام 2004 أقام لها حفلة تكريمية حضرتها ابنته كلود وزوجته برناديت التي كانت نادراً جداً ما تحضر حفلات تكريم المتعاونين، وتلقت فيه كولونا هدية هي عبارة عن شاشة تلفزيون بلازما.
محطة... مع السينما
بعد المهمة التي أحبتها كاترين كولونا بشغف، رغم كونها «مرهقة جداً»، بحسب شهادتها الشخصية، فإنها توجهت إلى مجال بعيد كل البعد عن السياسة هو مجال السينما حيث تولت مقاليد المركز الوطني للسينما.
في حينه كانت ترغب في قطيعة وتحديات جديدة. وفور تسلمها المنصب الجديد في «المركز» أعلنت أن بين أولوياتها ستكون محاربة القرصنة وتدعيم الاستثناء الثقافي الفرنسي. ويذكر المقربون من الوزيرة الجديدة وعارفوها أنها عاشقة للسينما الإيطالية، ولا سيما أعمال المخرج فريديكو فيليني، أما فيلمها المفضل فهو «ثمانية ونصف» الذي اضطلعت ببطولته النجمة كلوديا كاردينالي. والواقع أن كولونا بقيت في منصب بالمركز الوطني للسينما سنة واحدة، التحقت بعدها بصديقها رئيس الوزراء دومينيك دو فيلبان، الذي استدعاها لتشغل منصب وزيرة للشؤون الأوروبية (2005 – 2007) على إثر الأزمة التي خلقتها نتائج الاستفتاء على الدستور الأوروبي... التي رفض فيها الفرنسيون المشروع الأوروبي بنسبة 55 في المائة.
وبعد سنتين من العمل سفيرة فرنسا لدى منظمة «اليونيسكو» (2008 - 2010)، تركت كولونا السياسة من جديد لتلتحق بالفرع المالي لمجموعة برونزويك العالمية حيث شغلت منصب شريكة إدارية لمكتب المجموعة في العاصمة الفرنسية باريس. إلا أنها عادت على إثرها إلى السلك الدبلوماسي من جديد من خلال منصبي سفيرة فرنسا لدى إيطاليا (2014 - 2017) ثم لدى بريطانيا (2019 - 2022)، وتخلل الفترة بينهما (2017 - 2019) توليها منصب مندوب فرنسا الدائم لدى منظمة التجارة والتعاون الأوروبية.
- تحديات المنصب الجديد
تعيين كولونا أخيراً وزيرة للخارجية، يوم 20 مايو الماضي، جاء في ظروف خاصةً منها إعلان موظفي وزارة الخارجية الفرنسية الإضراب احتجاجاً على برنامج إصلاحات يهدد بتسريح عدد منهم، وتقليص امتيازاتهم المهنية، إضافة إلى إغلاق عدة قنصليات في أماكن مختلفة من العالم... وهذا حدث نادر جداً، بل إنها المرة الثانية فقط في تاريخ فرنسا فقط التي يعلن فيها إضراب من هذا النوع. وحسب شهادة السفير السابق في روسيا جان غلينياستي لصحيفة «الفيغارو» قد يكون هذا هو «التحدي الأول الذي سيواجه الوزيرة الجديدة... مع احتمال أن تنجح في اجتيازه بسلام بفضل سمعتها الجيدة وحنكتها الدبلوماسية».
الملف الآخر الذي ينتظر الوزيرة هو «الملف المالي» في ضوء تدهور العلاقات بين فرنسا ومالي، وطرد سلطات باماكو السفير الفرنسي جويل ماير بسبب تصريحات جان إيف لو دريان، وزير الخارجية السابق، الذي وصف المجلس العسكري المالي بـ«الحكومة غير الشرعية». وللتذكير يتمركز حوالي 2400 جندي فرنسي في مالي من أصل 4600 عسكري تنشرهم باريس في منطقة «الساحل والصحراء» الأفريقية. هذا، وقد بدأت العلاقات الثنائية تتأزم بعد طلب السلطات المالية من فرنسا سحب قواتها بحجة قلة رضاها عن العمليات التي نفذتها في هذه المنطقة لوقف زحف الجماعات المسلحة لتنظيم «القاعدة»، ومنها عملية «برخان» وعملية «سيرفال». وفي المقابل، تنظر باريس بعين القلق إلى المباحثات الأخيرة التي أجرتها أطراف مالية رسمية مع نظراء روسيين في الكرملين. وبالتالي، يتوقع أن تنكب الوزيرة كولونا على هذا الملف بالتعاون مع زميلها وزير الجيش سيبستيان لوكورنيو، وأيضاً الرئيس إيمانويل ماكرون بنفسه، نظراً لأهميته بالنسبة لفرنسا والمنطقة ككل. ثم هناك ملفات مهمة أخرى تنتظر البت موضوعة على طاولة رئيسة الدبلوماسية الفرنسية الجديدة، في طليعتها: الاتفاق بشأن الملف النووي الإيراني، والأزمة في ليبيا، والوضع في لبنان، وذلك بسبب نفوذ فرنسا الكبير في هذه المناطق.
- ملف أوكرانيا
لكن الملف الأكثر أهمية وإلحاحاً لباريس راهناً يبقى مسألة الحرب الروسية الأوكرانية، ولذا افتتحت الوزيرة كولونا مهامها على رأس «الكيه دورسيه» (مقر وزارة الخارجية في وسط باريس) بزيارة أوكرانيا، وبالذات مدينة بوتشا التي أصبحت رمزاً لفظائع الحرب التي تنسبها أوكرانيا لروسيا بعد انسحاب الجنود الروس... واكتشاف مئات الجثث من المدنيين العزل. وبعد زيارة كولونا لهذه المدينة الصغيرة المنكوبة شددت الوزيرة على أن «فرنسا ستقف إلى جانب أصدقائها وحلفائها الأوكرانيين، وستبذل قصارى جهدها لإعادة السلام». ومع أنها لم تؤكد لنظرائها الأوكرانيين موافقة باريس على طلبهم الأساسي المتمثل بتسليم أوكرانيا أسلحة حربية جديدة، مكتفية بالإجابة بأن «الطلب في طور الدراسة»، إلا أنها أعلنت عن مساعدة لإعادة بناء هذه المنطقة بحوالي ملياري دولار.
وفي الشأن نفسه، كانت كولونا، قبل الزيارة التي قام بها الرئيس ايمانويل ماكرون لكييف يوم الخميس، هي المسؤولة الفرنسية الأعلى التي تزور أوكرانيا منذ بدء العملية العسكرية الروسية في 24 فبراير (شباط) الفائت. وهي رغم إعلانها على إثر الندوة الصحافية التي عقدتها مع نظيرها الأوكراني عن رغبة بلادها في «لعب دور الوسيط» بين موسكو وكييف، فإن المراقبين السياسيين يستبعدون هذا الاحتمال بسبب انحياز فرنسا لأوكرانيا وإمدادها لها بالأسلحة والمساعدات.
أخيراً، سواءً كان مصدرها من اليمين أو اليسار، فكل آراء الساسة الفرنسيين اتفقت على أن كاترين كولونا قد تكون «المرأة المناسبة في المكان المناسب» خلال هذه العهدة الثانية من ولاية الرئيس إيمانويل ماكرون، وهذا بفضل خبرتها الواسعة في التفاوض والمباحثات الدبلوماسية وحل الأزمات التي تأكدت قدرتها مراراً. وضمن هذا الإطار نذكر أنها قادت مباحثات «البريكست» في مواجهة نظرائها البريطانيين وتمكنت من انتزاع موافقتهم على منح الصيادين الفرنسيين تصاريح للصيد في المياه البريطانية. وفي الفترة التي شغلت فيها كولونا منصب سفيرة فرنسا في لندن، فإنها احتفظت بالحزم والمرونة في آن معاً إبان فترة تأزم العلاقات الفرنسية البريطانية. إذ شهدت هذه الفترة عدة مناوشات كلامية بين البلدين في ملفات اعتبرت شائكة كملف الصيد، والمهاجرين غير الشرعيين في بحر المانش، والعقود الأسترالية للغواصات، والبروتوكول الخاص بآيرلندا الشمالية، ولقاحات أسترازينيكا... وهذا بجانب كونها في واجهة الأحداث إبان الأزمة الفرنسية الأميركية عام 2003 بخصوص غزو العراق.
بطاقة هوية
- ولدت كاترين كولونا في منطقة لوش بمحافظة إندر أي لوار (وعاصمتها مدينة تور في غرب وسط فرنسا)، لأب محام وأم أستاذة. وبعد الزواج، قرر والداها التخلي عن نشاطهما المهني وصخب المدينة للاستقرار مختارين العيش في المزرعة العائلية مع الجدة وسط الحقول الخضراء والهواء النقي.
- والد كاترين، الذي ولد في قرية بجزيرة كورسيكا، كان يعتبر أن العيش في الريف سيسمح بتوفير متعة وملاذ آمن لابنتيه كاترين وآن ماري. وفعلاً تلقت كاترين وأختها الكبرى تربية علمانية اتسمت بدفء الأواصر والحوار المتبادل.
- حصلت كاترين على شهادة في الحقوق من جامعة تور «فرنسوا رابليه» العريقة، وتابعت دراساتها في معهد العلوم السياسية «سيانس بو» في باريس وتخصصت في الإدارة من المدرسة العليا للإدارة «إينا» - وهي إحدى أهم المعاهد الجامعية الفرنسية.
- لم تتزوج ولم تنجب أطفالا. وتمتاز بشخصية كتومة، فهي تتفادى الأضواء ولا تتكلم عن حياتها الخاصة ولا يعرف لها أي علاقات عاطفية.
- تتذكر آن ماري (الأخت الكبرى) أن أختها الصغرى كاترين كانت طفلة فطنة ومضحكة، غالباً ما ترافق والدها لاصطياد الأرانب البرية أو طائر الدراج أو لتصليح معدات المزرعة. وهذه الطبيعة أكدتها كاترين نفسها حين صرحت لصحيفة «ليبيراسيون» بأنها «ريفية... برغماتية ومتعلقة بالأرض»، كما أنها تعترف في الوقت نفسه بأن حياتها مملوءة بالمفارقات، إذ تقول للصحيفة ذاتها «أحب الطبيعة لكنني أعيش في الصالونات، وأنا مثقفة لكني أحب العمل اليدوي... وكأنني منذ البداية أفعل ما لم يكن مقرراً لي أن أفعله...».
- تستقل كاترين كولونا مرتين في الشهر «القطار السريع» لزيارة والدها، الذي لا يزال على قيد الحياة، والاستمتاع بهدوء الريف. وهناك تمضي وقتها في تقليم الأشجار أو صنع الأثاث المنزلي، وكان آخر القطع كان مصباحا من طراز الأربعينيات وطاولة من الخشب.


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.