ماذا نحتاج؟ متخصّصين أم عابرين للتخصص؟

كلّ ما تقدّمه كبريات الجامعات والمعاهد العالمية المرموقة صار متاحاً عبر الإنترنت

سيهاو هوانغ  -  مانفرد شتاينر
سيهاو هوانغ - مانفرد شتاينر
TT

ماذا نحتاج؟ متخصّصين أم عابرين للتخصص؟

سيهاو هوانغ  -  مانفرد شتاينر
سيهاو هوانغ - مانفرد شتاينر

أحد الأسئلة التي تلحُّ عليّ - وقد يلحّ على معظمنا – هو؛ لماذا لا نرى نظائر لكبار فلاسفة وعلماء عصر العقلنة والتنوير في أيامنا هذه؟ لماذا لا نشهدُ «لايبنتز» أو «سبينوزا» أو «نيوتن» في ثوب معاصر؟ لا يُقصَدُ من هذا السؤال بالتأكيد القولُ بعدم وجود فلاسفة أو علماء رفيعي الطراز في عصرنا هذا ممن يماثلون رفعة أسلافهم؛ لكنّ المقصود الدقيق هو التالي؛ لماذا لم نعُدْ نشهدُ في عصرنا هذا شخصياتٍ تمتلكُ إمكانات معرفية عابرة للحدود القارّة وخارقة في مدياتها بالقدر الذي تجعل صاحبها مستحقاً لأن يوسم بخصيصة كونه خارق المعرفة في ميادين مختلفة Polymath على نحو ما فعل لايبنتز أو سبينوزا أو نيوتن أو سواهم؟ هناك بالطبع فيزيائيون عظماء في عصرنا، وكذا يوجد رياضياتيون وفلاسفة وكيميائيون وأدباء وروائيون وعلماء اقتصاد واجتماع ذائعو الصيت؛ لكن لا يوجد بينهم من جمع أطراف هذه التوجهات المعرفية في إهاب شخصية واحدة، أو في الأقلّ فإنّ سمات عصرنا وأنساقنا التعليمية وطرازاتنا الثقافية ما عادت تشجّعُ بزوغ مثل هذه الشخصيات.
قد يبدو مثال إنسان عصر النهضة Renaissance Man، المعقلن التوّاق للترحل بين غابات المعرفة، مثالاً بعيداً وعصياً على التحقق في أيامنا هذه، ولو سألنا طائفة واسعة من البشر ذوي الخلفيات المهنية والعلمية المتباينة فلعلّهم سيشتركون في رؤية واحدة؛ أنّ مثال عصر النهضة لم يعُد قائماً بيننا لأسباب كثيرة، أهمها تعقّد أبواب المعرفة، وكثرة مصادرها، والتفجر المعلوماتي الرهيب، إلى جانب جملة من أسباب أخرى استوجبت سيادة فكرة التخصص، وهكذا صار المتخصصون Specialists أحد أبرز عناوين حياتنا.
لكن في مقابل هذه المقاربة التخصصية تشيع اليوم مقاربة أخرى مضادة لها، ترى أنّ المتخصصين بمستطاعهم بلوغ سقوف بحثية ومعرفية محدّدة يقفون عندها ولا يستطيعون تجاوزها، وأنّ عدم القدرة على التجاوز لا ينبعُ من نقص في أدواتهم المعرفية، وإنما لافتقادهم إلى رؤية صورة أشمل للروابط الخفية بين الموضوعات التي قد تبدو متنافرة للوهلة الأولى. صارت الدعوة إلى إشاعة نمط العابرين للتخصصات The Generalists تلقى قبولاً متزايداً في الدوائر الأكاديمية والعامة.
ظهر في السنوات الأخيرة كثير من الكتب التي تناولت هذه الموضوعة، ولعلّ من أكثرها صيتاً وشيوعاً وتحقيقاً لمقروئية عالية هو الكتاب المعنون «المدى»؛ لماذا يحقق العابرون للتخصصات انتصارات كبرى في عالم غارق في التخصص؟
Range: Why Generalists Triumph in a Specialized World
الكتاب منشور عام 2019، ومؤلف الكتاب هو ديفيد إبشتاين David Epstein. تكفي صورة غلاف الكتاب لتكون دلالة لا تخفى على طبيعة الموضوع؛ إذ ثمة عدد من المفاتيح مربوطة في حزمة واحدة؛ الأمر الذي يشير إلى أنّ العابرين للتخصصات صاروا بمثابة موجدي حلول لمشكلات Problem Solvers باتت تهدد وجودنا الحيوي على هذه الأرض.
«هناك أشياء كثيرة في الأرض والسماء يا هوراشيو غير التي حلمت بها في فلسفتك»، بهذه العبارة يخاطب هاملت صديقه هوراشيو، مؤشراً إلى حقيقة وجودية جوهرها «استيلاء النقص على جُملة البشر»، كما يعبر عماد الدين الأصفهاني. النقص هنا، وهو نقصٌ معرفي، ليس نقصاً معيباً أو مثلبة أخلاقية بقدر ما هو إشارة إلى طبيعة ملازمة للوجود البشري. لنقلْ إنه خصيصة أبستمولوجية لا مفرّ من نكرانها أو الالتفاف عليها، لأنها بعضُ طبائع المعرفة البشرية المقترنة بعاملين يعملان ضديدين، أحدهما للآخر؛ تفجّر معرفي من جانب، وتضاؤل في حدود المعرفة الفردية من جانب آخر.
يعيشُ أغلبنا غير مبالٍ بهذه الخصيصة الملازمة للوجود البشري؛ فهو يكتفي بأن يلمّ بجانب من المعرفة البشرية ليطوّعها بصورة عملية تكفلُ له خبرة محدّدة في نطاق ما، وهو ما يتكفّلُ بتدبير لوازم عيشه. هكذا نشأ المتخصّص Specialist، ونشأت المهنة Career المعتمدة على تخصص في نطاق عملي أو أكاديمي، وتطوّر الأمر حتى استحال قبولاً جمعياً على نطاق عالمي.
لكن ثمّة أناساً في هذا العالم لا يقتنعون بهذه الترسيمة القارّة. قد يكون هؤلاء من المتخصّصين؛ لكنّ صدورهم تضيق لو مكثوا في نطاق مهنهم أو تخصّصاتهم وقتاً طويلاً؛ لذا يفرِدُ هؤلاء جزءاً من وقت يومهم للبحث والاستكشاف في نطاقات معرفية غير تلك التي تخصّصوا فيها، وفي الغالب يتحوّل هذا الطقس إلى عادة يومية، ساعتان أو 3 ساعات ما قبل النوم - مثلاً - يفردُها المرء للقراءة في كتبٍ محدّدة، قد تكون بعيدة للغاية عن نطاقه المعرفي. هي بعيدة بحسب ما يعتقد الناس؛ لكنها ليست بعيدة بحسب ما يرى ذلك الشخص، لأنه وحده من يرى خيوطاً خفية بين الحقول المعرفية. أمثالُ هؤلاء يوصفون في الأدبيات الحديثة بأنهم عابرون للتخصصات Generalists، وتعريفهم الدقيق هو الناس الذين يجدون ولعاً طاغياً وشغفاً لا حدود له في استكشاف نطاقات معرفية مختلفة، واكتشاف روابط خفية بينها، وهم لا يطيقون المكوث في ساحة معرفية واحدة، ولو أجبروا على هذا الأمر فقد يتطوّر الأمر لديهم إلى حالات اكتئاب عنيدة وتداعٍ في القدرة على العمل والإنتاج؛ بل قد يستحيل الأمر ذهاناً عقلياً خطيراً له تبعاتٌ مأساوية.
لكن لنكنْ دقيقين ومحدّدين في توصيف الأمور؛ كثير منّا قد يجدُ لذّة في بعض القراءات المغايرة لسياق تخصصه؛ غير أنّ هذا لا يعني أنه صار من جماعة العابرين للتخصصات. ما يميّز هؤلاء الأخيرين هو شغفٌ طاغٍ لا حدود لمدياته، وعملٌ مثابر لا يعرف النكوص والتراخي، والانكباب على قراءات معرفية دقيقة، وليس محض قراءات سياحية عابرة. نحنُ إزاء أناسٍ شديدي الانضباط، ولديهم حساسية – تكاد تكون مرضية – تجاه فواعل الزمن. لا يريدون إضاعة دقيقة من غير فاعلية منتجة من وجهة نظرهم.

هل يمكنُ أن يكون أحدنا واحداً من هؤلاء العابرين للتخصصات؟ نعم بالتأكيد، لو تملك ذلك النوع الخارق وغير المعهود من الشغف، وامتلك وصلة إنترنت. الإنترنت صار صندوق أعاجيب الدنيا، وكلّ ما تقدّمه كبريات الجامعات والمعاهد العالمية المرموقة صار متاحاً لنا، وليس ثمّة من حجّة نقص المصادر المعرفية تقف عائقاً. يقدّم لنا الإنترنت كلّ يوم نماذج متقدّمة من هؤلاء، وهم كثرٌ. هاكم مثالاً؛ سيهاو هوانغ Sihao Huang، الصيني السنغافوري الأصل، الذي هاجر إلى الولايات المتحدة وهو شاب، يدرسُ الفيزياء والرياضيات والهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب في معهد MIT المعروف بسمعته الأكاديمية العالمية، ويخطّط لتطبيق رياضيات النظم المعقدة على نطاق العلوم السياسية، وقبل مواصلة دراسته في قسم العلوم السياسية في MIT ارتأى أن يأخذ فسحة دراسية يقضيها في جامعة أكسفورد لدراسة منهاجها الدراسي الثلاثي الشهير في الفلسفة والاقتصاد والسياسة.
مثال آخر، تابعتُ قبل بضعة أشهر حكاية البروفسور مانفرد شتاينر Manfred Steiner، المواطن النمساوي – الأميركي، الذي احتفل قبل بضعة أشهر بعيد ميلاده التسعين، وسيكون لهذه الاحتفالية طعمٌ خاص، لأنّ شتاينر سُجّل اسمه في موسوعة غينيس للأرقام القياسية أكبر شخص حصل على الدكتوراه الثانية، وهو بهذا العمر.
المثيرُ في حياة شتاينر أنه ظلّ مشغوفاً كلّ حياته المهنية بالعمل على تحقيق حلمه، أن يكون فيزيائياً. أنهى شتاينر دراسته الثانوية في فيينا مع نهاية الحرب العالمية الثانية، ونصحه حينئذ عمه وأمه ألا يغامر بدراسة الفيزياء، لأنها قد تكون توجهاً مهنياً بعيداً عن متطلبات أوروبا عقب نهاية الحرب. كان الطب هو ما نصحاه به؛ فلم يخذلهما، وفي الوقت ذاته لم يخذل حلمه ويتركه ينزوي في قعر النسيان. درس شتاينر الطب، وحصل على شهادة M.D المعروفة فيه، ثمّ هاجر إلى الولايات المتحدة ودرس في جامعات عدّة حتى حصل على شهادة الدكتوراه الأولى في حقل الكيمياء الحيوية، وعمل في الوقت ذاته أستاذاً لعلم أمراض الدم Hematology في جامعة براون. تقاعد شتاينر من عمله عام 2000 وهو في سن السبعين، وهنا بدأ بالإمساك بحلمه القديم الذي لم يطوِهِ النسيان؛ فحضر دروس فيزياء أولية ومتقدّمة في MIT الشهير في مدينة بوستن، ثم نقل دراساته إلى جامعته القديمة، جامعة براون. توّج شتاينر حلمه بالحصول على دكتوراه في الفيزياء النظرية قبل بضعة أسابيع من يومنا هذا. كان شتاينر يبتغي أول الأمر الحصول على دكتوراه في الفيزياء النووية؛ لكنّه فضّل الفيزياء النظرية آخر الأمر لأنه لم يشأ أن يستخدم في دراسته أكثر من عقله مدعوماً بحاسوب وأقلام وأوراق. ثمة كثير من الحديث المسهب عن عمل شتاينر في الموقع الرسمي لجامعة براون، وسأكتفي بالقول إنه عمل ينتمي لحقل البحوث الأساسية في الفيزياء. ليس بوسع الواحد منا سوى أن يمتلئ نشوة وبهجة عند قراءة مثل هذه الأخبار التي تكشف لنا حيوية العقل البشري وقدرته اللانهائية على الإبداع الخلاق.
هاملت على حقّ بالطبع. سيكون طموحاً غير قابل للتحقق إن نحنُ سعينا لمعرفة كلّ ما في السماء والأرض؛ لكن يمكن لكلّ منّا أن يفهم أشياء – ولو قليلة – مما في السماء والأرض لو امتلك شغفاً لا حدود له، ووصلة إنترنت. تلك حقيقة ماثلة لا أظنها ستكون موضع نزاع بعد اليوم.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

إدمان وسائل التواصل الاجتماعي يصيب الكبار أيضاً... فكيف نحد من استخدامها؟

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
TT

إدمان وسائل التواصل الاجتماعي يصيب الكبار أيضاً... فكيف نحد من استخدامها؟

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)

يمكن تشبيه إدمان وسائل التواصل الاجتماعي بإدمان المخدرات أو السجائر. وبينما يدور جدل بين الخبراء حول الحد الفاصل بين الإفراط في الاستخدام والإدمان، وما إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي تُسبب الإدمان، فلا شك أن الكثيرين يشعرون بأنهم لا يستطيعون التخلص من جاذبية منصات مثل «إنستغرام» و«تيك توك» و«سناب شات» وغيرها، وفق ما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وتسعى الشركات التي صممت هذه التطبيقات جاهدةً لإبقائك مُلتصقاً بها لعرض الإعلانات التي تُدرّ عليها مليارات الدولارات. وقد تبدو مقاومة إغراء التصفح اللانهائي، وجرعات الدوبامين التي تُفرزها مقاطع الفيديو القصيرة، والشعور بالرضا عن الذات الذي تُوفّره الإعجابات والتفاعلات الإيجابية... وكأنها معركة غير متكافئة.

وتركزت معظم المخاوف بشأن إدمان وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال، لكن البالغين أيضاً عُرضة لاستخدامها بكثرة لدرجة أنها قد تُؤثر على حياتهم اليومية.

إدمان أم لا؟ وما علاماته؟

تُعرّف الدكتورة آنا ليمبكي، الطبيبة النفسية في كلية الطب بجامعة ستانفورد الأميركية، الإدمان بأنه «الاستخدام القهري المستمر لمادة أو سلوك ما رغم الضرر الذي يلحق بالنفس أو بالآخرين».

وخلال شهادتها في محاكمة تاريخية تتعلق بأضرار وسائل التواصل الاجتماعي بلوس أنجليس، قالت ليمبكي إن ما يجعل منصات التواصل الاجتماعي مساحة للإدمان الشديد هو «إمكانية الوصول إليها على مدار الساعة، وبشكل غير محدود وسلس».

ويشكك بعض الباحثين في مدى ملاءمة مصطلح «الإدمان» لوصف الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، بحجة أن الشخص يجب أن يعاني من أعراض محددة. وتشمل هذه الأعراض رغبات قوية، وأحياناً لا يمكن السيطرة عليها، وأعراض انسحاب، لتُصنّف الحالة على أنها إدمان.

ولا يُعترف بإدمان وسائل التواصل الاجتماعي كاضطراب رسمي في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، وهو المرجع القياسي الذي يستخدمه الأطباء النفسيون وغيرهم من ممارسي الصحة النفسية لتقييم المرضى وعلاجهم. ويعود ذلك جزئياً إلى عدم وجود إجماع واسع النطاق حول تعريف إدمان وسائل التواصل الاجتماعي، وما إذا كانت المشكلات النفسية الكامنة تُسهم في الاستخدام المُفرط لها. لكن مجرد عدم وجود اتفاق رسمي حول هذه المسألة لا يعني أن الاستخدام المُفرط لوسائل التواصل الاجتماعي لا يُمكن أن يكون ضاراً، كما يقول بعض الخبراء.

تقول الدكتورة لوريل ويليامز، أستاذة الطب النفسي في كلية بايلور الأميركية للطب: «بالنسبة لي، المؤشر الأهم هو شعور الشخص تجاه (الكمية) التي يستخدمها، وكيف يؤثر ذلك على مشاعره». وتضيف: «إذا اكتشف المستخدمون أنهم يتابعونها بكثرة لدرجة أنهم يفوتون أشياء أخرى قد يستمتعون بها، أو أموراً يحتاجون إلى الاهتمام بها، فهذا استخدام ضار. إضافةً إلى ذلك، إذا شعرتَ بعد استخدامها بالإرهاق والإنهاك والحزن والقلق والغضب بشكل متكرر، فهذا الاستخدام ليس جيداً لك».

بمعنى آخر، هل يؤثر استخدامك لوسائل التواصل الاجتماعي على جوانب أخرى من حياتك؟ هل تؤجل أعمالك المنزلية، أو عملك، أو هواياتك، أو وقتك مع الأصدقاء والعائلة؟ هل حاولت تقليل وقتك على وسائل التواصل الاجتماعي لكنك أدركت أنك غير قادر على ذلك؟ هل تشعر بالسوء حيال استخدامك لوسائل التواصل الاجتماعي؟

ويقول أوفير توريل، أستاذ إدارة نظم المعلومات في جامعة ملبورن الأسترالية، الذي درس استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لسنوات، إنه «لا يوجد اتفاق» حول مصطلح إدمان وسائل التواصل الاجتماعي، لكن «من الواضح أننا نواجه مشكلة. ليس بالضرورة أن نسميها إدماناً، لكنها مشكلة، وعلينا كمجتمع أن نبدأ بالتفكير فيها».

نصائح للحد من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي

تقول ويليامز إنه قبل وضع حدود للتصفح، من المفيد فهم كيفية عمل منصات التواصل الاجتماعي والإعلانات لجذب المستخدمين. وتضيف: «فكّر في وسائل التواصل الاجتماعي كشركة تحاول إقناعك بالبقاء معها وشراء منتج أو خدمة، وضَعْ في اعتبارك أن هذه المعلومات ليست ضرورية، وقد لا تكون صحيحة. ابحث عن مصادر معلومات بديلة. وتذكر دائماً أنه كلما زاد عدد مرات رؤية معلومة ما، زادت احتمالية تصديقها».

ويقترح إيان أندرسون، الباحث في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، إجراء تغييرات بسيطة وفعّالة للحد من استخدام تطبيق التواصل الاجتماعي المفضل لديك. ويُعد تغيير مكان التطبيق على هاتفك أو إيقاف الإشعارات من «التدخلات البسيطة»، لكن أكثر الخيارات فاعلية، مثل عدم إدخال هاتفك إلى غرفة النوم أو غيرها من الأماكن التي تستخدمه فيها عادةً، قد تُساعد أيضاً.

أيضاً، يمكن للأدوات التقنية أن تساعد في الحد من الإفراط في استخدام الأجهزة الإلكترونية. وتحتوي أجهزة «آيفون» و«أندرويد» على أدوات تحكم مدمجة لتنظيم وقت استخدام الشاشة. وتتيح هذه الأدوات للمستخدمين فرض قيود عامة على فئات معينة من التطبيقات، مثل تطبيقات التواصل الاجتماعي أو الألعاب أو الترفيه، أو التركيز على تطبيق معين، من خلال تحديد الوقت المسموح باستخدامه فيه.


مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)

أعلن رئيس وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» جاريد آيزكمان، السبت، أن إطلاق مهمة «أرتيميس 2» لن يكون ممكناً في مارس (آذار)، بسبب مشكلات تقنية في الصاروخ الذي سينقل رواداً في رحلة حول القمر للمرة الأولى منذ أكثر من 50 عاماً.

وأوضح آيزكمان أن فرق «ناسا» رصدت هذه المشكلات ليلاً، وهي عبارة عن خلل في تدفق الهيليوم في إحدى طبقات الصاروخ.

وأشار في منشور عبر منصة «إكس» إلى أن الأعطال التي تسببت في ذلك، «أيّاً كانت»، ستجبر الوكالة على إعادة الصاروخ إلى مبنى التجميع «ما سيجعل نافذة الإطلاق المقررة في مارس مستبعدة».

وسبق للوكالة أن أعلنت أنها تخطط لإطلاق المهمة اعتباراً من 6 مارس، بعدما أجرت للصاروخ اختباراً شاملاً في ظروف حقيقية بدا للوهلة الأولى ناجحاً.

شعار وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» (رويترز)

لكنّ إدارة الوكالة أوضحت أن المهندسين سيحتاجون إلى أيام عدة لتحليل البيانات المتعلقة بهذا الاختبار، وأن من الضروري إجراء مناورات أخرى وعمليات تَحقُّق.

وستكون هذه المهمة التي تنطلق من قاعدة كاب كانافيرال في ولاية فلوريدا وتستمر نحو عشرة أيام أول رحلة مأهولة حول القمر منذ أكثر من 50 عاماً.

وكانت «ناسا» حددت خمس نوافذ إطلاق ممكنة في مارس، وأعلنت أيضاً ست فترات محتملة أخرى للإطلاق في أبريل.


اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
TT

اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)

بعد يومين من الجدل المصاحب لنشر شهادات نسائية عبر حسابات موثّقة على «فيسبوك» ضد مؤلف مسلسل «فخر الدلتا»، قررت الشركة المنتجة للمسلسل حذف اسم المؤلف «مؤقتاً» من شارة العمل.

ومنذ بدء عرض المسلسل، الذي يقوم ببطولته «اليوتيوبر» أحمد رمزي في تجربته الدرامية الأولى، تحدثت فتاة عن تعرضها للتحرش من المؤلف خلال عملهما معاً قبل سنوات عدة، مشيرة إلى أنه حاول لاحقاً الاعتذار عما بدر منه، لكنها لم تقبل اعتذاره.

ورافق هذه الشهادة عدد من التدوينات الأخرى كتبتها فتيات عملن مع المؤلف الشاب في أماكن عمل سابقة، غير أن أيّاً منهن لم تعلن لجوءها إلى القضاء أو تقديم بلاغات رسمية ضده. كما تضمنت الشهادات تعليقات من فتيات أخريات تحدثن عن تعرضهن لوقائع مماثلة، في حين التزم المؤلف الصمت، وأغلق حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأصدرت الشركة المنتجة للمسلسل بياناً، الجمعة، أكدت فيه اطلاعها على التدوينات المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنها، مع أخذ الاتهامات على محمل الجد، قررت إزالة اسمه من شارة العمل «مؤقتاً» لحين التحقق من صحة ما يُتداول، واتخاذ الإجراءات المناسبة بناءً على ما تسفر عنه نتائج التحقيق.

فريق عمل المسلسل (الملصق الترويجي للعمل - الشركة المنتجة)

المسلسل، الذي يشارك في بطولته انتصار وكمال أبو رية، إلى جانب أحمد عصام السيد، ويخرجه هادي بسيوني، تدور أحداثه في إطار اجتماعي حول شاب يعيش في دلتا مصر، وينتقل إلى القاهرة لتحقيق حلمه بالعمل في مجال الإعلانات. ويتكوّن العمل من 30 حلقة، ولا يزال تصويره جارياً.

وعدّ الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين قرار الشركة المنتجة «مخالفاً لقاعدة أساسية في القانون، وهي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، معتبراً أن الإجراء جاء استباقياً قبل التحقيق في الوقائع المذكورة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «رد الفعل اتخذ طابع الاستجابة الإعلامية لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي بهدف تجنب دعوات مقاطعة مشاهدة العمل».

وتابع أن «حذف اسم المؤلف من شارة العمل لا يعد الإجراء المناسب في مثل هذه الحالات لعدة أسباب، في مقدمتها أن العمل من تأليفه، وحقه الأدبي يقتضي نسبته إليه. أما الاتهامات التي يواجهها، ففي حال ثبوتها يجب أن تتم محاسبته قانونياً عبر تحقيقات رسمية، وليس عبر إصدار أحكام مسبقة من مواقع التواصل دون جهات تحقيق مستقلة».

ويرى الناقد الفني خالد محمود الرأي نفسه؛ إذ أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «بيان الشركة يعكس استجابة لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن المسلسل يمثل التجربة الدرامية الأولى لبطله، وبالتالي هناك مساعٍ لتجنب أي عثرات قد تؤثر في متابعة العمل، الذي تكلف مالياً، ولا يزال يُعرض في بداية السباق الرمضاني».

ووصف مسألة حذف الاسم بأنها «تصرف غير مبرر» و«لا يتناسب مع طبيعة الاتهامات التي يواجهها، والتي يُفترض أن تكون محل نظر أقسام الشرطة وتحقيقات النيابة»، على حد تعبيره، مستبعداً عدول الشركة عن قرارها أو الإعلان عن نتائج التحقيقات قريباً، في ظل أن جهة الإنتاج ليست مسؤولة أساساً عن التحقيق في وقائع حدثت قبل التعاقد مع المؤلف، ومع أشخاص لا تربطها بهم أي صلة.