ماذا نحتاج؟ متخصّصين أم عابرين للتخصص؟

كلّ ما تقدّمه كبريات الجامعات والمعاهد العالمية المرموقة صار متاحاً عبر الإنترنت

سيهاو هوانغ  -  مانفرد شتاينر
سيهاو هوانغ - مانفرد شتاينر
TT

ماذا نحتاج؟ متخصّصين أم عابرين للتخصص؟

سيهاو هوانغ  -  مانفرد شتاينر
سيهاو هوانغ - مانفرد شتاينر

أحد الأسئلة التي تلحُّ عليّ - وقد يلحّ على معظمنا – هو؛ لماذا لا نرى نظائر لكبار فلاسفة وعلماء عصر العقلنة والتنوير في أيامنا هذه؟ لماذا لا نشهدُ «لايبنتز» أو «سبينوزا» أو «نيوتن» في ثوب معاصر؟ لا يُقصَدُ من هذا السؤال بالتأكيد القولُ بعدم وجود فلاسفة أو علماء رفيعي الطراز في عصرنا هذا ممن يماثلون رفعة أسلافهم؛ لكنّ المقصود الدقيق هو التالي؛ لماذا لم نعُدْ نشهدُ في عصرنا هذا شخصياتٍ تمتلكُ إمكانات معرفية عابرة للحدود القارّة وخارقة في مدياتها بالقدر الذي تجعل صاحبها مستحقاً لأن يوسم بخصيصة كونه خارق المعرفة في ميادين مختلفة Polymath على نحو ما فعل لايبنتز أو سبينوزا أو نيوتن أو سواهم؟ هناك بالطبع فيزيائيون عظماء في عصرنا، وكذا يوجد رياضياتيون وفلاسفة وكيميائيون وأدباء وروائيون وعلماء اقتصاد واجتماع ذائعو الصيت؛ لكن لا يوجد بينهم من جمع أطراف هذه التوجهات المعرفية في إهاب شخصية واحدة، أو في الأقلّ فإنّ سمات عصرنا وأنساقنا التعليمية وطرازاتنا الثقافية ما عادت تشجّعُ بزوغ مثل هذه الشخصيات.
قد يبدو مثال إنسان عصر النهضة Renaissance Man، المعقلن التوّاق للترحل بين غابات المعرفة، مثالاً بعيداً وعصياً على التحقق في أيامنا هذه، ولو سألنا طائفة واسعة من البشر ذوي الخلفيات المهنية والعلمية المتباينة فلعلّهم سيشتركون في رؤية واحدة؛ أنّ مثال عصر النهضة لم يعُد قائماً بيننا لأسباب كثيرة، أهمها تعقّد أبواب المعرفة، وكثرة مصادرها، والتفجر المعلوماتي الرهيب، إلى جانب جملة من أسباب أخرى استوجبت سيادة فكرة التخصص، وهكذا صار المتخصصون Specialists أحد أبرز عناوين حياتنا.
لكن في مقابل هذه المقاربة التخصصية تشيع اليوم مقاربة أخرى مضادة لها، ترى أنّ المتخصصين بمستطاعهم بلوغ سقوف بحثية ومعرفية محدّدة يقفون عندها ولا يستطيعون تجاوزها، وأنّ عدم القدرة على التجاوز لا ينبعُ من نقص في أدواتهم المعرفية، وإنما لافتقادهم إلى رؤية صورة أشمل للروابط الخفية بين الموضوعات التي قد تبدو متنافرة للوهلة الأولى. صارت الدعوة إلى إشاعة نمط العابرين للتخصصات The Generalists تلقى قبولاً متزايداً في الدوائر الأكاديمية والعامة.
ظهر في السنوات الأخيرة كثير من الكتب التي تناولت هذه الموضوعة، ولعلّ من أكثرها صيتاً وشيوعاً وتحقيقاً لمقروئية عالية هو الكتاب المعنون «المدى»؛ لماذا يحقق العابرون للتخصصات انتصارات كبرى في عالم غارق في التخصص؟
Range: Why Generalists Triumph in a Specialized World
الكتاب منشور عام 2019، ومؤلف الكتاب هو ديفيد إبشتاين David Epstein. تكفي صورة غلاف الكتاب لتكون دلالة لا تخفى على طبيعة الموضوع؛ إذ ثمة عدد من المفاتيح مربوطة في حزمة واحدة؛ الأمر الذي يشير إلى أنّ العابرين للتخصصات صاروا بمثابة موجدي حلول لمشكلات Problem Solvers باتت تهدد وجودنا الحيوي على هذه الأرض.
«هناك أشياء كثيرة في الأرض والسماء يا هوراشيو غير التي حلمت بها في فلسفتك»، بهذه العبارة يخاطب هاملت صديقه هوراشيو، مؤشراً إلى حقيقة وجودية جوهرها «استيلاء النقص على جُملة البشر»، كما يعبر عماد الدين الأصفهاني. النقص هنا، وهو نقصٌ معرفي، ليس نقصاً معيباً أو مثلبة أخلاقية بقدر ما هو إشارة إلى طبيعة ملازمة للوجود البشري. لنقلْ إنه خصيصة أبستمولوجية لا مفرّ من نكرانها أو الالتفاف عليها، لأنها بعضُ طبائع المعرفة البشرية المقترنة بعاملين يعملان ضديدين، أحدهما للآخر؛ تفجّر معرفي من جانب، وتضاؤل في حدود المعرفة الفردية من جانب آخر.
يعيشُ أغلبنا غير مبالٍ بهذه الخصيصة الملازمة للوجود البشري؛ فهو يكتفي بأن يلمّ بجانب من المعرفة البشرية ليطوّعها بصورة عملية تكفلُ له خبرة محدّدة في نطاق ما، وهو ما يتكفّلُ بتدبير لوازم عيشه. هكذا نشأ المتخصّص Specialist، ونشأت المهنة Career المعتمدة على تخصص في نطاق عملي أو أكاديمي، وتطوّر الأمر حتى استحال قبولاً جمعياً على نطاق عالمي.
لكن ثمّة أناساً في هذا العالم لا يقتنعون بهذه الترسيمة القارّة. قد يكون هؤلاء من المتخصّصين؛ لكنّ صدورهم تضيق لو مكثوا في نطاق مهنهم أو تخصّصاتهم وقتاً طويلاً؛ لذا يفرِدُ هؤلاء جزءاً من وقت يومهم للبحث والاستكشاف في نطاقات معرفية غير تلك التي تخصّصوا فيها، وفي الغالب يتحوّل هذا الطقس إلى عادة يومية، ساعتان أو 3 ساعات ما قبل النوم - مثلاً - يفردُها المرء للقراءة في كتبٍ محدّدة، قد تكون بعيدة للغاية عن نطاقه المعرفي. هي بعيدة بحسب ما يعتقد الناس؛ لكنها ليست بعيدة بحسب ما يرى ذلك الشخص، لأنه وحده من يرى خيوطاً خفية بين الحقول المعرفية. أمثالُ هؤلاء يوصفون في الأدبيات الحديثة بأنهم عابرون للتخصصات Generalists، وتعريفهم الدقيق هو الناس الذين يجدون ولعاً طاغياً وشغفاً لا حدود له في استكشاف نطاقات معرفية مختلفة، واكتشاف روابط خفية بينها، وهم لا يطيقون المكوث في ساحة معرفية واحدة، ولو أجبروا على هذا الأمر فقد يتطوّر الأمر لديهم إلى حالات اكتئاب عنيدة وتداعٍ في القدرة على العمل والإنتاج؛ بل قد يستحيل الأمر ذهاناً عقلياً خطيراً له تبعاتٌ مأساوية.
لكن لنكنْ دقيقين ومحدّدين في توصيف الأمور؛ كثير منّا قد يجدُ لذّة في بعض القراءات المغايرة لسياق تخصصه؛ غير أنّ هذا لا يعني أنه صار من جماعة العابرين للتخصصات. ما يميّز هؤلاء الأخيرين هو شغفٌ طاغٍ لا حدود لمدياته، وعملٌ مثابر لا يعرف النكوص والتراخي، والانكباب على قراءات معرفية دقيقة، وليس محض قراءات سياحية عابرة. نحنُ إزاء أناسٍ شديدي الانضباط، ولديهم حساسية – تكاد تكون مرضية – تجاه فواعل الزمن. لا يريدون إضاعة دقيقة من غير فاعلية منتجة من وجهة نظرهم.

هل يمكنُ أن يكون أحدنا واحداً من هؤلاء العابرين للتخصصات؟ نعم بالتأكيد، لو تملك ذلك النوع الخارق وغير المعهود من الشغف، وامتلك وصلة إنترنت. الإنترنت صار صندوق أعاجيب الدنيا، وكلّ ما تقدّمه كبريات الجامعات والمعاهد العالمية المرموقة صار متاحاً لنا، وليس ثمّة من حجّة نقص المصادر المعرفية تقف عائقاً. يقدّم لنا الإنترنت كلّ يوم نماذج متقدّمة من هؤلاء، وهم كثرٌ. هاكم مثالاً؛ سيهاو هوانغ Sihao Huang، الصيني السنغافوري الأصل، الذي هاجر إلى الولايات المتحدة وهو شاب، يدرسُ الفيزياء والرياضيات والهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب في معهد MIT المعروف بسمعته الأكاديمية العالمية، ويخطّط لتطبيق رياضيات النظم المعقدة على نطاق العلوم السياسية، وقبل مواصلة دراسته في قسم العلوم السياسية في MIT ارتأى أن يأخذ فسحة دراسية يقضيها في جامعة أكسفورد لدراسة منهاجها الدراسي الثلاثي الشهير في الفلسفة والاقتصاد والسياسة.
مثال آخر، تابعتُ قبل بضعة أشهر حكاية البروفسور مانفرد شتاينر Manfred Steiner، المواطن النمساوي – الأميركي، الذي احتفل قبل بضعة أشهر بعيد ميلاده التسعين، وسيكون لهذه الاحتفالية طعمٌ خاص، لأنّ شتاينر سُجّل اسمه في موسوعة غينيس للأرقام القياسية أكبر شخص حصل على الدكتوراه الثانية، وهو بهذا العمر.
المثيرُ في حياة شتاينر أنه ظلّ مشغوفاً كلّ حياته المهنية بالعمل على تحقيق حلمه، أن يكون فيزيائياً. أنهى شتاينر دراسته الثانوية في فيينا مع نهاية الحرب العالمية الثانية، ونصحه حينئذ عمه وأمه ألا يغامر بدراسة الفيزياء، لأنها قد تكون توجهاً مهنياً بعيداً عن متطلبات أوروبا عقب نهاية الحرب. كان الطب هو ما نصحاه به؛ فلم يخذلهما، وفي الوقت ذاته لم يخذل حلمه ويتركه ينزوي في قعر النسيان. درس شتاينر الطب، وحصل على شهادة M.D المعروفة فيه، ثمّ هاجر إلى الولايات المتحدة ودرس في جامعات عدّة حتى حصل على شهادة الدكتوراه الأولى في حقل الكيمياء الحيوية، وعمل في الوقت ذاته أستاذاً لعلم أمراض الدم Hematology في جامعة براون. تقاعد شتاينر من عمله عام 2000 وهو في سن السبعين، وهنا بدأ بالإمساك بحلمه القديم الذي لم يطوِهِ النسيان؛ فحضر دروس فيزياء أولية ومتقدّمة في MIT الشهير في مدينة بوستن، ثم نقل دراساته إلى جامعته القديمة، جامعة براون. توّج شتاينر حلمه بالحصول على دكتوراه في الفيزياء النظرية قبل بضعة أسابيع من يومنا هذا. كان شتاينر يبتغي أول الأمر الحصول على دكتوراه في الفيزياء النووية؛ لكنّه فضّل الفيزياء النظرية آخر الأمر لأنه لم يشأ أن يستخدم في دراسته أكثر من عقله مدعوماً بحاسوب وأقلام وأوراق. ثمة كثير من الحديث المسهب عن عمل شتاينر في الموقع الرسمي لجامعة براون، وسأكتفي بالقول إنه عمل ينتمي لحقل البحوث الأساسية في الفيزياء. ليس بوسع الواحد منا سوى أن يمتلئ نشوة وبهجة عند قراءة مثل هذه الأخبار التي تكشف لنا حيوية العقل البشري وقدرته اللانهائية على الإبداع الخلاق.
هاملت على حقّ بالطبع. سيكون طموحاً غير قابل للتحقق إن نحنُ سعينا لمعرفة كلّ ما في السماء والأرض؛ لكن يمكن لكلّ منّا أن يفهم أشياء – ولو قليلة – مما في السماء والأرض لو امتلك شغفاً لا حدود له، ووصلة إنترنت. تلك حقيقة ماثلة لا أظنها ستكون موضع نزاع بعد اليوم.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)
جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)
TT

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)
جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا» اليوم الأحد، بعد أن حصد ست جوائز، من بينها جائزة أفضل فيلم وجائزة أفضل مخرج لبول توماس أندرسون.

وتفوق الفيلم على منافسه الفيلم البريطاني «هامنت» الأكثر شعبية داخل البلاد، وفيلم الإثارة «سينرز» (الخطاة) الذي يحمل رقما قياسيا في عدد الترشيحات لجوائز الأوسكار، في الفئتين الرئيسيتين للحفل الذي حضره الأمير وليام والأميرة كيت كضيفي شرف.

وقال أندرسون «اقتبسنا عبارة من نينا سيمون في فيلمنا، وتقول: 'أعرف ما هي الحرية، هي انعدام الخوف'». وتابع «لذا فلنستمر في صناعة الأشياء دون خوف، إنها فكرة رائعة».

وفاز أندرسون بجائزة أفضل سيناريو مقتبس، بينما تفوق شون بن على زميله في البطولة بينيشيو ديل تورو، من بين آخرين، ليفوز بجائزة أفضل ممثل مساعد. وفاز الفيلم، الذي نال استحسان النقاد، بجائزتي أفضل تصوير سينمائي وأفضل مونتاج، ليحصد ست جوائز في المجمل.

وفاز فيلم «سينرز»، الذي حصل على 16 ترشيحا لجوائز الأوسكار، بجائزة أفضل سيناريو أصلي للكاتب والمخرج رايان كوجلر وجائزة أفضل ممثلة مساعدة لوونمي موساكو وجائزة أفضل موسيقى تصويرية أصلية.

مفاجأة في فئة أفضل ممثل

جاءت المفاجأة الأكبر بفوز روبرت أرامايو بجائزة أفضل ممثل عن أدائه المتميز لشخصية جون ديفيدسون، الناشط في مجال التوعية بمتلازمة توريت، في فيلم «آي سووير» (أقسم)، متفوقا على تيموثي شالاميه وليوناردو دي كابريو ومايكل بي جوردان وإيثان هوك وجيسي بليمونز.

وتسلم أرامايو الجائزة، وهي الثانية له في الحفل بعد فوزه بجائزة أفضل ممثل صاعد، وهو يبكي وقال «لا أصدق ذلك على الإطلاق». وعند سؤاله قبل الحفل عما سيكون شعوره إذا فاز قال «بصراحة، لم أفكر بعد في الأمر ، أشعر فقط أنني محظوظ جدا لوجود اسمي ضمن هذه القائمة».

وفازت جيسي باكلي، التي كانت المرشحة الأوفر حظا، بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت»، المقتبس عن رواية ماغي أوفاريل، ومالذين إخراج كلوي تشاو، الحائزة على جائزة الأوسكار. وفاز الفيلم بجائزة أفضل فيلم بريطاني، لكنه لم يفز بالجائزتين الرئيسيتين، ومنها جائزة أفضل فيلم، إذ كان يعتقد أن كونه فيلما بريطانيا سيكون عاملا مؤثرا في فوزه.

ومثل حفل توزيع الجوائز، الذي قدمه آلان كومينج، أول ظهور رسمي مشترك للأمير وليام وكيت ميدلتون منذ اعتقال عم الأمير وليام، آندرو ماونتبتن-وندسور، يوم الخميس. وقدم الأمير وليام، الذي يشغل منصب رئيس الأكاديمية، جائزة زمالة بافتا إلى دونا لانغلي رئيسة استوديوهات «إن.بي.سي يونيفرسال».


مصر: اكتشاف مقابر صخرية في أسوان تعود إلى الدولة القديمة

مجموعة من الحلي المكتشفة في قبة الهواء بأسوان (وزارة السياحة والآثار)
مجموعة من الحلي المكتشفة في قبة الهواء بأسوان (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: اكتشاف مقابر صخرية في أسوان تعود إلى الدولة القديمة

مجموعة من الحلي المكتشفة في قبة الهواء بأسوان (وزارة السياحة والآثار)
مجموعة من الحلي المكتشفة في قبة الهواء بأسوان (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، الأحد، اكتشاف مجموعة من المقابر الصخرية التي تعود إلى عصر الدولة القديمة (2181-2686 قبل الميلاد)، خلال موسم حفائر البعثة الأثرية المصرية للمجلس الأعلى للآثار بمنطقة «قبة الهواء» في محافظة أسوان (جنوب مصر).

أكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، في بيانٍ صحافي، أهمية هذا الكشف، مشيراً إلى أنه يعزز قيمة موقع قبة الهواء ويسهم في فهم طبيعة المكان.

وأضاف أن المقابر المكتشفة تعود إلى عصر الدولة القديمة، وقد أُعيد استخدامها خلال عصر الانتقال الأول والدولة الوسطى، مما يدل على الأهمية المستمرة للموقع عبر العصور المختلفة.

ووصف عالم الآثار المصري، الدكتور حسين عبد البصير، الكشف بأنه إضافة علمية مهمة إلى سجل الاكتشافات الأثرية في جنوب مصر. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الاكتشاف يؤكد من جديد أن المنطقة لم تكن مجرد جبانة محلية، بل شكَّلت فضاءً جنائزياً رئيسياً ارتبط بالنخبة الإدارية والحكام المحليين عبر عصور متعددة.

وأضاف أن المقابر الصخرية المكتشفة، التي يعود تاريخها الأصلي إلى عصر الدولة القديمة، تعكس ازدهار أسوان آنذاك بوصفها بوابة مصر الجنوبية ومركزاً استراتيجياً للتجارة والتواصل مع أفريقيا. كما أشار إلى أن إعادة استخدام هذه المقابر خلال عصر الانتقال الأول والدولة الوسطى يعكس استمرارية القداسة والأهمية الرمزية للموقع، رغم التحولات السياسية والاجتماعية العميقة.

الاكتشاف يعود إلى الدولة القديمة (وزارة السياحة والآثار)

وتُعد جبانة «قبة الهواء» أحد المزارات الأثرية المهمة في أسوان. وفي منتصف عام 2022، بدأت وزارة السياحة والآثار مشروعاً لترميم مقابر جديدة في «قبة الهواء» وفتحها للزيارة للمرة الأولى منذ اكتشافها. وتُظهر النقوش على جدران بعض مقابر الجبانة الدور الذي اضطلع به كبار الموظفين والنبلاء في تلك الفترة، من حملات استكشافية وتجارية وعسكرية، وفقاً لموقع وزارة السياحة والآثار.

ومن جانبه، قال رئيس قطاع الآثار المصرية في المجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع، إن البعثة عثرت على غرفتي دفن تضمان نحو 160 إناءً فخارياً متنوع الأحجام والأشكال، تعود إلى عصر الدولة القديمة، مشيراً إلى أن أغلبها في حالة جيدة من الحفظ وتحمل كتابات باللغة الهيراطيقية. وأوضح أن الدراسات الأولية تشير إلى أنها كانت تُستخدم لتخزين السوائل والحبوب.

قلائد وتمائم من عصور مختلفة وجدت في قبة الهواء (وزارة السياحة والآثار)

وفي الفناء الخارجي للمقابر، عثرت البعثة على مجموعة من الحُلي شملت مرايا من البرونز، ومكاحل من الألبستر، وعقوداً من الخرز بألوان وأشكال متنوعة، إضافة إلى تمائم مختلفة تعود إلى عصر الدولة الوسطى.

وتعمل البعثة الأثرية حالياً على توثيق وتسجيل ما اكتُشف، كما تواصل أعمالها في موقع «قبة الهواء»، أملاً في الكشف عن المزيد من المقابر واللقى الأثرية. ويضم الموقع مجموعة من المقابر التي تعود إلى حقب زمنية مختلفة، تمتد من بداية عصر الدولة القديمة حتى العصرين اليوناني والروماني.

أوانٍ فخارية وجدت عليها كتابات هيراطيقية (وزارة السياحة والآثار)

وأوضح عبد البصير أن هذا الكشف يفتح آفاقاً واسعة للدراسة، لا سيما فيما يتعلق بالاقتصاد المحلي وأنماط التخزين والإمداد الجنائزي، مشيراً إلى أن الكتابات الهيراطيقية قد تزوّد الباحثين بأسماء أشخاص أو إشارات إدارية ودينية، ما يعمّق فهم البنية الاجتماعية في أسوان خلال عصر الدولة القديمة. وأضاف أن الكشف يؤكد أن أسوان لم تكن هامشاً جغرافياً، بل مركزاً حضارياً نابضاً بالحياة، تتقاطع فيه الطرق التجارية والثقافية، وتتشكّل فيه هوية مصر الجنوبية عبر العصور.

وكانت وزارة السياحة والآثار المصرية قد أعلنت، في منتصف العام الماضي، اكتشاف 3 مقابر أثرية منحوتة في الصخر بجبانة «قبة الهواء»، ووصفت الكشف بأنه إضافة علمية مهمة، كونه يُلقي الضوء على فترة انتقالية حرجة بين نهاية الدولة القديمة وبداية عصر الانتقال الأول.

ومن جانبه، أكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، في البيان، أن هذه الاكتشافات الأثرية تسهم في تعزيز جاذبية منتج السياحة الثقافية لدى محبي الحضارة المصرية القديمة حول العالم، بما يعزز مكانة مصر على خريطة السياحة الثقافية الدولية.

وتعتمد مصر على قطاع السياحة بوصفه أحد ركائز الدخل القومي، وتسعى إلى اجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.


الأوبرا المصرية تحتفي بطقوس رمضان عبر برنامج فني حافل

جانب من عرض الليلة الكبيرة في العام الماضي (الشرق الأوسط)
جانب من عرض الليلة الكبيرة في العام الماضي (الشرق الأوسط)
TT

الأوبرا المصرية تحتفي بطقوس رمضان عبر برنامج فني حافل

جانب من عرض الليلة الكبيرة في العام الماضي (الشرق الأوسط)
جانب من عرض الليلة الكبيرة في العام الماضي (الشرق الأوسط)

تحتفي دار الأوبرا المصرية بطقوس شهر رمضان من خلال برنامج حافل يتضمن حفلات موسيقية وسهرات لفرق فنية من الدول العربية والإسلامية، إلى جانب حفلات للإنشاد الديني وعروض فرقة الحضرة. وينطلق البرنامج يوم الخميس 26 فبراير (شباط) الحالي، ويستمر حتى الاثنين 9 مارس (آذار) المقبل، على المسرح الصغير والمسرح المكشوف، فضلاً عن مسارح الجمهورية ومعهد الموسيقى العربية.

كما أعلنت وزارة الثقافة المصرية إطلاق النسخة العاشرة من برنامج الاحتفالات الرمضانية «هل هلالك»، الذي يُقام في ساحة الهناجر بدار الأوبرا المصرية خلال الفترة من 28 فبراير حتى 13 مارس، تزامناً مع ذكرى العاشر من رمضان، التي شهدت نصر السادس من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973.

ويتضمن برنامج العام الحالي حفلات متنوعة بمشاركة نجوم الطرب والغناء، من بينهم ماهر محمود ومدّاح الرسول محمد الكحلاوي، على أن يختتم المنشد محمود التهامي فعاليات «هل هلالك» يوم الجمعة 23 رمضان، الموافق 13 مارس.

«هل هلالك» يصل محطته العاشرة (الشرق الأوسط)

ومثل كل عام، يشارك البيت الفني للمسرح بأوبريت العرائس الشهير «الليلة الكبيرة»، رائعة الشاعر صلاح جاهين والموسيقار سيد مكاوي، من إنتاج مسرح القاهرة للعرائس، حيث يُعرض الأوبريت يومياً طوال فترة إقامة البرنامج.

كما يشارك البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية بعدد من الحفلات التي تقدمها الفرق الفنية التابعة له؛ إذ تقدم الفرقة القومية للفنون الشعبية حفلتها يوم الأحد 1 مارس، وتحيي فرقة أنغام الشباب حفلتها يوم الأربعاء 4 مارس، فيما تتغنى شعبة الإنشاد الديني بالفرقة القومية للموسيقى الشعبية بأشهر الأغاني الدينية يوم الأربعاء 11 مارس، ويختتم البيت حفلاته ضمن البرنامج بحفل فرقة رضا للفنون الشعبية يوم الخميس 12 مارس.

واحتفالاً بـ«يوم الشهيد»، يقدم المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية حفلاً فنياً للفرقة الموسيقية التابعة له، يتغنى خلاله نجوم الفرقة بأشهر الأغاني الوطنية التي قدّمها كبار نجوم الطرب في مصر، وذلك يوم 9 مارس.

جانب من عروض برنامج «هل هلالك» في السنوات الماضية (الشرق الأوسط)

وكانت وزارة الثقافة قد أعلنت في وقت سابق برنامجاً للاحتفالات الرمضانية عبر مختلف قطاعاتها، لا سيما الهيئة العامة لقصور الثقافة، وصندوق التنمية الثقافية، والهيئة العامة للكتاب، وقطاع المسرح، والمجلس الأعلى للثقافة، وغيرها من الهيئات. وتضمنت الفعاليات حفلات متنوعة بطابع تراثي وديني وشعبي، إذ تُقام معظمها في بيوت تراثية مثل بيت السحيمي، وبيت الهراوي، وقبة الغوري، وقصر الأمير طاز، وغيرها من المواقع التراثية.

كما أعلن البيت الفني للمسرح تقديم العرض المسرحي الشعبي «يا أهل الأمانة» على المسرح القومي لمدة أسبوعين خلال شهر رمضان، وهو عرض يستند إلى أشعار فؤاد حداد، ويقدم تجربة فنية تمزج بين التراث الشعبي والوجدان المصري الأصيل.