لكل إنسان قصة قد يجد سعادة في سردها، ولكل شعب حكايات تستحق أن تصل إلى الشعوب الأخرى، وقد لا توجد طريقة أكثر دقة من التصوير الوثائقي، وقد لا يوجد أيضاً من يتفوق في هذه المهمة أكثر من مصور محترف لا سيما إذا كان لا يحتفي بالتقاط قصص قريبة من بيئته بقدر حرصه في كل مرة على أن تكون قريبة من إنسانيته.
وإذا كان التصوير الوثائقي يتميز بتجسيد مواقف ومشاهد واقعية ويصور على نحو دقيق أماكن وأشخاص في حياتهم اليومية، فإن في أعمال الفنان المصري أشرف طلعت زميل الجمعية الملكية البريطانية للتصوير الصحافي والوثائقي، نستطيع أن نستشعر حضور البشر بوضوح؛ فالفنان الذي يُعد واحداً من أبرز فناني هذا النوع من التصوير الفوتوغرافي في المنطقة العربية شغوف للغاية بتصوير حياة الناس من مختلف الثقافات والدول.
وفي كتابه التوثيقي الرابع الصادر حديثاً بالإنجليزية تحت عنوان «Moments In Our Life»، نعيش معه لحظات شديدة الواقعية، إذ ينشئ الفنان عبر مجموعات من الصور التي التقطها في مواقف وفترات مختلفة في أنحاء كثيرة من العالم جسور التواصل بين الناس والمجتمعات في محاولة للمساعدة على اكتشاف ذواتهم وفهم هويتهم، إضافةً إلى استخدام الفن كحلقة وصل مع الجذور.

يقول طلعت لـ«الشرق الأوسط»: «8 سنوات هي المدة الزمنية، التي استغرقها الإعداد للكتاب، الذي يروي نحو 42 عاماً ما بين الهواية والاحتراف». مضيفاً: «يضم الكتاب مجموعة من أفضل ما التقطته من صور، يربط بينها الاحتفاء بتصوير البشر انطلاقاً من أن الناس دوماً يحبون أن يعرفوا كيف يعيش الآخرون، وأرى أن هذه هي مهمتي كمصور».
ولا يمثل الكتاب الصادر عن دار نشر«Life Media»، توثيقاً لموضوع أو لقضية بعينها، إنما هو يشكّل متعة بصرية للقارئ عبر ما يضمّه بين دفتيه من لقطات فنية ذات تكوينات سليمة، فكأنما تقوم هذه الصور بمهمة السرد من دون أي كلمات سوى مكان وتاريخ التقاطها: «الصورة تنجز الوصف في لحظة واحدة، وهي انعكاس لمرحلة بدأت منذ سبعينات القرن الماضي، ولا تزال موجودة حتى اليوم، وتعتمد مبدأ (الصورة الفوتوغرافية بألف كلمة)».
يأخذنا الفنان حول العالم عبر 170 صورة ملوّنة، وأبيض وأسود، تبدأ بصورة الغلاف التي تُبرز وجوه فتيات ريفيات جميلات بأجساد ممشوقة ونظرات مشرقة، ونحضر معهن بعضاً من طقوس الاستعداد لعرس إحداهن، في أجواء من الفلكلور الشعبي، ومن ثم ننتقل إلى المقدمة السريعة التي نتعرف من خلالها على محتوى الكتاب وشخصيته، ومنه إلى حياة السيرك لنتعمق في لحظات بعض لاعبي سيرك «فاتن الحلو» في حي مصر الجديدة (شرق القاهرة)، يقول: «عملت على هذه القصة لنحو عام كامل، كنت أتوجه خلاله إلى السيرك 3 أيام أسبوعياً، وهناك اكتشفت كم يتمتع عالم اللاعبين بالثراء الإنساني».

ومن السيرك المصري ننتقل إلى الصين: «كانت بالنسبة لي كتاباً مغلقاً، ومن أكثر ما أردت اكتشافه هو كيف يقضي الصينيون، المعروفون بالعمل وغزارة الإنتاج، وقتهم في الإجازات الأسبوعية؟ وكانت المفاجأة التي حرصت على تسجيلها في هذه الصور هي أنهم ينزلون للعب والرقص والحديث في الشوارع والساحات العامة باختلاف فئاتهم، ولمست أنه لا يوجد تفاوت في الطبقات».
وعند الانتقال إلى الجزء الخاص بجزيرة زنجبار في الكتاب، تجذب المتلقي تفاصيل حياة صيد السمك، وهي المهنة التي يعمل بها أغلب سكان الجزيرة، فيتنقل المشاهد ما بين البحر وطرحه، وعمليات نقل وبيع السمك وأسواقه، بينما ينقلنا فصل «في وقتنا الراهن» إلى لحظات كثيرة نعيشها لكن ربما لا نقدّرها أو نتأملها جيداً فيأتي الكتاب ليضعنا أمامها عن قرب، أما الفصل الأخير فيتضمن مجموعة من البورتريهات لشخوص من أماكن متفرقة.
وقع اختيار الفنان على هذا العنوان المؤثر للكتاب «لحظات في حياتنا»، استلهاماً من كتاب «L’instant décisif» أو «اللحظة الحاسمة» للمصور الفرنسي الشهير هنري كارتييه بريسون، وهو أول كتاب صحافي وثائقي، ولا يزال واحداً من أهم كتب التصوير في العالم. يقول: «اقتنيت نسخة منه سنة 1994 ومنذ تلك اللحظة تراودني فكرة أن ثمة لحظات كثيرة في حياتنا تستحق التوثيق لا لحظة حاسمة واحدة فقط، فالفوتوغرافيا هي عملية تثبيت للحظات في الزمن، تلتقط لحظة أو مشهداً ما وتثبته في الزمن، وإذا أردت أن تعيد التقاط هذا المشهد مرة أخرى بعد دقائق قليلة فإنه حتماً سيكون مختلفاً».

يحتضن الكتاب المكون من 180 صفحة بقطع 32 سم x 32 سم مجموعة كبيرة من هذه اللحظات المؤثرة، التي تستحق أن نتوقف عندها، بعضها ضاحك، والآخر موجع، بينما يمتلئ الكثير منها بالفن والجمال، ومن أبرزها صورة سيدة هندية مسنّة في كامل أناقتها، يروي طلعت حكايتها قائلاً: «في قرية صغيرة بإقليم راجستان في الهند، تعيش هذه السيدة البالغة من العمر 98 عاماً وهي تحرص على التزين لتبدو بغاية الأناقة كل يوم قبل الذهاب إلى العمل، وهو دكان صغير لبيع الشاي والسكر وبعض الحلوى، وقد أُطلق عليها اسم (الملكة)، لأنها تمثل الاهتمام بالنفس في أي مرحلة من مراحل العمر، وكذلك الاهتمام بالعمل مهما تقدم العمر، وأعد الصورة تحية لكل إنسان يفهم المعني الحقيقي للحياة».
اللافت أن الفنان استخدم أسلوباً فنياً اعتمد فيه على التقاط الصور بعدسة واحدة، وهو ما يعلق عليه قائلاً: «أحمل معي أصغر معدات ممكنة لكي يسهّل لي ذلك الحركة والتنقل في أثناء السفر، وإذا كان ذلك لا يمكّنني من التقاط صور كثيرة بحرّية، إلا أنه في الوقت نفسه يحفّزني على الإبداع لأنني في ظل هذه الإمكانيات المحدودة لا أتمكن من تغيير المنظور بسهولة ما يضطرني إلى تغيير زوايا التصوير».








