تونس: قطيعة بين قصر قرطاج والمعارضة... وشلل في المحاكم

هل تكون أخطر مواجهة بين النقابات والحكومة منذ عهد بورقيبة؟

القضاة يتحركون (غيتي)
القضاة يتحركون (غيتي)
TT

تونس: قطيعة بين قصر قرطاج والمعارضة... وشلل في المحاكم

القضاة يتحركون (غيتي)
القضاة يتحركون (غيتي)

تتسارع الأحداث في تونس بنسق غير مسبوق في اتجاه توسع «المواجهة والصدام» بين السلطات وجبهة معارضي الحكومة بسبب قرارات رسمية سياسية ومالية واجتماعية، تبررها السلطات بـ«الأوضاع الاقتصادية الصعبة» التي تمر بها الدولة منذ سنوات. وقد ازداد الوضع خطورة بعد «القطيعة» مع النقابات و«أحزاب المعارضة المعتدلة»... ثم الصدام مع القضاة والمحامين، ما تسبب في شلل شبه كامل في المحاكم وفي عدد من مؤسسات البلاد. وفي هذه الأثناء، تتابع المركزية النقابية العمالية التعبئة لشن إضراب عام وطني خلال الأسبوع المقبل، والتلويح بسلسلة من الإضرابات القطاعية والجهوية، في حين حذّر المراقبون من سيناريو «الصدام العنيف» ومن «أخطر مواجهة بين النقابات والحكومة منذ عهد الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة»، ما لم تنجح جهود «احتواء الأزمة في الدقائق الأخيرة».
تكشف تصريحات الأمين العام نور الدين الطبوبي والمقربون منه في قيادة «الاتحاد العام التونسي للشغل» أنهم يرفضون تصنيف الإضراب العام المبرمج ليوم الخميس 16 يونيو (حزيران) الجاري بكونه «إضراباً عاماً سياسياً»، وهذا رغم بلاغاتهم التي تحمّل قصر قرطاج (أي رئاسة الجمهورية) والحكومة الحالية مسؤولية «المأزق السياسي والاجتماعي والاقتصادي في البلاد»، وإجهاض مشاريع الحوار الوطني التي اقترحتها القيادة النقابية منذ مطلع 2020، ثم بعد إعلان «الإجراءات الاستثنائية» في 25 يوليو (تموز) الماضي، بعد إسقاط الحكومة والبرلمان وتعليق أغلب فصول الدستور.

الرئيس قيس سعيّد

- «إضراب سياسي»
في المقابل، شنّ نشطاء محسوبون على «التنسيقيات» و«الحراك الشعبي المساند للرئيس قيس سعيد»، حملة واسعة ضد بعض قيادات «الاتحاد»، خصوصاً ضد الأمين العام نور الدين الطبوبي والناطق الرسمي سامي الطاهري، واتهموهم فيها بـ«الفساد» وبتوريط النقابات في تحركات سياسية تخدم معارضي الرئيس وجبهة الخلاص التي يتزعمها المحامي المعارض أحمد نجيب الشابي وحلفاؤه وقيادات حزب حركة النهضة الإسلامي.
أيضاً حذّر هؤلاء من أن يتطور إضراب الخميس 16 يونيو إلى «خميس أسود» جديد يذكّر بـ«الخميس الأسود» الذي شهدته البلاد في أعنف مواجهات بين السلطات والنقابات يوم 26 يناير (كانون الثاني) 1978. ولوّح مقربون من الحكومة ومن قصر قرطاج، بينهم البرلماني السابق المحامي رابح الخرايفي، بمحاكمة القيادات النقابية، وبعقوبات مالية وسياسية وقضائية تفرضها الحكومة على المركزية النقابية، من بينها حرمانها من تمويلات توفرها لها الدولة. كذلك لوّح هؤلاء بمطالبة النقابات بـ«تسديد ديونها لفائدة الصناديق الاجتماعية» وتقدر بما قيمته 5 ملايين دولار أميركي.
من جانبه، طلب الرئيس قيس سعيّد من الحكومة تطبيق القانون وحسم جزء من راتب الموظفين عن كل يوم عمل يدخلون فيه في إضراب، بما في ذلك بالنسبة للقضاة الذين بلغت نسبة مشاركتهم في الإضراب، منذ الاثنين الماضي، نحو مائة في المائة، حسب رئيس جمعية القضاة أنس الحمادي ونائبته القاضية عائشة بن حسن.
- خطوة إلى الأمام... وأخرى إلى الوراء
وفي حين تؤكد بلاغات قيادة المركزية النقابية على «الصبغة الاجتماعية والسلمية» لإضراباتهم المتعاقبة وللإضراب العام المقرر الأسبوع المقبل، تعاقبت تحركاتها السياسية محلياً ودولياً وتصريحاتها التي تعتبر «اتحاد الشغل أهم قوة سياسية اجتماعية في البلاد أحب من أحب وكره من كره». وفي هذا السياق، استقبل أمين عام المنظمة النقابية في مكتبه مزيداً من السفراء وموفدي وزارات الخارجية الأوروبية والأميركية، بينهم رئيسة البعثة الأميركية بتونس ناتاشا فرانسيسيكي والسفير الألماني بتونس بيتر بروغل ومسؤولة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية الألمانية توبيا تنكل.
وسبق له أن التقى سفراء باريس وروما والاتحاد الأوروبي...

رضا شكندالي

وفي الوقت ذاته، كثّف الطبوبي ورفاقه تنسيقهم مع القيادات النقابية العالمية واستقبال زعماء من أحزاب المعارضة السياسية وقيادات منظمات القضاة، الذين صعّدوا احتجاجاتهم على قرارات الرئيس التونسي، وشنّوا إضراباً عاماً مفتوحاً للمطالبة بإرجاع 57 قاضياً صدر قرار رئاسي بطردهم، ومن هؤلاء رئيس المجلس الأعلى للقضاء المنتخب يوسف بوزاخر وقضاة شبان يقولون إنهم رفضوا تنفيذ أوامر من بعض «اللوبيات» المالية والسياسية، من بينها إيقاف عدد من المعارضين 120 عضواً في البرلمان المحلول.
وأيضاً روّجت المواقع الإعلامية التابعة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» تصريحات للطبوبي والمقربين منه تساند احتجاجات القضاة وإضرابهم وتصف مطالبهم بالشرعية. وروّجت المركزية النقابية بلاغاً أصدرته الأمينة العامة للاتحاد الدولي للنقابات العمالية شاران بورو تساند فيه إضرابات النقابات التونسية والقضاة التونسيين، وتعتبر أنها «شرعية وأتت دفاعاً عن استقلالية القضاء».
ولقد اعتبر بيان الاتحاد الدولي للنقابات أن قرارات عزل القضاة المعارضين «جاءت بعد سلسلة من الأوامر الرئاسية المقيدة للحقوق والحريات الأساسية» في تونس، بينها المرسوم رقم 20 الذي يحظر أي مفاوضات مع النقابات قبل موافقة مسبقة من رئاسة الحكومة. واعتبر البيان أن «هذا يتعارض مع اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 98 التي تضمن الحق في المفاوضات الجماعية».
هذا، ويعيد ترويج مثل هذه البلاغات من قبل المركزية النقابية إلى الأذهان أجواء الصدامات الدامية والمواجهات العنيفة التي وقعت بين النقابات وقوات الأمن التونسية في عهد الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة، والتي اضطرت السلطات في أعقابها إلى تقديم تنازلات للنقابات تحت ضغط النقابات الدولية.
- تداخل الأجندات؟
على صعيد متصل، رغم استقبال الرئيس قيس سعيّد القيادة النقابية لتهنئتها بعد مؤتمرها الوطني الجديد، فإن أزمة الثقة تعمقت بين الطرفين، بعدما أصدرت محكمة تونسية حكماً يقضي ببطلان المؤتمر في انتظار موقف محكمة الاستئناف. ولقد اتهمت القيادة النقابية وبعض زعماء المعارضة، مثل أحمد نجيب الشابي زعيم «جبهة الخلاص الوطني»، السلطات بالوقوف وراء هذه القضية العدلية «بهدف وضع اليد على النقابات والمجتمع المدني، بعد حل البرلمان المنتخب في 2019 وهيمنة موالين للسلطة على مقار اتحاد الفلاحين والهيئة العليا المستقلة للانتخابات والمجلس الأعلى للقضاء وهيئة مكافحة الفساد.»... وانخرطت في نفس المسار قيادات الأحزاب اليسارية المعارضة الخمسة التي يتزعمها زعيما حزبي العمال الشيوعي حمة الهمامي والجمهوري عصام الشابي، وشكلت «ائتلاف إسقاط مشروع استفتاء 25 يوليو على الدستور الجديد».
كذلك زارت قيادات هذه الأحزاب الطبوبي في مكتبه، وأعلنت أنها تنسق مع النقابات والمجتمع المدني وبقية الأطراف السياسية من أجل «تنظيم حوار سياسي وطني حقيقي» ترعاه المركزية النقابية يختلف عن «الحوار الصوري» الذي انطلق أخيراً بمشاركة عشرات الشخصيات السياسية والجامعية، ليس بينها أي ممثل عن «الاتحاد العام التونسي للشغل» وعن الأحزاب الكبرى مثل «قلب تونس» و«النهضة» و«الحزب الدستوري الحر» بزعامة عبير موسي.
- اللجوء إلى المحاكم
ولكن، من بين أخطر عوامل تعقيد المشهد السياسي والاجتماعي الجديد في تونس، تعاقب حالات لجوء الحكومة والقيادات السياسية والنقابية إلى المحاكم. فرئاسة الجمهورية كلفت وزارة العدل برفع قضايا بالجملة ضد 120 برلمانياً، بينهم رئيس البرلمان المنحل راشد الغنوشي، وأخرى ضد شخصيات مستقلة وقيادات في أحزاب الائتلاف البرلماني الحاكم قبل 25 يوليو الماضي، أي «قلب تونس» و«النهضة» و«ائتلاف الكرامة» و«تحيا تونس» ممن يساندون «جبهة الخلاص الوطني».
وفي المقابل، أعلنت زعيمة «الحزب الدستوري الحر» عبير موسي وقياديون من أحزاب الائتلاف الحاكم السابق أنهم رفعوا قضايا عدلية كثيرة ضد رئاسة الجمهورية وعدد من الوزراء بتهم «تجاوز السلطة» و«انتهاك القانون والدستور» و«توظيف موارد الدولة البشرية والمادية لتمرير مشروع تنظيم استفتاء شعبي صوري»، بهدف «تعديل دستور 2014 بالقوة وتغيير النظام السياسي من نظام برلماني معدل إلى نظام رئاسي».
- «الطريق الثالث»
في هذه الأثناء تسعى القيادة النقابية إلى التبرؤ من الاتهامات التي توجهها إليها شخصيات وأحزاب محسوبة على الرئيس سعيّد، بينها تهمة «التحالف مع المعارضة بزعامة حزب النهضة لإجهاض المشروع السياسي الإصلاحي للرئيس». وأعلن الطبوبي ورفاقه في سلسلة من الاجتماعات التحضيرية للإضراب العام أن اتحاد الشغل يدافع عن «الخيار الثالث» الذي يختلف عن مشروعي المعارضة والرئيس سعيّد. ولقد عقّب الرئيس متهكماً على هذا الموقف وعلى الذين اتهمهم بالمناورة، قائلاً: «يتحدثون عن خيار ثالث ورابع وخامس ويعطلون بدورهم الإصلاح». كما ردّ سعيّد على مطالبات المركزية النقابية بصياغة «خارطة طريق سياسية بالتشاور بين كل الأطراف»، مضيفاً: «على الذين يطالبون بخارطة طريق أن يبحثوا عنها في كتب الجغرافيا».
لكن من بين نقاط قوة المركزية النقابية في هذا الصدد، أنها تلقى في الوقت نفسه دعماً من قبل الأحزاب المتناقضة التي أفرزتها انتخابات 2019 البرلمانية، بما في ذلك قيادة (الحزب الدستوري الحر) التي تطور موقفها من مساند لقرارات 25 يوليو إلى معارض شرس لها». كما أعلنت زعيمة الحزب موسي دعمها بقوة لإضرابات القضاة ولمطالب الطبقات الفقيرة التي تتهم حكومات «العشرية الماضية بقيادة حزب الإخوان» بالتسبب فيها... ثم إن الطبوبي استقبل أخيراً موسي ووفداً من قيادة «الحزب الدستوري الحر» بحضور عدد من مساعديه. وأعلنت موسي في هذه المناسبة عن «التحالف التاريخي بين اتحاد الشغل والدستوريين في عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي» رغم تأكيد قيادات النقابات على استقلاليتها عن كل الأحزاب والحكومات.
- مفترق طرقات
ورغم مبادرة مجموعة من الوزراء في حكومة نجلاء بودن بالإعلان عن «خطة شاملة للإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية» خلال المرحلة المقبلة، تتمسك المركزية النقابية بتنظيم الإضراب العام، ومقاطعة مباحثات السلطات مع صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومؤسسات التمويل الأوروبية والعالمي، لتوفير ما تحتاج إليه الدولة من موارد لتمويل ميزانية العام الجاري وتغطية العجز المسجل العام الماضي.
وتتصدّر نقاط الخلاف الرئيسة بين الحكومة واتحاد الشغل على هذا الصعيد منذ 2016، الموقف من صندوق الدعم الذي ارتفعت أعباؤه وأصبحت تناهز ربع ميزانية الدولة، عند احتساب دعم أسعار المحروقات والمواد الغذائية والخدمات الاجتماعية مثل النقل... إلخ. كذلك تعارض النقابات مطلب صندوق النقد الدولي تخفيض حجم الأجور في ميزانية الدولة من أكثر من 15 في المائة حالياً إلى 10 في المائة و«تسريح مئات الآلاف من الموظفين الزائدين»، وبيع المؤسسات العمومية المفلسة... بينها عدد كبير من مؤسسات النقل العمومي والخدمات.
وكان أنور بن قدور، الأمين العام المساعد لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل»، قد ذكر أخيراً أن «الاتحاد» مستعد للمشاركة بـ«شروط» في المباحثات مع صندوق النقد الدولي، غير أنه تمسك بـ«شرعية» الإضراب العام الذي دعا له، والذي فسره أساساً بـ«تعطل الحوار الاجتماعي والسياسي الوطني في البلاد».
وفي السياق نفسه، اتهم الناطق باسم «الاتحاد» سامي الطاهري رئاسة الجمهورية بـ«محاولة دفع البلاد نحو استفتاء صوري» على الدستور، وبتنظيم حوار «فلكلوري» مشروط بموافقة مسبقة على نتائج استشارة إلكترونية نظمتها الحكومة موفى العام الماضي، وأعلنت أن 6 في المائة فقط من الشعب شاركوا فيها. وكانت نتيجة تلك الاستشارة، حسب وزير تكنولوجيا الاتصالات نزار بن ناجي، موافقة «غالبية ساحقة من المشاركين فيها على تغيير النظام السياسي البرلماني المعدل وإبداله بنظام رئاسي».
لكن غالبية قيادات الأحزاب والنقابات تخشى أن يؤدي ذلك إلى إجهاض الديمقراطية التونسية نهائياً والعودة إلى نظام رئاسي يكرس الحكم المطلق للرئيس، على غرار ما كان سائداً في عهدي الرئيسين الحبيب بورقيبة (1956 - 1987) وزين العابدين بن علي (1987 - 2010).
- تخوف وحذر من مستقبل المواجهات
> في ظل دعوة القيادات النقابية التونسية إلى اجتماعات عمالية شعبية ضخمة في عدد من المحافظات، بينها تجمع وطني كبير ينظم، اليوم (السبت)، وسط العاصمة تونس، تعاقبت التصريحات والمبادرات التي تحذر من تعمق الهوة بين السلطة و«الاتحاد العام التونسي للشغل» ومن «سيناريو» تطور الإضرابات والاحتجاجات الاجتماعية إلى صدامات واضطرابات عنيفة اجتماعية سياسية تذكر بتلك التي شهدتها البلاد، أواخر عهدي بورقيبة وبن علي.
وتزداد المخاوف لأن الأزمة الاجتماعية والاقتصادية الحالية تتزامن مع أزمة سياسية شاملة بين الحكومة ومعارضيها من جهة وبينها وبين النقابات ومنظمات القضاة والمجتمع المدني من جهة أخرى. كما يخشى المراقبون من «الانزلاقات الأمنية»، بسبب استفحال الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية للدولة ومعاناة الطبقات الشعبية، لأسباب كثيرة، بينها غياب الاستقرار الحكومي منذ مطلع 2011، ثم مضاعفات جائحة «كوفيد - 19» وحرب أوكرانيا... وتعمق أزمة الثقة داخل مؤسسات الحكم، وبينها وبين المعارضة منذ منعرج 25 يوليو الماضي...
في هذا السياق، أوردت مصادر شبه رسمية أنه من المرتقب أن يصدر رئيس الجمهورية أمراً رئاسياً يسمح بتسخير بعض الأعوان التابعين لعدد من الوزارات والمؤسسات والمنشآت العمومية يوم الإضراب العام لتعويض العمال المضربين. وينص القانون على أن العمال والموظفين الذين لا يحترمون قرارات «التسخير» يتعرضون لعقوبات قد تصل إلى الطرد، بما يوشك أن يفاقم من مخاطر الصدام والعنف. وبالمناسبة، فإن مثل هذا الصدام وارد جداً، كذلك بين لجان حماية الإضراب التي تشكلها النقابات والمجموعات التي سيقع تسخيرها من جهة ومع «تنسيقيات الرئيس» التي تقوم بدورها بحملة واسعة لإفشال الإضراب وإنجاح استفتاء 25 يوليو.
- مصير المفاوضات مع صندوق النقد والبنك الدوليين
> تبدو الأزمة الحالية في تونس أعمق من مجرد خلافات حول مشروع الاستفتاء على الدستور والإضراب العام، حسب الخبير الاقتصادي رضا شكندالي. إذ اعتبر شكندالي أن معضلة حكومة نجلاء بودن الكبرى هي فشلها في استئناف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي ومع البنك الدولي ومع الاتحاد الأوروبي لتوفير نحو نصف موارد ميزانية الدولة لهذا العام، وهذا في حين تشترط كل الأطراف الدولية استئناف تونس فوراً للمسارين الديمقراطي والبرلماني، وتنظيم حوار وطني شامل لا يقصي أي طرف نقابي أو سياسي أو حزبي.
الرئيس قيس سعيّد والمقربون منه رفضوا هذا الشرط. بل اتهم سعيد العواصم الغربية التي تقف وراء التقارير الاقتصادية والسياسية عن تونس، مثل تقارير وكالات التصنيف العالمية ومؤتمر دافوس ولجنة البندقية وصندوق النقد الدولي بـ«التدخل في الشؤون الداخلية للدولة التونسية وبالحنين إلى مرحلة الاحتلال الأجنبي».
رضا شكندالي قال، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن برنامج حكومة نجلاء بودن الإصلاحي «مجرد إعلان نوايا صادقة جداً لصندوق النقد الدولي لاستمالته نحو إمضاء اتفاق مع تونس خلال الأشهر المتبقية من هذه السنة، لكنه ليس مقنعاً». وأردف: «أعتقد أن الحديث عن مفاوضات ممكنة مع صندوق النقد الدولي خلال هذه السنة مضيعة للوقت». ثم علّق قائلاً إنه «لا أثر في البرنامج الإصلاحي للحكومة لمقاومة التضخم المالي، الذي يعد الأولوية القصوى خلال هذه السنة للحفاظ على ما تبقى من المقدرة الشرائية، التي تتطلب التوفيق الكامل بين السياسة النقدية والضرائب والحوار بين نقابات العمال ورجال الأعمال والفلاحين والحكومة»...


مقالات ذات صلة

تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على أمن الدولة»

شمال افريقيا تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على  أمن الدولة»

تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على أمن الدولة»

وجه القطب القضائي لمكافحة الإرهاب طلبا رسميا إلى رئيس الفرع الجهوي للمحامين بتونس لبدء تحقيق ضدّ المحامين بشرى بلحاج حميدة، والعيّاشي الهمّامي، وأحمد نجيب الشابي، ونور الدين البحيري، الموقوف على ذمة قضايا أخرى، وذلك في إطار التحقيقات الجارية في ملف «التآمر على أمن الدولة». وخلفت هذه الدعوة ردود فعل متباينة حول الهدف منها، خاصة أن معظم التحقيقات التي انطلقت منذ فبراير (شباط) الماضي، لم تفض إلى اتهامات جدية. وفي هذا الشأن، قال أحمد نجيب الشابي، رئيس جبهة الخلاص الوطني المعارضة، وأحد أهم رموز النضال السياسي ضد نظام بن علي، خلال مؤتمر صحافي عقدته اليوم الجبهة، المدعومة من قبل حركة النهضة، إنّه لن

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا الرئيس التونسي يؤكد «احترام حرية التعبير»

الرئيس التونسي يؤكد «احترام حرية التعبير»

أعلنت نقابة الصحافيين التونسيين أمس رصد مزيد من الانتهاكات ضد حرية التعبير، مع تعزيز الرئيس قيس سعيد لسلطاته في الحكم، وذلك ردا على نفي الرئيس أول من أمس مصادرة كتب، وتأكيده أن «الحريات لن تهدد أبدا»، معتبرا أن الادعاءات مجرد «عمليات لتشويه تونس». وكان سحب كتاب «فرانكشتاين تونس» للروائي كمال الرياحي من معرض تونس الدولي للكتاب قد أثار جدلا واسعا في تونس، وسط مخاوف من التضييق على حرية الإبداع. لكن الرئيس سعيد فند ذلك خلال زيارة إلى مكتبة الكتاب بشارع الحبيب بورقيبة وسط تونس العاصمة قائلا: «يقولون إن الكتاب تم منعه، لكنه يباع في مكتبة الكتاب في تونس...

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

بعد مصادقة البرلمان التونسي المنبثق عن انتخابات 2022، وما رافقها من جدل وقضايا خلافية، أبرزها اتهام أعضاء البرلمان بصياغة فصول قانونية تعزز مصالحهم الشخصية، وسعي البرلمانيين لامتلاك الحصانة البرلمانية لما تؤمِّنه لهم من صلاحيات، إضافة إلى الاستحواذ على صلاحيات مجلس الجهات والأقاليم (الغرفة النيابية الثانية)، وإسقاط صلاحية مراقبة العمل الحكومي، يسعى 154 نائباً لتشكيل كتل برلمانية بهدف خلق توازنات سياسية جديدة داخل البرلمان الذي يرأسه إبراهيم بودربالة، خلفاً للبرلمان المنحل الذي كان يرأسه راشد الغنوشي رئيس حركة «النهضة». ومن المنتظر حسب النظام الداخلي لعمل البرلمان الجديد، تشكيل كتل برلمانية قبل

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا تونس: الشركاء الأجانب أصدقاؤنا... لكن الاستقرار خط أحمر

تونس: الشركاء الأجانب أصدقاؤنا... لكن الاستقرار خط أحمر

أكد وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج نبيل عمار أمس، الاثنين، أنه لا مجال لإرساء ديكتاتورية في تونس في الوقت الحالي، مشيراً إلى أن التونسيين «لن ينتظروا أي شخص أو شريك للدفاع عن حرياتهم»، وفق ما جاء في تقرير لـ«وكالة أنباء العالم العربي». وأشار التقرير إلى أن عمار أبلغ «وكالة تونس أفريقيا للأنباء» الرسمية قائلاً: «إذا اعتبروا أنهم مهددون، فسوف يخرجون إلى الشوارع بإرادتهم الحرة للدفاع عن تلك الحريات». وتتهم المعارضة الرئيس التونسي قيس سعيد بوضع مشروع للحكم الفردي، وهدم مسار الانتقال الديمقراطي بعد أن أقر إجراءات استثنائية في 25 يوليو (تموز) 2021 من بينها حل البرلمان.

المنجي السعيداني (تونس)

قرارات «الإغلاق المبكّر» بمصر تُدخل عُمال المساء في «دائرة الخطر»

الحكومة المصرية قررت إغلاق المقاهي والكافيهات مبكراً ابتداء من السبت (وزارة التنمية المحلية)
الحكومة المصرية قررت إغلاق المقاهي والكافيهات مبكراً ابتداء من السبت (وزارة التنمية المحلية)
TT

قرارات «الإغلاق المبكّر» بمصر تُدخل عُمال المساء في «دائرة الخطر»

الحكومة المصرية قررت إغلاق المقاهي والكافيهات مبكراً ابتداء من السبت (وزارة التنمية المحلية)
الحكومة المصرية قررت إغلاق المقاهي والكافيهات مبكراً ابتداء من السبت (وزارة التنمية المحلية)

يخشى طارق صدقة، العامل بأحد مقاهي ضاحية الدقي في محافظة الجيزة المصرية، من خسارة غالبية «البقشيش» (دخله الإضافي) الذي يحصل عليه بشكل يومي من عمله، بعد دخول قرار الحكومة بـ«الإغلاق المبكر» للمحال والمقاهي ودور العرض السينمائي حيز التنفيذ مساء السبت.

ويقول صدقة لـ«الشرق الأوسط» إن المقهى الشعبي الذي يعمل فيه لا يشهد ازدحاماً إلا في المساء، وتحديداً من بعد الساعة الثامنة مساءً، وهو ما يعني أن أمامه أقل من ساعة قبل مواعيد الإغلاق الرسمية. ويلفت إلى أن «سلطات حي الدقي تشدد الإجراءات على المقاهي بضرورة الإغلاق في الموعد المحدد».

ولا يخفي الشاب العشريني، الذي يسعى للزواج العام المقبل، مخاوفه من إطالة أمد القرارات الحكومية وتأثيرها على دخله بعدما سيكون مضطراً للعودة مبكراً لمنزله، في حين ستتقلص ساعات عمله في المقهى التي تبدأ من الخامسة مساءً وتنتهي في الواحدة من صباح اليوم التالي، وبذلك يكون مهدداً في عمله ويدخل «دائرة الخطر، وقد يترك عمله». لكنه يشير إلى أن صاحب المقهى لم يحدثه حتى الآن حول تخفيض راتبه الذي لا يتجاوز 4 آلاف جنيه (الدولار يساوي 52.3 جنيه في البنوك).

وجددت «إجراءات ترشيد الطاقة» التي تستمر لمدة شهر واحد، وتتضمن غلق المحال العامة وقاعات الأفراح والمولات التجارية والأنشطة كافة باستثناء القطاعات السياحية، المخاوف بشأن مصير «عمالة الدوام المسائي» في مصر، مع اعتماد عديد من المحال على العمل حتى الساعات الأولى من الصباح، لا سيما في القاهرة الكبرى.

استثناء المحال والمدن السياحية من قرار «الإغلاق المبكر» في مصر (محافظة جنوب سيناء)

ولا يختلف الوضع كثيراً بالنسبة للثلاثيني محمد كامل، الذي يعمل في إحدى دور العرض السينمائي بمنطقة 6 أكتوبر بالجيزة، والتي ستغلق أبوابها مبكراً بسبب القرار، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «القرار سيؤثر على (دخله الإضافي) الذي يحصل عليه باعتبار أن زبائن الحفلات المسائية أكثر سخاءً من زبائن الحفلات الصباحية التي تعتمد على الطلبة». وتحدث عن مخاوف لديه ولدى زملائه بشأن إمكانية الاستغناء عنهم بسبب «الإغلاق المبكر»، وإمكانية اعتماد «الصالة» على وردية عمل واحدة وليس اثنتين كما هو الحال الآن.

أما الخمسيني سيد طه، صاحب أحد محال الحلويات في الدقي، فقرر تعديل مواعيد العمل لتبدأ من العاشرة صباحاً بدلاً من الثانية عشرة ظهراً، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «بعض العمال لديه سيتقاضون رواتب أقل بسبب صعوبة توفيق مواعيد عملهم الجديدة مع أعمالهم الأخرى؛ لأن كلاً منهم لديه عمل آخر، وتم إخبارهم بذلك».

وتطبق الحكومة المصرية القرارات بسبب تداعيات الحرب الإيرانية التي دفعت لاتخاذ إجراءات عدة، منها زيادة أسعار المحروقات بنسب تجاوزت 30 في المائة منتصف الشهر الحالي، بالإضافة إلى رفع أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة».

لكن عضو مجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، أحمد علاء فايد، عدّ قرار الحكومة بالإغلاق المبكر «متسرعاً» حتى مع تفهم الحاجة لترشيد الطاقة في الوقت الحالي، ويشير إلى أن الدولة المصرية لديها مخزون واحتياطي استراتيجي آمن لعدة شهور، و«قرارات الترشيد» التي اتخذتها الحكومة «استباقية»، وبها قدر كبير من التحوط الذي لا يتناسب مع تطورات الأحداث بسبب الحرب الإيرانية.

ويضيف فايد لـ«الشرق الأوسط» أن «المقاهي والكافيهات ودور العرض السينمائي تعد الأكثر تأثراً؛ لأن غالبية عملها تتم ليلاً، الأمر الذي سيكون له تأثير على العمالة لديهم، والتي إما سيتم تخفيض أجورها لتقليل عدد ساعات العمل، أو الاستغناء عنها بشكل كامل لحين العودة للمواعيد الطبيعية، وهو ما يعرض هؤلاء العمالة للخطر الاقتصادي من دون البحث عن بدائل لهم». ويشكك في قدرة الحكومة على الإلزام بالتطبيق الكامل لقرارات «الإغلاق المبكر» في ربوع البلاد.

المقاهي والكافيهات ودور العرض السينمائي الأكثر تضرراً من القرار الحكومي (وزارة التموين)

في المقابل، يعتبر أستاذ التمويل والاستثمار بكلية التجارة في جامعة القاهرة، كريم يحيى، قرار «الإغلاق المبكر» ضرورياً، وليس مجرد «تنظيم إداري لحركة الأسواق». ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن القرار يرتبط بشكل مباشر بملف ترشيد استهلاك الطاقة، خاصة في ظل الضغوط المتزايدة على موارد الوقود وتكلفتها الدولارية.

وبحسب يحيى، فإن قرارات «الترشيد» الحكومية «تسهم بصورة غير مباشرة في احتواء الضغوط التضخمية».

ويفسر أن «تكلفة الطاقة تُعد عنصراً رئيسياً في هيكل تكاليف التشغيل والإنتاج، وأي خفض فيها يحد من انتقال الضغوط إلى أسعار السلع والخدمات. ومن ثم، فإن هذه الإجراءات يمكن اعتبارها أداة استباقية لتجنب موجات تضخم جديدة، في وقت تسعى فيه الدولة إلى استعادة الاستقرار السعري».

لكن يحيى يشدد على «ضرورة عدم إغفال التأثيرات السلبية على بعض الأنشطة، خاصة المقاهي التي تعتمد بشكل كبير على الذروة الليلية، فضلاً عن العمالة المرتبطة بنظام الورديات المسائية».

في غضون ذلك، قرر رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، السبت، تفعيل منظومة العمل عن بُعد يوم الأحد أسبوعياً اعتباراً من الأسبوع المقبل لأجهزة الدولة باستثناء القطاعات الخدمية والإنتاجية، ويؤكد أن «هذه الخطوة تأتي ضمن خطة الحكومة لتقليل استهلاك الطاقة وتعزيز مرونة العمل».


موريتانيا تلوّح باللجوء للقانون الدولي بعد مقتل مواطنيها في مالي

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (رئاسة الجمهورية الإسلامية الموريتانية)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (رئاسة الجمهورية الإسلامية الموريتانية)
TT

موريتانيا تلوّح باللجوء للقانون الدولي بعد مقتل مواطنيها في مالي

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (رئاسة الجمهورية الإسلامية الموريتانية)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (رئاسة الجمهورية الإسلامية الموريتانية)

قال الرئيس الموريتاني، محمد ولد الشيخ الغزواني، إن الجيش موجود على الحدود مع دولة مالي، رافضاً أي انجرار وراء ما سماه «الاستفزاز»، وذلك بعد مقتل مواطنين موريتانيين داخل أراضي مالي، وتتهم مصادر محلية الجيش المالي بالتورط في مقتلهم.

وقال ولد الغزواني خلال اجتماع، أمس (الجمعة)، بقادة الأحزاب السياسية في القصر الرئاسي، إن «موريتانيا ستحمي حدودها بصرامة، والقوات المسلحة تنتشر على طول الحدود، وتؤمنها بشكل تام، مستخدمة كل الوسائل الضرورية».

وأضاف ولد الغزواني أن دولة مالي «تمر بظرفية خاصة، ويسود فيها عدم الاستقرار، وتنتشر بسبب انتشار الحركات المسلحة»، وأوضح أنه نظراً لهذه الأوضاع «سبق أن حذرت الحكومة المواطنين على الحدود من دخول مالي».

وفي سياق الرد على أصوات غاضبة في موريتانيا دعت إلى التصعيد ضد مالي، قال ولد الغزواني إن «موريتانيا لن تقبل الانجرار وراء الاستفزازات»، مشيراً إلى أنه «إذا كان هناك من يرى أن الدخول في مواجهة مسلحة مع مالي يمكن أن يحل المشكل، فإننا نعتقدُ أنه سيعقد الأوضاع أكثر».

وتأتي تصريحات الرئيس الموريتاني بعد مقتل سبعة موريتانيين على الأقل داخل أراضي مالي، بعد ساعات من التوقيف لدى وحدة من الجيش المالي، وتشير مصادر محلية إلى أن عدد القتلى ثمانية، و«ربما يكون أكثر».

في غضون ذلك، أصدرت وزارة الخارجية الموريتانية بياناً، مساء (الجمعة)، أعربت فيه عن «بالغ استنكارها وعميق انشغالها إزاء التطورات الأمنية الخطيرة التي وقعت مؤخراً على الأراضي المالية، بالقرب من الحدود، التي أودت بحياة عدد من المواطنين الموريتانيين».

من لقاء الرئيس الموريتاني بقادة الأحزاب السياسية أمس الجمعة (رئاسة الجمهورية الإسلامية الموريتانية)

وجاء في البيان: «تدين الجمهورية الإسلامية الموريتانية بأقصى درجات الحزم هذه الأعمال غير المقبولة، مجددة التأكيد على أن حماية مواطنيها تمثل خطاً أحمر»، قبل أن تدعو سلطات مالي إلى «وضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة، التي تستهدف الموريتانيين في مالي منذ أربع سنوات».

وأضافت الحكومة الموريتانية أنها تحث سلطات مالي «على تحمل كامل مسؤولياتها، من خلال إجراء تحقيقات عاجلة شفافة وذات مصداقية، تفضي إلى كشف مرتكبي هذه الأفعال واتخاذ جميع التدابير الكفيلة بحماية المدنيين».

وأكدت الحكومة الموريتانية أن «التمادي في مثل هذه الأعمال من شأنه أن يرتّب المسؤولية الدولية على السلطات المعنية»، ملوحة في السياق ذاته باللجوء إلى القانون الدولي، وقالت: «وإذ تؤكد السلطات الموريتانية من جديد تشبثها بالحوار والتعاون الإقليمي وتعزيز الاستقرار، فإنها تشدد على أن أمن مواطنيها يظل ضرورة أساسية لا يمكن التساهل بشأنها، كما تحتفظ بحقها في اتخاذ جميع التدابير المناسبة وفقاً للقانون الدولي».

ولم يصدر أي تعليق رسمي من الحكومة أو الجيش في مالي على الحوادث الأخيرة، فيما تشهد الحدود بين البلدين تصاعداً في التوتر منذ سنوات، بسبب عملية عسكرية واسعة بدأها الجيش المالي، منذ سنوات للقضاء على معاقل تنظيم «القاعدة» في محافظات محاذية للحدود مع موريتانيا.

وتنشطُ في وسط وغرب مالي، وصولاً إلى الحدود مع موريتانيا والسنغال، Jـ«جبهة تحرير ماسينا»، وهي إحدى أذرع «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» الموالية لتنظيم «القاعدة»، وهي الجبهة نفسها التي حاصرت باماكو العام الماضي ومنعت وصول الوقود.

Your Premium trial has ended


الغاز الجزائري... بين تهافت العواصم الأوروبية ومحدودية الإمدادات

منشأة غازية بشمال الجزائر (وزارة الطاقة)
منشأة غازية بشمال الجزائر (وزارة الطاقة)
TT

الغاز الجزائري... بين تهافت العواصم الأوروبية ومحدودية الإمدادات

منشأة غازية بشمال الجزائر (وزارة الطاقة)
منشأة غازية بشمال الجزائر (وزارة الطاقة)

تشهد إمدادات الطاقة حالة من الارتباك الشديد، بسبب اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران التي هزت أركان سوق الغاز العالمية. وفي ظل هذا السياق الدولي المتوتر، وجدت الجزائر نفسها، بوصفها رائدة إنتاج الغاز في أفريقيا والعاشرة عالمياً، في قلب استقطاب دولي غير مسبوق؛ ومع تزايد التهافت الأوروبي على مواردها، تبرز إشكالية، وتساؤلات حقيقية: هل تتماشى قدرات الجزائر الإنتاجية وبنيتها التحتية مع سقف هذه التطلعات؟

تهافت على الغاز الجزائري

في خضم حراك دبلوماسي لافت، استقبلت الجزائر خلال أسبوع واحد مسؤولين من كبار الشركاء الأوروبيين؛ فمن زيارة رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني في بدايته، إلى زيارة وزير خارجية إسبانيا خوسيه مانويل ألباريس في ختامه، كان «طلب زيادة إمدادات الغاز» القاسم المشترك في أجندتي إيطاليا وإسبانيا، في ظل تزايد الاعتماد الأوروبي على الموارد الطاقوية الجزائرية.

رئيسة وزراء إيطاليا خلال لقائها بالرئيس الجزائري (الرئاسة الجزائرية)

وجاءت هذه التحركات في سياق التصعيد الذي تشهده الحرب الأميركية الإسرائيلية-الإيرانية، حيث تعرض مجمع «رأس لفان» في قطر، وهو أكبر موقع لإنتاج الغاز الطبيعي المسال في العالم، لضربات عسكرية مباشرة، ما أثار مخاوف دولية فورية من حدوث شلل في سلاسل إمداد الطاقة العالمية، وارتفاع قياسي في الأسعار.

وفي خضم هذه التطورات ستقوم الجزائر وإسبانيا بتعزيز شراكتهما الاستراتيجية في مجال الطاقة، باعتبار أن الجزائر تعد «مورداً غازياً مستقراً وموثوقاً وثابتاً»؛ بحسب خوسيه مانويل ألباريس، الذي وصف الجزائر بأنها «شريك تجاري استراتيجي». علماً بأن الجزائر تتربع منذ ثلاث سنوات على عرش موردي الغاز لمدريد، بفضل خط أنابيب الغاز الذي يربط البلدين مباشرة.

وقبلها بيومين فقط، التقت ميلوني بالرئيس تبون، وأعلنت عن تعاون معزز عبر «العمل على جبهات جديدة، مثل غاز الصخر الزيتي (الغاز الصخري)، أو التنقيب في عرض البحر». وتمتلك إيطاليا هي الأخرى خط أنابيب غاز مباشراً يربطها بالجزائر.

وزير خارجية إسبانيا لدى استقباله من طرف الرئيس الجزائري (الرئاسة الجزائرية)

وفي ظل التأثر الشديد للاتحاد الأوروبي بالقفزة النوعية في أسعار الغاز، تسعى دول الاتحاد جاهدة لتأمين إمداداتها. واليوم يمثل الغاز الجزائري نسبة 12 في المائة من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي.

«الثقب الأسود»

مع أن الجزائر تملك مرونة معينة في إدارة أحجام صادراتها، إلا أن قدراتها المتاحة لا تؤهلها لتعويض النقص الناجم عن خروج الإنتاج القطري من السوق، وفق خبراء في ميدان الطاقة. ويأتي هذا العجز الهيكلي مدفوعاً بتنامي الاستهلاك المحلي المتسارع، خاصة في قطاع إنتاج الكهرباء الذي يستنزف جزءاً كبيراً من الموارد الغازية الوطنية.

منشأة غازية بصحراء الجزائر (شركة سوناطراك الجزائرية)

في هذا الموضوع كتب الصحافي الجزائري المتخصص في شؤون الطاقة، إحسان قاضي، عن المشكلات التي تواجه أوروبا حالياً جراء الانقطاع في إمدادات الغاز الطبيعي، موضحاً أن ذلك يحدث للمرة الثانية خلال أربع سنوات، أي بعد المرة الأولى إثر اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022. وقال بهذا الخصوص، مشيراً ضمناً إلى طلب إيطاليا وإسبانيا مزيداً من الإمدادات بالغاز الجزائري: «نحن أمام خطر مزمن يضرب مفاصل هذه الصناعة، فللمرة الثانية في غضون أربع سنوات يهرع الزبائن الأوروبيون إلى شركة (سوناطراك) (الجزائرية المملوكة للدولة) طلباً لإمدادات طارئة إضافية؛ إلا أن الجزائر، وللمرة الثانية أيضاً، لا تملك إلا أن تقدم مساعدة محدودة، بسبب نقص الكميات المتاحة للتصدير».

المفوضة الأوروبية للطاقة أثناء زيارتها الجزائر في أكتوبر 2022 (رئاسة الوزراء الجزائرية)

ويشرح الصحافي، الذي يسير موقع «ماغرب إيمرجنت» الإخباري المتخصص في الاقتصاد، موقفه قائلاً: «لقد كان استنزاف حقل حاسي الرمل (أكبر حقل للغاز الطبيعي في أفريقيا ومن بين أضخم الحقول العالمية، يقع في مدخل صحراء الجزائر) معلوماً منذ أمد بعيد، وتتوالى استثمارات تعزيز الضغط لمنع هذا الحقل العملاق، الذي ضخ 80 مليار متر مكعب سنوياً لنصف قرن، من الهبوط تحت عتبة 60 مليار متر مكعب سنوياً. فهل يكمن الخلل في تأخر تطوير المقاطعة الغازية الجديدة في الجنوب الغربي، والتي يُفترض أن تضخ اليوم ما بين 10 إلى 12 مليار متر مكعب؟».

وفي تقدير الصحافي تعد هذه العوارض جزءاً من تعقيدات هذه الصناعة، خاصة عندما يتعلق الأمر بحقول متناثرة فوق مساحة شاسعة يجب ربطها بمركز حاسي الرمل.

وأضاف قاضي أن ذلك «يعزى جزئياً إلى الطفرة في الاستهلاك المحلي الذي بات يقارع عتبة الـ55 مليار متر مكعب المصدرة في عام 2024. ففي يوليو (تموز) 2025 بلغت شبكة الكهرباء ذروة تاريخية بطلب تخطى حاجز الـ20 غيغاواط؛ مما يؤكد أن توليد الطاقة أضحى الثقب الأسود الذي يبتلع حصصاً ضخمة من الغاز الطبيعي. وأمام معدلات الهدر الطاقوي، والمنزلي، والمهني التي تُصنف ضمن الأعلى عالمياً بفعل سياسة الأسعار المدعومة، يبرز كبح الاستهلاك كأكبر حقل غاز نائم يمكن للجزائر استغلاله لتوفير فوائض التصدير».

إمكانات متوفرة لكن بفاعلية محدودة

يبقى السؤال مطروحاً: هل الجزائر قادرة على ضخ مزيد من الغاز لشركائها الأوروبيين في أمد قريب؟

يجيب وزير الطاقة ومدير «سوناطراك» سابقاً، عبد المجيد عطار، في مقال نشره قبل اندلاع الصراع الحالي في الشرق الأوسط: «بعض قدرات التصدير غير مستغلة بالكامل، حيث تعمل وحدات تسييل الغاز الطبيعي في الجزائر بنسبة تتراوح بين 50 و60 في المائة فقط من طاقتها الإجمالية. وهذا يعني، من الناحية الفنية، أن الجزائر لا تزال بإمكانها زيادة صادراتها على المدى القصير، عبر تحسين أداء بنيتها التحتية القائمة، ولا سيما في قطاع الغاز الطبيعي المسال».

الصحافي إحسان القاضي (الشرق الأوسط)

ومع ذلك يشدد عطار على وجود قيود واضحة، إذ تكاد قدرات التصدير الإجمالية، حسب قوله، تصل إلى مرحلة التشبع نتيجة عدة عوامل، أبرزها تنامي الاستهلاك الداخلي، ونقص الاستثمارات الكافية، والحاجة الملحة لتحديث البنية التحتية. كما يوضح أن الجزائر تنتج حالياً بمستويات تقترب من أقصى طاقاتها المتاحة.

كما يرى أن ثمة معضلة هيكلية كبرى تتمثل في أن جزءاً كبيراً من الغاز المنتج يستهلك محلياً، أو يستخدم ضمن النظام الطاقوي نفسه (في عمليات الضغط والتسييل وغيرها)، مما يقلص الحجم الموجه للتصدير. ويخلص عطار إلى أن الجزائر يمكنها بالفعل زيادة صادراتها من الغاز بشكل طفيف، خاصة على المدى القصير، من خلال تحسين استغلال المنشآت الحالية، غير أن أي زيادة كبيرة ومستدامة تظل مرهونة بضخ استثمارات جديدة، ورفع مستويات الإنتاج، وضمان إدارة أفضل للاستهلاك الداخلي.

مسارات الطاقة والسياسة

في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أكّد وزير الطاقة الجزائري، محمد عرقاب (يشغل حالياً منصب وزير المحروقات والمناجم)، خلال فعاليات النسخة الخامسة من «يوم الطاقة الجزائري–الألماني»، أن الجزائر ماضية في الاستثمار في قطاع الغاز ضمن استراتيجيتها للتنمية المستدامة، مشدداً على أن التوجّه نحو الطاقات البديلة لا يعني الاستغناء عن الغاز الطبيعي.

كما أوضح عرقاب أن بلاده ضخت استثمارات معتبرة في مجالات استكشاف وإنتاج النفط والغاز، إلى جانب تطوير البنية التحتية بهدف تعزيز أمن الطاقة، والمساهمة في تلبية الطلب العالمي. مؤكداً أن ضمان استمرارية هذه الاستثمارات يستدعي امتلاك رؤية واضحة حول تطور الطلب الدولي، وفهماً دقيقاً لاحتياجات السوق، بما يكفل توفير إمدادات طاقوية موثوقة على المدى البعيد.

وعقب فترة وجيزة من اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا، استقبلت الجزائر عدداً من كبار المسؤولين الأوروبيين الذين ناقشوا مع قيادتها سبل تعويض الإمدادات الروسية من الغاز. وخلال عام 2022، زار الجزائر كلّ من رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال، والمفوضة الأوروبية للطاقة كادري سيمسون، والممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية جوزيب بوريل. كما قام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني بزيارات رسمية إلى الجزائر على رأس وفود رفيعة، ركّزت على تعزيز التعاون الثنائي، خاصة في مجالات الطاقة، والأمن، والاقتصاد.

بعض كوادر شركة «سوناطراك» في منشأة للمحروقات (سوناطراك)

وترتبط الجزائر بأوروبا عبر خطي أنابيب رئيسين لنقل الغاز، هما «ميدغاز» نحو إسبانيا، و«ترانسميد» باتجاه إيطاليا. في المقابل، تم إغلاق خط «جي إم إي» الذي كان يمر عبر المغرب نحو إسبانيا، وذلك في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، عقب قرار الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الرباط.