الغاز الجزائري... بين تهافت العواصم الأوروبية ومحدودية الإمدادات

بعد أن تحول البلد إلى البديل الموثوق به في زمن الاضطرابات الطاقوية

منشأة غازية بشمال الجزائر (وزارة الطاقة)
منشأة غازية بشمال الجزائر (وزارة الطاقة)
TT

الغاز الجزائري... بين تهافت العواصم الأوروبية ومحدودية الإمدادات

منشأة غازية بشمال الجزائر (وزارة الطاقة)
منشأة غازية بشمال الجزائر (وزارة الطاقة)

تشهد إمدادات الطاقة حالة من الارتباك الشديد، بسبب اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران التي هزت أركان سوق الغاز العالمية. وفي ظل هذا السياق الدولي المتوتر، وجدت الجزائر نفسها، بوصفها رائدة إنتاج الغاز في أفريقيا والعاشرة عالمياً، في قلب استقطاب دولي غير مسبوق؛ ومع تزايد التهافت الأوروبي على مواردها، تبرز إشكالية، وتساؤلات حقيقية: هل تتماشى قدرات الجزائر الإنتاجية وبنيتها التحتية مع سقف هذه التطلعات؟

تهافت على الغاز الجزائري

في خضم حراك دبلوماسي لافت، استقبلت الجزائر خلال أسبوع واحد مسؤولين من كبار الشركاء الأوروبيين؛ فمن زيارة رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني في بدايته، إلى زيارة وزير خارجية إسبانيا خوسيه مانويل ألباريس في ختامه، كان «طلب زيادة إمدادات الغاز» القاسم المشترك في أجندتي إيطاليا وإسبانيا، في ظل تزايد الاعتماد الأوروبي على الموارد الطاقوية الجزائرية.

رئيسة وزراء إيطاليا خلال لقائها بالرئيس الجزائري (الرئاسة الجزائرية)

وجاءت هذه التحركات في سياق التصعيد الذي تشهده الحرب الأميركية الإسرائيلية-الإيرانية، حيث تعرض مجمع «رأس لفان» في قطر، وهو أكبر موقع لإنتاج الغاز الطبيعي المسال في العالم، لضربات عسكرية مباشرة، ما أثار مخاوف دولية فورية من حدوث شلل في سلاسل إمداد الطاقة العالمية، وارتفاع قياسي في الأسعار.

وفي خضم هذه التطورات ستقوم الجزائر وإسبانيا بتعزيز شراكتهما الاستراتيجية في مجال الطاقة، باعتبار أن الجزائر تعد «مورداً غازياً مستقراً وموثوقاً وثابتاً»؛ بحسب خوسيه مانويل ألباريس، الذي وصف الجزائر بأنها «شريك تجاري استراتيجي». علماً بأن الجزائر تتربع منذ ثلاث سنوات على عرش موردي الغاز لمدريد، بفضل خط أنابيب الغاز الذي يربط البلدين مباشرة.

وقبلها بيومين فقط، التقت ميلوني بالرئيس تبون، وأعلنت عن تعاون معزز عبر «العمل على جبهات جديدة، مثل غاز الصخر الزيتي (الغاز الصخري)، أو التنقيب في عرض البحر». وتمتلك إيطاليا هي الأخرى خط أنابيب غاز مباشراً يربطها بالجزائر.

وزير خارجية إسبانيا لدى استقباله من طرف الرئيس الجزائري (الرئاسة الجزائرية)

وفي ظل التأثر الشديد للاتحاد الأوروبي بالقفزة النوعية في أسعار الغاز، تسعى دول الاتحاد جاهدة لتأمين إمداداتها. واليوم يمثل الغاز الجزائري نسبة 12 في المائة من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي.

«الثقب الأسود»

مع أن الجزائر تملك مرونة معينة في إدارة أحجام صادراتها، إلا أن قدراتها المتاحة لا تؤهلها لتعويض النقص الناجم عن خروج الإنتاج القطري من السوق، وفق خبراء في ميدان الطاقة. ويأتي هذا العجز الهيكلي مدفوعاً بتنامي الاستهلاك المحلي المتسارع، خاصة في قطاع إنتاج الكهرباء الذي يستنزف جزءاً كبيراً من الموارد الغازية الوطنية.

منشأة غازية بصحراء الجزائر (شركة سوناطراك الجزائرية)

في هذا الموضوع كتب الصحافي الجزائري المتخصص في شؤون الطاقة، إحسان قاضي، عن المشكلات التي تواجه أوروبا حالياً جراء الانقطاع في إمدادات الغاز الطبيعي، موضحاً أن ذلك يحدث للمرة الثانية خلال أربع سنوات، أي بعد المرة الأولى إثر اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022. وقال بهذا الخصوص، مشيراً ضمناً إلى طلب إيطاليا وإسبانيا مزيداً من الإمدادات بالغاز الجزائري: «نحن أمام خطر مزمن يضرب مفاصل هذه الصناعة، فللمرة الثانية في غضون أربع سنوات يهرع الزبائن الأوروبيون إلى شركة (سوناطراك) (الجزائرية المملوكة للدولة) طلباً لإمدادات طارئة إضافية؛ إلا أن الجزائر، وللمرة الثانية أيضاً، لا تملك إلا أن تقدم مساعدة محدودة، بسبب نقص الكميات المتاحة للتصدير».

المفوضة الأوروبية للطاقة أثناء زيارتها الجزائر في أكتوبر 2022 (رئاسة الوزراء الجزائرية)

ويشرح الصحافي، الذي يسير موقع «ماغرب إيمرجنت» الإخباري المتخصص في الاقتصاد، موقفه قائلاً: «لقد كان استنزاف حقل حاسي الرمل (أكبر حقل للغاز الطبيعي في أفريقيا ومن بين أضخم الحقول العالمية، يقع في مدخل صحراء الجزائر) معلوماً منذ أمد بعيد، وتتوالى استثمارات تعزيز الضغط لمنع هذا الحقل العملاق، الذي ضخ 80 مليار متر مكعب سنوياً لنصف قرن، من الهبوط تحت عتبة 60 مليار متر مكعب سنوياً. فهل يكمن الخلل في تأخر تطوير المقاطعة الغازية الجديدة في الجنوب الغربي، والتي يُفترض أن تضخ اليوم ما بين 10 إلى 12 مليار متر مكعب؟».

وفي تقدير الصحافي تعد هذه العوارض جزءاً من تعقيدات هذه الصناعة، خاصة عندما يتعلق الأمر بحقول متناثرة فوق مساحة شاسعة يجب ربطها بمركز حاسي الرمل.

وأضاف قاضي أن ذلك «يعزى جزئياً إلى الطفرة في الاستهلاك المحلي الذي بات يقارع عتبة الـ55 مليار متر مكعب المصدرة في عام 2024. ففي يوليو (تموز) 2025 بلغت شبكة الكهرباء ذروة تاريخية بطلب تخطى حاجز الـ20 غيغاواط؛ مما يؤكد أن توليد الطاقة أضحى الثقب الأسود الذي يبتلع حصصاً ضخمة من الغاز الطبيعي. وأمام معدلات الهدر الطاقوي، والمنزلي، والمهني التي تُصنف ضمن الأعلى عالمياً بفعل سياسة الأسعار المدعومة، يبرز كبح الاستهلاك كأكبر حقل غاز نائم يمكن للجزائر استغلاله لتوفير فوائض التصدير».

إمكانات متوفرة لكن بفاعلية محدودة

يبقى السؤال مطروحاً: هل الجزائر قادرة على ضخ مزيد من الغاز لشركائها الأوروبيين في أمد قريب؟

يجيب وزير الطاقة ومدير «سوناطراك» سابقاً، عبد المجيد عطار، في مقال نشره قبل اندلاع الصراع الحالي في الشرق الأوسط: «بعض قدرات التصدير غير مستغلة بالكامل، حيث تعمل وحدات تسييل الغاز الطبيعي في الجزائر بنسبة تتراوح بين 50 و60 في المائة فقط من طاقتها الإجمالية. وهذا يعني، من الناحية الفنية، أن الجزائر لا تزال بإمكانها زيادة صادراتها على المدى القصير، عبر تحسين أداء بنيتها التحتية القائمة، ولا سيما في قطاع الغاز الطبيعي المسال».

الصحافي إحسان القاضي (الشرق الأوسط)

ومع ذلك يشدد عطار على وجود قيود واضحة، إذ تكاد قدرات التصدير الإجمالية، حسب قوله، تصل إلى مرحلة التشبع نتيجة عدة عوامل، أبرزها تنامي الاستهلاك الداخلي، ونقص الاستثمارات الكافية، والحاجة الملحة لتحديث البنية التحتية. كما يوضح أن الجزائر تنتج حالياً بمستويات تقترب من أقصى طاقاتها المتاحة.

كما يرى أن ثمة معضلة هيكلية كبرى تتمثل في أن جزءاً كبيراً من الغاز المنتج يستهلك محلياً، أو يستخدم ضمن النظام الطاقوي نفسه (في عمليات الضغط والتسييل وغيرها)، مما يقلص الحجم الموجه للتصدير. ويخلص عطار إلى أن الجزائر يمكنها بالفعل زيادة صادراتها من الغاز بشكل طفيف، خاصة على المدى القصير، من خلال تحسين استغلال المنشآت الحالية، غير أن أي زيادة كبيرة ومستدامة تظل مرهونة بضخ استثمارات جديدة، ورفع مستويات الإنتاج، وضمان إدارة أفضل للاستهلاك الداخلي.

مسارات الطاقة والسياسة

في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أكّد وزير الطاقة الجزائري، محمد عرقاب (يشغل حالياً منصب وزير المحروقات والمناجم)، خلال فعاليات النسخة الخامسة من «يوم الطاقة الجزائري–الألماني»، أن الجزائر ماضية في الاستثمار في قطاع الغاز ضمن استراتيجيتها للتنمية المستدامة، مشدداً على أن التوجّه نحو الطاقات البديلة لا يعني الاستغناء عن الغاز الطبيعي.

كما أوضح عرقاب أن بلاده ضخت استثمارات معتبرة في مجالات استكشاف وإنتاج النفط والغاز، إلى جانب تطوير البنية التحتية بهدف تعزيز أمن الطاقة، والمساهمة في تلبية الطلب العالمي. مؤكداً أن ضمان استمرارية هذه الاستثمارات يستدعي امتلاك رؤية واضحة حول تطور الطلب الدولي، وفهماً دقيقاً لاحتياجات السوق، بما يكفل توفير إمدادات طاقوية موثوقة على المدى البعيد.

وعقب فترة وجيزة من اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا، استقبلت الجزائر عدداً من كبار المسؤولين الأوروبيين الذين ناقشوا مع قيادتها سبل تعويض الإمدادات الروسية من الغاز. وخلال عام 2022، زار الجزائر كلّ من رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال، والمفوضة الأوروبية للطاقة كادري سيمسون، والممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية جوزيب بوريل. كما قام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني بزيارات رسمية إلى الجزائر على رأس وفود رفيعة، ركّزت على تعزيز التعاون الثنائي، خاصة في مجالات الطاقة، والأمن، والاقتصاد.

بعض كوادر شركة «سوناطراك» في منشأة للمحروقات (سوناطراك)

وترتبط الجزائر بأوروبا عبر خطي أنابيب رئيسين لنقل الغاز، هما «ميدغاز» نحو إسبانيا، و«ترانسميد» باتجاه إيطاليا. في المقابل، تم إغلاق خط «جي إم إي» الذي كان يمر عبر المغرب نحو إسبانيا، وذلك في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، عقب قرار الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الرباط.


مقالات ذات صلة

الجزائر تقرر إعادة تفعيل معاهدة الصداقة مع إسبانيا

شمال افريقيا وزيرا الخارجية الجزائري والإسباني خلال لقائهما في العاصمة الجزائرية (وزارة الخارجية الجزائرية)

الجزائر تقرر إعادة تفعيل معاهدة الصداقة مع إسبانيا

قرَّرت الجزائر، أمس (الخميس)، إعادة تفعيل «معاهدة الصداقة وحُسن الجوار والتعاون» التي تربطها بإسبانيا منذ أكتوبر «تشرين الأول» 2002.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)

الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

احتجت الجزائر، الخميس، بشدة على تمديد الحبس الاحتياطي لموظف قنصلي تابع لها في فرنسا، وجّه إليه الادعاء الفرنسي قبل عام تهمة «الإرهاب».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيسة الوزراء الإيطالية مع كبار المسؤولين الجزائريين (الرئاسة الجزائرية)

الغاز الجزائري يعيد رسم خريطة الثقة مع إسبانيا وإيطاليا

تقرر زيادة الإمدادات الجزائرية من الغاز إلى مدريد بنسبة 12 في المائة خلال زيارة وزير الخارجية الإسباني، اليوم (الخميس)، إلى الجزائر.

شمال افريقيا جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)

البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

صوّت البرلمان الجزائري، اليوم الأربعاء، خلال اجتماع لغرفتيه بالإجماع على وثيقة «التعديل الدستوري التقني».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا ميلوني لدى وصولها إلى الجزائر (الوزارة الأولى)

ميلوني تصل إلى الجزائر لبحث زيادة إمدادات الغاز الطبيعي

وصلت رئيسة مجلس الوزراء الإيطالي جورجيا ميلوني، الأربعاء، إلى الجزائر في زيارة يُنتظر منها بحث سبل إمداد روما بكميات إضافية من الغاز الطبيعي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

ليبيا: «الهجرة غير النظامية» تتصدر محادثات حفتر ووزير خارجية اليونان

حفتر خلال استقبال وزير الخارجية اليوناني في بنغازي السبت (إعلام القيادة العامة)
حفتر خلال استقبال وزير الخارجية اليوناني في بنغازي السبت (إعلام القيادة العامة)
TT

ليبيا: «الهجرة غير النظامية» تتصدر محادثات حفتر ووزير خارجية اليونان

حفتر خلال استقبال وزير الخارجية اليوناني في بنغازي السبت (إعلام القيادة العامة)
حفتر خلال استقبال وزير الخارجية اليوناني في بنغازي السبت (إعلام القيادة العامة)

تصدر ملف الهجرة غير النظامية محادثات قائد «الجيش الوطني» في شرق ليبيا المشير خليفة حفتر مع وزير الخارجية اليوناني جورج جيرابيتريتيس، اليوم (السبت).

وبحسب بيان صادر عن مكتب حفتر، فقد ناقش الجانبان «أهمية التنسيق والتعاون في مكافحة الهجرة غير الشرعية، بما يخدم مصالح البلدين والمنطقة بشكل عام»، وذلك بحضور نائبه ونجله، الفريق أول ركن صدام حفتر.

وتزامنت هذه المحادثات مع إعلان خفر السواحل اليوناني مصرع 22 مهاجراً، بعدما ظلوا عالقين لمدة ستة أيام على متن قارب مطاطي في البحر الأبيض المتوسط عقب انطلاقهم من السواحل الليبية، مشيراً إلى أن جثثهم أُلقيت في المياه، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية. كما أُنقذ 26 شخصاً لم تُحدد جنسياتهم، بينهم امرأة وقاصر، بواسطة قارب تابع للوكالة الأوروبية لمراقبة الحدود «فرونتكس»، قبالة جزيرة كريت اليونانية، وفق بيان مقتضب لخفر السواحل. ونُقل اثنان من الناجين إلى مستشفى هيراكليون، عاصمة الجزيرة.

واستناداً إلى إفادات بعض الناجين، فقد أفاد خفر السواحل بأن القارب غادر منطقة طبرق في شرق ليبيا في 21 مارس (آذار) الحالي، متجهاً إلى اليونان، التي تعد بوابة رئيسية للمهاجرين الساعين للوصول إلى الاتحاد الأوروبي، علماً بأن هذا النطاق يقع تحت سيطرة «الجيش الوطني».

وأوضح البيان أن الركاب «فقدوا اتجاههم خلال الرحلة، وبقوا في البحر ستة أيام من دون ماء أو طعام»، مضيفاً أن 22 شخصاً لقوا حتفهم، وأن «جثثهم أُلقيت في البحر بناءً على أوامر أحد المهرّبين». كما أعلنت السلطات توقيف شابين من جنوب السودان، يبلغان 19 و22 عاماً، للاشتباه في تورطهما في عملية التهريب.

وتُعد ليبيا نقطة عبور رئيسية لآلاف المهاجرين غير النظاميين نحو أوروبا سنوياً، فيما تتكرر حوادث الغرق والوفيات على هذا المسار.

وبحسب أرقام صادرة عن المنظمة الدولية للهجرة، فقد بلغ عدد المهاجرين داخل ليبيا مستويات غير مسبوقة، إذ يقترب من مليون مهاجر. ووفق أحدث بيانات «مصفوفة تتبع النزوح» للفترة من نوفمبر (تشرين الثاني) إلى ديسمبر (كانون الأول) 2025، سُجل وجود 939638 مهاجراً، وهو أعلى رقم منذ بدء عمليات الرصد، ويمثل زيادة مقارنة بالتقديرات السابقة.

وخلال لقاء حفتر مع الوزير اليوناني، لم يتطرق البيان الرسمي إلى حادثة القارب، مكتفياً بالإشارة إلى ترحيبه بالوزير والوفد المرافق، وتأكيده على «عمق العلاقات والروابط التاريخية والاقتصادية، التي تربط البلدين في مختلف المجالات الاقتصادية والثقافية والتعليمية».

من جانبه، نقل مكتب حفتر عن جيرابيتريتيس قوله إن هذه المباحثات «تعكس أهمية تعزيز العلاقات الثنائية»، مشيراً إلى «حرص اليونان على توطيد هذه العلاقات، لا سيما عبر مشاركة الشركات اليونانية المتخصصة في مشروعات الإعمار والبنية التحتية، وتعزيز التعاون الأكاديمي بين الجامعات اليونانية ونظيراتها الليبية، خاصة جامعة بنغازي». كما أكد الوزير اليوناني «أهمية تطوير التبادل التجاري بين البلدين، وفتح خطوط بحرية تسهم في تسهيل حركة نقل البضائع والسلع».

في غضون ذلك، صعّدت كتلة «التوافق الوطني» بالمجلس الأعلى للدولة في غرب ليبيا من لهجتها تجاه تحركات مستشار الشؤون الأفريقية الأميركي مسعد بولس، ووصفت تدخلاته بأنها «مريبة» من حيث مضمونها وسياقها، فضلاً عن «تضارب المصالح وشبهات الفساد التي تحيط بها».

وأكدت الكتلة، في بيان مساء الجمعة، رفضها القاطع لهذه التحركات، مشددة على أن ليبيا، ورغم أزماتها، «لن تكون تابعة لأي جهة خارجية»، وأن الشعب الليبي «لن يقبل رسم مستقبله وفق طموحات عائلية أو صفقات تجارية لمستشار أميركي، أو مشروعات سياسية مفروضة من الخارج».

على صعيد آخر، وفي أول ظهور علني ينهي أسابيع من الغموض، سجل رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة حضوره في مدينة مصراتة، غرب البلاد، عقب عودته من العاصمة البريطانية لندن.

ورصدت وسائل إعلام محلية مشاركة الدبيبة، مساء الجمعة، في تقديم واجب العزاء بمسقط رأسه، في خطوة بدت رداً عملياً على الشائعات التي تحدثت عن تدهور حالته الصحية.

وكان الدبيبة قد عاد إلى البلاد من دون إعلان رسمي، بعد رحلة إلى بريطانيا وصفتها مصادر مقربة بأنها «علاجية لإجراء فحوصات دورية». ويرى مراقبون أن هذه العودة تستهدف تأكيد حضوره في المشهد السياسي، بعد غياب أثار تساؤلات بشأن وضعه الصحي، علماً بأنه خضع الشهر الماضي لفحوصات طبية في إيطاليا، بعد إجراء عملية قسطرة في مستشفى القلب بمصراتة، إثر وعكة صحية مفاجئة في منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي.

في سياق متصل، طالبت بعثة الاتحاد الأوروبي وعدد من الدبلوماسيين الأوروبيين، السبت، بالكشف الفوري عن مصير الناشط السياسي المهدي عبد العاطي، الذي اعتُقل في مدينة مصراتة الأسبوع الماضي.

وأعربت البعثات الأوروبية، في بيان مشترك، عن «قلق بالغ» إزاء ما وصفته بـ«الاختفاء القسري» لعبد العاطي في مكان غير معلوم، محذرة من تداعيات «تقلص الحيز المدني» واستهداف النشطاء والأصوات السياسية.

كما دعت إلى الإفراج الفوري عنه، وضمان سلامته، ومحاسبة المسؤولين عن احتجازه التعسفي، مؤكدة أن احترام حقوق الإنسان وحرية التعبير يمثل شرطاً «لا غنى عنه» لأي عملية سياسية ذات مصداقية في ليبيا.


مصر تقرر إبطاء وتيرة مشاريع حكومية بسبب حرب إيران

مدبولي وبجانبه وزراء المجموعة الاقتصادية والإعلام يتحدث عن تداعيات «حرب إيران» الاقتصادية على مصر (رئاسة مجلس الوزراء)
مدبولي وبجانبه وزراء المجموعة الاقتصادية والإعلام يتحدث عن تداعيات «حرب إيران» الاقتصادية على مصر (رئاسة مجلس الوزراء)
TT

مصر تقرر إبطاء وتيرة مشاريع حكومية بسبب حرب إيران

مدبولي وبجانبه وزراء المجموعة الاقتصادية والإعلام يتحدث عن تداعيات «حرب إيران» الاقتصادية على مصر (رئاسة مجلس الوزراء)
مدبولي وبجانبه وزراء المجموعة الاقتصادية والإعلام يتحدث عن تداعيات «حرب إيران» الاقتصادية على مصر (رئاسة مجلس الوزراء)

قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، السبت، إن الحكومة ستُبطئ وتيرة تنفيذ مشاريع حكومية كبرى تتطلب استهلاكاً عالياً للوقود والسولار لمدة شهرين على الأقل، مع عزمها خفض مخصصات الوقود لجميع المركبات الحكومية 30 في المائة.

وأضاف مدبولي أن القطاعين العام والخاص، باستثناء قطاعَي الخدمات والصناعات التحويلية، سيعملان عن بعد في أيام الأحد من شهر أبريل (نيسان). وقد يمدد هذا الإجراء بإضافة يوم آخر في الأسبوع، أو بسريانه لأشهر تالية في حالة استمرار الحرب.

وتأتي هذه الخطوة ضمن إجراءات أوسع نطاقاً لمواجهة التداعيات الاقتصادية لحرب إيران، والتي أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة والضغط على المالية العامة.

ومصر ليست طرفاً مباشراً في الصراع، لكنها تأثرت بشكل كبير، لا سيما في قطاع الطاقة، نظراً لاعتمادها على الوقود المستورد. وارتفعت التكاليف بشكل كبير في ظل تعطل إنتاج وتجارة النفط والغاز في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط.

وارتفعت بالفعل أسعار الوقود وأسعار خدمات المواصلات العامة. غير أن مدبولي قال إن هذه الإجراءات مؤقتة، مضيفاً أن الحكومة تعمل على مساعدة المواطنين، وتناقش رفع الحد الأدنى للأجور، وزيادة المخصصات للرعاية الصحية والتعليم في السنة المالية المقبلة.

في غضون ذلك، قال وزير المالية المصري أحمد كجوك إن تكاليف خدمة الدين، التي عادة ما تبتلع الجزء الأكبر من ميزانية مصر، لن ترتفع إلا 5 في المائة خلال السنة المالية المقبلة التي تبدأ في يوليو (تموز).


في ذكرى «جلاء البريطانيين»... ليبيون يرفضون بقاء القوات الأجنبية

الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية - رويترز)
TT

في ذكرى «جلاء البريطانيين»... ليبيون يرفضون بقاء القوات الأجنبية

الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية - رويترز)

تجددت في ليبيا دعوات رافضة للوجود العسكري الأجنبي، تزامناً مع حلول ذكرى جلاء القوات البريطانية من إحدى القواعد العسكرية بشرق البلاد في 28 مارس (آذار) 1970، وذلك في ظل واقع يتسم بانقسام سياسي وعسكري حاد منذ عام 2011، وتزامناً مع استمرار وجود عسكري أجنبي، لا سيما الروسي والتركي، إلى جانب عناصر من المرتزقة.

ويعود جلاء القوات البريطانية من ليبيا إلى عام 1970، عقب شروع السلطات الجديدة، إثر وصول العقيد الراحل معمر القذافي إلى الحكم بعد «ثورة الفاتح من سبتمبر (أيلول)»، في إغلاق القواعد العسكرية الأجنبية. وغادر بعدها آخر جندي بريطاني قاعدة «العدم» قرب طبرق، بعد مفاوضات بدأت أواخر 1969، تلا ذلك لاحقاً جلاء القوات الأميركية من قاعدة «ويلس»، التي عُرفت لاحقاً بـ«معيتيقة».

غير أن الاستهجان الليبي للوجود الأجنبي المستمر منذ بضع سنوات عبر عن نفسه بشكل ملحوظ بواسطة سياسيين وحقوقيين ورجال قبائل، تزامناً مع هذه الذكرى، حيث أعربوا عبر منشورات بوسائل التواصل الاجتماعي عن رفضهم لهذا التواجد في مشهد يعكس مفارقة تاريخية، بين ماضٍ احتُفل فيه بـ«استعادة السيادة»، وحاضرٍ يراه كثيرون مثقلاً بتدخلات خارجية متعددة.

واستثمر العجمي العتيري، قائد كتيبة «أبو بكر الصديق»، والحارس السابق لسيف الإسلام القذافي، هذه الذكرى للتأكيد على أسفه لما اعتبره «عودة القواعد الأجنبية»، متهماً أطرافاً سياسية بما أسماه «جلب الاستعمار مجدداً»، وذلك بعدما استذكر ما وصفه بـ«طرد الإنجليز المغتصبين من تراب ليبيا سنة 1970 بفضل عزيمة أبناء البلاد»، مشيراً إلى ما تمثله ذكرى إجلاء القواعد الأجنبية من فخر لليبيين.

طائرات مقاتلة في قاعدة طبرق العسكرية الجوية التي تم إجلاء القوات البريطانية عنها في عام 1970 (إعلام القيادة العامة)

أما أحمد حمزة، رئيس «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا»، فجمع بين «الاعتزاز بذكرى وطنية مجيدة»، و«الحزن على عودة القواعد الأجنبية والمرتزقة»، مرجعاً ذلك إلى ما وصفه بأنه «تدخلات سلبية من دول إقليمية في الشأن الليبي».

في حين رأى الناشط محمد الشيباني أن الاحتفاء بالجلاء لا ينفصل عن الواقع الحالي، قائلاً إن الليبيين «يحتفلون بالجلاء رغم عودة الاستعمار»، معتبراً أن «النضال سيستمر حتى استعادة السيادة»، في إشارة إلى استمرار الوجود العسكري الأجنبي.

وأعادت صفحات ليبية على مواقع التواصل تداول مقتطفات من كلمة القذافي خلال الجلسة الافتتاحية للمفاوضات الليبية - البريطانية، التي يسرت جلاء القوات البريطانية عن تلك القاعدة، والتي قال فيها إن «المعاهدات والصداقات والتعاون أمور لا يمكن أن تُبنى في ظل السيف وتحت أزيز الطائرات»، وعلق رئيس المجلس الاجتماعي لقبيلة القذاذفة بدوره قائلاً: «ستبقى ذكرى الجلاء شاهداً على أن الأوطان تستعاد بالعزم لا بالتمني».

ومنذ الإطاحة بنظام العقيد القذافي عام 2011، تحولت البلاد إلى ساحة لتقاطع نفوذ إقليمي ودولي، حيث وثّقت تقارير أممية متكررة وجود قوات أجنبية ومرتزقة. ويرى مراقبون أن استدعاء هذه الذكرى في الخطاب الليبي المعاصر يعكس حالة «الحنين السيادي»، حيث تُستخدم المناسبات الوطنية، مثل عيد الاستقلال وذكرى الجلاء، للتعبير عن رفض الانقسام والتدخلات الخارجية.

في غرب البلاد، تنتشر قوات تركية وصلت بناءً على اتفاق أمني مع حكومة «الوفاق الوطني» السابقة نهاية 2019، وتشمل مستشارين عسكريين وأنظمة دفاع جوي، إضافة إلى مقاتلين مرتزقة سوريين تم نقلهم خلال فترة الحرب على طرابلس (2019-2020)، حسب تقارير للأمم المتحدة.

وفي الشرق والجنوب، سبق أن أشارت تقارير للأمم المتحدة إلى وجود عناصر ما يعرف بـ«الفيلق الروسي»، كما تحدثت تقارير دولية عن وجود مجموعات مسلحة أجنبية من دول أفريقية، خاصة في الجنوب، في ظل هشاشة السيطرة الأمنية على الحدود. ورغم اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، الذي نص على خروج جميع القوات الأجنبية خلال 90 يوماً، فإن هذا البند لم يُنفذ حتى الآن.

ومن منظور الباحث السياسي الليبي، علام الفلاح، فإن «المزاج العام في ليبيا لا يزال متأثراً بإرث طويل من العداء، وصراع طويل ضد الاستعمار الغربي وأسهم في تكوين حساسية واضحة تجاه أي وجود أجنبي على الأراضي الليبية».

وسلط الفلاح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» الضوء على أن إرث الحساسية تجاه الوجود الأجنبي «ترسخ على مراحل تاريخية متعاقبة، سواء خلال حركة المقاومة الليبية ضد الاستعمار الإيطالي بقيادة الشيخ عمر المختار، أو خلال فترة الإدارتين الفرنسية والبريطانية، وأيضاً خلال حكم معمر القذافي»، عاداً «هذا الإرث يفسّر إلى حد كبير حالة الرفض الواسعة لوجود القوات الأجنبية والمرتزقة في البلاد».

واعتبر الفلاح أن المواقف الصادرة في ذكرى الجلاء تعكس ما وصفه بـ«مشروع وطني» يحظى بقدر واسع من التوافق، يقوم على رفض بقاء أي قوات غير ليبية داخل البلاد، مشيراً إلى أن «عودة هذا الوجود منذ عام 2011 أعادت تنشيط هذا الرفض على المستويين الشعبي والسياسي في كل مناسبة ترتبط باحتفالات وطنية تتقارب مع هذا السياق».

وبينما تختلف الأطراف الليبية في تحالفاتها السياسية والعسكرية، يبقى مطلب «إنهاء الوجود الأجنبي» نقطة مشتركة في الخطاب العام، وإن ظل تحقيقه رهناً بتسوية سياسية شاملة لم تتبلور بعد، حسب محللين.