التغير المناخي يحوّل حقول قمح في شمال شرقي سوريا إلى مراعٍ للأغنام

راعٍ يراقب أغنامه في منطقة الطبقة السورية خلال عاصفة ترابية (أ.ف.ب)
راعٍ يراقب أغنامه في منطقة الطبقة السورية خلال عاصفة ترابية (أ.ف.ب)
TT

التغير المناخي يحوّل حقول قمح في شمال شرقي سوريا إلى مراعٍ للأغنام

راعٍ يراقب أغنامه في منطقة الطبقة السورية خلال عاصفة ترابية (أ.ف.ب)
راعٍ يراقب أغنامه في منطقة الطبقة السورية خلال عاصفة ترابية (أ.ف.ب)

بعدما أفقد الجفاف آمال المزارعين بحصد محاصيل قمح وفيرة هذا العام، لم يجد موسى فاطمي من حل سوى بيع إنتاج حقوله في شمال شرقي سوريا إلى رعاة الأغنام مقابل أسعار رمزية، متكبداً خسارة مالية كبيرة.
على غرار مناطق أخرى في سوريا، بات التغيّر المناخي يهدّد مصير الزراعة، خصوصاً القمح الذي يعد ركيزة للاقتصاد ومصدراً رئيسياً للدخل وشبكة أمان اقتصادية مهمّة للأسر الفقيرة في شمال شرقي البلاد.
على بعد أربعين كيلومتراً شمال شرقي مدينة الحسكة، يتجول فاطمي (85 عاماً) بين حقول القمح على أطراف قريته أم حجرة (قولو بالكردية)، متحسراً على خسائر «بالملايين». ويقول: «للسنة الثانية على التوالي نواجه الجفاف، في كل عام نتحسّر على العام الذي سبقه». ويعود بذاكرته إلى سنوات كانت أرتال الشاحنات تنقل أكياس القمح من أرضه بلا توقف إلى صوامع الحبوب. ويضيف: «لم نحصد حقولنا حتى لتأمين قوتنا من الخبز».
في منطقة تعتمد بغالبيتها على الزراعة البعلية وهطول الأمطار، زرع فاطمي مائتي دونم بالقمح. وعوض أن يحصد محاصيل وفيرة، انتهى الأمر بالأغنام تلتهم محصوله. ويوضح: «لم نستفد من كل هذه المساحات الشاسعة أو نحصد حبة قمح... أشعر بأسف حين أرى الأغنام ترعى في الحقل».
ويتكرر مشهد الأغنام، التي تحولت حقول القمح إلى مراعٍ لها، في المنطقة التي كانت تعد قبل اندلاع النزاع عام 2011 بمثابة إهراءات حبوب سوريا، وتعد اليوم الأكثر تأثراً بالجفاف وتدني مستوى الأمطار. وهو تحدٍ يواجهه العراق المجاور أيضاً.
قرب قطيع أغنام في قرية البركو المجاورة، يشرح سلمان البركو (55 سنة) «أثّر التغير المناخي علينا كمزارعين، من شح المياه وضعف الإنتاج وقلة هطول الأمطار والتغيرات الجوية». وعلى غرار مزارعين آخرين، وجد نفسه مجبراً على بيع محصول 157 دونماً للرعاة، مقابل 15 ألف ليرة (أربعة دولارات) للدونم الواحد بينما تكلفة زراعة الدونم تجاوزت عشرين الفاً. ويقول: «لا يعوّض ذلك خسائرنا».
قبل النزاع، اعتادت سوريا تحقيق اكتفاء ذاتي من القمح مع إنتاج يتجاوز أربعة ملايين طن سنوياً. لكن مع توسّع رقعة المعارك وتعدّد الأطراف المتنازعة، انهار الإنتاج إلى مستويات قياسية. وباتت الحكومة مجبرة على الاستيراد خصوصاً من حليفتها روسيا.
ويهدّد انخفاض الإنتاج قرابة ستين في المائة من السكان الذين يعانون أساساً من انعدام الأمن الغذائي، في بلد غالبية سكانه تحت خط الفقر. وتثير تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا والعقوبات الدولية على سوريا مخاوف إزاء تفاقم الجوع. وإن كانت شحنات القمح ما زالت تصل إلى سوريا من روسيا إلا أن ذلك لا يزيل الخشية من تراجع إمدادات القمح.
يعود انخفاض إنتاج القمح في سوريا، وفق تقرير نشرته منظمة (IMMAP) الدولية المتخصصة في إدارة البيانات في أبريل (نيسان)، إلى الجفاف الناجم عن تغير المناخ. وقد شهدت معظم أجزاء شمال شرقي سوريا «فترات جفاف طويلة خلال مواسم المحاصيل الشتوية، والتي جفّفت الكثير من محصول القمح النامي».
نتيجة عوامل عدّة مرتبطة بالتغيّر المناخي، من المحتمل أن تتعرض مناطق شمال شرقي سوريا على المدى الطويل للجفاف مرة كل ثلاث سنوات، وأن ينخفض هطول الأمطار بنسبة 11 في المائة خلال العقود الثلاثة المقبلة، وفق التقرير. وبالفعل، انخفض إنتاج القمح خلال السنوات الأخيرة في شمال شرقي سوريا. سجّل الموسم الزراعي الشتوي 2020 - 2021 مستوى الإنتاج الأدنى منذ عام 2017 في محافظات الحسكة والرقة ودير الزور، وفق بيانات منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو).
وشكّل إنتاج القمح في محافظة الحسكة الموسم الماضي 26 في المائة مما كان عليه العام الذي سبقه، بعدما تراجع من 805 آلاف طن في موسم 2019 - 2020 إلى 210 آلاف طن الموسم الماضي. ويواجه المزارعون تحدياً آخر يكمن في بناء فصائل سورية موالية لتركيا سدوداً على نهر الخابور الذي يمر في قرى عدة في شمال شرقي سوريا، مما فاقم تداعيات الجفاف، وفق تقرير نشرته قبل أشهر منظمة «باكس» الهولندية لبناء السلام.
وتحاول السلطات المحلية دعم المزارعين وفق الإمكانيات المتاحة. وتردّ الرئيسة المشتركة لهيئة الزراعة والري في الإدارة الذاتية الكردية في شمال وشمال شرقي سوريا، ليلى محمد، تراجع الزراعة خلال سنوات النزاع إلى تخلي «الكثير من المزارعين عن الزراعة ومغادرتهم لقراهم» على وقع التوترات الأمنية، عدا عن «العوامل المناخية التي أثّرت على الإنتاج والنوعية». وتضيف: «جراء الجفاف، نعتمد هذا العام بالدرجة الأولى على الزراعة المروية لثلاثة ملايين دونم تلقت دعمنا من المازوت والبذار».
لكنّ هذا الدعم يبقى ضئيلاً مقارنة مع الاحتياجات، وفق ما يقول المزارع موسى محمد (55 عاماً) الذي زرع 100 دونم من أراضيه بالقمح، معتمداً على الري، مما ضاعف الأعباء المالية عليه، خصوصاً مع ارتفاع ثمن المازوت. ومع تحديد الإدارة الذاتية سعر شراء كيلوغرام القمح من المزارعين بـ2200 ليرة (قرابة نصف دولار)، لا يتوقع محمد أن يحقق وفراً.
ويقول: «لا يعوّض هذا السعر المصاريف، كان ينبغي تحديده بثلاثة آلاف على الأقل». وتتنافس الإدارة الذاتية والحكومة السورية على شراء محاصيل القمح من المزارعين، لتوفير الحد الأدنى من احتياجات المناطق تحت سيطرتهما. ويوضح محمد بحسرة: «يعتمد المزارعون بشكل كامل على الموسم، لكن الموسم ضعيف هذا العام بسبب الظروف الجوية وقلّة الأمطار وارتفاع الأسعار والتغير المناخي».


مقالات ذات صلة

«قصف إسرائيلي» يُخرج مطار حلب من الخدمة

المشرق العربي «قصف إسرائيلي» يُخرج مطار حلب من الخدمة

«قصف إسرائيلي» يُخرج مطار حلب من الخدمة

أعلنت سوريا، أمس، سقوط قتلى وجرحى عسكريين ومدنيين ليلة الاثنين، في ضربات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع في محيط مدينة حلب بشمال سوريا. ولم تعلن إسرائيل، كعادتها، مسؤوليتها عن الهجوم الجديد الذي تسبب في إخراج مطار حلب الدولي من الخدمة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي لا تأكيد أميركياً لقتل تركيا زعيم «داعش» في سوريا

لا تأكيد أميركياً لقتل تركيا زعيم «داعش» في سوريا

في حين أعلنت الولايات المتحدة أنها لا تستطيع تأكيد ما أعلنته تركيا عن مقتل زعيم تنظيم «داعش» الإرهابي أبو الحسين الحسيني القرشي في عملية نفذتها مخابراتها في شمال سوريا، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إن قوات بلاده حيدت (قتلت) 17 ألف إرهابي في السنوات الست الأخيرة خلال العمليات التي نفذتها، انطلاقاً من مبدأ «الدفاع عن النفس».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي إردوغان يعلن مقتل «الزعيم المفترض» لتنظيم «داعش» في سوريا

إردوغان يعلن مقتل «الزعيم المفترض» لتنظيم «داعش» في سوريا

أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، يوم أمس (الأحد)، مقتل «الزعيم المفترض» لتنظيم «داعش» في سوريا خلال عملية نفذتها الاستخبارات التركية. وقال إردوغان خلال مقابلة متلفزة: «تم تحييد الزعيم المفترض لداعش، واسمه الحركي أبو الحسين القرشي، خلال عملية نفذها أمس (السبت) جهاز الاستخبارات الوطني في سوريا». وكان تنظيم «داعش» قد أعلن في 30 نوفمبر (تشرين الأول) مقتل زعيمه السابق أبو حسن الهاشمي القرشي، وتعيين أبي الحسين القرشي خليفة له. وبحسب وكالة الصحافة الفرنيسة (إ.ف.ب)، أغلقت عناصر من الاستخبارات التركية والشرطة العسكرية المحلية المدعومة من تركيا، السبت، منطقة في جينديرس في منطقة عفرين شمال غرب سوريا.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
المشرق العربي الرئيس التونسي يعيّن سفيراً جديداً لدى سوريا

الرئيس التونسي يعيّن سفيراً جديداً لدى سوريا

قالت الرئاسة التونسية في بيان إن الرئيس قيس سعيد عيّن، اليوم الخميس، السفير محمد المهذبي سفيراً فوق العادة ومفوضاً للجمهورية التونسية لدى سوريا، في أحدث تحرك عربي لإنهاء العزلة الإقليمية لسوريا. وكانت تونس قد قطعت العلاقات الدبلوماسية مع سوريا قبل نحو عشر سنوات، احتجاجاً على حملة الأسد القمعية على التظاهرات المؤيدة للديمقراطية عام 2011، والتي تطورت إلى حرب أهلية لاقى فيها مئات آلاف المدنيين حتفهم ونزح الملايين.

«الشرق الأوسط» (تونس)
المشرق العربي شرط «الانسحاب» يُربك «مسار التطبيع» السوري ـ التركي

شرط «الانسحاب» يُربك «مسار التطبيع» السوري ـ التركي

أثار تمسك سوريا بانسحاب تركيا من أراضيها ارتباكاً حول نتائج اجتماعٍ رباعي استضافته العاصمة الروسية، أمس، وناقش مسار التطبيع بين دمشق وأنقرة.


بدء المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية يحاصر «حزب الله» فكيف سيتصرف؟

روبيو يتحدث خلال استقبال سفيري لبنان وإسرائيل في «الخارجية» الأميركية (رويترز)
روبيو يتحدث خلال استقبال سفيري لبنان وإسرائيل في «الخارجية» الأميركية (رويترز)
TT

بدء المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية يحاصر «حزب الله» فكيف سيتصرف؟

روبيو يتحدث خلال استقبال سفيري لبنان وإسرائيل في «الخارجية» الأميركية (رويترز)
روبيو يتحدث خلال استقبال سفيري لبنان وإسرائيل في «الخارجية» الأميركية (رويترز)

مع أن الاجتماع الذي عُقد بين سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة الأميركية ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر برعاية وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو شكل أول تواصل رفيع المستوى بين البلدين منذ عام 1993، فإن الانتظار لما ستؤول إليه نتائجه يبقى سيد الموقف وتلفه حالة من الحذر والترقب، لأنه من غير الجائز إصدار الأحكام المسبقة على النيّات ما لم تتجاوب إسرائيل مع إصرار لبنان على وقف النار بوصفه مدخلاً للانطلاق في مفاوضات مباشرة بين البلدين برعاية أميركية.

فالمشهد السياسي الذي ترتب على لقاء السفيرين يبقى خاضعاً للميدان، ويتوقف مصير وقف النار على ما ستنتهي إليه المواجهة العسكرية الضارية بين «حزب الله» والجيش الإسرائيلي في مدينتي بنت جبيل والخيام، رغم أن الراعي الأميركي للقائهما، أي روبيو، أبدى تفهماً لوجهة نظر لبنان بربط بدء المفاوضات بوقف النار، وهذا ما يكمن، كما قال مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط»، وراء عدم تحديد موعد ومكان البدء.

كسر المحظور

ولفت المصدر الوزاري إلى أن لقاء السفيرين أدى إلى كسر المحظور الذي كان سائداً أمام استحالة التواصل المباشر بين البلدين والدخول في مفاوضات هي الأولى منذ عام 1993، لكن هذا لا يعني أنها ستبدأ بين ليلة وضحاها ما لم يسبقها التوافق على وقف النار. وقال إن المواقف التي عبر عنها روبيو والسفيران ندى وليتر يمكن أن تكون بمثابة الاتفاق على الإطار لبدء المفاوضات من موقع الاختلاف بين البلدين، أي بإدراج نقاط الخلاف على جدول أعمالها.

وأكد أن اجتماع واشنطن أتاح للبنان أن ينتزع من إيران الورقة اللبنانية التي تسعى إلى إدراجها على جدول أعمال مفاوضاتها مع الولايات المتحدة ويودعها لدى الأخيرة لعلها تعيد الاهتمام الدولي بأزمات لبنان المتراكمة التي أضيف إليها ما تسبب به «حزب الله» بإسناده لغزة وإيران من دون العودة إلى الدولة، وهذا ما يسمح بتوفير الحلول لها لوضع البلد تدريجياً على سكة التعافي المالي والاقتصادي.

ورأى المصدر أن واشنطن تتفرّد حالياً بإمساكها بالورقة اللبنانية بخلاف ما كان يتطلع إليه «الثنائي الشيعي» برهانه على أن إيران مع بدء مفاوضاتها والولايات المتحدة ستتوصل لاتفاق يقضي بشمول لبنان بالهدنة لما لها من انعكاسات إيجابية على الداخل اللبناني من وجهة نظره، لكنه فوجئ بموقف لبناني رسمي معارض، ورفض أميركي بربط لبنان بوحدة المسار والمصير مع إيران.

التفاوض المشروط بوقف إطلاق النار

وفي المقابل، أكد المصدر أن اللقاء التمهيدي في واشنطن أتاح للبنان تمسكه بدعوة عون للتفاوض.

وفي هذا السياق، علمت «الشرق الأوسط» أن رئيس المجلس النيابي نبيه بري لا يزال يأخذ وقته ويتريّث في تحديد موقفه، وهو على تواصل مع قيادة «حزب الله» في محاولة لبلورة موقف موحد، وهذا ما لمسه معظم الذين التقوه في الساعات الأخيرة وتوصلوا إلى قناعة، في ضوء ما سمعوه منه، بأنه يأخذ وقته للتأسيس لموقف متكامل، ما دام أن وقف النار لا يزال معلّقاً.

فبري، حسب زوّاره، نأى بنفسه عن التعليق على ما صدر من مواقف عن المشاركين في لقاء واشنطن، وإن كان لا يزال يتمسك باتفاق وقف الأعمال العدائية الصادر عن الولايات المتحدة وفرنسا في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024

من اليسار: وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وسفير واشنطن لدى لبنان ميشال عيسى والسفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض والسفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل ليتر خلال صورة تذكارية بوزارة الخارجية الأميركية (رويترز)

ولاحظ زوار بري تشديده على الوحدة الوطنية بوصفها أقوى سلاح في مواجهة إسرائيل، ومنعها من إحداث فتنة طائفية بين اللبنانيين، وحرص أيضاً على تغليبه الوفاق الوطني على ما عداه للحفاظ على الاستقرار وعدم تعريض السلم الأهلي لأي انتكاسة نحن في غنى عنها. وكشفوا أنه اضطر كما أبلغهم للتدخل، بناء لاتصالات تلقاها من جهات عربية لضبط إيقاع الذين تجمعوا على مقربة من مقر رئاسة مجلس الوزراء في «السراي الكبير» ومنعهم، كما تردد أنهم يخططون لاقتحامه وإرغام رئيس الحكومة على الاستقالة، مع أن لا صحة لكل ما قيل وأشيع في هذا الخصوص، فيما نقل عنه زواره في أول تعليق على الاجتماع التحضيري في واشنطن قوله إنه لا خيار لنا سوى المفاوضات، ومن لديه خيار آخر فليكشف عنه ولا يكتفي بالرفض، خصوصاً وأن من يرفض، في إشارة إلى «حزب الله»، كان جرّب الخيار العسكري الذي لم يوقف العدوان، بل بلغ ذروته في الأيام الأخيرة، ونأمل منه أن يتعاطى بواقعية مع دعوة عون للتفاوض بعيداً عن تسجيل المواقف التي لن تعطي ثمارها في الميدان، من دون حجب الأنظار عن تمسكنا بوحدة بلدنا وإصرارنا على تحرير أرضنا من الاحتلال الإسرائيلي باعتماد الوسائل الدبلوماسية.

وأكدوا أن بري يتشدد لمنع الفتنة وتطويق كل المحاولات المؤدية للتفلت الأمني بدءاً بالعاصمة للإيقاع بين البيارتة والنازحين الذين يستضيفونهم، ويدعو لحصر حمل السلاح بالقوى العسكرية والأمنية، وهو كان على تواصل مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل الذي استجاب لرغبته باستقدام وحدات عسكرية لتعزيز الحضور الأمني للدولة، وحصر حمل السلاح في الجنوب وحده للتصدي للعدوان الإسرائيلي، لأنه لا جدوى من حمل السلاح، ومن غير المسموح لأي أحد كان استخدامه لتوتير الأجواء في شوارع العاصمة والإساءة لعلاقة المضيفين بالنازحين التي هي خط أحمر ممنوع تجاوزه.

تمسك عون بوقف النار

وبالعودة للأجواء التي سادت اللقاء التمهيدي في واشنطن، كشف المصدر أنه كان لروبيو موقف إيجابي يتناغم فيه مع تمسك عون بوقف النار بوصفه شرطاً لبدء المفاوضات، وهو كرر أمام السفيرين تفهّمه للدوافع التي أملت عليه ألا يحيد عن موقفه. وأكد أن المشهد العسكري لن يستكين، على الأقل إسرائيلياً، لأن انطلاق المفاوضات يبقى معلقاً على التوصل لهدنة، سائلاً ما إذا كانت إسرائيل ستقرر وقف النار من جانب واحد؟

الرئيس عون مجتمعاً مع رئيس الوفد اللبناني في لجنة «الميكانيزم» السفير سيمون كرم الذي سيترأس الوفد الذي سيتولى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

ولفت إلى أن أجواء اللقاء لم تكن سلبية وشكلت بداية لتبادل الآراء بين السفيرين، ومن موقع الاختلاف، لتحضير أرضية سياسية ثابتة للانتقال للمرحلة الثانية، أي المفاوضات، ومن دونها تبقى المراوحة قائمة والميدان يشتعل في الجنوب. وتوقف أمام دعوة روبيو لإيجاد حل لـ«حزب الله»، وقال إن الحل يبقى لبنانياً بامتياز وهذا ما يصر عليه عون عندما أبدى انفتاحاً على الجهود التي تولاها بري وأدت لحوار بين عون و«حزب الله»، وهو لن يرضى بأن يأتي الحل إسرائيلياً ولا يزال يراهن على استيعاب رفض «حزب الله» للمفاوضات، مبدياً انفتاحه على بري ويراهن على دوره لتخفيف موقف حليفه لأنه ليس في وارد الدخول في خلاف مع الشيعة.

اختبار ميداني لنيات روبيو

لذلك، فإن النيات الأميركية التي عبّر عنها روبيو بتفهمه لتمسك عون بالهدنة تبقى خاضعة للاختبار الميداني للتأكد من استعداد بلاده للضغط على إسرائيل لوقف النار لاستحالة بدء المفاوضات تحت النار، فيما يبقى السؤال: كيف سيتصرف «حزب الله» برفضه المفاوضات في حال قررت إسرائيل وقف النار؟ فهل يلتزم الحزب، كما يقول المصدر، بوقف النار أم سيكون له رد آخر يطبق فيه الحصار على نفسه، ويترتب عليه إحراجه أمام المزاج الشيعي العام، وعتب دولي وعربي على لبنان؟


واشنطن تمارس الضغط على إسرائيل لوقف إطلاق النار في لبنان

صورة تذكارية سبقت اللقاء بين سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن في مقر وزارة الخارجية الأميركية (أ.ف.ب)
صورة تذكارية سبقت اللقاء بين سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن في مقر وزارة الخارجية الأميركية (أ.ف.ب)
TT

واشنطن تمارس الضغط على إسرائيل لوقف إطلاق النار في لبنان

صورة تذكارية سبقت اللقاء بين سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن في مقر وزارة الخارجية الأميركية (أ.ف.ب)
صورة تذكارية سبقت اللقاء بين سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن في مقر وزارة الخارجية الأميركية (أ.ف.ب)

نفى ناطق رسمي في تل أبيب الأنباء التي تحدثت عن وقف النار الليلة مع لبنان، لكن وسائل الإعلام العبرية قالت إن الولايات المتحدة تمارس الضغوط على إسرائيل من أجل ذلك.

وأكد مسؤول إسرائيلي وجود محادثات في الموضوع، وأشار إلى أن المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت) سيناقش، مساء اليوم، المقترح بناء على طلب واشنطن، وفقاً لهيئة البث الإسرائيلية (كان 11)، وتحدثت تقارير إسرائيلية أخرى، نقلاً عن مسؤول آخر، أنه لا قرار بشأن ذلك حتى الآن. ونقلت قناة لبنانية عن مصدر إيراني سياسي أمني رفيع، قوله: «بمتابعة وضغط من إيران، سيتم بدءاً من هذه الليلة إقرار وقف لإطلاق النار في لبنان»، مضيفاً أن «مدة وقف إطلاق النار ستكون أسبوعاً واحداً وتمتد حتى نهاية فترة وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة».

ورد مسؤول إسرائيل بالنفي، وقال إن مثل هذه الأنباء غير واقعية، حيث إن «حزب الله» ما زال يطلق الصواريخ والمسيرات الانتحارية باتجاه إسرائيل. لكن صحيفة «يديعوت أحرونوت» قالت إن هناك ضغوطاً لكي نوقف إطلاق النار بشكل ما، ولو تهدئة لمدة أسبوع. فمثل هذا القرار يساعد الولايات المتحدة على إنجاح المفاوضات مع إيران، التي ستستأنف هذا الأسبوع أو في مطلع الأسبوع المقبل في إسلام آباد.

من اليسار المستشار بوزارة الخارجية الأميركية مايكل نيدهام والسفير الأميركي بالأمم المتحدة مايك والتز ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وسفير واشنطن لدى لبنان ميشال عيسى والسفيرة اللبنانية لدى واشنطن ندى حمادة معوض والسفير الإسرائيلي لدى واشنطن يحيئيل لايتر خلال صورة تذكارية بوزارة الخارجية الأميركية (أ.ب)

وكانت المفاوضات قد جرت تحت النار المتبادلة. وقال قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، رافي ميلو، الذي يقود العمليات الحربية في لبنان، إن القوات «استكملت خلال الأيام الأخيرة السيطرة على الجنوب اللبناني بالكامل».

وبحسب بيان صادر عن الجيش الإسرائيلي، أضاف ميلو أن قوات الاحتلال «تعمل في مجمل منطقة الحزام الأمني على تدمير بنى تحتية» وصفها بـ«الإرهابية»، «ضمن جهد هجومي متواصل»، مشدداً على أن الجيش «سيواصل العمل بحزم لإزالة التهديدات وضمان أمن سكان الشمال». وأشار البيان إلى أن التقييم جرى بمشاركة قائد الفرقة 98 وقائد لواء المظليين.


نواب بيروت يجتمعون لـ«مدينة آمنة وخالية من السلاح»

جنود من الجيش اللبناني ينتشرون في موقع غارة جوية إسرائيلية في بيروت (أ.ب)
جنود من الجيش اللبناني ينتشرون في موقع غارة جوية إسرائيلية في بيروت (أ.ب)
TT

نواب بيروت يجتمعون لـ«مدينة آمنة وخالية من السلاح»

جنود من الجيش اللبناني ينتشرون في موقع غارة جوية إسرائيلية في بيروت (أ.ب)
جنود من الجيش اللبناني ينتشرون في موقع غارة جوية إسرائيلية في بيروت (أ.ب)

يعقد نواب مدينة بيروت وأحزابها الممثلون في البرلمان اللبناني مؤتمراً، الخميس، دعماً لإعلان مدينتهم «آمنة وخالية من السلاح» بعد قرار الحكومة الأخير في هذا الصدد الذي أعقب الهجمات الإسرائيلية الدامية على العاصمة الأسبوع الماضي.

ووجه المنظمون الدعوة لكل نواب العاصمة، ما عدا نواب «حزب الله» و«الجماعة الإسلامية»، في خطوة مناوئة لسلاح الحزب الذي حظرت الحكومة نشاطاته العسكرية، وتضامن مع رئيس الحكومة نواف سلام الذي كان عرضة لهجمات الحزب بعد القرار ورفض الاستهداف باعتباره «يعبر عن قرارات مجلس الوزراء مجتمعاً»، كما قالت مصادر المنظمين لـ«الشرق الأوسط».

وسيعبر نواب العاصمة اللبنانية عن دعمهم الكامل لقرارات الحكومة الرامية إلى بسط سيادة الدولة، وتعزيز حصرية قراري الحرب والسلم بيد السلطة اللبنانية، وسائر القرارات المرتبطة بـ«حزب الله» بما فيها حصر السلاح بيد القوى الشرعية دون سواها، كما سيؤيدون قرار السلطة الإجرائية المتمثلة برئيسي الجمهورية والحكومة ومجلس الوزراء مجتمعاً، إعلان بيروت مدينةً خاليةً من السلاح، ويدعو إلى تنفيذ انتشار أمني فعّال وشامل للجيش اللبناني والقوى الأمنية، بما يضمن حماية المواطنين ويمنع أي سلاح خارج عن الشرعية أو إخلال بالاستقرار.

ويرى النائب فؤاد مخزومي أن «الهجوم الإسرائيلي المدان بطبيعة الحال، الأربعاء الماضي، يظهر حجم المخاطر التي تهدد أمن المدينة»، مؤكداً أن «لا حل إلا بحصر السلاح بيد الدولة، بما فيها سلاح (حزب الله)، وهو مدخل تعزيز الاستقرار وحماية اللبنانيين جميعاً»، وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن «نواب بيروت يدعمون قرار السلطة الإجرائية بالكامل، وأنهم يشددون على تطبيق هذه القرارات بالكامل ودون استثناء»، مطالباً بـ«انتشار قوي للجيش والقوى الأمنية وعدم التهاون في تنفيذ هذه المقررات التي تحمي المدينة وأهلها وضيوفها من النازحين من أهلنا في الجنوب وغيره من المناطق المستهدفة بالعدوان الإسرائيلي».

وكان نواب بيروتيون قد قرروا، الأسبوع الماضي، بالتعاون مع الهيئات الاقتصادية والمجتمع المدني البيروتي، الدعوة للمؤتمر بهدف إعلان موقف جامع من الأحداث الجارية، وتأكيد دور الدّولة، والدّفع نحو تنفيذ قرارات الحكومة، حمايةً للعاصمة ومرافقها وأهلها وسكّانها.

نواب بيروت يعقدون الخميس مؤتمر «إعلان بيروت مدينة منزوعة السلاح» (الوكالة الوطنية)

وأصدروا بياناً شدّدوا فيه على إدانة الاعتداءات الإسرائيليّة التي تطول الأراضي اللّبنانيّة، وصولاً إلى العاصمة بيروت، مؤكدين رفضهم زجّ لبنان في حربٍ «لا علاقة له بها»، ومعلنين دعمهم الكامل لقرارات الحكومة اللّبنانيّة الرّامية إلى بسط سيادة الدّولة وتعزيز الاستقرار.

وقال المجتمعون إنّهم يدينون الاعتداءات الإسرائيليّة التي تستهدف الأراضي اللّبنانيّة، بما فيها العاصمة بيروت، والتي أودت بحياة مدنيّين من أبناء المدينة وسكّانها، مؤكدين في الوقت نفسه رفضهم إدخال لبنان في حربٍ لا شأن له بها.

كما رفضوا أعمال التّحريض والشّغب التي تشهدها بيروت، معتبرين أنّها تعرّض أهلها للخطر وتهدّد أمنهم، وجدّدوا التّأكيد على التّمسّك بالوحدة الوطنيّة ورفض الفتنة.