«المنطقة الآمنة» في سوريا ثلاثة خيارات تركية

(تحليل إخباري)

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يعرض «المنطقة الآمنة» شمال سوريا في أنقرة قبل توجهه لأميركا في نوفمبر 2019 (أ.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يعرض «المنطقة الآمنة» شمال سوريا في أنقرة قبل توجهه لأميركا في نوفمبر 2019 (أ.ب)
TT

«المنطقة الآمنة» في سوريا ثلاثة خيارات تركية

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يعرض «المنطقة الآمنة» شمال سوريا في أنقرة قبل توجهه لأميركا في نوفمبر 2019 (أ.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يعرض «المنطقة الآمنة» شمال سوريا في أنقرة قبل توجهه لأميركا في نوفمبر 2019 (أ.ب)

وضع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على مائدة المفاوضات الدولية مطلبه القديم - الجديد، بإقامة منطقة آمنة خالية من «وحدات حماية الشعب» الكردية و«حزب العمال الكردستاني»، بعمق 30 كلم شمال سوريا.
هذه الخطة قديمة، اقترحها إردوغان لأول مرة في 2013، ثم عرض الخريطة المفصلة لها على منبر الأمم المتحدة في 2019، وقوبلت وقتذاك برفض أميركي وأوروبي وروسي، لكن أنقرة استطاعت عبر مقايضات وتوغلات عسكرية، تأسيس جيوب واختراقات فيها.
استلزم هذا أربع عمليات عسكرية: «درع الفرات» في جرابلس شمال حلب في 2016، «غضن الزيتون» في عفرين بريف حلب في 2018، «نبع السلام» بين تل أبيض ورأس العين شرق الفرات في نهاية 2019، و«درع السلام» في إدلب في ربيع 2020. واستلزم أيضاً سلسلة اتفاقات وقعتها أنقرة، تناولت تفاهمات حول إدلب، مع موسكو وطهران في أستانة في 2017، ثم مذكرات تفصيلية مع موسكو في 2018 و2020. كما وقعت أنقرة مع واشنطن اتفاقاً حول منطقة «نبع السلام» في أكتوبر (تشرين الأول) 2019. وقبل ذلك وقع الطرفان «خريطة طريق» خاصة بمنبج في 2018.
وبموجب ذلك، حصلت أنقرة على مناطق نفوذ تصل مساحتها إلى حوالي 10 في المائة من سوريا (المساحة الكلية هي 185 ألف كلم مربع)، أي ضعف مساحة لبنان، وتضم حوالي 4.4 مليون شخص يضافون إلى 3.7 مليون يعيشون في تركيا التي باتت لاعباً أساسياً على الأرض، إضافة إلى روسيا وإيران، اللتين تدعمان الحكومة على 63 في المائة من البلاد، وأميركا وحلفاؤها الذين يدعمون «قوات سوريا الديمقراطية» على 23 في المائة من شمال شرقي سوريا.
لكن، بالنسبة إلى تركيا، فإن الاتفاقات والتوغلات أدت إلى تقطيع أوصال الكيان الكردي على حدودها الجنوبية، ومنعت قيام إقليم مشابه لكردستان العراق، عبر إبعاد مقاتلي «الوحدات» و«العمال الكردستاني» جزئيا عن الحدود، أو عبر تغييرات ديموغرافية شمال سوريا. وهدف منع قيام كيان كردي يشكل نقطة تقاطع ضمنية مع طهران ودمشق، قيل في اجتماعات سرية وعلنية بين مدير مكتب الأمن الوطني اللواء علي مملوك ومدير المخابرات التركية فيدان حقان ومساعديهما، في موسكو وطهران وريف اللاذقية. وكانت الدول الثلاث، سوريا وإيران وتركيا، شكلت محوراً ثلاثياً في تسعينات القرن الماضي، ضد الكيان الكردي العراقي.
ما الجديد الآن؟
يعتقد إردوغان أن الحرب الأوكرانية أعطت تركيا ميزة تفاوضية أساسية مع روسيا وأميركا وأوروبا. فواشنطن تدعم عضوية السويد وفنلندا في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وكي يتحقق ذلك، لا بد من موافقة جميع الأعضاء، بمن فيهم أنقرة. وموسكو، تعارض ذلك وتراهن على الفيتو التركي لإضعاف «الناتو»، خصوصاً أن الرئيس فلاديمير بوتين استطاع، عبر علاقته الخاصة مع إردوغان، والمقايضات والتفاهمات في سوريا، والعلاقات الثنائية عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، إحداث اختراق أساسي في الجبهة الجنوبية لـ«الناتو»، حيث تقع قاعدة إنجرليك قرب حدود سوريا، على بعد عشرات الكيلومترات من قاعدة حميميم الروسية، غرب سوريا.
عليه، في الأيام الماضية ومع قرب انعقاد قمة «الناتو» في إسبانيا آخر الشهر، صعد إردوغان من خطابه، بالتلويح بالتوغل في شمال سوريا، لتأسيس «المنطقة الآمنة» وإبعاد «الوحدات» لمسافة 30 كلم من الحدود. واجتمعت المخابرات التركية مع فصائل سورية موالية استعداداً للمعارك، وتصاعد القصف المتبادل على خطوط التماس. وتناول الحديث ثلاث جبهات - مناطق: خطوط التماس قرب «نبع السلام» بين تل أبيض وراس العين شرق الفرات، وخطوط التماس قرب منبج بريف حلب، وجبهات القتال في تل رفعت.
واقع الحال، أن تقدير «المخاطرة» والأولوية في كل منطقة يختلف عنه في الأخرى:
- «المنطقة الحمراء»، حيث وسعت أميركا انتشار قواتها ودورياتها وسيرت طائرات شرق الفرات، لتأكيد حماية حلفائها وردع الجيش التركي. كما أعلنت واشنطن وأبلغت أنقرة عبر مندوبتها إلى الأمم المتحدة ليندا غريفيلد رفضها أي هجمات عسكرية. من جهتها، روسيا أخذت من التهديدات التركية مبرراً كي تعزز وجودها الاستراتيجي قرب الأميركيين شرق الفرات. أما تركيا، فتراجع خطابها، بحيث إن إردوغان حدد بوضوح أن العملية العسكرية لن تشمل شرق الفرات، بل غرب النهر فقط، وتحديداً في منبج وتل رفعت.
- «المنطقة الصفراء - الرمادية»، وهي غرب الفرات في منبج، حيث هناك اتفاق أميركي - تركي قديم حولها، تضمن إخراج «الوحدات» و«العمال الكردستاني» وتسيير دوريات مشتركة وتأسيس مجلس محلي بديل. التطمينات الأميركية لـ«الوحدات» شملت منبج، لاعتقاد واشنطن أن أي تهديد لها يهدد الحرب ضد «داعش» واستقرار خطوط التماس. وقد يؤدي أي هجوم تركي في منبج أو شرق الفرات، إلى تصعيد الضغوط الداخلية الأميركية وخصوصاً في الكونغرس، لإعادة تفعيل فرض العقوبات على تركيا، المعلنة بعد هجمات 2019. ولا شك أن إردوغان لا يريد ضغوطات اقتصادية إضافية قبل الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها العام المقبل. لكن، قد يختار إردوغان تصعيد الضغوطات في منبج لتطبيق «خريطة الطريق» والوصول إلى تسوية جديدة ضد «الوحدات» الكردية.
- «المنطقة الخضراء»، وهي تل رفعت غرب الفرات أيضاً، وهي خاضعة لنفوذ روسي وإيراني وسوري. نظرياً، تبدو العملية التركية أسهل هنا مما هي عليه في المنطقتين السابقتين، عبر الحصول على «ضوء أخضر» من موسكو، كما حصل إزاء عمليات «درع الفرات» و«غصن الزيتون» و«درع السلام» في السنوات السابقة. وقتذاك، حصلت روسيا على ثمن تركي في سوريا، أو في ملفات أخرى ثنائية، أو في العالم. وأغلب الظن أن الثمن الذي تريده موسكو من تسليم تل رفعت إلى أنقرة، سيكون في أوكرانيا وطلب السويد وفنلندا الانضمام لـ«الناتو»، أو بدفع أنقرة للتطبيع مع دمشق وقبول نشر قوات من حرس الحدود السورية على الحدود.
الأيام المقبلة ستكشف مآلات التصعيد التركي، الخطابي والعملياتي، وهل هو تفاوضي قبل انعقاد قمة «الناتو» في مدريد نهاية الشهر، والتي ستقرر مصير طلبي السويد وفنلندا والصدام الروسي - الغربي، أم استباقي بـاقتناص اللحظة الدولية، بحيث يفرض إردوغان الوقائع على الأرض قبل السفر إلى إسبانيا؟ أيضاً، أين يقع هذا التصعيد مع قرب الصدام الغربي - الروسي في مجلس الأمن حول تمديد الآلية الدولية للمساعدات العابرة للحدود التركية قبل العاشر من الشهر المقبل؟


مقالات ذات صلة

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

العالم العربي أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

استبقت تركيا انعقاد الاجتماع الرباعي لوزراء خارجيتها وروسيا وإيران وسوريا في موسكو في 10 مايو (أيار) الحالي في إطار تطبيع مسار العلاقات مع دمشق، بمطالبتها نظام الرئيس بشار الأسد بإعلان موقف واضح من حزب «العمال الكردستاني» والتنظيمات التابعة له والعودة الطوعية للاجئين والمضي في العملية السياسية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم العربي درعا على موعد مع تسويات جديدة

درعا على موعد مع تسويات جديدة

أجرت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا (جنوب سوريا) اجتماعات عدة خلال الأيام القليلة الماضية، آخرها أول من أمس (الأربعاء)، في مقر الفرقة التاسعة العسكرية بمدينة الصنمين بريف درعا الشمالي، حضرها وجهاء ومخاتير ومفاوضون من المناطق الخاضعة لاتفاق التسوية سابقاً وقادة من اللواء الثامن المدعوم من قاعدة حميميم الأميركية. مصدر مقرب من لجان التفاوض بريف درعا الغربي قال لـ«الشرق الأوسط»: «قبل أيام دعت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا، ممثلةً بمسؤول جهاز الأمن العسكري في درعا، العميد لؤي العلي، ومحافظ درعا، لؤي خريطة، ومسؤول اللجنة الأمنية في درعا، اللواء مفيد حسن، عد

رياض الزين (درعا)
شمال افريقيا مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

أجرى وزير الخارجية المصري سامح شكري اتصالات هاتفية مع نظرائه في 6 دول عربية؛ للإعداد للاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب بشأن سوريا والسودان، المقرر عقده، يوم الأحد المقبل. وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير أحمد أبو زيد، في إفادة رسمية، الخميس، إن شكري أجرى اتصالات هاتفية، على مدار يومي الأربعاء والخميس، مع كل من وزير خارجية السودان علي الصادق، ووزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان، ووزير خارجية العراق فؤاد محمد حسين، ووزير خارجية الجزائر أحمد عطاف، ووزير خارجية الأردن أيمن الصفدي، ووزير خارجية جيبوتي محمود علي يوسف. وأضاف أن «الاتصالات مع الوزراء العرب تأتي في إطار ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

أطلق الأردن سلسلة اتصالات مع دول عربية غداة استضافته اجتماعاً لبحث مسألة احتمالات عودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومشاركتها في القمة المقبلة المقرر عقدها في المملكة العربية السعودية هذا الشهر. وقالت مصادر أردنية لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماع عمّان التشاوري الذي عُقد (الاثنين) بحضور وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن وسوريا، ناقش احتمالات التصويت على قرار عودة سوريا إلى الجامعة العربية ضمن أنظمة الجامعة وآليات اعتماد القرارات فيها. وفي حين أن قرار عودة سوريا إلى الجامعة ليس مقتصراً على الاجتماعات التشاورية التي يعقدها وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن، فإن المصادر لا تستبعد اتفاق

شؤون إقليمية الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

بدأ الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أمس (الأربعاء) زيارة لدمشق تدوم يومين واستهلها بجولة محادثات مع نظيره السوري بشار الأسد تناولت تعزيز العلاقات المتينة أصلاً بين البلدين. وفيما تحدث رئيسي عن «انتصارات كبيرة» حققتها سوريا، أشار الأسد إلى أن إيران وقفت إلى جانب الحكومة السورية مثلما وقفت هذه الأخيرة إلى جانب إيران في حرب السنوات الثماني مع إيران في ثمانينات القرن الماضي. ووقع الأسد ورئيسي في نهاية محادثاتهما أمس «مذكرة تفاهم لخطة التعاون الاستراتيجي الشامل الطويل الأمد». وزيارة رئيسي لدمشق هي الأولى التي يقوم بها رئيس إيراني منذ 13 سنة عندما زارها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
TT

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، خلال اتصالٍ هاتفي مع نظيرته الكندية أنيتا أناند، الجمعة، مستجدات التصعيد في المنطقة، والجهود المبذولة للحفاظ على الأمن والاستقرار.

من جانب آخر، بحث وزير الخارجية السعودي، في اتصالٍ هاتفي تلقاه من نظيره الكوري الجنوبي جو هيون، تطورات التصعيد في الشرق الأوسط، والموضوعات ذات الاهتمام المشترك.

إلى ذلك، أشاد سفراء الدول الأوروبية في الرياض بالجهود التي تبذلها السعودية لصون الأمن والاستقرار بالمنطقة، والحفاظ على أمن أراضي المملكة، والتصدي بكفاءة لكل الهجمات الإيرانية السافرة.

أوضح الاجتماع موقف السعودية تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها (واس)

وأوضح اجتماع عقده المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي مع سفراء الدول الأوروبية، في الرياض، مساء الخميس، موقف المملكة تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها.

وجدَّد السفراء خلال الاجتماع إدانة بلدانهم للاعتداءات الإيرانية الغاشمة على السعودية ودول الخليج، وأخرى عربية وإسلامية، مُعربين عن تقديرهم للمساعدة التي قدمتها المملكة لإجلاء مواطنيهم وتسهيل عودتهم إلى بلدانهم.

حضر الاجتماع من الجانب السعودي، السفير الدكتور سعود الساطي وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية، والسفير عبد الرحمن الأحمد مدير عام الإدارة العامة للدول الأوروبية.


السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.