«لولا» يقود تحدي اليسار البرازيلي باعتماد «براغماتية» التعاون مع الوسط

بعد سنوات صعبة في ظل اليمين المتطرف

«لولا» يقود تحدي اليسار البرازيلي باعتماد «براغماتية» التعاون مع الوسط
TT

«لولا» يقود تحدي اليسار البرازيلي باعتماد «براغماتية» التعاون مع الوسط

«لولا» يقود تحدي اليسار البرازيلي باعتماد «براغماتية» التعاون مع الوسط

بعد سنوات من الرياح اليمينية التي هبّت على دول أميركا اللاتينية تشهد معظم بلدان شبه القارة عودة إلى الحكم اليساري، من البيرو إلى المكسيك وهندوراس، ومن الأرجنتين إلى تشيلي، في حين تشير نتائج الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية في كولومبيا التي أجريت يوم الأحد الفائت أن المرشح اليساري غوستافو برييتو الذي نال 41 في المائة من الأصوات قد يكون الرئيس المقبل لهذا البلد الذي تتعاقب على حكمه منذ عقود حكومات يتناوب عليها الليبراليون والمحافظون الذين قال عنهم الأديب الشهير غابرييل غارسيّا ماركيز يوماً: «إن الفارق الوحيد بينهم أن الليبراليين يذهبون إلى قداس الساعة السادسة، بينما يذهب المحافظون إلى قداس الساعة السابعة». بيد أن اكتمال العودة التاريخية لليسار إلى الهيمنة على المشهد السياسي في أميركا اللاتينية يبقى مرهوناً بالتغيير المرتقب في البرازيل، دولتها الكبرى التي ستشهد «أم المعارك» السياسية في الانتخابات الرئاسية مطلع الخريف المقبل. وهذه انتخابات أعلن الرئيس اليساري الأسبق «لولا» عزمه على خوضها ضد الرئيس الحالي، وغريمه اليميني اللدود جايير بولسونارو، علماً بأن القضاء البرازيلي كان قد حرم «لولا» من منافسته في الانتخابات السابقة إثر إحالته إلى السجن بتهمة الفساد التي برّأته منها المحكمة العليا أواخر العام 2019.
على مشارف نهاية العقد الثامن من عمره، يعود لويز إيناسيو لولا دا سيلفا (لولا) الرئيس البرازيلي الأسبق و«أيقونة اليسار» الأبرز في البرازيل ليخوض معركته الرئاسية السادسة بعد 33 سنة من المعركة الأولى. وهو مصمم تماماً على دحر الرئيس الحالي اليميني المتطرف جايير بولسونارو، وعلى «رمي الفاشية في مزبلة التاريخ التي ما كان يجب أن تخرج منها أبداً»، كما قال مطلع الأسبوع الفائت في خطاب إعلان ترشيحه للانتخابات التي ستجرى أواخر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

لولا (أ.ف.ب)  -  بولسونارو (رويترز)

منذ أشهر تشير جميع استطلاعات الرأي إلى أن «لولا» هو المرشّح الأوفر حظاً للفوز، وبفارق كبير عن بولسونارو، للمرة الثالثة برئاسة «العملاق البرازيلي» الذي يترنّح منذ سنوات تحت وطأة أزمة اقتصادية طاحنة واحتقان سياسي واجتماعي لم يُعرف بمثل شدّته منذ عقود. ولكن للمرة الأولى تجرى الانتخابات الرئاسية البرازيلية في غياب مرشح عن القوى والأحزاب الوسطية التي ستقرّر خيارات مناصريها مصير هذه المعركة... التي بدأ يحمى وطيسها قبل 3 أشهر من الانطلاق الرسمي للحملة الانتخابية في أغسطس (آب) المقبل.
المقرّبون من «لولا»، ذلك العامل الذي تدرّج في المناصب القيادية للنقابات اليسارية إبّان مراحل القمع العسكري، وأسّس حزب العمال البرازيلي ليرتقي بعد ذلك إلى سدة الرئاسة الأولى في العام 2002، يقولون عنه إنه لم يفكّر أبداً باعتزال السياسة أو الابتعاد عن صفوفها الأمامية، رغم تقدمه في السنّ ومشكلاته الصحيّة التي تفاقمت إبان وجوده طيلة سنتين تقريباً في السجن.
و«لكن رغم الشعبية الواسعة التي ما زال لولا» يتمتع بها - خاصة بين الطبقات الفقيرة والعاملة والمهمّشة، مثل المتحدرين من أصول أفريقية والشعوب الأصلية - سيبقى ترشحه للرئاسة مقصوراً على خطوة رمزية بلا مفاعيل على صعيد النتائج، ما لم تقترن بانفتاح لتوسيع دائرة التحالف مع القوى الوسطية واليمينية التي ترفض التجديد بولاية ثانية لبولسونارو، وأيضاً ببرنامج واضح يحدد أهدافه الرئيسة خلال السنوات الأربع المقبلة في حال انتخابه.
- الانفتاح على الوسط
المؤشرات الأولى تدلّ على أن «لولا»، إدراكاً منه لأهمية استقطاب ناخبي الوسط واليمين الرافضين بقاء بولسونارو 4 سنوات أخرى في سدة الرئاسة، نجح في فتح أبواب الحركة التي أسسها تحت عنوان «معاً من أجل البرازيل» لتنضمّ إليها حتى الآن 7 أحزاب من الوسط، يتقدمها جيرالدو ألكمين الحاكم السابق لولاية ساوباولو، أكبر الولايات البرازيلية، الرجل الذي كان في السابق أحد خصوم «لولا» السياسيين، لكنه غدا اليوم مرشحه لمنصب نائب الرئيس.
وفي خطاب إعلان «لولا» ترشحه، قال: «إننا نسعى إلى توحيد الديمقراطيين من كل المشارب والمنازع لمواجهة التهديد الاستبدادي والحقد والعنف والتمييز والتهميش. يكفينا ما نعيشه منذ 4 سنوات من تهديدات وتوتر مفتعل. البلاد بحاجة إلى الوئام والهدوء». وذلك في معرض الإشارة إلى الانتقادات التي يكرّرها بولسونارو منذ فترة ضد مؤسسات الدولة المدنية والنظام الانتخابي... فيما يفسّره المراقبون أنه توطئة للطعن في نتائج الانتخابات إذا لم تكن لصالحه أو تغيير مسارها، ملمحاً إلى تكليف الجيش الإشراف عليها.
أيضاً، في تصريحاته الأولى بعد إعلان ترشحه، قال «لولا»، الذي يطلق عليه لقب «أب الفقراء»: إنه يتعهد بالتوفيق بين تحقيق النمو الاقتصادي وتعزيز الخدمات والمساعدات الاجتماعية للطبقات الفقيرة، كما فعل عندما وصل إلى السلطة في العام 2003 ثم في العام 2010. وكذلك زيادة فرص العمل ومكافحة الجوع وحماية غابة الأمازون والشعوب الأصلية. ويدرك هذا الزعيم اليساري المخضرم أن الأزمات المتراكمة منذ وصول بولسونارو إلى الحكم، من تراجع النمو الاقتصادي إلى أدنى مستوياته، وارتفاع التضخم بنسبة قياسية، وتفشي البطالة، عوامل تزيد من حظوظ فوزه ضد بولسونارو، الذي تضيق دائرة أنصاره حتى تكاد تكون مقصورة على القوات المسلحة التي خرج منها، وأغدق عليها المزايا خلال رئاسته، والقوى اليمينية المتطرفة... وبخاصة بين الأصوليين الإيفانجيليين المتشددين.
من ناحية ثانية، رغم براعة «لولا» المشهودة في الارتجال، فإنه قرأ خطاب إعلانه ترشحه من الألف إلى الياء نزولاً عند إصرار مستشاريه لتحاشي زلّاته التي تكرّرت في الآونة الأخيرة، ومنها قوله لمجلة «تايم» الأميركية إن الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلنسكي «يتحمّل مسؤولية الحرب (في أوكرانيا) بقدر ما يتحملها نظيره الروسي، وإنه يتصرف كما لو أنه على خشبة مسرح».

- أمام البرازيل «خياران»!
ويستعيد «لولا» في معظم تصريحاته الأخيرة خطاباً يستحضر الإنجازات التي حققها في الماضي من غير أن يركّز كثيراً على المستقبل. ويدعو إلى إصلاح ما دمّره بولسونارو، مركزاً على «أن البرازيليين أمام خيارين في الخريف المقبل؛ برازيل الديمقراطية أو برازيل الاستبداد. برازيل الحقيقة أو برازيل الأكاذيب اليومية. برازيل التسامح أو برازيل الاضطهاد. لم يكن الاختيار أبداً أسهل مما هو عليه اليوم».
كذلك يؤكد المرشح العائد أن الفترة التي أمضاها في السجن (580 يوماً في زنزانة مساحتها 15 متراً مربعاً) قبل الإفراج عنه بعد تبرئته من تهمة الفساد وإسقاط الحكم بسجنه 12 سنة، لم تترك لديه أي شعور بالانتقام، مع أنها حرمته من الترشّح في انتخابات العام 2018 التي فاز بها بولسونارو على مرشحه فرناندو حداد.
غير أن المفاجأة الكبرى التي رافقت إعلان ترشح «لولا» للرئاسة كانت في تحالفه مع خصمه التاريخي السابق جيرالدو ألكمين، في أعقاب إدراكه أن أصوات اليسار وحدها ليست كافية للفوز على بولسونارو. وكان ألكمين لسنوات أحد القياديين البارزين لحزب الوسط الكبير، قبل أن يستقيل منه أخيراً لينضم إلى معسكر «لولا» مع أحزاب تقدمية أخرى «دفاعاً عن الديمقراطية»، كما قال خلال تقديمه كمرشح لمنصب نائب الرئيس. وحقاً، يقول أحد المحللين المقربين من «لولا» إنه مع كون التحالف مع ألكمين خياراً سيئاً من المنظور الآيديولوجي، فهو على الصعيد العملي يساعد على مواجهة المرحلة التالية. لأنه في حال الفوز سيرث لولا بلداً في أسوأ وضع شهدته حكومة برازيلية منذ عقود. ولذا من الضروري توسيع دائرة التحالفات لتشمل أكبر عدد ممكن من القوى السياسية خارج المشهد اليساري.
- ضرورات الواقعية السياسية
وفي الحقيقة، ينتمي ألكمين تاريخياً إلى الجناح المعتدل في الحزب الاشتراكي البرازيلي الذي تعتبر مدينة ساو باولو قاعدته الأساسية. وهو الحزب الذي خرج من صفوفه الرئيس الأسبق فرناندو كاردوزو الذي حكم ولايتين متتاليتين، تميزتا بخط تقدمي على الصعيد السياسي، وآخر ليبرالي على الصعيد الاقتصادي. ويحمل هذا التقارب بين لولا وألكمين رسالة قوية إلى الناخبين الذين يحسمون موقفهم عادة في الشوط الأخير من الحملة الانتخابية، وغالباً ما يقرّرون مصير النتائج. إنها رسالة مفادها أن «لولا»، الأيقونة اليسارية بلا منازع في البرازيل، مستعد للسير في اتجاه المواقف الوسطية، ليس في السياسة فحسب، بل أيضاً في مجالات أخرى اقتصادية واجتماعية كان بولسونارو نجح في استغلالها لاستقطاب تأييد واسع وحاسم بين الناخبين الذين كانوا يخشون تطرّف حزب العمال فيها. ولا شك أن شخصية مثل ألكمين، البورجوازي المعتدل، من شأنها أن تطمئن هذه الشريحة الواسعة من الناخبين، كما أنها تعزّز حظوظ حزب العمال بالفوز أيضاً بحاكمية ولاية ساو باولو لمرشحه فرناندو حداد (المرشح الرئاسي السابق).
ثم إن الجهود الحثيثة التي يبذلها «لولا» لطمأنة الخائفين من نزوعه نحو المواقف اليسارية المتطرفة، التي طالما استغلها خصومه في السنوات الأخيرة، لا تقتصر على التحالفات التي ينسجها يوماً بعد يوم مع القوى السياسية الوسطية واليمينية المعتدلة، إذ بدأ فعلياً ينفتح على التعاون مع بعض الرموز الاقتصادية الليبرالية مثل مارسيلو فريشو، الحاكم السابق للمصرف المركزي البرازيلي إبان عهد كاردوزو، الذي يقال إنه قد يتولّى الإشراف على البرنامج الاقتصادي للمرشّح اليساري العائد.
في المقابل، يقول مراقبون إن ما يراه البعض «تحوّلاً» في نزوع «لولا» نحو الاعتدال في مواقفه السياسية وطروحاته الاقتصادية، ليس سوى تصرّف متوقع من الذي كان زعيماً نقابياً قبل أن يكون قائداً يسارياً، وواكب صعود اليسار البراغماتي الذي تشهد صعوده أميركا اللاتينية منذ فترة، من المكسيك شمالاً إلى الأرجنتين وتشيلي جنوباً. وهو يسار يدرك أنه لم يعد قادراً على تبنّي طروحات شعبوية في الاقتصاد، ولا يتردد في اللجوء إلى الوصفات الليبرالية التي طالما حاربها.
- تراجع حماسة الناخبين
لكن البرازيل تعاني منذ سنوات من ظاهرة متنامية، هي إن كانت متفشية على نطاق عالمي فلها تداعيات أكثر خطورة في هذا البلد العملاق الذي يزخر بثروات طبيعية ضخمة، ويتعايش فيه الفقر والثراء الفاحش بشكل صارخ. هذه الظاهرة هي العزوف الكثيف للمواطنين عن المشاركة في الحياة السياسية نتيجة للفساد المتفشـّي والوعود الانتخابية التي تتبخّر مع ظهور النتائج، وعجز الأحزاب السياسية - اليمينية واليسارية - عن تجاوز الاستقطاب التقليدي البالي والطروحات التي عمّقت الشعور بالخيبة والإحباط لدى المواطنين.
ومن الدلائل الواضحة على عجز الأحزاب السياسية البرازيلية، وبالأخص اليسارية بينها، أن النقابات العمالية الكبرى التي كان لها الدور الأساس في الدفاع عن حقوق العمال، لم تتمكن من حشد سوى عدد ضئيل جداً من الأنصار في الاحتفالات الأخيرة بعيد العمال، التي كان يتدافع فيها الملايين سابقاً. هذه النقابات، والأحزاب التي تقف وراءها، لم تعد محط آمال الطبقة العاملة بعدما تجاوز عدد العاطلين عن العمل في البرازيل رقم 12 مليوناً، بينما تجهد الطبقة المتوسطة لتلبية احتياجاتها الأساسية من غير اللجوء إلى الاستدانة التي ترزح تحت وطأتها ملايين الأسر في هذا البلد الغني الذي يعيش 11 في المائة من سكانه على المعونة الغذائية.
من جهة أخرى، يبدو أن «لولا» أدرك أن هذا المشهد الذي كان يتنامى ويتوسع في ظل الفساد المالي والسياسي الذي رافق السنوات الثماني التي أمضاها في الرئاسة والولاية التالية التي رأستها «خليفته» ديلما روسّيف - قبل عزلها أيضاً بسبب الفساد - هو الذي مهّد لوصول اليمين المتطرف إلى الحكم وتنصيب سياسي مغمور ومتهور من غير أي تجربة سابقة في الحكم مثل بولسونارو، الذي قد يعيده مرة ثانية... ويعيد معه العسكريين الذين لم يفقدوا يوماً شهيّة الوصول إلى السلطة.
وحقاً، يخشى المراقبون أنه في حال أخفق «لولا» في إنهاض الرغبة لدى مواطنيه للمشاركة في الحياة السياسية وإيقاظ الشغف بالشأن العام الذي عمّ المجتمع البرازيلي بعد سقوط الديكتاتورية العسكرية، فإن البرازيل قد تعود وتقع مرة أخرى في قبضة اليمين المتطرف الذي يشير آخر الاستطلاعات أنه بدأ يقلّص الفارق الكبير الذي كان يفصله عن «لولا» أواسط الشهر الفائت.
- الواقعية الجديدة... من حماية البيئة إلى عملة أميركية لاتينية موحدة
> يصف البعض الانتخابات الرئاسية المقبلة في البرازيل بأنها الأكثر مأساوية وخطورة منذ سقوط الحكم العسكري. ويلاحظ هؤلاء أن جميع القوى والأحزاب الديمقراطية، من اليمين إلى اليسار، تولي أهمية متزايدة للدور الإقليمي الذي يلعبه هذا البلد الذي دَرَج على التمايز عن محيطه.
والواقع أنهم ليسوا قلة أولئك البرازيليين الذين «يستهجنون» القول إن البرازيل هي أيضاً جزء من أميركا اللاتينية، وذلك لأنهم ينظرون إلى بلدهم على أنه قارة قائمة بذاتها، أو أنه إمبراطورية في طور الاكتمال.
مع هذا، يتزايد عدد الذين يرون اليوم أن البرازيل تجرّ عجزاً جيوسياسياً كبيراً بسبب قلة تبنّيها لانتمائها إلى شبه القارة الأميركية اللاتينية. ويرى هؤلاء أنه في زمن الاهتزازات الكبرى التي تهدد بتغيير الحدود العالمية، من المستحسن ألا تكون البرازيل خارج خريطة أميركا اللاتينية.
وإذا كانت البرازيل فعلاً تفقد بعضاً من هويتها وزحمها الاقتصادي والثقافي منفصلة عن بقية البلدان الأميركية اللاتينية، فإن العكس صحيح أيضاً. فالبرازيل في أميركا الجنوبية مارد يشكّل 47 في المائة من مساحتها ونصف سكانها، وهي أيضاً خامس دولة في العالم من حيث المساحة وإحدى القوى الاقتصادية العالمية الرئيسية.
للبرازيل حدود مع 11 دولة في أميركا اللاتينية. وثمة دراسات دولية كثيرة تتوقع أن تلعب دوراً اقتصادياً وسياسياً رائداً على الصعيد العالمي في العقود المقبلة. ثم إنها حالياً الشريك التجاري الخامس للاتحاد الأوروبي وتستقطب 43 في المائة من إجمالي استثماراته الخارجية.
ثم إن معظم الدراسات التي تُجريها معاهد البحوث الإقليمية منذ سنوات تؤكد أن الخيار واضح بالنسبة لمستقبل أميركا اللاتينية: التكامل والاندماج... أو التخلّف عن ركب التطور العالمي. وتشدّد هذه الدراسات على أن المخاطر التي تنشأ عن تدمير البيئة الطبيعية أشد ضرراً من الحروب.
ومع تفاقم أزمة الطاقة العالمية تزداد أهمية مصادر الطاقات المتجددة وتأثيرها على المشهد الاقتصادي والاجتماعي في المستقبل، ما يضفي أهمية استثنائية للثروة الطبيعية التي تملكها البرازيل في غابات الأمازون التي تتقاسم بعض أطرافها مع الدول المجاورة، والتي تتعرّض لخطر التصحّر السريع بسبب السياسات التي تتبعها حكومة بولسونارو منذ وصوله إلى الحكم. وتفيد البيانات الرسمية الأخيرة بأن البرازيل دمّرت أكثر من 13 ألف كلم مربع في العام الماضي وحده، وهو أعلى رقم منذ 15 سنة.
وهنا يخطط مستشارو لولا والقوى المتحالفة معه لجعل الحفاظ على البيئة والثروات الطبيعية البرازيلية أحد العناوين الرئيسية لحملته الانتخابية، وعلى مقاربة هذا الملف بالتعاون الوثيق مع البلدان المجاورة. والجدير بالذكر أن غابات الأمازون وحدها تعادل نصف الغابات الاستوائية الموجودة في العالم، وهي أكبر خزان للمياه في الكرة الأرضية، منها 20 في المائة من المياه صالحة للشرب، فضلاً عن أنها موئل لما يزيد على 16 ألفاً من الأجناس الطبيعية، وأكثر من 390 مليون شجرة توفّر 10 في المائة من الأكسيجين في رئة العالم.
ويبدو لولا أكثر المتحمسين لهدا التوجّه، خصوصاً بعد وصول اليسار إلى الحكم في المكسيك والأرجنتين وتشيلي. وهو يكرّر في خطبه التذكير بالمادة السابعة من الدستور البرازيلي التي تنصّ على «... السعي إلى الاندماج الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي مع شعوب أميركا اللاتينية بهدف قيام مجموعة الأمم الأميركية اللاتينية». كذلك في خطاب إعلان ترشحه دعا إلى البحث في اعتماد عملة موحّدة في أميركا اللاتينية «تضمن الاستقرار النقدي على غرار الدولار أو اليورو وتوطّد دعائم الاقتصاد في المنطقة».


مقالات ذات صلة

25 حزباً موريتانياً تتنافس في انتخابات «توافقية» سابقة لأوانها

العالم 25 حزباً موريتانياً تتنافس في انتخابات «توافقية» سابقة لأوانها

25 حزباً موريتانياً تتنافس في انتخابات «توافقية» سابقة لأوانها

انطلقت فجر أمس، الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية والجهوية والمحلية، التي تنظم بشكل متزامن في موريتانيا يوم 13 مايو (أيار) المقبل، والتي يتنافسُ فيها 25 حزباً سياسياً ضمن أكثر من ألفي لائحة انتخابية، لنيل ثقة 1.7 مليون ناخب موريتاني. وكان من المفترض أن تنظم الانتخابات في شهر أغسطس (آب) المقبل، لكن تم تعجيلها إلى شهر مايو، بموجب اتفاق سياسي بين أحزاب الموالاة والمعارضة، تفادياً لتنظيمها في موسم الأمطار، حيث تنتشر الفيضانات والعواصف، ما يمنع الوصول إلى مناطق نائية من البلد، وهو ما تسبب في مشاكل كبيرة خلال الانتخابات السابقة (2018). وبموجب الاتفاق السياسي نفسه الذي أشرفت عليه وزارة الداخلية

الشيخ محمد (نواكشوط)
العالم 25 حزباً موريتانياً تتنافس في انتخابات «توافقية» مبكرة

25 حزباً موريتانياً تتنافس في انتخابات «توافقية» مبكرة

انطلقت فجر اليوم (الجمعة) الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية والجهوية والمحلية، التي تنظم بشكل متزامن في موريتانيا يوم 13 مايو (أيار) المقبل، والتي يتنافسُ فيها 25 حزباً سياسياً ضمن أكثر من ألفي لائحة انتخابية، لنيل ثقة 1.7 مليون ناخب موريتاني. وكان من المفترض أن تنظم الانتخابات في شهر أغسطس (آب) المقبل، لكن جرى تعجيلها إلى شهر مايو، بموجب اتفاق سياسي بين أحزاب الموالاة والمعارضة، تفادياً لتنظيمها في موسم الأمطار، حين تكثر الفيضانات والعواصف، ما يمنع الوصول إلى مناطق نائية من البلاد، وهو ما تسبب في مشكلات كبيرة خلال الانتخابات السابقة (2018). وبموجب الاتفاق السياسي نفسه الذي أشرفت عليه وز

الشيخ محمد (نواكشوط)
العالم «تجمع الأحرار» المغربي يفوز بمقعد نيابي في انتخابات جزئية

«تجمع الأحرار» المغربي يفوز بمقعد نيابي في انتخابات جزئية

فاز حزب «التجمع الوطني للأحرار» المغربي، متزعم الائتلاف الحكومي، بمقعد نيابي جديد عقب الانتخابات الجزئية، التي أُجريت أمس بالدائرة الانتخابية في مدينة بني ملال، الواقعة جنوب شرقي الدار البيضاء. وحصل مرشح الحزب عبد الرحيم الشطبي على أعلى عدد من الأصوات، حسب النتائج التي أعلنت عنها السلطات مساء (الخميس)، حيث حصل على 17 ألفاً و536 صوتاً، في حين حصل مرشح حزب الاتحاد الاشتراكي المعارض على 2972 صوتاً، بينما حل مرشح «الحركة الشعبية» في المرتبة الثالثة بـ2259. ويشغل الشطبي، الذي فاز بمقعد نيابي، منصب المنسق الجهوي لحزب التجمع الوطني للأحرار في جهة بني ملال - خنيفرة. وشهدت الانتخابات الجزئية مشاركة ضعي

«الشرق الأوسط» (الرباط)
العالم ما الدور المرتقب للقبائل الليبية في الانتخابات المُنتظرة؟

ما الدور المرتقب للقبائل الليبية في الانتخابات المُنتظرة؟

أعادت التحركات الجارية في ليبيا حالياً باتجاه السعي لإجراء الانتخابات العام الجاري، القبائل إلى دائرة الضوء، وسط توقع سياسيين بأنه سيكون لها دور في السباق المنتظر، إذا توفر التوافق المطلوب بين الأفرقاء، والذي تعمل عليه البعثة الأممية. ويرى سياسيون أن الاستحقاق المنتظر يعد بوابة للقبائل في عموم ليبيا، لاستعادة جزء من نفوذها الذي فقدته خلال السنوات الماضية على خلفية انخراطها في حسابات الصراع السياسي والعسكري.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم إردوغان يلغي أنشطته الانتخابية اليوم بسبب إنفلونزا المعدة

إردوغان يلغي أنشطته الانتخابية اليوم بسبب إنفلونزا المعدة

قطع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، أمس (الثلاثاء)، مقابلة تلفزيونية مباشرة قبل أن يعود ويعتذر متحدثاً عن إصابته بإنفلونزا المعدة، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. ألقى الزعيم البالغ التاسعة والستين ثلاثة خطابات انتخابية، أمس، قبل انتخابات رئاسية وتشريعية في 14 مايو (أيار) تبدو نتائجها غير محسومة. وكان مقرراً أن يُنهي إردوغان الأمسية بمقابلة مباشرة مشتركة مع قناتي «Ulke» و«Kanal 7»، وقد بدأ ظهوره التلفزيوني بعد تأخير لأكثر من 90 دقيقة، ثم قطعه بعد عشر دقائق خلال طرح سؤال عليه. وعاد إردوغان بعد 15 دقيقة واعتذر قائلاً إنه أصيب بوعكة. وأوضح: «أمس واليوم كان هناك عمل كثير.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، وأكد أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

تحوّلات ونماذج بديلة

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

امتحان التكيّف والتعاون

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.


سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
TT

سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)

قال السفير الأميركي لدى تركيا توم براك إن واشنطن لا تمانع عودة تركيا إلى برنامج إنتاج وتطوير مقاتلات «إف - 35»، متوقعاً أن يتم معالجة مسألة العقوبات الأميركية المفروضة عليها بسبب شرائها منظومة الدفاع الصاروخي الروسية «إس - 400» قريباً.

وفي تكرار لتصريحات أطلقها في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قال براك، خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الذي انطلقت دورته الخامسة، الجمعة، في مدينة أنطاليا جنوب تركيا،: «أعتقد أن مشكلة منظومة (إس – 400) ستحل قريباً، ومن وجهة نظر رئيسي (دونالد ترمب)، لا مانع من قبول تركيا في برنامج طائرات (إف - 35)».

وأخرجت الولايات المتحدة تركيا من برنامج مقاتلات «إف - 35»، التي تنتجها شركة «لوكهيد مارتن»، عقب حصولها على منظومة «إس - 400» في صيف عام 2019، لتعارضها مع منظومة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وفرض عليها ترمب عقوبات بموجب قانون «كاتسا» في أواخر عام 2020، فيما اعتبرته تركيا قراراً غير عادل، لا سيما أنها دفعت نحو 1.4 مليار دولار لشراء مقاتلات «إف - 35».

منظومة «إس - 400» الروسية (موقع الصناعات الدفاعية التركية)

وعلى الرغم من اتجاه تركيا للبحث عن بدائل مثل طائرات «يوروفايتر تايفون» الأوروبية أو إنتاج بدائل محلية، فإنها تواصل السعي لرفع العقوبات الأميركية والحصول على مقاتلات «إف - 35».

وفي ديسمبر الماضي، قال براك، إن أنقرة باتت أقرب إلى التخلي عن المنظومة الروسية، متوقعاً إمكانية حل هذا الملف خلال فترة تتراوح بين 4 و6 أشهر، لافتاً إلى أن القانون الأميركي لا يسمح لتركيا بتشغيل أو حيازة المنظومة الروسية إذا أرادت العودة لبرنامج إنتاج وتطوير المقاتلة الأميركية.

واقترحت تركيا، في مارس (آذار) الماضي، تشغيل منظومة «إس - 400» بشكل مستقل عن أنظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) لحل الخلاف مع الولايات المتحدة، وإنهاء أزمة استبعادها من مشروع إنتاج وتطوير مقاتلات «إف - 35» والحصول عليها.

وزير الدفاع التركي يشار غولر (الدفاع التركية)

ولم تفعّل تركيا المنظومة الروسية منذ حصولها عليها، بموجب الصفقة التي وقعت مع روسيا في عام 2017، أو نقلها إلى مكان آخر أو بيعها لدولة أخرى.

وقال وزير الدفاع التركي، يشار غولر، «إن الحل الذي اقترحته تركيا بات واضحاً، تم إبلاغ نظرائنا الأميركيين بفكرة تشغيل منظومة (إس – 400) كنظام مستقل، دون دمجها في أنظمة الناتو، وإن هذا هو الحل الأمثل».

وعن مسار العلاقات التركية - الأميركية، قال براك إن العلاقات بين أنقرة وواشنطن شهدت تقدماً ملحوظاً خلال الـ16 شهراً الماضية يفوق ما تحقق خلال الـ15 عاماً الماضية.

ولفت إلى إحراز تقدم في مجالات السياسة الخارجية والاستخبارات والشؤون العسكرية والتجارية، لا سيما في ظل العلاقات الجيدة بين الرئيسين، رجب طيب إردوغان ودونالد ترمب.

براك متحدثاً عن العلاقات التركية - الأميركية خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (إعلام تركي)

وأضاف براك: «يجري إعادة تشكيل التحالف بين البلدين، ما حدث في سوريا (منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024) كان في صالح تركيا إلى حد كبير، تستحق تركيا والسعودية ثناءً كبيراً لدعمهما هذا «الهيكل الناشئ» في سوريا.

وتابع أنه «حتى مع وجود بعض العيوب؛ في الواقع، كانت تركيا العامل الحاسم في هذه العملية، العلاقات بين البلدين أفضل من أي وقت مضى، أعتقد أنه سيتم التوصل إلى حل لمسألة منظومة (إس – 400) قريباً، ومن وجهة نظري، فإن إعادة قبول تركيا في برنامج (إف - 35) أمر ممكن أيضاً».