حسن شيخ محمود... «رجل المفاجآت» أمام اختبار «الفرصة الثانية»

عاد لرئاسة الصومال في سابقة تاريخية محمَّلاً بآمال تحقيق الاستقرار

حسن شيخ محمود... «رجل المفاجآت» أمام اختبار «الفرصة الثانية»
TT

حسن شيخ محمود... «رجل المفاجآت» أمام اختبار «الفرصة الثانية»

حسن شيخ محمود... «رجل المفاجآت» أمام اختبار «الفرصة الثانية»

محمَّلاً بآمال استعادة الاستقرار الأمني والسياسي، ولو بشكل نسبي، عاد «رجل المفاجآت» الرئيس الصومالي السابق حسن شيخ محمود، إلى سدة الحكم مجدداً، ليصبح الرئيس العاشر للصومال، محطماً عرفاً انتخابياً دام 62 سنة، ومواجهاً اختبار الفرصة الثانية في بلد يموج بالاضطرابات الأمنية والسياسية. تسلم شيخ محمود، منصبه كرئيس جديد للبلاد يوم (الاثنين) الماضي، وسط مراسم تنصيب محدودة بالقصر الرئاسي في مقديشو. وجاء فوزه بالانتخابات منتصف مايو (أيار) الجاري، على حساب الرئيس المنتهية ولايته محمد عبد الله فرماجو، في ماراثون انتخابي دام أكثر من سنة من قِبل أعضاء البرلمان بغرفتيه، وكان يجتمع داخل مرآب طائرة في مطار العاصمة مقديشو تحت حراسة مشددة من القوات الأفريقية، لتفادي هجمات مسلحة باتت أمراً اعتيادياً في البلاد. هذا، وسبق أن تولى شيخ محمود (66 سنة)، منصب الرئاسة من قبل بين عام 2012 وعام 2017، في حين لم يسبق أن فاز رئيس سابق بولاية ثانية في الصومال.
يرى مراقبون للمشهد الصومالي أن الرئيس حسن شيخ محمود استغل خبرته السابقة ونجاحه في فرض «هدوء نسبي» إبان فترته الأولى، وفيها تمكن من «إضعاف حركة الشباب» المسلحة والموالية لتنظيم «القاعدة»، فضلاً عن الدعم الإقليمي والدولي الذي يحظى به، كمبرر قوي لعودته للحكم مرة أخرى. وتشير أستاذة الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة هبة البشبيشي، في لقاء أجرته معها «الشرق الأوسط»، أن فوز شيخ محمود بالمنصب مرة أخرى، يعبّر عن «رغبة أعضاء البرلمان الصومالي في استعادة فترة حكمه السابقة والتي اتسمت نوعاً بوجود استقرار نسبي، ليس حقيقياً، لكن على الأقل فإن التخلص من (سلفه محمد عبد الله) فرماجو وصراعه المحتدم مع رئيس وزرائه محمد حسين، والذي تورّط فيه عدد من الموظفين الدوليين في الصومال، بات أمراً ملحاً».
غير أن شيخ محمود يواجه تحديات صعبة خلال رئاسته المقرر لها 4 سنوات. وتقول البشبيشي موضحة: «أمام الرئيس الجديد مهام صعبة بل في غاية الصعوبة من محاولة سيطرة حركة الشباب، ومواجهة الحالة الاقتصادية المتردية، وخطر المجاعة والجفاف الذي يحيط بأكثر من 3 ملايين صومالي». لكنها تعوّل مع ذلك على قدرة شيخ محمود على «إنهاء فصول التجاذبات السياسية» التي تعصف بالبلاد.
جاء فوز شيخ محمود بالرئاسة، بعد انتخابات ماراثونية دامت ثلاث جولات، اقتصر فيها حق التصويت فقط على نواب البرلمان، بسبب المخاوف الأمنية من إجراء انتخابات شاملة، حيث اقتصرت المشاركة في التصويت على 328 نائباً. وحصل الرئيس المنتخب على 214 صوتاً، مقابل 110 أصوات لصالح خصمه فرماجو في جولتها الأخيرة، أقسم بعدها محمود اليمين الدستورية.
وتعد هذه المرة الثالثة فقط الذي تجري فيها انتخابات رئاسية بطريقة غير مباشرة داخل الصومال، التي لم تشهد انتخابات ديمقراطية شعبية منذ 1969، بل إن الانتخابات السابقة أُجريت في كينيا وجيبوتي المجاورتين، الأمر الذي جعل محللين يرون أن إجراء الانتخابات بالصومال «نجاح في حد ذاته». وكان يفترض أن تجري الانتخابات العام الماضي مع انتهاء ولاية فرماجو، لكن الخلافات السياسية وعدم الاستقرار ساهما في تأجيل التصويت أكثر من مرة، ما أتاح لفرماجو البقاء في السلطة.

تقريب المسافات
يدرك شيخ محمود، الملقب محلياً بـ«رجل المفاجآت»، المهمة الرئيسية التي استُدعي إليها، وهي توحيد الصفوف ولمِّ الشمل. ولذلك استهلّ إعلان فوزه في أول كلمة له أمام البرلمان، تعهّد خلالها بالعمل على تقريب المسافات بين الصوماليين، ونافياً الانتقام من أنصار النظام السابق. ومما قاله شيخ محمود: «علينا المضيّ قدماً ولسنا بحاجة إلى ضغائن... ولا انتقام». وأردف: «لا يمكننا أن ننسى الماضي المؤلم ولكن نستطيع أن نسامح. هنا في هذه القاعة سُلمت الرئاسة إلى محمد (فرماجو) في عام 2017 وسلمها هو لي الليلة».
كلام شيخ محمود، المرفق دائماً بابتسامته الشهيرة الهادئة، ضخّ تفاؤلاً لدى كثيرين من أبناء الصومال بل والمجتمع الدولي، ما جعل الكاتب الصومالي عبد القادر علي ورسَمه، يصفه بـ«الرئيس البسام»، قائلاً: «الشيخ محمود شخصية لا تفارقه البسمة في وجهه، وقد أكد في برنامجه الانتخابي العفو العام عن الجميع... وبدأت مرحلته بهذه النوع من الفرحة والسرور... إننا نتفاءل بابتسامته، وبتحمله المشاق في سبيل الإصلاح المنشود».
في المقابل، يُجمل الخبير في الشأن الأفريقي الدكتور حمدي عبد الرحمن، السبب الأساسي في خسارة فرماجو أمام شيخ محمود بأن الأول «جعل الصومال، بما تعانيه من تحديات بناء الدولة، جزءاً من استقطاب سياسات القرن الأفريقي... فهزم الرجل الذي تشبّث بأهداب السلطة حتى آخر لحظة بالمماطلة والأساليب كافة». وأضاف في تغريدة له على صفحته بـ«فيسبوك»، «هزم فرماجو في الجولة الثالثة في ماراثون انتخابي من قبل أعضاء البرلمان بغرفتيه والذي اجتمع في أحد هناجر مطار مقديشو تحت حراسة مشددة من القوات الأفريقية. ولعل ذلك يعطي دلالة على ما قدم الرجل أنه على الرغم من السنوات الخمس التي قضاها في السلطة والأموال التي أُنفقت على المؤسسة الأمنية والعسكرية لم يتمكن البرلمان من عقد جلسته في مقره المعتاد وإنما في مكان قصيّ وبحراسة قوات أجنبية».
يدرك شيخ محمود جيداً أنه يواجه مهمة صعبة في دولة يبلغ عدد سكانها 15 مليون نسمة، وتعاني من أسوأ جفاف منذ 40 عاماً.
ويعاني الصومال من حرب أهلية وتمرد وصراع بين العشائر مع عدم وجود حكومة مركزية قوية منذ الإطاحة بالحاكم الاستبدادي محمد سياد بري عام 1991، وليس للحكومة أي سيطرة تُذكر خارج العاصمة كما تتولى قوة من الاتحاد الأفريقي حماية «منطقة خضراء». وفي محاولة لتغيير هذا الواقع المرير تعهد شيخ محمود بالإصغاء لجميع الفرقاء في الصومال، ومحاولته تشكيل مناخ سياسي حر، وقال إنه يعتزم جمع كل الأطراف على طاولة واحدة لمناقشة مستقبل البلاد.

خبرة تعليمية وتربوية
يحظى شيخ محمود، المولود في مدينة غللقسي وسط الصومال عام 1955، بخبرة تربوية وتعليمية واسعة، بخلاف خبرته السياسية كونه سبق أن تولى رئاسة البلاد بين سبتمبر (أيلول) 2012، و16 فبراير (شباط) 2017، وأنه رئيس حزب «السلام والتنمية» الذي أسسه عام 2011.
وهو أيضاً يعد ابناً للبيئة الصومالية بالأساس، فقد تلقى تعليمه الأساسي في غللقسي، قبل أن ينتقل إلى العاصمة مقديشو عام 1978 وفي عام 1981 نال درجة الليسانس في مجال التكنولوجيا من جامعة الصومال الوطنية وأجرى الدراسات العليا (الماجستير) في المجال نفسه في جامعة بركات الله الهندية عام 1988.
عمل شيخ محمود، الذي تنحدر أصوله من قبيلة «أبغال»، إحدى كبرى القبائل الصومالية، أستاذاً في جامعة حكومية حتى انهيار الحكومة المركزية في عام 1990. ولم يغادر حينها البلاد، إذ عمل في عدد من المنظمات الدولية المحلية، معتمداً على لغته الإنجليزية الجيدة، منها منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) كمسؤول تربوي في جنوب ووسط الصومال، وهو من مؤسسي «جامعة سيمد» إحدى الجامعات الأهلية المرموقة في البلاد.
ورغم تمتعه بخلفية «سياسية – إسلامية»، فإنه يجهر بمعاداته لمنهج حركة «الشباب» المتطرفة ويقبل بالعمل مع الغرب لبناء الصومال، حيث يتبنى منهجاً وسطياً توافقياً لا يمانع فيه من تطبيق الشريعة بحكم أن الإسلام دين كل الصوماليين. وتحالف في ولايته الرئاسية الأولى مع مجموعة «الدم الجديد» المنشقة عن حركة الإصلاح فرع «الإخوان الدولي» في الصومال، لكن -ووفق مراقبين- فإنه «لا يتمتع بآيديولوجية دينية أو فكرية محددة».

المعترك السياسي
عبر بوابة التعليم دخل شيخ محمود غمار السياسة، فبعد أن شارك عام 1999 في تأسيس «المعهد الصومالي للإدارة والتنمية الإدارية» بالعاصمة مقديشو، أسس عام 2011، حزب «السلام والتنمية»، الذي لا يزال يرأسه. ومنه انتُخب عام 2012 بوصفه رجلاً أكاديمياً وناشطاً في المجتمع المدني، نائباً بالبرلمان لأول مرة عام 2012، وفي الانتخابات نفسها أصبح مرشحاً للرئاسة، ورغم حظوظه القليلة أمام منافسه الرئيس الأسبق شريف شيخ أحمد، فاز بها فأصبح بعدها «رجل المفاجآت».
في ولايته الأولى تمكن شيخ محمود من تأسيس نظام فيدرالي قسّم فيه البلاد إلى ولايات، وأعاد بناء مطار مقديشو الدولي، كما نجح في السيطرة نسبياً على عدة مناطق في مواجهة حركة «الشباب» المسلحة، كما اشتهر بالسعي إلى تنفيذ سياسة توافقية بين الفرقاء الصوماليين.
ويسجل شيخ محمود في إنجازات ولايته الأولى، تحرير 36 مدينة من قبضة «حركة الشباب»، الأمر الذي يلقي على عاتقه مهمة معقدة. ويقول إن «الأمن هو أولوية الفترة الجديدة وإن الحل العسكري أولويته في مكافحة حركة الشباب المسلحة التي ظهرت عقب الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد».
وفي عام 2013 اختارت مجلة «تايم» شيخ محمود ضمن أكثر 100 شخصية تأثيراً حول العالم. وكان شيخ محمود من الأسماء التي عارضت تمديد فترة ولاية الرئيس السابق فرماجو.
وبشأن مستقبل ولايته الثانية، أكد شيخ محمود أن تحقيق الاستقرار السياسي وإنشاء دولة ديمقراطية هو أهم أولوية للإدارة الجديدة عقب تحقيق الأمن. وأوضح في مقابلة مع «الأناضول» أن الصومال لم ينجح في حل مشكلاته الأمنية رغم كل الخطوات والمبادرات التي تم تنفيذها، وأن معضلة الأمن تزداد بالمشكلات الموجودة بالمجالات الأخرى، مؤكداً أنه سيحرص على عدم تكرار أخطاء الماضي.
وقبيل تسمله منصبه رسمياً، التقى الرئيس الصومالي المنتخب حسن شيخ محمود رؤساء الولايات الفيدرالية الخمس، في العاصمة مقديشو، على مأدبة غداء، في خطوة بدت نحو ترميم السياسة الداخلية للصومال، حيث ناقش آليات الاستقرار السياسي والعمل على إنشاء دولة ديمقراطية.
وحول خطة انسحاب قوات مهمة الاتحاد الأفريقي الموجودة منذ سنوات في الصومال والتي يصل عددها إلى 20 ألفاً تقريباً، قال إن خطة الانسحاب أُعدّت منذ مدة طويلة إلا أن تطبيقها لم ينجح. وأشار إلى أن الاتحاد الأفريقي قدم الكثير من أجل الصومال، وأن تسليم المهام الأمنية إلى الحكومة الصومالية سيصبح ممكناً بعد فترة قصيرة من تأسيس النظام الأمني في البلاد.

رسائل دعم دولي
يحظى شيخ محمود بدعم إقليمي ودولي واسع، الأمر الذي قد يسهم في تذليل بعض العقبات خلال مهمته الصعبة، ولعل قرار الرئيس الأميركي جو بايدن، إعادة نشر قوات أميركية في الصومال، بالتزامن مع إعلان فوز شيخ محمود، أبرز خطوة تعكس الدعم الدولي للرئيس الصومالي الجديد.
ووفق مسؤول كبير في الإدارة الأميركية، فإن قرار بايدن جاء بعد أن طلب وزير الدفاع لويد أوستن، الانتشار هناك «لإعادة إنشاء وجود عسكري أميركي مستمر في الصومال لتمكين قتال أكثر فاعلية ضد حركة الشباب، التي زادت قوتها وتشكل تهديداً متزايداً».
وشكر الرئيس الصومالي الجديد، حسن شيخ محمود، نظيره الأميركي جو بايدن على قراره إعادة الوجود العسكري الأميركي إلى الصومال. وفي بيان عبر «تويتر»، قالت الرئاسة الصومالية: «لطالما كانت الولايات المتحدة شريكاً موثوقاً به في سعينا لتحقيق الاستقرار ومكافحة الإرهاب».
وجاء القرار الأميري بعد نحو 18 شهراً من انسحاب نحو 750 عسكرياً أميركياً كانوا منتشرين في البلد الواقع في القرن الأفريقي، سيتمركز «أقل من 500» عسكري أميركي مجدداً في الصومال، وفق ما أضاف المسؤول الأميركي الذي تحدث إلى لـ«أسوشييتد برس»، طالباً عدم ذكر اسمه.
وكان الرئيس السابق دونالد ترمب قد أمر في ديسمبر (كانون الأول) 2020 وقُبيل انتهاء ولايته، بسحب القوات الأميركية من الصومال.
وإلى جانب واشنطن، تلقى شيخ محمود دعماً وتأييداً من معظم القوى والمنظمات الغربية والإقليمية، على رأسها الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الذي دعا الرئيس الجديد لسرعة لتشكيل حكومة شاملة تعمل مع الأطراف المعنية الأخرى معاً بشكل وثيق لتعزيز الأولويات الوطنية الحاسمة والتصدي للتحديات التي يواجهها الصومال. كما أعرب أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، عن تمنيه للرئيس الجديد التوفيق وتحقيق ما يصبو إليه الشعب الصومالي من سلام واستقرار. وأكد مصدر مسؤول بالأمانة العامة، أن الجامعة ستواصل وقوفها ودعمها للصومال في مسيرته التنموية وجهوده الحثيثة لتحقيق المصالحة الوطنية وإعادة بناء مؤسساته.
وكان شيخ محمود قد أعلن خلال حملته الانتخابية أنه سينتهج سياسة خارجية «مبنية على التعايش السلمي مع العالم بعيداً عن خلق عداوة خارجية قد تؤثر سلباً على العلاقات الدبلوماسية مع العالم الخارجي». وأضاف أنه سيعزز مكانة العلاقات الصومالية مع دول العالم خصوصاً التي دعمت بلاده في شتى المجالات إلى جانب حربها ضد الإرهاب، في إشارة إلى حركة «الشباب» الصومالية.


مقالات ذات صلة

الجيش الصومالي يعلن مقتل 60 عنصراً من «الشباب» في عملية عسكرية

العالم العربي الجيش الصومالي يعلن مقتل 60 عنصراً من «الشباب» في عملية عسكرية

الجيش الصومالي يعلن مقتل 60 عنصراً من «الشباب» في عملية عسكرية

أعلن الجيش الصومالي نجاح قواته في «تصفية 60 من عناصر حركة (الشباب) المتطرفة»، في عملية عسكرية مخططة، جرت صباح الثلاثاء، بمنطقة علي قبوبي، على مسافة 30 كيلومتراً جنوب منطقة حررطيري في محافظة مذغ وسط البلاد. وأكد محمد كلمي رئيس المنطقة، وفقاً لوكالة الأنباء الصومالية، أن «الجيش نفذ هذه العملية بعد تلقيه معلومات عن سيارة تحمل عناصر من (ميليشيات الخوارج) (التسمية المتعارف عليها حكومياً لحركة الشباب المرتبطة بالقاعدة) وأسلحة»، مشيراً إلى أنها أسفرت عن «مقتل 60 من العناصر الإرهابية والاستيلاء على الأسلحة التي كانت بحوزتهم وسيارتين عسكريتين». ويشن الجيش الصومالي عمليات عسكرية ضد «الشباب» بدعم من مقات

خالد محمود (القاهرة)
العالم العربي رئيس وزراء الصومال: نأمل في رفع الحظر عن تسليح الجيش لاستعادة الاستقرار

رئيس وزراء الصومال: نأمل في رفع الحظر عن تسليح الجيش

(حوار سياسي) بين مواجهة «إرهاب» غاشم، وجفاف قاحل، وإسقاط ديون متراكمة، تتمحور مشاغل رئيس وزراء الصومال حمزة بري، الذي قال إن حكومته تسعى إلى إنهاء أزمتي الديون و«الإرهاب» بحلول نهاية العام الحالي، معولاً في ذلك على الدعم العربي والدولي لإنقاذ أبناء وطنه من مخاطر المجاعة والجفاف. «الشرق الأوسط» التقت المسؤول الصومالي الكبير بالقاهرة في طريق عودته من الأراضي المقدسة، بعد أداء مناسك العمرة، للحديث عن تحديات يواجهها الصومال حاضراً، وآمال كبيرة يتطلع إليها مستقبلاً...

خالد محمود (القاهرة)
العالم رئيس وزراء الصومال لـ«الشرق الأوسط»: نأمل في رفع الحظر عن تسليح الجيش

رئيس وزراء الصومال لـ«الشرق الأوسط»: نأمل في رفع الحظر عن تسليح الجيش

رئيس وزراء الصومال لـ«الشرق الأوسط»: نأمل في رفع الحظر عن تسليح الجيش لاستعادة الاستقرار حمزة بري أكد ضرورة القضاء على أزمة الديون لإنقاذ وطنه من المجاعة والجفاف بين مواجهة «إرهاب» غاشم، وجفاف قاحل، وإسقاط ديون متراكمة، تتمحور مشاغل رئيس وزراء الصومال حمزة بري، الذي قال إن حكومته تسعى إلى إنهاء أزمتي الديون و«الإرهاب» بحلول نهاية العام الحالي، معولاً في ذلك على الدعم العربي والدولي لإنقاذ أبناء وطنه من مخاطر المجاعة والجفاف. «الشرق الأوسط» التقت المسؤول الصومالي الكبير بالقاهرة في طريق عودته من الأراضي المقدسة، بعد أداء مناسك العمرة، للحديث عن تحديات يواجهها الصومال حاضراً، وآمال كبيرة يتطلع إ

خالد محمود (القاهرة)
العالم العربي واشنطن: مجلس النواب يرفض مشروعاً لسحب القوات الأميركية من الصومال

واشنطن: مجلس النواب يرفض مشروعاً لسحب القوات الأميركية من الصومال

رفض مجلس النواب الأميركي مشروع قانون، قدمه أحد النواب اليمينيين المتشددين، يدعو الرئيس جو بايدن إلى سحب جميع القوات الأميركية من الصومال في غضون عام واحد. ورغم هيمنة الجمهوريين على المجلس، فإن المشروع الذي تقدم به النائب مات غايتس، الذي لعب دوراً كبيراً في فرض شروط الكتلة اليمينية المتشددة، قبل الموافقة على انتخاب كيفن مكارثي رئيساً للمجلس، رفضه غالبية 321 نائباً، مقابل موافقة 102 عليه. وعلى الرغم من أن عدد القوات الأميركية التي تنتشر في الصومال، قد تراجع كثيراً، عما كان عليه في فترات سابقة، خصوصاً منذ عام 2014، فإن البنتاغون لا يزال يحتفظ بوجود مهم، في الصومال وفي قواعد قريبة.

إيلي يوسف (واشنطن)
العالم العربي الصومال يستعد لرحيل «قوات أتميس» الأفريقية

الصومال يستعد لرحيل «قوات أتميس» الأفريقية

عقدت الدول المشاركة في بعثة قوات الاتحاد الأفريقي العاملة في الصومال (أتميس)، اجتماعاً (الثلاثاء)، بالعاصمة الأوغندية كمبالا، لبحث «سبل تعزيز العمليات العسكرية الرامية إلى القضاء على (حركة الشباب) المتطرفة». ويأتي الاجتماع تمهيداً للقمة التي ستعقد في أوغندا خلال الأيام المقبلة بمشاركة رؤساء الدول المنضوية تحت بعثة «أتميس»، وهي (جيبوتي، وأوغندا، وبوروندي، وكينيا، وإثيوبيا)، وفقاً لوكالة الأنباء الصومالية الرسمية. وناقش الاجتماع «سبل مشاركة قوات الاتحاد الأفريقي في العمليات العسكرية الجارية للقضاء على فلول (حركة الشباب)، كما تم الاستماع إلى تقرير من الدول الأعضاء حول ذلك»، مشيدين بـ«سير العمليات

خالد محمود (القاهرة)

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.