الحرب الأوكرانية تسرق «الحياد» من فنلندا

لافتات في منطقة فاليما تُظهر المسافة التي تفصل المنطقة الحدودية عن هلسنكي ومدينة سان بطرسبورغ الروسية (الشرق الأوسط)
لافتات في منطقة فاليما تُظهر المسافة التي تفصل المنطقة الحدودية عن هلسنكي ومدينة سان بطرسبورغ الروسية (الشرق الأوسط)
TT

الحرب الأوكرانية تسرق «الحياد» من فنلندا

لافتات في منطقة فاليما تُظهر المسافة التي تفصل المنطقة الحدودية عن هلسنكي ومدينة سان بطرسبورغ الروسية (الشرق الأوسط)
لافتات في منطقة فاليما تُظهر المسافة التي تفصل المنطقة الحدودية عن هلسنكي ومدينة سان بطرسبورغ الروسية (الشرق الأوسط)

اكتسبت فنلندا صيت الدولة الحيادية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ونجحت منذ ذلك الوقت في البقاء خارج نطاق الحرب الباردة. ويعود ذلك لدورها في تلك الحرب حيث قاتلت إلى جانب ألمانيا النازية، بهدف محاولة استعادة أراضيها التي خسرتها لصالح السوفيات في «حرب الشتاء» عام 1939 التي اضطرت في نهايتها إلى التخلي عن 9 في المائة من أراضيها لصالح الاتحاد السوفياتي، وخسر ما يزيد على 450 ألف شخص منازلهم بعد أن تم إجلاؤهم من البلدات التي تحولت إلى روسية، من بينها بلدية «فيبوري» في كريليا التي أصبحت اليوم بلدة «فيبورغ» في روسيا. وبعد نهاية الحرب، تعهدت فنلندا في اتفاقيات بأن تبقى على الحياد.

سياسة فنلندا الدفاعية والداخلية في العقود الماضية تُظهر أنها لم تتوقف يوماً عن خشية جارتها القوية. فهي أبقت على التجنيد الإجباري لشبانها حتى اليوم، وسنوياً تدرب قرابة الـ27 ألف جندي. ويتوجب على كل شاب الخضوع لهذا التدريب بعد الانتهاء من دراسته لمدة عام. وقد خضع قرابة الـ80 في المائة من الشبان في فنلندا للخدمة العسكرية الإجبارية. كما أنها بنت طوال العقود الماضية شبكة ملاجئ ضخمة بلغ عددها في كامل الأراضي الفنلندية، حسب وزارة الداخلية المسؤولة عنها، 54 ألف ملجأ يمكنها أن تؤوي 4.4 ملايين شخص من أصل 5 ملايين ونصف المليون يعيشون في فنلندا. «الشرق الأوسط» زارت قرية يلامي، التي باتت على بُعد 30 كيلومتراً من الحدود الروسية. فرغم قرب روسيا لبلدتهم لا يبدو السكان هنا خائفين بقدر ما هم مرتاحون لقرار حكومتهم الانضمام للناتو.

راسموس هندرن خبير في الشؤون الدفاعية عمل سابقاً مستشاراً في وزارة الدفاع (الشرق الأوسط)

على بُعد كيلومترات قليلة من الحدود مع روسيا، كانت كاثرين، سيدة ستينية، منشغلة بتقليم العشب في حديقة منزلها في بلدة يلامي الفنلدنية. هدوء البلدة وسكونها لا يوحيان بمستوى التوتر المحيط بها. «روسيا غير بعيدة من هنا»، تقول كاثرين وهي تشير بيدها نحو الحدود المرئية في الأفق غير البعيد. «ولكنني لست خائفة»، تضيف مبتسمة. فقبل يوم تقدمت فنلندا بطلب عضوية رسمي للناتو. وكاثرين تعد هذا القرار صائباً. فهي «لا تحب روسيا» كما تكرر. وسكان البلدة الصغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها الخمسين «لا يحبونها كذلك»، تقول كاثرين. هذا الحب الضائع ليس مستغرباً. فالحدود الروسية لم تكن بهذا القرب قبل 83 عاماً، وهو أمر يتذكره والدا كاثرين جيداً. «حرب الشتاء» كانت حرباً مؤلمة لفنلندا غيّرت مفاهيمها الجيوسياسية. وهي الحرب التي اندلعت في نهاية عام 1939 مع الاتحاد السوفياتي الذي غزت قواته الأراضي الفنلندية. ورغم أن الحرب لم تستمر طويلاً وانتهت بعد 105 أيام، فإن خسائرها بالنسبة لفنلندا كانت ضخمة. فهي اضطرت في نهايتها للتخلي عن 9 في المائة من أراضيها لصالح الاتحاد السوفياتي، وخسر ما يزيد على 450 ألف شخص منازلهم بعد أن تم إجلاؤهم من البلدات التي تحولت روسية، من بينها بلدية «فيبوري» في كريليا التي أصبحت اليوم بلدة «فيبورغ» في روسيا. وباتت بذلك روسيا أقرب بأكثر من 30 كيلومترا من قرية يلامي حيث تعيش اليوم كاثرين. ما قالته تلك السيدة كرره كذلك سكان آخرين في البلدة. فرغم قرب روسيا لبلدتهم لا يبدو السكان هنا خائفين بقدر ما هم مرتاحون لقرار حكومتهم الانضمام للناتو. أحد الشبان الذي جاء إلى البلدة مع صديقته ليزور والداه المقيمان فيها، قال إن الانضمام للناتو يوفر شعوراً أكبر بالأمن «لأنه لا يمكن التنبؤ بما سيقوم به بوتين». وتقول صديقته إنه في حال قرر بوتين أن «يغزو فنلندا كما فعل في أوكرانيا، فنحن نعرف على الأقل أن هناك من سيدافع عنّا». ورغم أن سكان فنلندا «مسالمون» في العادة، فإن الحرب في أوكرانيا غيّرت الكثير من نظرتهم لما يمكن أن يشكّل سياسة دفاعية جيدة. فقبل الحرب كانت الاستطلاعات الشعبية تشير إلى رفض الفنلنديين الانضمام للناتو، والآن انقلبت الآراء ليصبح التأييد الشعبي لقرار الحكومة ذاك، واسعاً. ويرى الخبير في الشؤون الدفاعية راسموس هندرن، أن هذا التأييد الشعبي كان أساسياً في تحرك فنلندا لطلب التقدم بعضوية للناتو. ويقول الخبير الذي يعمل اليوم في «المركز الأوروبي للتميز ومواجهة الهجمات الهجينة» في وسط هلسنكي، إن «فنلندا لا تشعر بأنها مهدَّدة بشكل مباشر الآن، ولكن الاعتداء الصارخ لروسيا على أوكرانيا قلب بعض الأسس الدفاعية لدى فنلندا».

كاثرين فنلندية تعيش في بلدة يلاما الحدودية تقول إنها لا تخاف من روسيا (الشرق الأوسط)

ويرى هندرن الذي عمل في السابق مستشاراً لدى وزارة الدفاع الفنلندية وفي سفارة بلاده في واشنطن، أن العلاقة الثنائية مع روسيا في السنوات والعقود الماضية، كانت «براغماتية مبنية على الإيمان بالأمن الدولي العالمي». ولكنه يضيف أن اعتداء روسيا على أوكرانيا أظهر أن هذه السياسة ليست كافية. ورغم أن هندرن لم يكن يستبعد انضمام فنلندا للناتو «يوماً ما»، ولكنه يقول بأن «سرعة العملية كان مفاجئاً». ومع ذلك، فهو يعد طلب التقدم لعضوية بالناتو «تكملة طبيعية لعملية بدأت قبل أكثر 20 سنة بالانضمام للاتحاد الأوروبي وتعميق العلاقات مع حلفاء أساسيين والناتو». والواقع أن فنلندا التي تلعب دور الدولة الحيادية منذ عقود، هي أكثر قرباً من الغرب مما تريد الاعتراف به. وقد عبّرت بالفعل عن تلك العلاقة وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك، عندما قالت خلال قمة السبع التي استضافتها قبل أسبوع، إن «فنلندا فعلياً عضو في الناتو ولكنها لا تملك بطاقة عضوية». وأضافت بيربوك أن فنلندا لديها المعايير الانضمام للناتو وهي معايير «أفضل من بعض الدول الأعضاء».

مجمع «قيصر» التجاري قرب الحدود تحول إلى مدينة أشباح (الشرق الأوسط)

فالدولة الشمالية تشارك في التدريبات العسكرية للحلف ومهماته الخارجية مثلاً في أفغانستان وكوسوفو منذ عام 1994 عندما وقّعت اتفاقية تعاون يُعرف باسم «برنامج الشركة للسلام». كما أن أنفاقها العسكري يلامس الـ2 في المائة من ناتجها الإجمالي وهو ما يوصي به الحلف لأعضائه الذين لا يلتزمون جميعهم بتلك النسبة. ومع ذلك، نجحت فنلندا بأن تحافظ على علاقة متوازنة مع روسيا في العقود والسنوات الماضية، وتبقى «على الحياد»، رغم تقاربها من الغرب في العقود الثلاث الأخيرة عبر الانضمام للاتحاد الأوروبي في عام 1995 وقبل ذلك بعام عبر توقيعها على اتفاقية شراكة مع الناتو. ولعل أكثر ما أظهر هذه «الحيادية» مؤخراً، القمة الشهيرة التي استضافتها هلسنكي بين الرئيسين الأميركي السابق دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين عام 2018، في وقت كانت التوترات على أشدها بين واشنطن وموسكو على خلفية اتهام روسيا بالتدخل في الانتخابات الأميركية. كان الرجلان آنذاك ضيفين لدى الرئيس الفنلندي سولي نينيستو الذي أبلغ بوتين شخصياً في اتصال هاتفي بنيّة بلاده التقدم للانضمام للناتو قبل أيام.
واكتسبت فنلندا صيت الدولة الحيادية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ونجحت منذ ذلك الوقت في البقاء خارج نطاق الحرب الباردة. ويعود ذلك لدورها في تلك الحرب حيث قاتلت إلى جانب ألمانيا النازية، بهدف محاولة استعادة أراضيها التي خسرتها لصالح السوفيات في «حرب الشتاء». وبعد نهاية الحرب، تعهدت في الاتفاقيات التي أُبرمت بأن تبقى على الحياد بعد ذلك.

هدوء في معبر فاليما الحدودي مع روسيا (الشرق الأوسط)

ولكن رغم ذلك، فإن سياسة فنلندا الدفاعية والداخلية في العقود الماضية تُظهر أنها لم تتوقف يوماً عن خشية جارتها القوية. فهي أبقت على التجنيد الإجباري لشبانها حتى اليوم، وسنوياً تدرب قرابة الـ27 ألف جندي. ويتوجب على كل شاب الخضوع لهذا التدريب بعد الانتهاء من دراسته لمدة عام. وقد خضع قرابة الـ80 في المائة من الشبان في فنلندا للخدمة العسكرية الإجبارية. كما أنها بنت طوال العقود الماضية شبكة ملاجئ ضخمة بلغ عددها في كامل الأراضي الفنلندية، حسب وزارة الداخلية المسؤولة عنها، 54 ألف ملجأ يمكنها أن تؤوي 404 ملايين شخص من أصل 5 ملايين ونصف المليون يعيشون في فنلندا. وحسب موقع وزارة الداخلية، فإن هذه الملاجئ هدفها «حماية السكان خصوصاً ضد تهديدات عسكرية» وبأنها تؤمّن الحماية من «آثار الانفجارات والشظايا وانهيار المباني والانفجارات والإشعاعات والمواد الخطرة على الصحة». باختصار، يمكن لهذه الملاجئ أن تؤمّن حمايةً حتى من اعتداءات نووية محتملة.
وتنتشر تلك الملاجئ في جميع أنحاء البلاد وهي اليوم تُستخدم كمخازن أو مواقف سيارات أو مسابح عامة أو حتى نوادٍ رياضية ومتاحف، ومحطات مترو، ولكن يمكنها أن تتحول إلى ملاجئ خلال 72 ساعة. ومعظم هذه الملاجئ هي أملاك خاصة، إذ إن القوانين تجبر المباني الخاصة على تضمين ملاجئ تحت الأرض بمعايير خاصة. وحسب موقع وزارة الداخلية، فإن «قانون الإنقاذ» ينص على ضرورة بناء ملجأ لكل مبنى أو مجموعة مبانٍ في نفس قطعة الأرض أو موقع بناء إذا كانت المساحة لا تقل على 1200 متر مربع وتستخدم كمبانٍ سكنية أو مكاتب أو لغايات أخرى. كل هذا يشير إلى أن فنلندا رغم حفاظها على علاقة جيدة مع روسيا طوال السنوات الماضية، فهي بقيت مستعدة لهجوم محتمل من جارتها. وتقف نصب تذكارية في أنحاء العاصمة هلسنكي لتذكّر بـ«حرب الشتاء»، منها واحد مقابل وزارة الدفاع لمجسم من حديد على شكل شخص مليء بالفجوات. ورغم أن هكذا هجوم كان مستبعداً في عقول الفنلنديين، فإن الحرب في أوكرانيا عادت لتذكّرهم بإمكانية حصول ذلك. وشكّلت تلك الحرب نقطة تحول فعلية في العقلية الدفاعية لدى الفنلنديين، ودفعتهم إلى أحضان الناتو، في خطوة ستؤدي من دون شك إلى توترات مع روسيا عندما تكتمل.
ورغم أن التوترات الآن غير ظاهرة على الحدود بين الدولتين اللتين تتشاركان حدوداً بطول أكثر من 1300 متر، فإنها موجودة فعلاً. ويقول ماتي بيتكانيتي، المتحدث باسم حرس الحدود الفنلندي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن الوضع على الحدود «مستقر حالياً»، ويؤكد أنه لا «تغيرات دراماتيكية حصلت منذ بداية الحرب» في أوكرانيا، ولكنه يسارع ليضيف: «من الواضح، نحن نأخذ علماً بالتوتر خلال الوضع الحالي، ما يعني أننا نراقب الوضع بحذر ونحاول التصرف والرد بسرعة على أي تغير». وما يساعد الطرف الفنلندي حالياً انخفاض الحركة على الحدود. فالحركة التجارية توقفت منذ العقوبات الأوروبية الأخيرة على روسيا بسبب هجومها على أوكرانيا. وحركة السياح رغم أنها لم تنخفض كثيراً منذ ذلك الحين، فإنها محدودة منذ بداية انتشار «كوفيد - 19» بسبب الإجراءات المرتبطة بالوباء والتي ما زالت فنلندا تعمل بها. ويقول بيتكانيتي إن حركة المرور للأشخاص بين روسيا وفنلندا انخفضت إلى 10 في المائة من السابق، لأن من يُسمح لهم بالدخول إلى فنلندا هم المقيمون أو الملقحون ضد فيروس «كورونا» بلقاحات معترف بها في الاتحاد الأوروبي، ولقاح «سبوتنيك v» ليس واحداً من هذه اللقاحات. وبالفعل، فإن معبر فاليما الحدودي، الذي يبعد عن هلسنكي أقل من 200 كلم، ومفترض أنه أكثر المعابر ازدحاماً، يبدو شبه متوقف عن العمل. باستثناء عدد محدود من السيارات التي مرّت، كان المعبر هادئاً بشكل مريب. وقد أثر غياب السياح الروس على الأعمال في القرى الحدودية داخل فنلندا، ويظهر ذلك بشكل واضح في مجمع «تزار» أو «قيصر» التجاري الذي يبعد أمتاراً قليلة عن معبر فاليما، ويحوي متاجر ألبسة فخمة. فالمركز تحول إلى مدينة أشباح وغاب عنه المتبضعون ما دفع بمعظم المتاجر فيه لإغلاق أبوابها.
قد تكون تلك المتاجر تفتقر للمتبضعين القادمين من روسيا، إذ إن مدينة سانت بطرسبورغ تبعد المسافة نفسها عنها من العاصمة الفنلندية، ولكن سكان القرى المحيطة لا يبدو أنهم متأسفون لغياب السياح الروس. وحرصت كاثرين، السيدة التي كانت تقلّم حديقتها في بلدة يلاما، على التكرار أنه لا هي «ولا أحد هنا يحب الروس». ومع ذلك، فإن غياب الوئام مع روسيا لم يدفع بالفنلنديين كلياً إلى أحضان الغرب. فهم رغم قرارهم الانضمام للناتو، ما زالوا غير متأكدين من أنهم يريدون استضافة أسلحة نووية ينشرها الحلف على أراضيهم أو حتى مواقع عسكرية دائمة لقواته. وقد أكدت رئيسة وزراء البلاد سانا مارين، ذلك في تصريحات قبل بضعة أيام أدلت بها لصحيفة «كورييري ديلا سيرا» الإيطالية خلال زيارة لروما. وقالت للصحيفة إن نشر قواعد عسكرية للناتو أو أسلحة نووية لم يُطرح حتى الآن، وأن هذا الأمر لا يشكل جزءاً من المفاوضات الحالية مع الحلف، مشيرةً إلى أن هكذا قرارات هي «قرارات وطنية». وأضافت: «لن يأتي أحد ويفرض علينا أسلحة نووية أو قواعد دائمة إذا لم نكن نريدها، ولا يبدو لي أن هناك اهتماماً بنشر أسلحة نووية أو قواعد دائمة للناتو في فنلندا أصلاً».
ويقول الخبير الدفاعي هندرن لـ«الشرق الأوسط» إن كلام مارين يشير إلى أن خطة فنلندا الحالية «لا تضع أي عقبات في هذه المرحلة» قد تعرقل قبول عضويتها في الناتو. ويضيف: «بالطبع هذه النقاط حول القواعد الدائمة والأسلحة النووية ستكون نقطة نقاش عندما تتقدم العملية إلى الأمام، وسيكون هناك بحث عمّا إذا كان من مصلحة فنلندا أن يكون لديها هكذا قواعد أو أسلحة».
قد تكون فنلندا بهذه التصريحات تتفادى تصعيداً روسياً، ولكن الرد الروسي بدأ أصلاً. فقد أعلنت موسكو قطع الكهرباء عن فنلندا غداة إعلان حكومة هلسنكي عن نيتها التقدم بطلب العضوية للناتو. وبعد أن تقدمت بالطلب رسمياً لدى الحلف في بروكسل، أعلنت روسيا قطع الغاز عن فنلندا. ورغم أن فنلندا لا تعتمد على الغاز إلا بنسبة 6 في المائة من طاقتها، فهي تستخدمه بشكل أساسي كبديل لطاقة أنظف للشاحنات والآليات الثقيلة. وكانت شركة «غاسوم» التابعة للدولة والتي تستورد الغاز الروسي من «غازبروم» تروّج في السنوات الماضية لاستخدام الغاز كبديل عن الديزل للشاحنات ضمن خطة لتخفيف انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.
فقد أثبت الغاز أنه يتسبب بانبعاثات أقل بنسبة 12 في المائة من الديزل، كما أن سعره أقل كذلك. ويضع قطع روسيا للغاز، بحجة عدم دفعها بالروبل، فنلندا أمام خيارات أصعب لاستيراد غاز بديل سيكون سعره أكثر كلفة. ورغم أن فنلندا مستعدة لقبول دفع ثمن أكبر مقابل الغاز الروسي، فهي تحاول عدم التصعيد أكثر مع روسيا عبر إعلانها عدم نيتها استضافة قواعد عسكرية للحلف. ولكن الكثير قد يتغير في الوقت الذي تنضم فيه فنلندا رسمياً إلى الحلف، وهي عملية قد تستغرق عاماً. والقرى المجاورة للحدود قد تتغير وتصبح أكثر من مجرد قرى هادئة بيوتها متناثرة بين الغابات والأنهر. إنما على الأقل حتى الآن، لا تبدو أن هذه الأفكار تشغل بال كاثرين التي عادت عندما غادرتها، لتقليم العشب في حديقتها وهي تستمع لصوت الطبيعة المغردة المحيطة بها.


مقالات ذات صلة

موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

العالم موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

أكد سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف أن حلف شمال الأطلسي (ناتو) نشر وحدات عسكرية إضافية في أوروبا الشرقية، وقام بتدريبات وتحديثات للبنية التحتية العسكرية قرب حدود روسيا، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الروسية «سبوتنيك»، اليوم الأربعاء. وأكد باتروشيف في مقابلة مع صحيفة «إزفستيا» الروسية، أن الغرب يشدد باستمرار الضغط السياسي والعسكري والاقتصادي على بلاده، وأن الناتو نشر حوالى 60 ألف جندي أميركي في المنطقة، وزاد حجم التدريب العملياتي والقتالي للقوات وكثافته.

العالم إسبانيا تستدعي سفير روسيا إثر «هجوم» على حكومتها عبر «تويتر»

إسبانيا تستدعي سفير روسيا إثر «هجوم» على حكومتها عبر «تويتر»

أعلنت وزارة الخارجية الإسبانية، الجمعة، أنها استدعت السفير الروسي في مدريد، بعد «هجمات» شنتها السفارة على الحكومة عبر موقع «تويتر». وقال متحدث باسم الوزارة، لوكالة «الصحافة الفرنسية»، إن الغرض من الاستدعاء الذي تم الخميس، هو «الاحتجاج على الهجمات ضد الحكومة على مواقع التواصل الاجتماعي».

«الشرق الأوسط» (مدريد)
العالم {الناتو} يؤكد تسليم أوكرانيا كل المركبات اللازمة لهجوم الربيع

{الناتو} يؤكد تسليم أوكرانيا كل المركبات اللازمة لهجوم الربيع

أعلن القائد العسكري الأعلى لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، أن جميع المركبات القتالية، التي وعد حلفاء أوكرانيا الغربيون بتسليمها في الوقت المناسب، تمهيداً لهجوم الربيع المضاد المتوقع الذي قد تشنه كييف، قد وصلت تقريباً. وقال الجنرال كريستوفر كافولي، وهو أيضاً القائد الأعلى للقوات الأميركية في أوروبا، إن «أكثر من 98 في المائة من المركبات القتالية موجودة بالفعل». وأضاف في شهادته أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب يوم الأربعاء: «أنا واثق جداً من أننا قدمنا العتاد الذي يحتاجون إليه، وسنواصل الإمدادات للحفاظ على عملياتهم أيضاً».

العالم الناتو يؤكد تسليم كل المركبات القتالية اللازمة لهجوم الربيع الأوكراني

الناتو يؤكد تسليم كل المركبات القتالية اللازمة لهجوم الربيع الأوكراني

أعلن القائد العسكري الأعلى لحلف شمال الأطلسي (الناتو) أن جميع المركبات القتالية، التي وعد حلفاء أوكرانيا الغربيون بتسليمها في الوقت المناسب، تمهيداً لهجوم الربيع المضاد المتوقع الذي قد تشنه كييف، قد وصلت تقريباً. وقال الجنرال كريستوفر كافولي، وهو أيضاً القائد الأعلى للقوات الأميركية في أوروبا، إن «أكثر من 98 في المائة من المركبات القتالية موجودة بالفعل». وأضاف في شهادته أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأميركي الأربعاء: «أنا واثق جداً من أننا قدمنا العتاد الذي يحتاجون إليه، وسنواصل الإمدادات للحفاظ على عملياتهم أيضاً».

العالم مقاتلات ألمانية وبريطانية تعترض طائرات روسية فوق البلطيق

مقاتلات ألمانية وبريطانية تعترض طائرات روسية فوق البلطيق

اعترضت مقاتلات ألمانية وبريطانية ثلاث طائرات استطلاع روسية في المجال الجوي الدولي فوق بحر البلطيق، حسبما ذكرت القوات الجوية الألمانية اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. ولم تكن الطائرات الثلاث؛ طائرتان مقاتلتان من طراز «إس يو – 27» وطائرة «إليوشين إل – 20»، ترسل إشارات جهاز الإرسال والاستقبال الخاصة بها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

روسيا وانتخابات في زمن الحرب... السلطة تفوز على نفسها

جندي في وزارة الطوارئ الروسية يجلس تحت جدارية للرئيس فلاديمير بوتين مرسومة بالنمط السوفياتي خارج مركز اقتراع في دونتسك (أ.ف.ب)
جندي في وزارة الطوارئ الروسية يجلس تحت جدارية للرئيس فلاديمير بوتين مرسومة بالنمط السوفياتي خارج مركز اقتراع في دونتسك (أ.ف.ب)
TT

روسيا وانتخابات في زمن الحرب... السلطة تفوز على نفسها

جندي في وزارة الطوارئ الروسية يجلس تحت جدارية للرئيس فلاديمير بوتين مرسومة بالنمط السوفياتي خارج مركز اقتراع في دونتسك (أ.ف.ب)
جندي في وزارة الطوارئ الروسية يجلس تحت جدارية للرئيس فلاديمير بوتين مرسومة بالنمط السوفياتي خارج مركز اقتراع في دونتسك (أ.ف.ب)

ليس مفاجئاً أن مسار الانتخابات العامة في روسيا ونتائجها لم يحملا مفاجآت أو تغييرات في موازين القوى السياسية والحزبية الداخلية، فقد سارت الحملات بهدوء لافت، على الرغم من ضجيج الحرب وهيمنة تداعياتها وتأثيراتها المباشرة أو غير المباشرة، في كل مدينة وقرية روسية.

أما النتائج فقد بدت وكأنها رسمت بدقة لتعكس واقع الحال في بلد يواجه «حرباً كونية» ويخوض منذ خمس سنوات تقريباً أخطر منعطف في تاريخه المعاصر.

ومع اكتساح حزب «روسيا الموحدة» الحاكم مقاعد مجلس الدوما (النواب) وضمان نسب إقبال غير مسبوقة في أي انتخابات، بدا أن الرئيس فلاديمير بوتين نجح في تحويل الاستحقاق الانتخابي إلى مناسبة لتجديد الولاء بشكل كامل، ونيل التأييد لسياساته بعد مرور عامين فقط على انتخابات رئاسية برز فيها زعيماً أوحد، بنسب تأييد اقتربت من 90 في المائة وذلك للمرة الأولى في تاريخ البلاد.

لكن الأهم من ذلك كله يبقى أن الحملة الانتخابية ونتائجها حملا رسائل عدة، على الصعيدين الداخلي والخارجي، وعكسا واقع الحال في روسيا حيث «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة».

لجان انتخابية تعمل على فرز الأصوات في نهاية انتخابات الـ«دوما» الروسية في منطقة بودولسك قرب موسكو (إ.ب.أ)

فوز كاسح... غير مفاجئ

على الرغم من غياب عنصر المفاجأة في نتائج الانتخابات، فإن الأرقام والنسب جاءت لافتة للأنظار، وهي لم تقتصر على حصيلة الحزب الحاكم الذي وسَّع سيطرته داخل البرلمان الروسي بشكل ملحوظ؛ فبعدما كان يستحوذ على 310 مقاعد من أصل 450 مقعداً في البرلمان السابق، وهي نسبة تمنحه غالبية دستورية مريحة، بات الآن يسيطر على 350 مقعداً تاركاً هامشاً ضئيلاً لكل الأحزاب التقليدية الأخرى التي حافظت على وجودها في الهيئة الاشتراعية، في حين لم تتمكن الأحزاب الصغيرة التي خاضت المنافسة من تجاوز عتبة الـ5 في المائة لدخول البرلمان.

بهذه الحصيلة حصد حزب السلطة رقماً قياسياً لم يسجل في أي انتخابات سابقة. فهو فرض سيطرة مطلقة تمنحه القدرة على سن القوانين وتعديل الدستور وتشكيل اللجان النيابية وتمرير الموازنات، من دون حتى أن يحتاج إلى تأييد الأحزاب الأصغر التي هي أصلاً ليست معارضة لسياسات الكرملين في أوكرانيا، وفي ملفات السياسات الخارجية عموماً.

لكن هذه النسبة لم تعكس وحدها الانتصار الساحق لبوتين وحزبه الحاكم؛ إذ دلت نسب الإقبال العالية بدورها على حجم المكاسب التي حققها الكرملين بفضل الدعاية الموجهة التي وضعت الروس أمام خيارين: «التصويت بكثافة أو القبول بمساعي الغرب لتقويض روسيا وتهديد سيادتها وحقها في تقرير مصيرها»، كما قال بوتين في خطاب موجه للروس عشية الانتخابات.

ومع الإعلان عن نسبة مشاركة قياسية بلغت 59 في المائة، حرصت موسكو على تأكيد أن تصعيد الهجمات الأوكرانية على المدن خلال الاستحقاق الانتخابي لم يضعف مستويات إقبال الروس على صناديق الاقتراع.

واللافت أن هذه النتائج لم تنسحب فقط على «شعبية» الحزب الحاكم في إطار القائمة الانتخابية الحزبية، بل امتدت لتكتسح الدوائر الفردية بشكل ساحق، ما دل على أن اختيار المرشحين في الأقاليم لعب دوراً بارزاً في تثبيت هذا الانتصار، وقد حصل حزب «روسيا الموحدة» على نحو 57 في المائة من الأصوات في قوائم الأحزاب، لكنه عزز انتصاره بالاستحواذ على 208 من أصل 225 دائرة انتخابية ذات مقعد واحد. كما فاز بفارق كبير كل حكام الأقاليم الذين رشحهم الكرملين على المنافسين.

ناخبون روس يدلون بأصواتهم من خلف الستارة في مركز اقتراع في ماريوبال - دونتسك (إ.ب.أ)

انتخابات تحت النار

جرت الانتخابات على مدار ثلاثة أيام، وشهد اليوم الثالث منها توتراً هائلاً بسبب تصعيد الهجمات الأوكرانية بالمسيَّرات بشكل كبير في عدد من المدن الروسية، وقال مسؤولون روس إن أوكرانيا شنت 1900 هجوم بأسراب من الطائرات المسيَّرة، استهدفت موسكو والمنطقة المحيطة بها في اليوم الأخير من الانتخابات.

واتهمت وزارة الدفاع الروسية أوكرانيا بالسعي إلى «إفشال التعبير الديمقراطي عن إرادة المواطنين الروس». وأكدت أن موسكو ستواصل «تكثيف ضرباتها باستخدام أسلحة عالية الدقة ضد أهداف عسكرية في كييف». ووصف رئيس بلدية موسكو سيرغي سوبيانين الهجوم بأنه «غير مسبوق وخُطط له بوضوح بهدف تعطيل الانتخابات». وأضاف: «العدو لم ينجح».

كما تعرضت روسيا لسلسلة هجمات إلكترونية خلال الاستحقاق. وأعلنت لجنة الانتخابات أنها رصدت أكثر من ألف موجة من الهجمات الرامية إلى إغراق نظام التصويت الإلكتروني بالطلبات، إضافة إلى هجمات استهدفت البنية التحتية للاتصالات في روسيا.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصل إلى ملتقى الثقافة في سان بطرسبرغ في روسيا (أ.ب)

رسائل بوتين

الأكيد أن الاستحقاق الانتخابي ونتائجه حملا رسائل تعمد الكرملين التركيز عليها في أكثر من مفصل. وهي وإن كانت تعكس في غالبيتها شأناً داخلياً، فإنها موجهة كما ظهر بالدرجة الأولى إلى الخارج.

أبرز تلك الرسائل تعلق بتأكيد استقرار الوضع الداخلي الروسي حتى في أحلك أوقات الحرب. ولا يقتصر الأمر هنا على تأكيد أن النظام السياسي راسخ وقوي، وينال رضا الجمهور الذي أقبل بكثافة على الانتخابات، بل يمتد أيضاً إلى الجانب الآخر غير المعلن هنا، والمتعلق بفقدان النظام الأوكراني شرعيته وعدم قدرته على تجديد ثقة الناس به، نظراً لأن كييف كانت قد أجلت الاستحقاقات الانتخابية غير مرة، بما في ذلك انتخاب رئيس البلاد منذ أكثر من عامين بسبب حالة الطوارئ المعلنة في البلاد.

وهو أمر جادلت موسكو بشأنه طويلاً مع الأميركيين وغيرهم من الوسطاء، ورأت أن «النظام فقد شرعيته ولم يعد طرفاً يمكن إبرام اتفاقات سلام معه».

وعبّر بوتين عن ذلك بوضوح في خطاب إلى الأمة سبق الانتخابات، وأكد فيه حرصه على إنجاح الاستحقاق «في موعده الدستوري»، وأن البلاد تحافظ على احترام تجديد شرعية مؤسساتها الرئاسية (انتخابات 2024) والنيابية والمحلية في الانتخابات الحالية.

الرسالة الثانية تتعلق بتأكيد التفاف الشعب الروسي حول سياسات الكرملين. وهنا كان من المهم جداً أن تأتي النسب مرتفعة جداً، ليس فقط في مجلس الدوما بل وفي المقاطعات والأقاليم التي اختارت حكامها ومجالسها المحلية.

والخلاصة التي تنبثق من هنا مباشرة أن القرارات المتعلقة بالحرب والسلام ورؤية الكرملين لأي شروط للتسوية المقبلة تحظى بإجماع روسي شبه كامل، وهذا أمر مهم لتعزيز مواقف بوتين أمام دعوات الانخراط في سلام «غير مقبول» شعبياً في الداخل الروسي.

أكثر من 500 عازف وعازفة يشاركون في احتفالية «موسيقى النصر» الوطنية إحياء لذكرى قائد النصر جورجي زوخوف في موسكو (إ.ب.أ)

أما الرسالة الثالثة فقد عكست واحداً من أبرز مستويات تأثير الحرب الجارية على واقع المجتمع. ومع القرارات الكثيرة التي وضعت الأولوية القصوى لدعم الجيش والقوات الرديفة المتمثلة بمئات الألوف من المتعاقدين المحاربين على خطوط النار، بما في ذلك عبر تقديم خدمات وتسهيلات غير مسبوقة في قطاعات عدة على رأسها القطاع المصرفي، حمل ترشيح مئات ممن سبق لهم القتال على الجبهات إلى مجلس الدوما وفوز 46 عضواً منهم في البرلمان الجديد إشارة مهمة إلى مستوى التأثير الحاصل للحرب في المجتمع. ما يعني أن واحداً من كل عشرة أعضاء تقريباً في البرلمان الجديد شارك مباشرة في العمليات القتالية، علماً بأن 41 من هؤلاء الفائزين رشحوا على قوائم الحزب الحاكم نفسه.

الرسالة الرابعة تمثلت في الغياب الكامل للمعارضة في مجتمع بات كتلة واحدة يذكر إلى حد كبير بالمجتمع السوفياتي الموالي تماماً أو الصامت تماماً عن التعبير السياسي. وهنا يجدر التذكير بأن المعارضة النشطة المتمثلة بأنصار المعارض الراحل أليكسي نافالني ومن بقي من الملتفين حول أفكاره هي ضعيفة أصلاً وغدت في الجزء الأعظم منها منفية خارج البلاد، بعدما حوصرت بسلسلة قوانين تتهمها بالإرهاب ودعم الأعداء ومساعي تفتيت الجبهة الداخلية. أما المعارضة «الرسمية» الضعيفة أيضاً والتي بقيت داخل البلاد، فقد مثلها حزب «يابلوكا» الليبرالي وهو الوحيد الذي أعلن معارضة الحرب في أوكرانيا، ومُنع بقرار قضائي من المشاركة في الانتخابات الحالية قبل حلول موعدها بأسابيع قليلة.

متطوع في حزب «الشعب الجديد» الروسي في افتتاح ملتقى مراقبي الانتخابات في موسكو (إ.ب.أ)

ثمة رسائل كثيرة أخرى، تتلخص بين عناصر كثيرة، في ثبات الاقتصاد الروسي وقدرته على تمويل انتخابات ناجحة برغم الضغوط الخارجية، وكذلك في انفكاك روسيا من فكرة الرقابة الغربية على استحقاقاتها الداخلية، وهنا كان ملاحظاً أن نحو 350 مراقباً أشرفوا على الانتخابات بينهم ممثلون عن 12 مؤسسة تابعة لهياكل موالية لروسيا في رابطة الدول المستقلة ومنظمة الأمن الجماعي ومجموعة «بريكس».

هل اختفت المعارضة؟

في هذا السياق تبدو المعارضة وكأنها غير موجودة، لكنها فاعلة خصوصاً خارج البلاد، ومن المفيد إلقاء نظرة على تعليقاتها المرتبطة بالانتخابات والحرب. فوفقاً لكاتبة معارضة بارزة، فإن «الأمر الوحيد الذي يمكن قوله عن الانتخابات دون مزيد من التوضيح أن حزب (روسيا الموحدة) حقق مرة أخرى ما بُني النظام الانتخابي الروسي برمته في السنوات الأخيرة من أجله: السيطرة، وحصد الأغلبية، والقدرة على تمرير أي قرارات يطلبها الكرملين عبر مجلس الدوما دون عوائق. وبهذا المعنى، لم تكن هناك مفاجآت».

معارضون للرئيس الروسي يتظاهرون أمام السفارة الروسية ببرلين في يوم الانتخابات (أ.ف.ب)

يعكس هذا الاختصار بوضوح المشهد من جانب معارضة تبدو هامشية وصغيرة لكن صوتها مسموع بقوة في أوروبا والعالم.

ومن بين مآخذ المعارضة أيضاً، أن الانتخابات لم تسمح بمناقشة برامج الأحزاب، أو تداول السلطة، أو التمثيل السياسي. بل «جرت خلال حرب لم تكن مجرد الحدث الأبرز في حياة البلاد، بل أصبحت نمط حياة الدولة. الحرب تُغيّر الميزانيات، وسوق العمل، والمدارس، والتلفزيون، والمحادثات العائلية، وقائمة الكلمات المحظورة، وبالطبع، عمل البرلمان القائم أساساً على تمرير القوانين التي تخدم الحرب فوراً، وتحويل أدنى معارضة إلى جريمة».

ووفقاً للمعارضين فإن هذه الآلة ستعمل الآن في ظروف قد لا تكفي فيها القرارات التقليدية المعتادة. بعد عام 2026، تتطلب الحرب أكثر من مجرد الكلمات المناسبة والخطابات الوطنية. إنها تتطلب المال، والبشر، والتعبئة المستمرة للمجتمع، حرفياً ومجازياً.

وكان موضوع مشاركة «أبطال الحرب» في الانتخابات عرضة أيضاً لانتقادات المعارضة، التي رصدت تحولاً ستكون له أبعاد اجتماعية كبيرة. ومع التذكير بتغيير مفهوم الامتيازات والتسهيلات الضخمة التي كان يحصل عليها «المحاربون القدامى» (الحرب العالمية) في السابق، لصالح نخبة جديدة من الذين احترفوا القتال للحصول على عائدات وامتيازات كبيرة، تحذر أوساط في روسيا حالياً من أن «من شاركوا في الحرب سيصبحون النخبة الروسية الجديدة، وأنهم سيحكمون المناطق، ويشغلون المناصب، ويسنون القوانين، ويعلمون الشباب، ويحلون عموماً محل التكنوقراط والبيروقراطيين».

أخيراً يحمل بعض المعارضين على «الأرقام الفلكية» التي حصدها بعض الشخصيات المقربة من الكرملين، مثل رئيس الشيشان رمضان قاديروف الذي حصل وفقاً للنتائج على نسبة 99.85 في المائة من أصوات الشيشانيين. يرى البعض أن هذه الحصيلة «لا تُشير في الواقع إلى الثقة. بل إنها نتيجة تدل على استحالة قياس الثقة. ولا تعكس شيئاً عن آراء الناس، أو ما إذا كانوا خائفين، أو ما إذا كانوا يدعمونه بالفعل».

عموماً فإن الاستحقاق الانتخابي الذي كان يفترض أن يكون داخلياً بامتياز وألا يعكس تأثيرات كبيرة على مجريات السياسة الخارجية، تحول بالفعل إلى مقياس جدي لمستوى تأثير الحرب الكبرى التي تواجهها روسيا على حياة الناس وقراراتهم، وهو بهذا المعنى تحول بالفعل كما قال بوتين قبل الانتخابات إلى استحقاق «حاسم» و«مصيري» قد تعكس نتائجه فضلاً عن الأبعاد السياسية، ملامح المجتمع الروسي لسنوات مقبلة.


الجيش السوري الجديد... تغيير مسمّيات أم إعادة هيكلة مؤسساتية؟

عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
TT

الجيش السوري الجديد... تغيير مسمّيات أم إعادة هيكلة مؤسساتية؟

عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)

بعد إسقاط نظام بشار الأسد، بدأت السلطات السورية العمل على تشكيل جيش جديد عبر دمج الفصائل الثورية المسلحة التي شاركت في القتال والاقتتال خلال سنوات الحرب ضمن وزارة الدفاع، في خطوة أولى هدفت إلى وضع مختلف التشكيلات العسكرية تحت مظلة مؤسسة رسمية واحدة.

في المرحلة التي عقبت سقوط النظام، ضم الجيش السوري الجديد نحو 22 فرقة عسكرية، كانت امتداداً مباشراً للفصائل السابقة، واحتفظت هذه التشكيلات بهياكلها وقياداتها وتركيبتها الداخلية، لكنها انتقلت «إدارياً» للعمل تحت مظلة وزارة الدفاع السورية.

لكن هذه الصيغة لم تكن تعني انتهاء الحالة الفصائلية بقدر ما مثلت مرحلة أولى من عملية الدمج غير السهلة؛ فقد اتخذت تلك الفصائل مسميات جديدة كـ «فرق» و«ألوية» تعمل ضمن هيكلة وزارة الدفاع المستحدثة، من دون أن تفقد كامل بنيتها السابقة أو شبكات النفوذ والولاءات التي شكلتها خلال سنوات الحرب.

وبقيت في كثير من الحالات مرتبطة بمناطق معاقلها والوفاء لقادتها، وبشبكاتها الاقتصادية والإدارية والاجتماعية، الأمر الذي جعل عملية الدمج أقرب إلى جمع الفصائل تحت مظلة واحدة منها إلى بناء جيش مؤسساتي موحد.

عناصر من الجيش السوري في ريف دمشق (أ.ف.ب)

تفكيك التكتلات الفصائلية

مع مرور الوقت، بدأت دمشق الانتقال إلى مرحلة ثانية أكثر وضوحاً في إعادة بناء المؤسسة العسكرية، تقوم على إعادة تشكيل الوحدات ودمجها في تشكيلات جديدة، وصولاً إلى العمل على تفكيك التكتلات الفصائلية من الداخل.

هذه المرحلة تحديداً، بدأت بعملية أكثر حساسية تتمثل في تفكيك الإرث السابق بوصفه عبارة عن كتل قوة داخل الجيش الجديد، فأعيد توزيع العناصر على التشكيلات المختلفة، بما يقلل من قدرة المجموعات على الاحتفاظ بهياكلها السابقة أو إعادة إنتاج النفوذ الخاص داخل المؤسسة العسكرية.

وتشكل هذه الخطوة بحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط»، واحدة من أصعب مراحل هيكلة الجيش السوري؛ إذ لم يعد التحدي في دمج الفصائل ضمن كيان واضح هو الجيش، بل في القدرة على «قصقصة أجنحة الفصائل داخل هذا الجيش»؛ فالفصائل التي تحولت بعد سقوط النظام إلى فرق تابعة لوزارة الدفاع، احتفظ بعضها بتماسكه التنظيمي ومناطقيته، كما بقيت علاقات الولاء للقادة حاضرة وإن بدرجات مختلفة، إلى جانب الارتباط شبكات مالية وإدارية واجتماعية نشأت، وتجذرت طوال أكثر من عقد من الزمن.

صورة أرشيفية لمقاتل من المعارضة السورية يرفع علامة النصر وهو يقف على متن طائرة عسكرية تابعة لقوات موالية لحكومة بشار الأسد داخل مطار حماة العسكري 7 ديسمبر 2024 (رويترز)

انتقال لم يكتمل بعد

لكن هذه العملية لم تصل بعد إلى هدفها النهائي؛ إذ لا تزال بعض الفرق داخل الجيش تحتفظ ببنيتها السابقة وإن بدرجات متفاوتة، بينما تتواصل الترتيبات لإعادة توزيعها وإعادة تنظيم قيادات جديدة لها ومناطق انتشار ومهام مختلفة.

هذا يعني أن الجيش السوري يمر حالياً بمرحلة تتراوح بين نموذجين: نموذج دمج الفصائل بشكل غير فعال عقب سقوط النظام ضمن وزارة الدفاع، ونموذج الجيش المؤسساتي الذي يفترض أن تتلاشى فيه الفصائلية والمناطقية، وتصبح فيه سلسلة القيادة والقرار العسكري مرتبطة بالدولة السورية.

في هذا الإطار، قال مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن «الدولة السورية تستكمل اليوم عملية الدمج الإجباري للفصائل كافة وإضعاف مواطن القوة التي تمتعت بها خلال السنوات الماضية»، معتبراً أن هذه الخطوة ضرورية جداً، فمن دونها لن تستطيع دمشق تأسيس جيش موحد وبناء دولة مستقرة.

جنود سوريون يهرعون إلى موقع انفجار مستودع أسلحة في إدلب مخلّفاً 14 قتيلاً في 9 سبتمبر الجاري (إ.ب.أ)

وأوضح المصدر الذي فضَّل عدم الكشف عن اسمه أن ما شهدته الأيام السابقة من تفكيك بعض الكتل العسكرية، وفي مقدمتها «جيش الإسلام» الذي جرى دمجه ضمن الفرقة 70، وتفكيك مجموعات «العمشات» و«الحمزات» و«أحرار الشرقية»، سبقته عمليات مشابهة طالت «أحرار الشام» و«الجبهة الشامية»، وهي فصائل كانت متماسكة ولها مصالح اقتصادية وجهوية، وقد نجحت إدارة الرئيس أحمد الشرع في تفكيكها تدريجياً وبهدوء ودون ضجة؛ ما أدى إلى سحب قوة هذه التكتلات التي كانت تشكل ثقلاً داخل الجيش.

فصائل داخل الدولة

المهمة الأساسية الآن هي هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية بعد ضم الفصائل إليها، ومن ثم تفكيك البنية الفصائلية داخل الدولة السورية بشكل كامل.

وهناك فصائل لا تزال موجودة داخل الجيش، لكن معظم التشكيلات التي كانت تنتمي لـ «الجيش الوطني» السابق قد فككت بمعظمها، ويجري حالياً تفكيك «جيش سوريا الحرة» الذي كان حليفاً مهماً للولايات المتحدة في قاعدة منطقة التنف قرب الحدود الأردنية.

ويوضح المصدر أن هناك تنسيقاً كاملاً بين إدارة الشرع وكل من تركيا والولايات المتحدة في عملية تفكيك الفصائل داخل الجيش السوري الجديد؛ إذ كان يُعتقد سابقاً أن شخصيات مثل أبو عمشة وحاتم أبو شقرا وسيف بكور بولاد، وهم حلفاء لتركيا، قد يثير تحييدهم حساسية لدى أنقرة، قد يدفعها للضغط باتجاه عدم إبعادهم، لكن ما حدث كان العكس تماماً فتركيا اليوم تبدي حرصاً على تفكيك المكونات التي كان حليفة سابقة لها.

«كتائب خالد بن الوليد» وهي جزء من «هيئة تحرير الشام» تقدّم عرضاً عسكرياً بعد الإطاحة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد (أرشيفية - رويترز)

«هيئة تحرير الشام» في الهيكلية الجديدة

رغم جهود التفكيك والدمج وإعادة بناء مؤسسة عسكرية متجانسة، فإن المصدر يؤكد أن «الهيكلية النهائية للأجهزة الأمنية وللجيش تهدف إلى أن يبقى ضباط وقادة (هيئة تحرير الشام) حصراً والقادة المهمين في جبهة النصرة في المفاصل الرئيسية ومواقع القيادة والقرار، وأن كل من جرى تعيينه من الضباط المنشقين أو قادة الفصائل التي تم حلها وتوزيعها سيكون قائده أو رئيسه في النهاية شخصية من (تحرير الشام)».

ويرى المصدر أن «هذا التوجه منطقي في هذه المرحلة الحساسة التي تواجه فيها الدولة تحديات داخلية وخارجية كبيرة؛ إذ إن العمل السياسي يتطلب وجود نواة صلبة وتماسك داخلي، وإن لم تكن القرارات المفصلية الأمنية والعسكرية مضمونة فلن يكون بالإمكان بناء أي شيء، وستكون المؤسسات عرضة للاختراق وخاضعة للتجاذبات الداخلية».

عناصر من قوات الأمن السورية في اللاذقية (أرشيفية - رويترز)

رواية القيادة

تحدثت «الشرق الأوسط» إلى العقيد عبد المعطي الحلبي، وهو أحد القيادات العسكرية في الجيش السوري الجديد ومن الضباط الذين كانوا في الصف الأول داخل جبهة النصرة سابقاً، فأكد أن تفكيك الفصائل «ليس استهدافاً لأحد»، بل «ضرورة وجودية لبناء مؤسسة عسكرية حقيقية».

وأوضح الحلبي أن الإبقاء على الفصائل ككتل متماسكة داخل الجيش «يعني ببساطة الإبقاء على ولاءات متعددة داخل المؤسسة العسكرية»، وهو ما يهدد القرار الأمني والعسكري، ويجعل الدولة هشة.

وأضاف: «لا يمكن أن نبني جيشاً وطنياً إذا بقيت كل مجموعة تعد نفسها كياناً مستقلاً، ولها اقتصادها الخاص، وولاءاتها»، مشيراً إلى أن الدولة تعمل على توزيع القيادات وإعادة توزيعها.

وفي ما يتعلق باختيار قادة الفيالق من «هيئة تحرير الشام»، قال الحلبي إن هذا الأمر ليس دقيقاً كما يشاع، موضحاً أن «(تحرير الشام) هي أول من حل نفسه، واندمجت في الدولة، رغم أنها تمتلك خبرة تنظيمية وأمنية وإدارية سبقت بها الجميع، وخاضت تجربة الحكم والإدارة في إدلب، وخاضت تجربة العمل الأمني المعقد، ولديها قدرة على ضبط الأرض والمؤسسات».

وأضاف: «لو أبقينا الأمور على الحالة السابقة، ستعود الحساسية المناطقية والولاءات القديمة. نحن نريد قيادة موحدة، صلبة، لا تخضع لأي تجاذبات، في هذه المرحلة، وهذا بمشاركة الجميع دون تمييز».

تعيين حجي محمد نبو المعروف بلقب «جيا كوباني» نائباً لقائد «الفرقة 60» في الجيش السوري العاملة في الحسكة مارس الماضي (حساب فيسبوك)

5 فيالق وتغييرات مرتقبة

يقول الباحث في الشؤون الأمنية في مركز جسور للدراسات، رشيد حوراني، لـ«الشرق الأوسط»، إن الهيكلية الجديدة للجيش السوري ستبقي، على الأرجح، على صيغة تشكيل 5 فيالق في الجيش، مع احتمال إجراء تغييرات على مستوى القيادات وقوام الفيالق ومناطق انتشارها ومهامها العملياتية، مشيراً إلى أن المرحلة السابقة أظهرت الحاجة إلى تعزيز مرونة تحرك هذه التشكيلات في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية.

وأوضح حوراني أن «على الأرجح الإبقاء على الهيكلية التي أعلن عنها مؤخراً، المتضمنة تشكيل 5 فيالق في الجيش السوري، ولكن التغيير قد يطول القيادات وقوام الفيالق العسكرية التي أعلن عنها، وتنظيم أماكن انتشارها، ومناطق العمليات الخاصة بها بشكل أكبر مما كان سابقاً؛ لأنه خلال المرحلة السابقة تم الوقوف على نقاط تتعلق بمرونة تحرك تلك الفيالق استجابة للمهددات الداخلية والخارجية، ومن ثم تكون الهيكلية المقبلة تغييراً في القيادات وأساليب عمل كل فيلق بما يتناسب ومهامه».

دخان يتصاعد من خلف جندي سوري على أثر انفجار مستودع أسلحة في إدلب خلّف 14 قتيلاً في 9 سبتمبر الجاري (أ.ف.ب)

وفيما يتعلق بالهدف من الهيكلة الجديدة، يرى حوراني أن إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية ترتبط بمرحلة أوسع من إعادة بناء الجيش السوري وتطوير آليات عمله، بما يتناسب مع متطلبات الدولة والمرحلة المقبلة.

وكانت مواقع سورية قد تداولت أخباراً مفادها أن الترتيبات الجديدة وضعت الفيلق المكلف بالمنطقة الشرقية تحت قيادة العميد أحمد محمد الجاسم، المعروف في الأوساط العسكرية بـ«أبو محمد شورى»، وهو الضابط الذي ارتبط اسمه سابقاً بإدارة الفرقة 66.

بينما تتحدث مصادر أخرى على أن المنطقة الشمالية ستخضع لقيادة العميد عواد الجاسم «أبو قتيبة الشامي»، الذي ارتبط اسمه بالفرقة 60، في إطار إعادة توزيع الفرق الأربع العاملة هناك.

أما ما يتصل بالمنطقة الوسطى، فتذكر بعض المصادر أن العميد هيثم العلي «أبو مسلم آفس» سيكون على رأس الفيلق المسؤول عن هذا القطاع، في حين تتحدث تسريبات أخرى عن أن العاصمة دمشق ستشهد ترتيبات مختلفة يقودها العميد عمر محمد جفتشي «مختار التركي» الذي يدير حالياً فرقة دمشق العسكرية.

وفي المقابل، تتداول منصات محلية أن المنطقة الغربية والساحل سيخضعان لإشراف العميد منير الشيخ «أبو أسامة»، ضمن فيلق يضم 4 فرق أعيد تنظيمها مؤخراً.

معضلة الفصائل الأكثر تطرّفاً

حول الفصائل الأكثر تطرفاً، قال الحلبي إن الدولة تتعامل معها «بمنهجية دقيقة»؛ إذ سيجري تفكيكها وتوزيع عناصرها داخل الفيالق بما يمنع تشكل أي كتل داخل الجيش.

وأضاف: «هذه الفصائل تمتلك خبرة قتالية مهمة، لكن يجب أن تعمل ضمن مؤسسة، لا ضمن عقلية الجماعة أو التنظيم. لذلك سيتم توزيعها بشكل مدروس داخل الفيالق، بحيث تذوب في البنية العسكرية الجديدة».

وختم الحلبي قوله بأن التحدي الأهم الآن هو الانتقال من «الذهنية الفصائلية إلى ذهنية الدولة».

وعن المقاتلين الأجانب وبينهم التركستان وغيرهم، داخل الهيكلية العسكرية الجديدة، أوضح حوراني أن هذه الجماعات أصبحت منضوية ضمن الجيش، لا سيما في الفرقة 84، ومن ثم فإنها تخضع، من حيث المبدأ، للقواعد والقوانين العسكرية نفسها التي تنطبق على بقية الوحدات.

وقال: «انضوت الجماعات الإسلامية الأجنبية ضمن الجيش في الفرقة 84 بشكل خاص وأصبح يسري عليهم ما يسري على جميع الوحدات العسكرية، وأي مخالفة منهم يتم التعامل معهم وفق القانون العسكري النافذ».

وفي ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد خطوات لإزالة أو تفكيك بعض الفصائل المتطرفة الموجودة ضمن التشكيلات العسكرية، في ظل وجود مطالب دولية مرتبطة بهذا الملف، يرى حوراني أن التعامل مع هذه الفصائل سيبقى جزءاً من عملية بناء الجيش واستخلاص الدروس من المراحل السابقة، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى وجود محددين أساسيين يحكمان هذا الملف.

الرئيس السوري أحمد الشرع في مؤتمر إعلان انتصار الثورة السورية وسط حضور موسع من فصائل إدارة العمليات العسكرية 29 يناير 2025 (أ.ف.ب)

موقف الفصائل من إعادة الهيكلة

عن التحفظات الفصائلية، ومخاوف الفصائل التي انضمت إلى وزارة الدفاع من تداعيات إعادة الهيكلة، يلفت حوراني إلى أن هذه الفصائل باتت تدرك الفارق بين طبيعة التشكيلات التي نشأت خلال مرحلة إسقاط النظام السابق، وبين متطلبات بناء جيش يعمل ضمن مؤسسات الدولة.

ويشرح: «تدرك الفصائل التي انضمت لوزارة الدفاع أن طريقة عمل وتشكيل الفصائل في مرحلة إسقاط النظام يختلف عن طريقة تشكيل الجيش ومهامه ضمن كيان الدولة؛ ولذلك كانت هناك استجابة كبيرة من جميع الفصائل لعملية الدمج، على الرغم من أن تقارير غربية حذرت من طريقة الدمج وآثاره، لكن الهدف العام للفصائل سهل المهمة وجعل عملية تشكيل الجيش تسير بسلاسة».

وحول بقاء بعض قادة الفيالق محسوبين على جهات فصائلية معينة، وما يفسر ذلك، يرى حوراني أن الأمر يرتبط بالخبرة التي راكمها الجناح العسكري لـ«هيئة تحرير الشام» خلال السنوات التي سبقت سقوط النظام.

وقال: «كون الجناح العسكري لـ(هيئة تحرير الشام) تطور بشكل كبير قبل سقوط النظام من ناحية التدريب والتنظيم والخبرة في أساليب العمل العسكري، وتريد القيادة اليوم الاستفادة من ذلك».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يراقب تقدم جنود إسرائيليين داخل الأراضي السورية مطلع سبتمبر الجاري (د.ب.أ)

تنسيق سوري ـ تركي ودور أميركي

عن الدور الإقليمي والدولي في عملية إعادة هيكلة الجيش، أشار حوراني إلى أن التنسيق السوري ـ التركي في المجال العسكري بات معلناً، ويشمل جوانب التنظيم والتدريب، لافتاً إلى أن ذلك انعكس من خلال الزيارات المتكررة لمسؤولين عسكريين رفيعي المستوى في أعلى هرمي المؤسسة العسكرية في كل من سوريا وتركيا.

وقال: «لا يخفي الجانب السوري والتركي التنسيق العسكري بينهما المشتمل على التنظيم والتدريب، وهو ما انعكس من خلال الزيارات المتكررة لمسؤولين عسكريين رفيعي المستوى في أعلى هرمي المؤسسة العسكرية لكل من سوريا وتركيا، وهذا التعاون موافق عليه من الجانب الأميركي الذي أوصى بدوره مجلس الشيوخ لجنة الأمن والدفاع فيه بتقديم تقرير خلال العام 2026 بإمكانية إقامة شراكة عسكرية مع سوريا، وهذا يندرج ضمن دور سوريا في مكافحة الإرهاب».

أهداف الدور التركي

وحول أهداف الدور التركي، خصوصاً في عملية بناء الجيش السوري، يعتقد حوراني أن هذا الدور يحمل مجموعة من الأهداف المرتبطة بالأمن القومي التركي، إلى جانب أهداف سياسية وعسكرية تتصل بموقع أنقرة في سوريا والمنطقة.

ويقول: «أهداف الدور العسكري متعددة، أبرزها حماية الأمن القومي التركي وبناء الجيش السوري الموحد الذي يقطع الطريق على قيام كيانات انفصالية تهدد الداخل الكردي كتنظيم (قسد) شرق سوريا سابقاً، وتعزيز نفوذ تركيا السياسي والعسكري وتكرار تجربتها العسكرية في بناء الجيوش في الدول الأفريقية، إضافة إلى دور تركيا في دعم الإدارة السورية الجديدة التي كانت داعمة لها خلال الثورة».

عبدي مع مجموعة من قواته بلباس الجيش السوري (مواقع التواصل)

معركة بناء لا مجرد دمج

في المحصلة، تكشف عملية إعادة هيكلة الجيش السوري أن التحدي الذي تواجهه دمشق لا يتمثل فقط في إدخال الفصائل المسلحة السابقة إلى وزارة الدفاع، وإنما في إنهاء قدرتها على العمل ككتل مستقلة داخل المؤسسة العسكرية.

فالمرحلة الأولى قامت على استيعاب الفصائل تحت مظلة الدولة، بينما تركز المرحلة الحالية على تفكيك هياكلها الداخلية، وإعادة توزيع عناصرها وقياداتها، وتغيير مناطق انتشارها ومهامها، بما يمنع إعادة إنتاج الولاءات المناطقية والفصائلية.

وبينما تؤكد السلطات العسكرية أن الهدف هو بناء جيش موحد لكل السوريين، تبرز في المقابل تساؤلات حول حجم الدور الذي ستحتفظ به الشخصيات القادمة من «هيئة تحرير الشام»، وحول طبيعة العقيدة العسكرية للجيش الجديد، وحدود التأثير التركي والدولي في عملية بنائه.

وفي نهاية المطاف، تبدو إعادة الهيكلة اختباراً أساسياً لقدرة الدولة السورية الجديدة على الانتقال من مرحلة «الفصائل المنتصرة» إلى مرحلة «المؤسسة العسكرية التابعة للدولة»، وهي عملية لم تكتمل بعد، وستحدد نتائجها إلى حد كبير شكل الدولة السورية وأمنها خلال المرحلة المقبلة.


ربع قرن على يوم «آبوكاليبتي»... «11 سبتمبر» الذي غيّر أميركا والعالم

هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
TT

ربع قرن على يوم «آبوكاليبتي»... «11 سبتمبر» الذي غيّر أميركا والعالم

هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)

خلّفت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية ندوباً لا تزال ماثلة على شواهد في الولايات المتحدة، وذكريات رهيبة في وجدان الأميركيين وكثيرين عبر العالم. وإذا كانت التداعيات الأولى ظهرت سريعاً في غزوين أميركيين لكل من أفغانستان (2001) والعراق (2003)، فإن البعض يجادل بأن حرب إيران اليوم تقع - في جانب منها - ضمن السياق ذاته.

وإذ يحيي الأميركيون هذا العام الذكرى السنوية الـ25 للهجمات التي أدت إلى سقوط نحو ثلاثة آلاف قتيل مع صدْم برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك بطائرتين مدنيتين ووزارة الدفاع (البنتاغون) في واشنطن العاصمة بطائرة مدنية ثالثة، فضلاً عن رابعة أُسقطت في بنسلفانيا، لم تنته بلدان مثل أفغانستان، والعراق، وسوريا، واليمن، والصومال ونيجيريا وغيرها بعد من إحصاء العدد النهائي لمئات آلاف من الضحايا، وربما أكثر من الذين سقطوا في الحروب الأميركية والعالمية المتواصلة مُذّاك ضد تنظيمي «القاعدة» و«داعش»، وغيرهما من الجماعات الإرهابية.

طُبعت هذه الاعتداءات على «الوجه الدّامي» لأميركا، حيث لم تغلق بعد السجالات الدائرة حول «سجلات سريّة» يقال إنها لم تنشر بعد على رغم مضي ربع قرن على الوقائع المستعادة سنويّاً ليوم 11/ 9، لحظة بلحظة، ودقيقة بدقيقة، وساعة بساعة، وعاماً بعد آخر.

رسم بياني يُظهر عدد الطائرات ومسار كلٍّ منها قبل لحظة الارتطام

ويحيي الأميركيون هذه اللحظات والدقائق كل عام، بتسجيلها في الذكرى، وبوصفها بداية تاريخ جديد للبلد الذي نشأ رسمياً قبل 250 عاماً، ويقرعون أجراس الحزن بالمواقيت التالية:

منذ الساعة 5:45 فجر 11/ 9، حين اجتاز خاطفان، نقاط التفتيش الأمنية في مطار بورتلاند الدولي بولاية ماين، ليستقلا رحلة إلى مطار لوغان الدولي في بوسطن في ماساتشوستس، ثم الرحلة الرقم 11 لـ«أميركان إيرلاينز» التي أقلعت الساعة 7:05 صباحاً وعلى متنها 76 راكباً مع طاقم من 11 شخصاً وخمسة خاطفين، إلى وجهتها المفترضة: لوس أنجلس في كاليفورنيا.

وكذلك، أقلعت من بوسطن الرحلة 175 لشركة «يونايتد أيرلاينز» الساعة 8:15 صباح اليوم ذاته، وعلى متنها 51 راكباً وطاقم من تسعة أفراد وخمسة خاطفين، متجهة أيضاً إلى لوس أنجلس.

وعند الساعة 8:20 صباحاً، أقلعت الرحلة 77 لـ«أميركان إيرلاينز» من واشنطن العاصمة، وعلى متنها 53 راكباً وستة من أفراد الطاقم وخمسة خاطفين، متجهة كذلك إلى لوس أنجلس.

وطارت من مطار نيوارك في نيوجرسي الرحلة 93 لـ«يونايتد أيرلاينز» عند الساعة 8:42 صباحاً، وعلى متنها 33 راكباً وسبعة من أفراد الطاقم وأربعة خاطفين، إلى وجهتها المفترضة: سان فرانسيسكو، كاليفورنيا.

صورة أرشيفية للحظة اصطدام الطائرة ببرج التجارة العالمي في 11 سبتمبر 2001 (غيتي)

دقائق الرعب

لم تمضِ دقائق حتى ارتطمت الرحلة 11 الساعة 8:46 صباحاً بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي عند الناحية السفلى من مانهاتن في نيويورك. وتسمّر الناس في كل أصقاع الأرض أمام الشاشات لمشاهدة ما لم يخطر ببال أحد من غير المهاجمين أنفسهم.

وقبل أن يفيق أحد من صدمة «حادثة» البرج الشمالي، صدمت الرحلة 175 البرج الجنوبي بعد دقائق قليلة أخرى، في تمام الساعة 9:03 صباحاً، ليتيقّن الجميع أن ما يحصل أكبر بكثير مجرد «حادثة» لطائرات ضلّت طريقها فوق المدينة العامرة.

ظلّت الأفواه فاغرة طويلاً وسادت حالة من الذهول.

حتى الرئيس جورج دبليو بوش، الذي كان داخل صف ابتدائي لمدرسة في فلوريدا، بدا غير مصدق لما يحصل، حين همس في أذنه كبير موظفي البيت الأبيض آنذاك أندرو كارد، الساعة 9:05 صباحاً لإبلاغه بالهجوم على البرج الثاني. وكتب بوش لاحقاً: «قررت عدم النهوض فوراً ومغادرة الصف. لم أرد إثارة ذعر الأطفال. أردت بث شعور بالهدوء... مررت بأزمات كافية لأعرف أن أول ما يجب على القائد فعله هو بث الهدوء».

غير أن السكينة التي سعى إليها الرئيس الأميركي بدت سراباً مع ارتطام الرحلة 77 بالمبنى الأيقوني لوزارة الدفاع (البنتاغون) عند الساعة 9:37 صباحاً، في حين كان المسافرون على الرحلة 93 يتعاركون مع الخاطفين حتى الساعة 10:02 صباحاً، حين تحطمت الطائرة فوق حقل خالٍ في شانكسفيل، بنسلفانيا. لم يعرف أحد ما كانه الهدف النهائي لخاطفي الرحلة 93، بيد أن كثيرين رجَّحوا أن تكون متجهة إما إلى البيت الأبيض أو مبنى الكابيتول.

الدمار الهائل والرماد الذي خلَّفته تفجيرات «11 سبتمبر» في دقائق (أ.ف.ب)

أبعاد «آبوكاليبتيكية»

أعطت الصحافة الأميركية أبعاداً «آبوكاليبتيكية» لانهيار البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي أولاً عند الساعة 9:59 صباحاً. ثم انهيار البرج الشمالي بعد 29 دقيقة، الساعة 10:28 صباحاً.

لم تكن تلك اللحظات من ذلك الثلاثاء المشؤوم، مجرد توثيق لوقائع ضربة يعدّها البعض أخطر أميركياً من هجوم بيرل هاربر الذي كان السبب المباشر لدخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية ضد اليابان الإمبراطورية وبقية دول المحور: ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية.

وأعادت هجمات 11/ 9 تشكيل الأمن الأميركي والحياة اليومية للأميركيين وغير الأميركيين على نطاق واسع، من المطارات إلى السياسة الخارجية والمجتمعات المحلية.

وبعد أيام فقط من الهجمات، اتخذ الرئيس بوش قرارات مهمة لتوحيد 22 جهازاً فيدرالياً، أصدر الكونغرس «قانون باتريوت» موسعاً صلاحيات المراقبة والتحقيق الفيدرالية. وتغيّر أمن الطيران جذرياً مع إنشاء إدارة أمن النقل، التي فرضت فحص جميع الأمتعة بالأشعة السينية. وصار خلع الأحذية إجراءً روتينياً. كما ألزم الكونغرس شركات الطيران بأبواب قمرة قيادة محصّنة، وأُنشئت «قائمة حظر الطيران»، وفرضت بطاقة «الهوية الحقيقية» إلزامياً للسفر الداخلي.

وارتفعت ثقة الأميركيين بالحكومة الفيدرالية لأول مرة منذ عهد جونسون، ورفع 80 في المائة من البالغين العلم الأميركي في أكتوبر (تشرين الأول) 2001 وسط موجة وطنية واسعة. لكن الهجمات أشعلت أيضاً موجة «إسلاموفوبيا» وعنف ضد المسلمين في أنحاء مختلفة من الولايات المتحدة وعبر العالم.

«حرب عالمية» على الإرهاب

بالإضافة إلى ذلك، كانت هجمات 11 سبتمبر 2001 بمثابة إعلان «الحرب على أميركا»، التي أعلنت بصفتها القوة العظمى الوحيدة عالمياً في مستهل الألفية الثالثة، أن «ما قبلها ليس كما بعدها»، وأنها إيذان ببدء الحرب الأميركية والعالمية على الإرهاب.

بهذه الروحية، خاطب الرئيس بوش الأمة الأميركية ليلة ذلك اليوم، الذي سقط فيه زهاء ثلاثة آلاف قتيل، والذي لا يزال مؤثراً على نمط حياة الأميركيين إلى يومنا هذا، بعد أي مضي ربع قرن. وركز في خطابه على طمأنة الأميركيين، مرسلاً التباشير الأولى لما صار لاحقاً «مذهب بوش» في السياسة الخارجية؛ إذ قال: «لن نفرق بين الإرهابيين الذين ارتكبوا هذه الأعمال ومن يؤويهم»، وممهداً أيضاً الطريق لإطلاق الحملة العسكرية اللاحقة ضد أفغانستان «طالبان» بعدما رفضت تسليم زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن.

الدخان متصاعداً من برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك لحظة التفجيرات (غيتي)

وعلى رغم انهيار الحكم الطالباني الأول بعد قرابة شهرين من «عملية الحرية الدائمة» العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة مع تحالف دولي، طالت الحرب على الإرهاب في هذا البلد المضطرب 20 عاماً.

وفي خطابه الأول عن «حال الاتحاد» بعد هجمات 11/ 9، أعطى الرئيس بوش في مطلع عام 2002 التصور الأكثر تكاملاً عن حرب «ستتواصل لعقود» تخوضها الولايات المتحدة لاجتثاث الإرهاب والدول الراعية له وفقاً للمنظور الأميركي. أعلن الهدف النهائي ضد ما سماه «محور الشر» الذي ضم كلاً من العراق وإيران وكوريا الشمالية، مضيفاً اتهاماً آخر بأن هذه الدول تنتج أيضاً أسلحة دمار شامل.

إطلاق مصطلح «محور الشرّ»

أسس الرئيس بوش في الخطاب الذي كتبه له ديفيد فروم لحرب العراق التي أطاحت في 2003 نظام البعث بقيادة الرئيس صدام حسين. وأشار فروم في حديث لصحيفة «النهار» اللبنانية آنذاك، إلى أنه بنى تعبير «محور الكراهية» (الذي استبدل به الرئيس بوش مصطلح «محور الشرّ») على استعارات من خطاب الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت عن «التاريخ الذي سيبقى وصمة عار» الذي ألقاه في 8 ديسمبر (كانون الأول) 1941، بعد الهجوم الياباني على بيرل هاربر، ليقرر خوض حرب ليس فقط ضد اليابان الإمبراطورية، بل أيضاً ضد ألمانيا النازية.

الرئيس الأميركي جورج بوش الابن ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد يتفقدان الأضرار في مبنى البنتاغون غداة هجمات 11 سبتمبر 2001 (غيتي)

لم يكتفِ الرئيس بوش بالحرب ضد أفغانستان، بل أرسل القوات الأميركية أيضاً إلى العراق. وحسب مشروع «تكلفة الحرب» لدى جامعة براون، قُتل نحو 940 ألف شخص بالعنف المباشر في هاتين الحربين، في حين تجاوز إجمالي الضحايا 4.5 ملايين بحلول عام 2023 بسبب الآثار غير المباشرة. وارتفع الإنفاق العسكري 50 في المائة في العقد التالي للهجمات، بتكلفة إجمالية تجاوزت 5.6 تريليونات دولار بحلول 2018، وأُنشئ معتقل غوانتانامو الذي احتجز 780 شخصاً.

وقال فروم: «بالنسبة لروزفلت، لم يكن بيرل هاربر مجرد هجوم، بل كان بمثابة تحذير من هجمات مستقبلية أسوأ من عدو آخر، بل وأكثر خطورة». وكذلك، ربط بين العراق إيران و«القاعدة» و«حزب الله» التي شكَّلت على رغم التناقضات بينها، «محور كراهية ضد الولايات المتحدة». وأضيفت إليه كوريا الشمالية بسبب تطويرها أسلحة نووية.

وفي وقت تواصلت فيه الحرب على الإرهاب في أفغانستان، شكلت حرب العراق بداية لحرب أوسع نطاقاً ضد «محور الشر»، فاندفع النظام الإيراني إلى استغلال انهيار الحُكمين الطالباني والبعثي نحو ملء جزء رئيسي من الفراغ الجيوبوليتيكي الهائل بإنشاء «محور المقاومة» والذي سمّاه الملك عبد الله بن الحسين لاحقاً «الهلال الشيعي» - سعياً إلى امتداد جغرافي من إيران إلى لبنان، عبر كل من العراق وسوريا، التي اكتفى المسؤولون الأميركيون بتصنيفها ضمن الدول الراعية للإرهاب بسبب علاقاتها بالجماعات المسلحة ودورها كنقطة عبور حيوية للأسلحة والدعم الموجه إلى وكلاء إيران، وأبرزهم «حزب الله»، قبل التحوّل الكبير الذي شهدته دمشق في نهاية عام 2024.

واستخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هجمات 7 أكتوبر 2023 لتشبيهها بهجمات 11 سبتمبر 2001 وفتح حرباً لا سابق لها ضد «حماس» وغيرها من الجماعات الموالية لإيران - ولاحقاً «حزب الله» في لبنان - غير آبه بسقوط عشرات آلاف الضحايا بين الفلسطينيين واللبنانيين.

حرب إيران... حيث لم ينفع شيء

لم يتمكن الرئيس بوش ومن أتى بعده من الرؤساء الأميركيين من وضع حد لحال العداء المستحكمة بين الولايات المتحدة وإيران، أو من لجم الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني، على رغم الشكاوى المتكررة من دول الجوار بسبب استمرار تدخلاته في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. بل تعاقب الرؤساء الأميركيون على استخدام مقاربات مختلفة؛ أملاً في تغيير يدفع الشرق الأوسط إلى مرحلة جديدة من الاستقرار.

نسخ من صحيفتي «همشهري» و«جام جم» الإيرانيتين تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعنواناً باللغة الفارسية: «بندقية العقوبات الفارغة» (إ.ب.أ)

لم ينفع شيء. وجاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى ولايته الثانية عازماً على إحداث تغيير جوهري في إيران، ومردداً اتهامات من مسؤولين أميركيين سابقين وحاليين بأنها «آوت» أيضاً مسؤولين من «القاعدة» مطلوبين للعدالة الأميركية، فضلاً عن دعم «حزب الله» في لبنان وجماعة الحوثي في اليمن والجماعات الشيعية المسلحة في العراق، وإن ركز أكثر على سعي النظام الإيراني إلى صنع أسلحة نووية والمزيد من الصواريخ الباليستية والمسيَّرات.

يمكن وضع الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة مع إيران منذ نهاية فبراير (شباط) 2026 في سياق الحروب الأميركية ضد «محور الشر» التي أعلنها الرئيس بوش، وأوضحتها لاحقاً مستشارة الأمن القومي وزيرة الخارجية سابقاً كوندوليزا رايس بأن «دعم إيران المباشر للإرهاب الإقليمي والعالمي، وسعيها الدؤوب لاقتناء أسلحة الدمار الشامل، يناقض أي نيات حسنة أبدتها في الأيام التي أعقبت أسوأ الهجمات الإرهابية في التاريخ».

خلاصة الأمر، أن الولايات المتحدة لطالما عدَّت إيران راعية للإرهاب وخصماً محتملاً وخطيراً في الشرق الأوسط.