نضال الأشقر... مسرح «أبعد من الحياة»

نضال الأشقر... مسرح «أبعد من الحياة»

الفنانة اللبنانية حاورها باسل محرز بُعيد «ملتقى الإبداع» في دمشق
الأربعاء - 24 شوال 1443 هـ - 25 مايو 2022 مـ رقم العدد [ 15884]
«سيدة المسرح» في لبنان نضال الأشقر

كبل «كوفيد19» رحلات «سيدة المسرح» نضال الأشقر إلى خارج لبنان وقلص أسفارها. أربع سنوات ولم تغادر، إلى أن تلقت دعوة للمشاركة في «ملتقى الإبداع» بـ«المعهد العالي للفنون المسرحية» الدمشقي. حضر الطلاب للاستماع إلى خبرات كبار، يعددهم مُحاورها باسل محرز: «منى واصف، أسامة الروماني، فايز قزق، نضال الأشقر...»، ويسألها عن جدوى مشاركة التجارب. امرأة في عامها الحادي والثمانين، تُردد أنها لا تتعب؛ بل تعمل بشغف النجاح الأول.

يحضر لها الإعلامي السوري مقدمة تليق بالمقام، وهي تطل لساعة وثلث ساعة عبر أثير «المدينة إف إم». يراها «مغلفة بالسحر والأسرار» ويشاء الغَرْف من ينبوعها. حوار في الفن والأفكار وعشق الخشبة، تتداخل فيه تطلعات الفنانة للمجتمع والسياسة. تنظر المرأة الوحيدة التي أسست مسرحاً خاصاً في العالم العربي، إلى الحياة على أنها المسرح الضخم. منذ صغرها وهي تعاين ما يدور في منزلها على أنه مسرحية تجري بين كراكتيرات متعددة. بيتها، أول مسرح تخرجت فيه، أشعل الموهبة وحرك الطاقة. تلتفت بامتنان إلى الماضي رغم محطات لم تكن سهلة. وعيها جعلها فنانة مشبعة بالأسئلة والمحاولات والإرادة والسعي والوصول.

ينقل لها مُحاورها انقساماً في وجهات النظر، فالبعض لا يرى فائدة من مشاركة الكبار تجاربهم مع الطلاب، للظروف المغايرة والفرص المتفاوتة. وبعضٌ يشجع على المواجهة بين الأجيال وتبادل الخبرة. كان «ملتقى الإبداع» توقف بعدما انطلق في فترة سابقة، وهذه السنة يستعيد الحياة. لا توافق نضال الأشقر على نقد يُوجه لورشات عمل تجمع مبدعين بطلاب لم يتخرجوا، وتراها «بالغة الأهمية، تختصر صعوبات قد تواجههم». وبعد نهاية المحاضرة، دعوة: «إلى طلاب المعهد... أنتظركم في (مسرح المدينة) لعرض أعمالكم، الخريف المقبل».

تشعر بحاجة إلى إطلاق الذاكرة فترفرف الذكريات. تتحدث عن البيت والبدايات وزيارتها إلى الموصل بعد دور «زنوبيا ملكة تدمر». يومها استوقفها قس في دير مرحباً بصوت ضخم: «جلالة الملكة زنوبيا»، فدار الضحك. لا تزال تفرح لانتشار المسلسل في وقت لم تكن فيه الفضائيات قد وُلدت. تهوى الفن الرصين، من دون اتخاذ موقف معادٍ من الفن التجاري. ترمي الكرة في ملعب الناس، بشرط رفع الذائقة رفضاً لمقولة «الجمهور عاوز كدة».

لا تخفي امرأة المسرح صعوبة موقف الفن في الظرف القاهر. تعلم أن الفنان إنسان، والشعارات لا تُشبع البطون. برأيها، تنبغي مضاعفة أجور الفنانين، بدل حرمانهم من المال بذريعة أنهم يقدمون رسالة. وبأسى، تعترف بالتقصير تجاه عاملين في مسرحها وعدم القدرة على تسديد المستحقات، إلا إنه بتبرع الخيرين تتجاوز الضيق وتدفع.



نضال الأشقر خلال اللقاء مع باسل محرز


تساءلت مراراً عن السبب خلف الاندفاع. لِمَ لا تتعب؟ لِمَ وجدت نفسها تحمل السلم بالعرض وتختار الدرب الوعر؟ أمكن أن تكون نجمة تلفزيونية، فذلك ربما أهون من تبني مسرح والعراك من أجل بقائه. وأمكن لها الانضواء في جمعيات تفعل الصبحيات وتكرس «ثقافة» المظاهر بين سيدات المجتمع. «لم أفعل»، تقول بفخر مَن يتمسك بدور في الحياة. «وبعمري ما عملت صبحية»، بل «قاتلتُ لإبقاء المسرح مفتوحاً لجميع الناس».

أمام تلفزيون بالأبيض والأسود، يبث محطة واحدة، قديماً في بيروت، شعرت نضال الأشقر برغبة في أن تصبح مخرجة. لم تكن مهمة إقناع الأهل بالسفر إلى إنجلترا لدراسة الإخراج شاقة، فطلبت من الأم إقناع الأب، ومن الأب إقناع الأم، وفي النهاية أقنع كل منهما الآخر. بطرافة، تروي سيرة خطواتها الأولى، مع أسرة لعبت دوراً مشجعاً رغم محنها وانخراط الوالد في الشأن السياسي، فدخوله السجن وغياب الأم عن البيت محاولة مساندته. من هنا، شق مسرح نضال الأشقر طريقه نحو العطاء على مدى عقود: «لأداوي الآلام الإنسانية وأسكن النفس».

قرأت شكسبير في المدرسة قبل رحلة التخصص. المناخ المساعد حفز الموهبة، وهي تراها شعلة من الطاقة لا تشيخ مع العمر، «فالبشر صنفان، بعضٌ لا يكف عن التعلم، وآخرون يكبرون بالسنوات، عوض المعرفة»، تترك حكماً في الحلقة. تحضر لكتاب تؤرخ فيه للبنان انطلاقاً مما عاشت، تسميه «كتاب الذكريات» من دون أن تضع له عنواناً بعد. وتكتب مسرحية قد يمتد تحضيرها لأعوام، «ولا يهم إن بقيتُ على قيد الحياة أم لا. المهم هو الشغف».

يأخذها التفكير في المسرح وهي بالمطبخ تعدّ الطعام لعائلتها. تروي لباسل محرز أن ولديها وزوجها لحقوا بها مرة إلى المسرح مطالبين بطبخة من يديها، بعدما طالت التمارين لساعات وبدأت البطون بالصراخ ولا مَن يسمع. تضحك لهذه الذكريات، وهي تتحدث عن أحبتها؛ الابن السينمائي والابن الثاني الأديب والزوج المثقف، رفيق دربها منذ 49 عاماً، و«اليوبيل الذهبي» للزواج السنة المقبلة.

تصف «مسرح المدينة» في شارع «الحمراء» البيروتي بـ«الحجر الفارق»، وتصر على صموده وحفاظه على المكانة. رسالتها بجملة: «أردتُ مسرحاً يشعر فيه الناس بإنسانيتهم خارج تعاسة واقعهم اللبناني. قاتلتُ من أجل مسرح أنيق ونظيف يرفع صوتاً. المسرح ليس الحياة. هو أبعد منها. حياة ثانية... أو ربما الحياة الحقيقية».


لبنان Arts إعلام

اختيارات المحرر

فيديو