جاك لانغ لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تشهد ثورة ثقافية لا سابق لها

رئيس «معهد العالم العربي» يقول إن العمل مع ميتران كان فرصة عمره

جان لانغ (غيتي)
جان لانغ (غيتي)
TT

جاك لانغ لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تشهد ثورة ثقافية لا سابق لها

جان لانغ (غيتي)
جان لانغ (غيتي)

يعتبر جاك لانغ من أهم شخصيات المشهد الثقافي الفرنسي، شغل منصب وزير الثقافة من 1981 إلى 1986، ثم من 1988 إلى 1993، وتولى في الفترة نفسها أيضاً منصب وزير التربية والتعليم من 1992 إلى 1993، ثم من 2000 إلى 2002. ساهم في إثراء المشهد الثقافي بتأسيسه لعدد كبير من المشروعات الثقافية الضخمة كمتحف «لوفر»، و«المكتبة الوطنية»، و«معهد العالم العربي»، كما نظم مهرجانات وفعاليات ثقافية وفنية متميزة في فرنسا وخارجها، حتى جرى الحديث عن تيار «لانغيسم» الذي يضع المثقف في قلب الثورة الثقافية. منذ 2013 يشغل جاك لانغ منصب رئيس «معهد العالم العربي».
استقبلنا في مكتبه في باريس، وكان الحوار التالي:

> في الفترة التي توليتم فيها مهامكم الوزارية، كان هناك اهتمام شديد بدعم الثقافة وتمويل المشروعات الكبيرة، لماذا هذا الاهتمام؟ وهل تغيرت الأوضاع؟
- بالنسبة إلى الاهتمام بالثقافة فهو من البديهيات، وقد يكون العكس هو ما يثير الاستغراب. لدينا أدلة كثيرة على أن المشروعات الثقافية عادت بالنفع على المجتمعات، وأنا لا أتحدث هنا على الجانب المادي فحسب؛ بل على الكمّ الهائل من السعادة والجمال والإشعاع الفكري الذي تحظى به المجتمعات التي تهتم بمؤسساتها الثقافية. تجاهل الثقافة أو الاقتطاع من ميزانيتها ليس فقط إجراء ضّد الجمال والصالح العام؛ بل أيضاً ضد المستقبل، ولن أبالغ حين أقول بأنه بمثابة «الفعل الإجرامي». على سبيل المثال ما تم تحقيقه من إنجازات في فترة حكم الرئيس الراحل فرنسوا ميتران عاد بمنفعة كبيرة على فرنسا، من حيث الإشعاع الفكري والمساهمة في الحفاظ على التراث العالمي، إلى الريادة في مجال الفنون والثقافة، حتى أصبحنا نتميز بما يسمى «الاستثناء الثقافي». وهو التحدي نفسه الذي قررت دول الخليج مواجهته، وهي الآن تجني ثماره. أتذكر كيف أن افتتاح فرع لمتحف «لوفر» في أبوظبي كان محل هجوم كبير هنا في فرنسا، حتى أني قررت الدفاع عن مشروع الشيخ زايد الطموح والرائع، عبر صفحات جريدة «ليبراسيون»، وها نحن نشهد اليوم نجاح هذا المشروع الذي يثير المفخرة.
> خلَّفت جائحة «كورونا» التي مر بها العالم أضراراً فادحة، لا سيما في قطاع الثقافة. لمواجهة الأزمة عرضهم على الرئيس ماكرون في رسالة مفتوحة إنشاء «صفقة جديدة» أو «نيو ديل» لإنعاش القطاع الثقافي، وبعث الحيوية في مؤسساته... ما الذي حدث بعد ذلك؟
- كتبت للرئيس إيمانويل ماكرون؛ لأننا كنا في وضعية صعبة، القلق ومشاعر الضياع والحسرة انتابت رجال ونساء الثقافة والفن. كثير منهم أصبح ينظر للمستقبل بتشاؤم شديد. القطاع كله أصيب بالاختناق، وهو ما انعكس بالسلب على القطاع الاقتصادي، بما أن وزن الصناعة الثقافية فيها مهم. كتبت له قائلاً: «يجب أن نتحرك، فلنُحول هذه الأزمة إلى فرصة لتغيير الأوضاع». واستشهدت بمثال برنامج «الصفقة الجديدة» الذي عرفته الولايات المتحدة في السنوات الثلاثين، في فترة حكم الرئيس روزفلت، والذي جاء بعد فترة كساد كبيرة. وما يجهله البعض هو أن برنامج إغاثة الاقتصاد قد تزامن آنذاك مع برنامج لإغاثة الثقافة، ولأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة كانت هناك إجراءات قوية لدعم هذا المجال؛ حيث تّم تشجيع ودعم المسارح والمتاحف ودور العرض والفنانين التشكيلين والكُتَّاب، وكانت تلك الإجراءات بمثابة البذور التي أسّست لفترة الانتعاش الكبيرة التي عرفتها الولايات المتحدة في حقبة الخمسينات والستينات؛ لا سيما مدينة نيويورك التي أصبحت قِبلة فنية وفكرية مهمة. وعلى هذا الأساس قدمتُ هذا الاقتراح كدعوة للاستلهام من هذه التجارب التاريخية الناجحة؛ لأن الأفكار الجيّدة هي التي تولد من رحم الأزمات.
> قد نجتاز أضرار الأزمة الصحّية، ولكن ماذا نفعل لمواجهة عمالقة كـ«أمازون» الذي يبتلع الناشرين وأصحاب المكتبات، أو منصات البثّ التدفقي التي تُضعف قطاع السينما والمسرح أكثر فأكثر؟
- أولاً علينا التوقف عن البكاء والارتعاش كالورقة. تجب مواجهة عمالقة الشبكة بشجاعة إذا كنا نريد فعلاً إنقاذ الكتاب والسينما، يجب أن نتحرك لإيجاد حلول. وأول شيء يجب عمله هو تكثيف حضور كل أشكال الفنون والثقافة في المدارس. علينا إدراجها في مقررات المناهج وبصفة دائمة، كما نفعل مع اللغة والرياضيات، إذا كنا نريد إمداد أطفالنا بالسلاح الكافي لمقاومة الرداءة الرقمية التي يتعرضون لها يومياً عبر وسائل التواصل. علينا زرع بذور التحفيز وخلق الرغبة والحماس في وقت مبكر. هناك محو الأمية بمعنى التعلم، وهناك ما أسميه «محو الأمية الثقافية»، وهو ما يجب دعمه بقوة. علينا أيضاً تشجيع جميع المبادرات التي تُظهر مقاومة في وجه عمالقة الشبكة. هي حالياً قليلة لكنها واعدة وتستحق الدعم والتشجيع. في العالم العربي –مثلاً- هناك منصّة «أفلامين» للمخرج المغربي الشاب نبيل عيوش، ونماذج أخرى في تركيا، وكلها تقاوم هيمنة الإنتاجات الأميركية الضخمة.
> في كتاب «الثورة الثقافية، أقوال وكتابات» الذي يُدوِّن لمشواركم الحافل بالإنجازات على رأس وزارة الثقافة، نشرتم نماذج للرسائل التي تم تبادلها مع الرئيس الراحل فرنسوا ميتران، فماذا كانت طبيعة العلاقة التي جمعتكم بالرئيس الراحل ميتران؟
- العمل مع الرئيس ميتران كان فرصة عمري (ابتسامة كبيرة) إلى درجة أني أتساءل أحياناً إذا كان حلماً سأستيقظ منه! تقاطعت سبلنا حين قدم الرئيس ميتران لزيارة مهرجان المسرح الذي كنت مسؤولاً عنه في مدينة نانسي، وأظهر اهتماماً بنشاطاتي لدعم الثقافة، وحين رشح نفسه للانتخابات طلب مني الانضمام لفريقه ومساندته. كان للرئيس ميتران كاريزما وحضور قوي، تعامل مع الجميع بإنسانية، وكان يتميز بثقافة واسعة. علاقتنا كانت قوية ومبنية على الاحترام المتبادل؛ حيث كانت رؤيتنا وفلسفتنا لتأسيس مشهد ثقافي حيوي واحدة، هذا لا يعني أننا لم نختلف في الرأي، فملف خصخصة القطاع السمعي البصري كان مثلاً موضع اختلاف بيننا؛ لكنه منحني ثقته وصداقته طيلة فترة عملنا معاً؛ بل ومحبته أيضاً.
> في كتاب «اللغة العربية، كنز لفرنسا» تحدثتم عن تعليم اللغة العربية في فرنسا، فما تقييمكم للوضع الحالي؟
- اللغة العربية هي خامس أكبر لغة انتشاراً في العالم. ورغم حضورها القوي في فرنسا من خلال العلاقات الوطيدة مع العالم العربي وأجيال الهجرة، فإن تعليم هذه اللغة لا يزال ضعيفاً: تلميذ من بين ألف يتعلم العربية في المرحلة الابتدائية، و2 من ألف يتعلمانها في المرحلة المتوسطة، هذا رغم أن الطلب عليها في ازدياد مستمر. السبب يعود للجدل الذي يحيط بهذا الموضوع، والذي توظفه بعض الأطراف السياسية لتشويه صورة هذه اللغة الجميلة. حين كنت وزيراً حرصت على تكثيف حضورها في المدارس، وأنشأت مسابقة لشهادة التبريز في اللغة العربية لتوظيف أساتذة، كما أن معهد العالم العربي يقترح شهادة «سيما» التي تعتبر شهادة عالمية في إتقان اللغة العربية، وهي معترف بها في كل أنحاء العالم. وأول شيء أنوي القيام به بعد تعيين وزير التربية الجديد، دعوته لمناقشة سبل تطوير تعليم اللغة العربية في المدارس الفرنسية.
> ما رأيكم في المشهد الثقافي السعودي حالياً؟
- أنا معجب جداً بكل ما تشهده المملكة السعودية من تغييرات في السنوات الأخيرة. شخصياً أعتبرها ثورة ثقافية وفكرية واجتماعية لا سابق لها، وأجد أن أصدقاءنا السعوديين متواضعون إزاء ما حُقق في بلدهم من إنجازات، سواء في مجال المسرح، والسينما، والموسيقى، وحماية التراث، والأدب، أو دعم اللغة العربية. هي خطوات عملاقة لحظتها بأم عيني؛ ليس فقط في المدن الكبرى كالرياض وجدة؛ بل أيضاً في المدن الأخرى.
> وأنتم على رأس «معهد العالم العربي» منذ 2013، هل هناك مشروع كبير تحلمون بإنجازه؟
- هناك مشروعات كثيرة أود إنجازها قبل انتهاء مهامي على رأس المعهد، أهمها معرض كبير حول أثر الحضارة العربية في جنوب أوروبا، في الأندلس ولشبونة وصقلية، عبر التراث المعماري واللغة والفنون، وكل ما من شأنه إظهار عظمة الحضارة العربية وامتدادها في العالم. هو مشروع طموح؛ لكنه يتطلب تنظيماً وتمويلاً مهمين. أتمنى أيضاً تنظيم معرض تكريمي لعميد الفن التشكيلي، الفنان الجزائري المبدع عبد القادر الهوامل. من مشروعاتنا المستقبلية أيضاً تصدير «معهد العالم العربي» في كافة أنحاء العالم، فكرنا في مدينة نيويورك كوجهة أولى، ولكن أيضاً في بلد عربي، الفكرة مطروحة ومعروضة للنقاش، وقد بدأنا فعلاً في التحادث مع مسؤولين لتفعيل هذا المشروع الكبير.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

ملايين المصلين يشهدون ختم القرآن بـ«الحرمين الشريفين»

شهد المسجد الحرام ليلة التاسع والعشرين حضوراً كثيفاً لقاصديه من المعتمرين والمصلين لأداء صلاة العشاء والتراويح وختم القرآن الكريم (واس)
شهد المسجد الحرام ليلة التاسع والعشرين حضوراً كثيفاً لقاصديه من المعتمرين والمصلين لأداء صلاة العشاء والتراويح وختم القرآن الكريم (واس)
TT

ملايين المصلين يشهدون ختم القرآن بـ«الحرمين الشريفين»

شهد المسجد الحرام ليلة التاسع والعشرين حضوراً كثيفاً لقاصديه من المعتمرين والمصلين لأداء صلاة العشاء والتراويح وختم القرآن الكريم (واس)
شهد المسجد الحرام ليلة التاسع والعشرين حضوراً كثيفاً لقاصديه من المعتمرين والمصلين لأداء صلاة العشاء والتراويح وختم القرآن الكريم (واس)

شهد ملايين المصلين بالمسجد الحرام في مكة المكرمة، والمسجد النبوي في المدينة المنورة، ليلة ختم القرآن الكريم، مساء الثلاثاء، حيث أدوا صلاة العشاء والتراويح ليلة التاسع والعشرين من شهر رمضان المبارك، وسط أجواء روحانية تحفّها السكينة والاطمئنان.

ومنذ الصباح الباكر، توافد ضيوف الرحمن من المعتمرين والزوار والمصلين، إلى أروقة وساحات المسجد الحرام، والطرق المؤدية إليه، حيث تمكن أكثر من مليونين ونصف مليون مصلٍ من أداء مناسكهم وعباداتهم بكل يسر وأمان، بفضل ما وفرته الحكومة السعودية من خدمات، وما نفذته من مشروعات بإشراف ومتابعة قيادة البلاد.

يشهد المسجد الحرام في مكة المكرمة توافد أعداد كبيرة من المصلين من مختلف بقاع العالم (واس)

وجندت الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي كامل طاقاتها وإمكاناتها ضمن منظومة عمل متكاملة، وبالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، لاستقبال القاصدين وتنظيم حركتهم، وتوجيههم إلى صحن المطاف والمصليات المخصصة، مع مراعاة احتياجات كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة عبر مسارات مهيأة تسهّل تنقلهم.

وامتلأت أروقة المسجد النبوي وساحاته وسطحه، والتوسعات المحيطة به بالمصلين وزائريه، التي حرصت الهيئة على تهيئتها الكاملة، ووضع كل الترتيبات اللازمة للمحافظة على سلامة وراحة المصلين والزائرين، ومساعدتهم في قضاء أوقات مليئة بالذكر والعبادة والراحة والطمأنينة.

وتشهد صلاة التراويح في ليلة ختم القرآن الكريم بالمسجدين «الحرام» و«النبوي» توافداً مبكراً للمتعبدين، حيث تتوافد جموع المصلين منذ ساعات العصر، في انسيابية حركية، وتنظم دقيق، يعكس مستوى العناية براحة القاصدين وسلامتهم.

وهيأت الهيئة لوحات إرشادية مصنفة وفق المواقع، لتيسير وصول المصلين إلى الخدمات والمرافق، إلى جانب تعزيز أعمال النظافة والتعقيم والتعطير باستخدام أحدث المعدات والآليات، وتشغيل دورات المياه بكامل جاهزيتها، وفرش المسجد الحرام بأعداد كبيرة من السجاد، وتوفيرها على المدار الساعة نقاطاً كثيرة لسقيا ماء زمزم، مبردة وغير مبردة.

امتلأت أروقة المسجد النبوي وساحاته وسطحه والتوسعات بالمصلين وزائريه منذ وقت مبكر (واس)

وفي إطار تسهيل الدخول والخروج، عملت الهيئة على تخصيص مداخل لكبار السن وذوي الإعاقة، إلى جانب تكثيف فرق البلاغات لاستقبال الملاحظات، وتوفير المصاحف، والتأكد من كفاءة أنظمة الصوت والتكييف والتهوية، وتشغيل العربات الكهربائية واليدوية عبر تطبيق «تنقل»، وتنظيم عمل دافعي العربات وفق خطط تشغيلية دقيقة.

وعززت الهيئة وجود المراقبين على أبواب المسجد الحرام لتوجيه المصلين، استخدمت فيها شاشات الإلكترونية متعددة اللغات للإرشاد المكاني، بالتكامل مع الجهات الأمنية لتنظيم الحشود، خاصة عند امتلاء المصليات، إضافة إلى تنفيذ خطط متقدمة لأعمال التطهير والتعقيم.

وكثفت الهيئة جهودها الميدانية عبر كوادر مؤهلة للإشراف على تنظيم الساحات والممرات، ومتابعة أعمال النظافة وغسل المسجد الحرام بشكل مستمر، وتهيئة المداخل والممرات، وتنظيم استخدام السلالم الكهربائية، وإرشاد المصلين إلى الأدوار العلوية، والمعتمرين إلى صحن الطواف، مع التأكد من جاهزية أنظمة السلامة وخطط الطوارئ لمواجهة مختلف الظروف.

تعدّ ليلة ختم القرآن من أكثر الليالي ازدحاماً خلال شهر رمضان المبارك (واس)

وجهزت الهيئة السلالم الكهربائية والمصاعد، ورفعت من كفاءة الأنظمة الصوتية والتكييف والإضاءة والتهوية، وصيانة المرافق، وتطبيق أعلى معايير الوقاية البيئية، مع استخدام أنظمة متقدمة لمتابعة الحالة الجوية والتعامل الفوري مع أي مستجدات.

ونفذت الهيئة بالتكامل مع الجهات المعنية خططاً شاملة للإرشاد المكاني، وتخصيص مسارات واضحة في الممرات، ضمن مبادرة «اسألني» التي تقدم خدمات إرشادية ميدانية بعدة لغات، لمساعدة القاصدين وتيسير تنقلهم داخل المسجد الحرام وساحاته.

وأوضح المهندس محمد فقيهي مدير عام خدمات الحشود في هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين بالمسجد النبوي، أن الهيئة تعمل على تعزيز جوانب التكامل بين مختلف الجهات المعنية في خدمة زائر المسجد النبوي، وتكثيف الجهود التنظيمية والخدمية؛ إذ عُزّزت نقاط الإرشاد، وزادت من جاهزية الفرق الميدانية، للتعامل مع مختلف الحالات، لدعم تنفيذ الخطط التشغيلية بسلاسة وكفاءة، بالإضافة إلى الخدمات المساندة لتعزيز راحة المصلين، من خلال توفير مياه الشرب، واستمرار أعمال التطهير، والعناية بالسجاد، وتيسير حركة التنقل والعربات لكبار السن وذوي الإعاقة.

هيأت الهيئة العامة لـ«شؤون الحرمين» بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة منظومة متكاملة من الخدمات لاستقبال المصلين والزائرين (واس)

وتعكس هذه الجهود منظومة تشغيلية متكاملة تُدار وفق معايير عالية من الكفاءة والتنسيق، تُسهم في تمكين جموع المصلين من أداء صلاة التراويح في ليلة الختمة في أجواء يسودها التنظيم والانسيابية والطمأنينة، بما يجسد مستوى العناية المتواصلة بخدمة قاصدي الحرمين الشريفين، ويؤكد جاهزية المنظومة التشغيلية للتعامل مع أعلى معدلات الكثافة بكفاءة واقتدار.

وأكدت الهيئة العامة للعناية بـ«شؤون الحرمين» تسخير جميع إمكاناتها البشرية والتقنية لخدمة ضيوف الرحمن، والعمل وفق أعلى معايير الجودة والكفاءة، بما يحقق تجربة إيمانية ميسّرة وآمنة لقاصدي بيت الله الحرام في هذه الليلة المباركة.


«مدد مدد»... لوحات فطرية لتجليات الفلكلور في عالم حسن الشرق

من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)
من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)
TT

«مدد مدد»... لوحات فطرية لتجليات الفلكلور في عالم حسن الشرق

من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)
من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)

يبدو عالم الفنان المصري الراحل حسن الشرق، بفضائه الحالِم المشبع بموتيفات الفلكلور الشعبي، متناغماً مع الأصداء الروحية التي يستدعيها معرض «مدد مدد» الذي يبدو مثل هتاف روحي يستجلي العادات والتقاليد والقيم الأصيلة ويطلب منها العون.

ويعد الفنان حسن الشرق (1949 - 2022) من أبرز الأسماء المرتبطة بتجربة الفن الفطري في مصر. ذلك النوع من الفن الذي ينتجه فنانون لم يتلقوا تعليماً أكاديمياً تقليدياً في الفنون، بل يطورون لغتهم البصرية انطلاقاً من خبرتهم الحياتية والبيئية التي ينتمون إليها، وفي هذا السياق اكتسبت أعمال الشرق خصوصيتها، إذ استطاع أن يحوّل مفردات الحياة اليومية في الريف المصري إلى عالم بصري غني بالرموز والدلالات.

موتيفات شعبية تقليدية تميز أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)

يضم المعرض الذي يستضيفه غاليري «خان المغربي» بالقاهرة حتى 19 مارس (آذار) الحالي نحو 40 عملاً للفنان الراحل، تسري فيها روح البيئة الريفية وذاكرتها الشعبية، في حوار بصري مع منحوتات للفنان محمود سالم، واختارت صاحبة الغاليري سهير المغربي عنوان المعرض «مدد مدد» لما يحمله من صدى واضح في الفلكلور الشعبي، وارتباطه بالأجواء الروحية لشهر رمضان الكريم، وعن هذا العنوان تقول لـ«الشرق الأوسط»: «يتردد هذا النداء في حلقات الذكر والمواويل الشعبية بوصفه استدعاء للبركة والدعم الروحي، وهو ما يتناغم مع روح أعمال حسن الشرق التي تستلهم الخيال الشعبي بما يحمله من رموز وأساطير، يطوعها بأسلوبه الفطري الفريد».

أعمال حسن الشرق استلهمت الموروث الشعبي (غاليري خان المغربي)

تستقبل الزائر لوحات يغمرها اللون وتفيض بالحركة، أبطالها شخصيات بشرية وفرسان وطيور تتجاور داخل فضاء زخرفي كثيف، مرسومة بخطوط عفوية تمنح المشهد طاقة نابضة بالحياة، ففي أعمال الشرق تبدو الشخصيات والخيول والطيور وكأنها تتحاور في دينامية مرحة، داخل عالم بصري تتشابك فيه العناصر وتحيط بها موتيفات شعبية تمنحها طابعاً احتفالياً.

في إحدى اللوحات يظهر عازف مزمار يستقل مركباً صغيراً، بينما تتلألأ السماء خلفه بنجوم مزركشة الألوان، كأنها امتداد لعالمه الداخلي العفوي، وتغطي الخلفية زخارف دقيقة ونقاط متكررة، وفي لوحة أخرى تُحلّق شخصياته فوق الخيل، بينما تتوزع حولهم مفردات نباتية وطيور في فضاء جمالي مكثف.

وترى الفنانة والناقدة التشكيلية الدكتورة إنجي عبد المنعم فهيم، أن تجربة حسن الشرق تمثل حالة استثنائية داخل هذا المسار، إذ تقدم رغم فطريتها صياغة بصرية عميقة لفلسفة البقاء والارتباط بالأرض والمخيال الشعبي، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «عبقرية الشرق تكمن في قدرته على الحفاظ على دهشة الطفل، رغم نضجه الفني وتجربته العالمية إذ يرسم الأشياء كما تُدرك في الوجدان لا كما تُرى في الواقع العيني، محولاً المفردات اليومية إلى رموز وجدانية عابرة للزمن».

رقصة المولوية التقليدية ضمن الأعمال المعروضة (غاليري خان المغربي)

وتضيف: «في أعماله التي تُصوّر الفرسان، نجد فكرة القوة والتحام الكيان الإنساني بالحيواني في وحدة وجودية مطلقة، أما الإيقاع الوجودي في فن الشرق فيظهر بوضوح من خلال فلسفة ملء الفراغ حيث تغطي النقاط والزخارف المتكررة مساحات اللوحة، معبرةً عن استمرارية الزمن وتداخل الكائنات، فسر استمرار تجربة حسن الشرق وتأثيرها حتى اليوم يكمن في أصالتها التي تقاوم المحو، ففي عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي يظل فنه يمثل نوعاً من الصدق البشري الخالص، إذ استطاع مخاطبة العالم بلغة بصرية مصرية صميمة صهرت داخلها مواريث الفن المصري القديم والقبطي والإسلامي».

الهدهد يجاور أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)

ويتداخل مع لوحات المعرض عدد من المنحوتات للفنان محمود سالم، الذي ترى سهير المغربي أن تجربته تتناغم مع روح المعرض، وتوضح أن سالم «يعمل بروح فطرية في النحت، ويشتغل على ثيمات مصرية خالصة، مستخدماً تقنيات النحت التقليدي بالإزميل، حيث تظهر في أعماله طيور مثل أبو قردان والهدهد، وغيرها من الكائنات المرتبطة بالطبيعة المصرية والتراث الشعبي».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الإعلان عن مسلسل «مصطفى محمود» يخطف الاهتمام في مصر

خالد النبوي (حسابه على فيسبوك)
خالد النبوي (حسابه على فيسبوك)
TT

الإعلان عن مسلسل «مصطفى محمود» يخطف الاهتمام في مصر

خالد النبوي (حسابه على فيسبوك)
خالد النبوي (حسابه على فيسبوك)

بعد أكثر من 15 عاماً على طرح فكرة تقديم عمل درامي يتناول سيرة العالم الراحل الدكتور مصطفى محمود (1921 - 2009)، أعيد طرحها ولكن برؤية تتضمن عرضه في رمضان 2027 على أن يقوم الكاتب محمد هشام عبية بكتابة العمل وتخرجه كاملة أبو ذكري.

وتصدر العمل الذي يعد أول مشروع درامي يعلن تقديمه في رمضان المقبل الاهتمام في مصر، لكثرة العثرات التي واجهتها الفكرة من قبل، بالإضافة لطبيعة أعمال السيرة الذاتية التي عادة ما تكون محل ردود فعل متباينة وترقب لما سيتم تقديمه على الشاشة.

المسلسل الذي تقوم المنتجة مها سليم عبر شركتها بتنفيذه من إنتاج «الشركة المتحدة» و«سعدي - جوهر» حصل صناعه على موافقات رسمية بتوقيعات من ورثة العالم الراحل وهما ابناه أدهم وأمل لتقديم العمل درامياً، مع إنهاء أي تعاقدات سابقة وفق بيان صدر عن المنتجة المصرية.

وأكدت المنتجة أن ورثة الراحل انتهى تعاقدهم الذي يعود لعام 2012 مع المنتج أحمد عبد العاطي، الذي كان يمنحه حق تنفيذ العمل خلال 5 سنوات، لافتة إلى أن الورثة بدأوا منذ عام 2018 توجيه إنذارات عبر المحكمة تفيد بانتهاء جميع الصلاحيات القانونية لأي طرف سابق، مع توجيه إنذار أخير في فبراير (شباط) الماضي.

وأوضحت أن شركتها «فورايفر دراما» حصلت على حقوق العمل من الورثة بالفعل قبل الإعلان عن المشروع، مؤكدة اعتزامهم إصدار بيان توضيحي خلال الأيام المقبلة لتوضيح الحقائق حول المشروع وتفاصيله.

ومن المقرر أن يقدم الفنان خالد النبوي شخصية مصطفى محمود، وقد أشارت إليه منتجة المسلسل في المقطع الدعائي الذي نشرته، وكان النبوي هو بطل المشروع السابق للمسلسل.

من المقطع الترويجي للعمل (يوتيوب)

وقال الناقد خالد محمود إن شخصية «مصطفى محمود» ثرية جداً، وتستحق أن تتحول إلى عمل درامي، لما تحمله من قيمة يمكن أن تقدم نموذجاً مهماً للأجيال الجديدة، لكن التحدي لا يكمن فقط في تقديم القصة، بل في كيفية صياغتها درامياً، بحيث توضح كيف وصل إلى هذه المرحلة وما طبيعة تكوينه، خصوصاً أنها شخصية تجمع بين أنشطة وتجارب متعددة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «مثل هذه الشخصيات تغري كثيراً من المؤلفين، لكن الأهم أن يُكتب العمل بطريقة قادرة على جذب الجمهور وتحقيق تفاعل معه، لا سيما وأن أعمال السيرة الذاتية غالباً ما تواجه ردود فعل متباينة، وهو ما يتطلب معالجة دقيقة ومتوازنة».

وأوضح أن «اختيار البطل عنصر أساسي في نجاح العمل، وخالد النبوي ممثل ذكي ومتحمس لتجسيد الشخصية منذ فترة، وهو أمر إيجابي، لكن الأهم أن يمتلك القدرة على نقل كل المشاعر والتفاصيل الإنسانية الخاصة بالشخصية إلى الجمهور، لأن هذا النوع من الأعمال يعتمد على صدق الأداء وقدرته على التأثير».

شخصية مصطفى محمود ضمن تناول الدراما (إكس)

وأثير جدل «سوشيالي» حول فريق عمل مشروع المسلسل السابق، وعدم الاستعانة بهم في العمل الجديد، الأمر الذي أرجعه الناقد أحمد سعد الدين إلى وجود صور نشرت بالفعل من تحضيرات وتجهيزات للعمل السابق، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «شخصية مصطفى محمود من الشخصيات التي تستحق بالفعل تقديمها درامياً وبأكثر من زاوية للمعالجة».

وأضاف أن ارتباط اسم مصطفى محمود ببرنامج «العلم والإيمان»، الذي يُعد من أنجح البرامج في تاريخ التلفزيون، يضاعف من حجم التوقعات والاهتمام بالعمل، عادّاً أن الإعلان المبكر عن المسلسل قد يسهم في استمرار الجدل لفترة أطول، خصوصاً في ظل عدم بدء التصوير حتى الآن أو الكشف الكامل عن فريق العمل.