محمد بيومي... قسوة الطفولة والنسيان

القليوبي يصدر مذكرات رائد السينما المصرية بعد 60 عاماً على رحيله

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

محمد بيومي... قسوة الطفولة والنسيان

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

في أواخر عام 1922 ظهر في مصر فيلم روائي قصير بعنوان «برسوم يبحث عن وظيفة»، يتناول معاناة المواطن المصري، مسلماً كان أم قبطياً، على يد قلم البوليس السياسي الخاضع لنفوذ الاحتلال البريطاني المهيمن على البلاد. كان الفيلم حدثاً فارقاً في تاريخ السينما المصرية، فهو أول عمل متكامل يقوم مصري بتصويره وإخراجه، هو محمد بيومي.
المخرج السينمائي الدكتور محمد كامل القليوبي يضيء أبعاد هذا الحدث، ويوثق له في كتابه «أوراق محمد بيومي» الصادر عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب»، وذلك عبر عديد من الأوراق والرسائل الخاصة بالرجل، والتي تنشر لأول مرة بعد ستين عاماً على رحيله في 1962؛ مؤكداً أننا أمام ظاهرة من نوع غريب، فقد كان بيومي رائد السينما المصرية الأول، عبر إسهامه الحاسم في عديد من الأفلام؛ فضلاً عن تأسيسه البنية التحتية لهذا الفن الوليد، عبر المعاهد والصحافة المتخصصة، ومع ذلك «عاش الرجل يعاني من التهميش، ومات ولا يوجد من سمع به إلا فيما ندر!».
سافر بيومي إلى ألمانيا لدراسة التصوير الملون والسينما، وعمل ممثلاً للأدوار الثانوية في شركة «جلوريا فيلم»؛ كما عمل وراء الكاميرا مساعد مصور، وتعرف إلى المصور الألماني «بارنجر» الذي ساعده في شراء المعدات الأساسية اللازمة لتأسيس استوديو سينمائي صغير في مصر، ليعود بيومي عام 1922 ويؤسس أول استوديو سينمائي يقوم مصري بإنشائه باسم «آمون فيلم». كانت خطوته الأولى على درب الفن السابع تتمثل في تصوير عودة الزعيم سعد زغلول من منفاه الثاني بجزيرة سيشل، واستقباله في القاهرة، وهو الحدث الذي كان مادة العدد الأول من جريدة «آمون» السينمائية التي أصدرها محمد بيومي، وكانت أول جريدة سينمائية مصرية.
في مطلع عام 1925 التقى محمد بيومي الاقتصادي الكبير طلعت حرب، وعرض عليه تصوير فيلم عن إنشاء المبنى الجديد لـ«بنك مصر» الذي أسسه حرب ليكون نواة لاقتصاد وطني مستقل، وأقنعه بتأسيس قسم للسينما يتبع إعلانات مصر باسم «مصر فيلم». اشترى البنك المعدات السينمائية الخاصة بمحمد بيومي بمبلغ 244 جنيهاً و915 مليماً، باعتبارها آلات مستعملة، ووافق بيومي على ذلك رغم تقديره لثمن المعدات بحوالي 4 آلاف جنيه؛ لأنه كان يرى أن نجاح مشروع السينما في إطار «بنك مصر» سيضع الأساس لصناعة سينما حقيقية سيجد لنفسه موقعاً فيها. وفي العام نفسه قام «بنك مصر» بتأسيس شركة «مصر للتمثيل والسينما»، وعين محمد بيومي مديراً لها.
يرصد المؤلف 18 فيلماً، ما بين تسجيلي وروائي مختلفة الأحجام، مثل «ليلة في العمر»، و«الباشكاتب»، و«افتتاح مقبرة توت عنخ آمون»، توثق لتجربة بيومي الرائدة؛ حيث يرى أنه لم يأخذ حقه من التقدير. ورغم أن بعض تلك الأعمال مفقود أو لم يكتمل، فإن ما عثر عليه المؤلف يلقي الضوء على جانب خفي في تاريخ السينما المصرية.
ويكشف القليوبي عن تعرض أصول مذكرات محمد بيومي للسرقة، ويروي أن المخرج والمؤرخ السينمائي الراحل أحمد كامل مرسي، كان قد توصل لعائلة بيومي، وحصل من ابنته السيدة دولت محمد بيومي على أصول المذكرات، على أمل أن يؤلف كتاباً عن «الرائد المجهول»؛ لكنه توفي ولم يسعفه الوقت لإنجاز هذا العمل. بعد وفاته قامت وزارة الثقافة بشراء مكتبته، وبعد فحص أوراقه وكتبه، وجد الناقد والمؤرخ السينمائي الراحل أحمد الحضري أوراق ومذكرات محمد بيومي في صندوق بمنزل مرسي، فكتب على الصندوق كي يميزه عن غيره من الصناديق التي تحتوي على عدد من الأوراق، عبارة «مهم جداً»، وعند تسلُّم الكتب والأوراق لم يعثروا على هذا الصندوق الذي امتدت إليه يد خفية واستولت عليه.
وعندما التقى المؤلف السيدة دولت محمد بيومي والأسرة، وجد نفسه غارقاً بين أوراق كثيرة وصور فوتوغرافية ولوحات فنية، وانهمك في بحث متواصل استغرق ثلاثة أعوام كاملة «1988- 1991»، توج بالعثور على الأفلام المصرية الأولى، وهي أفلام محمد بيومي، وترميمها، وهو العمل الذي قامت بتمويله «أكاديمية الفنون»، برعاية مباشرة من رئيسها في ذلك الوقت الدكتور فوزي فهمي. وفحص وترتيب هذه الأعمال وتصنيفها، وهو العمل الذي شاركت فيه أستاذة المونتاج والمونتيرة رحمة منتصر.
ولحسن الحظ عثر القليوبي على نسخ كربونية من مذكراته المسروقة، وأسرع بإعلان ذلك حتى يفوت على اللص الذي قام بسرقتها فرصة المتاجرة بها أو استخدامها.
تشكل المذكرات التي كتبها محمد بيومي عن طفولته في حد ذاتها نصاً جميلاً من نصوص السيرة الذاتية، وتصف لنا نموذجاً لأسرة أبوية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، والقمع المنزلي الذي تمارسه على أبنائها. ويروي محمد بيومي كيف كان أبوه شديد القسوة، قائلاً: «كان -رحمه الله- قاسياً، وتجلت قسوته في معاملته لنا؛ إذ كان يتصور أنها الطريقة المثلى للتربية التي ترضي رغبته، ولم يفكر مطلقاً أننا أطفال؛ بل كان ينتظر منا أن نكون أنبياء، لا نلهو ولا نخطئ، ولم أذكر أنه قبَّلني مرة، أو ابتسم في وجهي، أو داعبني كما يفعل بقية الآباء مع أبنائهم، ولا أذكر إلا العصا التي كانت تلهب جسدي وقدمي فتدميها، لأقل هفوة، ولأتفه سبب، وكان هذا هو الحب الأبوي كما فهمه رحمه الله».
وورد حديث بيومي المقتضب عن علاقته بالسينما في مقدمة ديوانه «الجندي المجهول»، الصادر عام 1946، وهو الكتيب الوحيد الذي قام بيومي بنشره، ويقع في أربعين صفحة من القطع الصغير. بالإضافة إلى ذلك لم يكتب بيومي عن السينما سوى مقالين، أحدهما بعنوان «السينما جهاد صادق»، والآخر بعنوان «نبذة عن تاريخ طلعت حرب». ولم ينشر سوى مقال واحد يحمل توقيعه في حياته، هو مقال «صوت من الماضي» بمجلة «الكواكب» الشهرية، في عددها الصادر في 25 فبراير (شباط) 1951، وتطرق فيه إلى ملابسات دراسته للسينما في ألمانيا.
ومن المثير للانتباه أن محمد بيومي قد تسبب بمقاله هذا في إحداث التباس كبير، فهو يذكر في سياق المقال أنه قد شرع في إخراج فيلم كوميدي بعنوان «المعلم برسوم يبحث عن وظيفة» وأن ابنه الذي أسند إليه بطولة هذا الفيلم قد توفي في أثناء تصويره، ما سبَّب صدمة عنيفة في نفسه، وتوقف عن العمل في الفيلم. ويوضح المؤلف أن الفيلم بعد العثور عليه ومشاهدته يحمل عنوان «برسوم يبحث عن وظيفة» وليس كما ذكر بيومي، كما أن الفيلم وجد كاملاً، وتبين أن ابن محمد بيومي لم يظهر في أي لقطة من العمل. وكذلك لا يذكر بيومي شيئاً عن أفلامه، وخصوصاً فيلمه الروائي الطويل «الخطيب نمرة 13» الذي عرض 1933.
يقع الكتاب في 119 صفحة من القطع الكبير، ورغم الجهد المبذول فيه فإن أسلوبه غلب عليه تقريرية جافة، اهتمت برصد الحقائق دون نظرة تحليلية، وربطها بدراما حياة الرجل. كما اتسمت بعض الوثائق المنشورة بسوء الطباعة، وأصبحت أقرب إلى كتلة من السواد. لكن تبقى للكتاب أهمية فائقة في التعريف بهذا الرائد، وتسليط الضوء على صفحة مجهولة من تاريخ السينما في مصر.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«شمس» السعودي لسبر أغوار الطقس الفضائي

شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
TT

«شمس» السعودي لسبر أغوار الطقس الفضائي

شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)

أعلنت «وكالة الفضاء السعودية» إطلاق قمرها الاصطناعي الجديد «شمس» والتواصل معه بنجاح، ضمن مهمة «آرتيمس2»، وبذلك لم تعد السعودية الشريك العربي الأول في هذا البرنامج الطموح فقط، بل قدمت للعالم أول مهمة وطنية مختصة في سبر أغوار «طقس الفضاء».

ويمثل «شمس» محطة فارقة في مسيرة الابتكار السعودي؛ حيث وُلد في المختبرات السعودية بكفاءات محلية، ليتحول من طموح وطني إلى عين علمية ترصد تقلبات النشاط الشمسي. وسيتيح تغطية واسعة لرصد النشاط الإشعاعي، وسيسهم في تعزيز موثوقية واستدامة القطاعات الحيوية المرتبطة بالفضاء، مثل الاتصالات والطيران والملاحة، من خلال توفير بيانات علمية تمكّن الجهات المعنية من رفع الجاهزية التشغيلية، وتعزيز أمن البنية التحتية التقنية التي يعتمد عليها العالم في حياته اليومية.


مصريون يغيّرون عادات راسخة في الطعام بفضل «الفضاء الإلكتروني»

وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
TT

مصريون يغيّرون عادات راسخة في الطعام بفضل «الفضاء الإلكتروني»

وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)

اكتسبت الأم المصرية عزة فؤاد (57 عاماً) عادات جديدة في الطبخ بفعل تنقلها بين صفحات الطباخين على مواقع التواصل الاجتماعي، ما أضفى تجديداً على سفرتها، وبنى جسراً للتواصل مع أبنائها لمحاولتها مسايرتهم فيما يفضلونه من وجبات.

وتقول عزة، وهي ربة منزل تسكن منطقة المعادي (جنوب القاهرة)، إنها على عكس شخصيتها المحافظة، والرافضة للعديد من «التقاليع الحديثة»، استفادت من صفحات الطبخ، وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أشاهدها وأضيف لمساتي الخاصة».

وساهم الفضاء الإلكتروني في تبديل علاقة مصريات بالطبخ، الذي يتعدى كونه شكلاً من أشكال أعمال الرعاية التي تقوم بها السيدة لأسرتها، ليحمل دلالات اجتماعية وطبقية، حسب الباحثة في الإنثروبولوجيا، لُجين خيري.

وتقول لُجين لـ«الشرق الأوسط»، إن الإنترنت، تحديداً «السوشيال ميديا»، خلقت نوعاً من الإتاحة الكبيرة لدى السيدات اللاتي أصبحن يتابعن طبخات جديدة كل يوم عبر هواتفهن، وهو ما لم يكن متوفراً من قبل، حين كان تعلم الطبخ يحتاج إلى كتب لا يمتلكها الجميع، أو متابعة برامج في أوقات معينة قد لا تناسبهن.

وجبة مصرية تقليدية (الشرق الأوسط)

بفعل صفحات الطبخ، تعلمت عزة وجبات جديدة مثل «كفتة الفراخ»، التي تصنعها من صدور الدجاج بعد فرمها، في محاكاة للكفتة التقليدية التي تُصنع من اللحم المفروم.

كما طورت الأم المصرية من وصفات قديمة كانت تعرفها، مثل«العجة» التقليدية، وهي وجبة مصرية مصنوعة من البيض وأنواع معينة من الخضروات الورقية، وبعد التطوير «السوشيالي» أصبحت تضيف عليها جبن الموتزاريلا والفلفل الملون، لتكتسب الوجبة طعماً وقيمة غذائية جديدة.

وبينما تعد عزة من ذوات «النفس الحلو» في الأكل، فإن الانتشار الواسع لوصفات الطبخ المختلفة، نقل السيدة إلهام محمد (56 عاماً) من تصنيف طبخها بـ«المتواضع» إلى «الجيد جداً»، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتعرض للتنمر من نساء العائلة، أما الآن أتفوق عليهن بأصناف وتنوع كبير في المأكولات».

وتضيف السيدة التي تسكن في منطقة الهرم، أنها تعلمت «إعداد العجين للبيتزا والفطائر، والسمبوسة، والعيش السوري»، بالإضافة إلى طرق تخزين الطعام دون أن يفسد، أو إصلاح ما فسد خلال الطبخ «لو الأرز اتلسع أضع له رغيف خبز، لسحب رائحة الدخان منه، والأكل لو كان ملحه زائداً أضع له حبة من البطاطس لسحب الملح الزائد منه»، على حد تعبيرها.

ولا يقل شغف الثلاثينية سمر حسن، التي تعيش في محافظة المنيا بصعيد مصر، تجاه وصفات الطبخ «السوشيالية» عن سابقتها، غير أنها لا تزال عاجزة عن محاكاة ما تراه «أعيش في بيت عائلة، وهم لا يعرفون سوى الطبيخ التقليدي من لحم وخضروات وأرز... أنتظر أن أنتقل أنا وزوجي وأبنائي في منزل خاص بنا حتى أعد لهم كل الأكلات الجديدة التي شاهدتها»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

المطبخ المصري لم يعد يكتفي بالوجبات التقليدية مع التوسع في برامج الطبخ «السوشيالية» (الشرق الأوسط)

وترى الباحثة في الإنثروبولوجيا، لجين خيري، أن الطعام لطالما عُرف باعتباره أحد معايير التميز الطبقي، لكن الآن يعكس اقتباس الطبقات من بعضها البعض، فتحاول الطبقات الأقل دخلاً محاكاة الطبقات الأغنى في تحضير نفس مأكولاتها، حتى مع تغيير بعض المكونات بما يتناسب مع ميزانيتها.

ولفتت أيضاً إلى الطعام باعتباره وسيلة للقضاء على المركزية، من خلال انتشار مأكولات وترندات في الطعام بالأقاليم، في محاكاة للقاهرة، وكسر نمط تفوقها الثقافي والاقتصادي.

وجبات من إعداد أنفلونسر الطعام رحاب البوشي ( صفحتها على «إنستغرام»)

ولم يقتصر انفتاح عالم الطبخ حالياً على تغير قدرات مصريات فيه، بل كان وسيلة أخريات لتحقيق ذواتهن وتتبع شغفهن، واحدة من هؤلاء هي الثلاثينية خريجة كلية الإعلام، رحاب البوشي، فهي لديها صفحة على «إنستغرام» تقدم فيها وصفات مأكولات من ثقافات مختلفة، تعيد تقديمها بعد «تبسيطها بأكثر صورة ممكنة».

وتقول رحاب لـ«الشرق الأوسط»: «أحرص أن تكون المكونات موجودة لدى الجميع، حتى لا يشعر أحد بالتعجيز»، مشيرة إلى أنها بدأت تصوير المأكولات ونشرها قبل 4 أعوام، ثم توقفت لوضعها طفليها، وعادت بعدها بشكل أكبر، خصوصاً بعدما تلقت ردود فعل إيجابية من متابعين.

ويدفع تقديم وصفات الطعام لدى الشابة الثلاثينية إلى البحث عن كل طرق إعداد الوجبة التي ترغب في تقديمها في الثقافات المختلفة، ثم تقدم الوصفة ببصمتها الخاصة، وتشدد على أنها «من المستحيل أن أنقل وصفة طبق الأصل، لا بد أن أضيف عليها بصمتي الخاصة».


متحف المركبات الملكية بمصر يفتح «خزائن الهوانم» للجمهور

المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
TT

متحف المركبات الملكية بمصر يفتح «خزائن الهوانم» للجمهور

المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)

نظم متحف المركبات الملكية في بولاق (وسط القاهرة)، معرضاً أثرياً مؤقتاً تحت عنوان «خزائن الهوانم»، يضم مجموعة فريدة من مقتنيات المتحف من الحُلي والمجوهرات التي تُعرض للمرة الأولى.

ويتضمن المعرض سبع قطع نادرة تتنوع بين الحُلي والمقتنيات الزخرفية ذات الطابع الفني، التي تعكس دقة ومهارة الصناعات اليدوية، فضلاً عن إبراز تنوع الخامات المستخدمة، بما يعكس جانباً من الذوق الفني والجمالي المرتبط بالمرأة المصرية، وفق تصريحات لمدير متحف المركبات الملكية، أمين محمود الكحكي، الذي أكد، في بيان للوزارة، أن «المعرض يأتي في إطار حرص المتحف على إثراء تجربة الزائرين، وإتاحة الفرصة أمامهم للتعرّف على مقتنيات مميزة لم تُعرض من قبل».

قطع الحلي المشاركة بالمعرض (وزارة السياحة والآثار)

ومن بين القطع المعروضة عقد من أحجار الكوارتز البرتقالي، وأسورة من الفضة تجمع بين الكرات والمكعبات، وأخرى فضية تتدلى منها دلايات، إلى جانب حزام مزخرف بالخرز الملون، وأسورة مطعّمة بالمينا متعددة الألوان (الأزرق والأخضر والأحمر) على هيئة ورود متلاصقة، ودبوس صدر من الفضة المطلي بالذهب مرصّع بفصوص من الكوارتز الأزرق، بالإضافة إلى زوج من الحُلي يُرتدى على الكتفين مصنوع من أحجار زجاجية ملونة، بحسب ما أوضحت مسؤولة قسم المعارض المؤقتة بالمتحف، رشا سعيد.

ووفق بيان «السياحة والآثار» يُبرِز المعرض الدور الثقافي والتوعوي الذي يقوم به متحف المركبات الملكية لتعزيز الوعي بالتراث، وإبراز الجوانب الجمالية والفنية المرتبطة بتاريخ مصر.

ورغم أن متحف المركبات الملكية من المتاحف النوعية القليلة على مستوى العالم التي أُنشئت خصيصاً لحفظ المركبات الملكية، ويحتفظ بالمركبات التي ترجع لعصر أسرة محمد علي وكل ما يتعلق بها، فإنه أيضاً يسلط الضوء على رعاية الخيول خلال هذه الفترة بمصر، كما يضم بعض مقتنيات الأسرة العلوية.

عقد من القطع المعروضة في متحف المركبات (وزارة السياحة والآثار)

ويرى المتخصص في التاريخ الحديث بجامعة القاهرة، الدكتور محمد محروس غزيل، أن «أهمية المقتنيات المعروضة بالمتحف تكمن في أنها تؤرخ للذوق والفن الذي امتازت بهما المرأة المصرية، عندما تمتعت بقدر هائل من الاستقلالية وحرية التزيُّن»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «تعدد تلك المقتنيات واختلاف تصاميمها يؤكد على عبقرية وحرفية الصانع المصري، وعلى تعدد شبكة العلاقات التجارية الواسعة لمصر مع المناطق الأخرى، كما عبرت عن بعض أنماط الحياة اليومية في مصر وتعدد مناسباتها والبيئة التي عاشت فيها المرأة المصرية»، وأشار غزيل إلى أن تلك المجموعة من المجوهرات والحلى يمكنها أن تعين الباحثين والمؤرخين على فهم البنية الاجتماعية والثقافية في مصر، موضحاً أن «تلك المقتنيات لا تقتصر أهميتها على قيمتها المادية، بل على كونها تاريخاً صامتاً عبَّر عن هوية مجتمع نالت فيه المرأة تقديراً معتبراً».

إحدى القطع النادرة في معرض خزائن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)

يُذكر أن فكرة إنشاء المتحف ترجع إلى عهد الخديوي إسماعيل، فيما بين عامي 1863 و1879م، ليكون مبنى خاصاً بالمركبات الخديوية والخيول، ثم تحول إلى متحف للمركبات الملكية بعد عام 1952. وتم إغلاقه لفترة طويلة منذ ثمانينات القرن الماضي للترميم، إلى أن أُعيد افتتاحه عام 2020.

ومن أشهر المركبات المعروضة بالمتحف، عربة الآلاي الكبرى الخصوصي، التي أهداها الإمبراطور نابليون الثالث وزوجته الإمبراطورة أوجيني للخديوي إسماعيل وقت افتتاح قناة السويس عام 1869. يضم المتحف أيضاً مجموعة من أطقم الخيول وإكسسواراتها، بالإضافة إلى الملابس الخاصة بالعاملين في مصلحة الركائب، وفق وزارة السياحة والآثار.

وترى المتخصصة في الحلي، الدكتورة وهاد سمير، أن «كل قطعة من هذه القطع المعروضة مصنوعة بطريقة خاصة، ولها سماتها التي تشير إلى فنون هذا العصر والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك قطعة مصنوعة كأسورة يمكن ارتداؤها في اليد، ويمكن ارتداؤها في القدم وإغلاقها. في هذه الفترة لم تكن شائعة فكرة أن تكون هناك دلايات في الأساور، وهناك قطعة أخرى مصنوعة بمجموعة أسلاك تعطي شكل الأسطوانة والأسورة التي تغلق على اليد، ولها طريقة خاصة في الصناعة، وهناك صعوبة في الحفاظ على درجات اللون الموجودة في بعض القطع؛ ما يتطلب حرفية ومهارة عالية، لاعتمادها على المينا الساخنة».