الحكومة الفرنسية: خروج وزيري الدفاع والخارجية... واليمين يحصد حقائب رئيسية

اللبنانية ـ الفرنسية ريما عبد الملك وزيرة للثقافة

جاء تعيين ريما عبد الملك التي تحمل الجنسيتين اللبنانية والفرنسية مفاجئاً كوزيرة للثقافة (أ.ف.ب)
جاء تعيين ريما عبد الملك التي تحمل الجنسيتين اللبنانية والفرنسية مفاجئاً كوزيرة للثقافة (أ.ف.ب)
TT

الحكومة الفرنسية: خروج وزيري الدفاع والخارجية... واليمين يحصد حقائب رئيسية

جاء تعيين ريما عبد الملك التي تحمل الجنسيتين اللبنانية والفرنسية مفاجئاً كوزيرة للثقافة (أ.ف.ب)
جاء تعيين ريما عبد الملك التي تحمل الجنسيتين اللبنانية والفرنسية مفاجئاً كوزيرة للثقافة (أ.ف.ب)

مثلما كان متوقعاً، غاب ركنان أساسيان عن أولى حكومات العهد الجديد للرئيس إيمانويل ماكرون التي ترأسها إليزابيث بورن: الأول، هو وزير الخارجية جان إيف لو دريان الذي حلت محله كاترين كولونا، سفيرة فرنسا في لندن ووزيرة الشؤون الأوروبية في عهد الرئيس اليميني الأسبق جاك شيراك. والركن الثاني هو وزيرة الدفاع، فلورانس بارلي التي تركت حقيبتها لـسيباستيان لوكورنو، المقرب من الرئيس ماكرون والذي ترك حزب «الجمهوريون» اليميني للالتحاق به باكراً وقد تنقل بين عدة حقائب في السنوات الخمس الأخيرة. وآخر حقيبة شغلها كانت وزارة «شؤون ما وراء البحار» في حكومة جان كاستيكس. وما يجمع بين لو دريان وبارلي أنهما أمضيا خمس سنوات كاملة، كل في وزارته، أي طيلة العهد الأول لـماكرون. بالمقابل، فإن الرئيس الفرنسي أبقى على ركنين رئيسيين من حكومته السابقة وهما وزير الاقتصاد برونو لو مير ووزير الداخلية جيرالد دارمانان. ويحتل هذان الوزيران المرتبتين الثانية والثالثة في الترتيب البروتوكولي «بعد رئيسة الحكومة التي تحتل المرتبة الأولى» فيما تشغل كولونا المرتبة الرابعة، وبذلك تكون أربع حقائب سيادية في عهدة اليمين الفرنسي الملتحق بـماكرون «الاقتصاد والداخلية والخارجية والدفاع». وإلى هؤلاء يتعين إضافة آخر «غنيمة» وضع الرئيس الفرنسي اليد عليها وهي داميان آباد، الذي أعطي حقيبة التضامن وشؤون المعاقين. وحتى أول من أمس، كان آباد رئيس مجموعة حزب «الجمهورية» اليميني في مجلس النواب. وكان واضحاً منذ عدة أسابيع أن آباد وهو شخصية سياسية رئيسية على يمين الخريطة الفرنسية على تواصل مع قصر الإليزيه عبر مستشار ماكرون السياسي تييري سولير الأقدم هو الآخر من اليمين، للالتحاق بالماكرونية. من هنا، فإن تعيينه يعد كمكافأة له ما يظهر وبشكل ساطع أن الرئيس الفرنسي مستمر في عملية هدم اليمين الكلاسيكي كما نجح سابقاً في هدم الحزب الاشتراكي.
يبدو واضحاً من خلال التركيبة الحكومية الجديدة أن ماكرون وبورن سعيا لإيجاد نوع من التوازن بين اليمين واليسار وبين القدماء والجدد والمساواة بين النساء والرجال. ويكفي للدلالة على ذلك أنه في الحقائب الرئيسية الـ16، ثمة تساوٍ كامل بين الجنسين بحيث تحتل النساء ثماني حقائب «رئاسة الحكومة، الخارجية، الصحة، التعليم العالي والبحث العلمي، ما وراء البحار، الثقافة والطاقة والرياضة والألعاب الأولمبية» والشيء نفسه يصح على الرجال الذي يحصلون على الاقتصاد والدفاع والتعليم العالي والعمل والتضامن والمعاقين والزراعة والوظيفة العمومية. وما يصح على المساواة بين الجنسين يصح على التوازن بين اليمين واليسار. ومن هذه الزاوية، يعول ماكرون على حضور رئيسة الحكومة القادمة إلى الحكم من خلفية يسارية وتحديداً من اليسار الاشتراكي رغم أنها لم تكن مناضلة «رسمية» في صفوفه بل عملت مع رئيس الحكومة الأسبق الاشتراكي ليونيل جوسبان ومع الوزيرة الاشتراكية السابقة سيغولين رويال. والتوازن سعى إليه ماكرون من خلال ضخ دماء حكومية جديدة إلى جانب من حرص على إبقائه إلى جانبه في الفترة القادمة التي تبدو لكثيرين مليئة بالكثير من المخاطر الاقتصادية والاجتماعية. وأبرز هؤلاء وزيران هما كليمان بون وغبريال أتال اللذان ينتميان إلى جيل الشباب.
ثمة مفاجأتان في الحكومة الجديدة: الأولى تتناول الإبقاء، في الحكومة الجديدة على وزير العدل في حكومة جان كاستيكس، المحامي إريك دوبون ــ موريتي الملاحق أمام محكمة عدل الجمهورية الخاصة بمحاكمة الوزراء والنواب خلال تأديتهم لمهامهم وذلك بسبب ما اعتبر استغلالاً لسلطته الوزارية وتصفية حسابات شخصية مع كبار موظفين في وزارته. ويبدو أن ماكرون لا يرى أن وزيره قد ارتكب خطأً كبيراً أو أنه يعول عليه كوزير رئيسي للسنوات القادمة. وسبق له أن بقي سنداً لوزير الداخلية جيرالد درامانان عندما قدمت في الأشهر الأولى من ولايته السابقة شكاوى بحقه تتهمه بالاعتداء الجنسي وهي التهمة التي برئ منها لاحقاً. أما الغياب فيتناول جوليان دونورماندي، وزير الزراعة السابق والمقرب من ماكرون والذي طرح اسمه بعد الانتخابات الرئاسية لتسلم الحكومة الجديدة، إلا أن الأخير كتب في تغريدة أمس أنه يرغب في تخصيص وقته لعائلته وأن بداية الولاية الرئاسية الجديدة تتيح له الفرصة لأن يبقى إلى جانب عائلته.
من بين الوافدين، ثمة اثنان لم يتوقعهما أحد: الأول، هو وزير التربية الجديد، باب نديا، الذي يحل محل جان ميشال بلانكير، وزير التربية السابق الذي فقد قربه من ماكرون في الأشهر الأخيرة ولم يبق عليه في الحكومة رغم قربه من برجيت ماكرون، عقيلة رئيس الجمهورية. والوزير الجديد ابن لمهندس سنغالي وأمه فرنسية، أستاذة علوم طبيعية، وهو مؤرخ متخصص في دراسة تاريخ الأقليات والمجتمع في الولايات المتحدة الأميركية وأستاذ في معهد العلوم السياسية في باريس.
جاء تعيين نديا مفاجئاً كما جاء تعيين ريما عبد الملك لبنانية الأصل التي تحمل الجنسيتين اللبنانية والفرنسية، وزيرة للثقافة. وهذه المرأة البالغة من العمر 44 عاماً، شغلت منذ عام 2019 منصب مستشارة للرئيس ماكرون في شؤون الثقافة وكانت مقربة منه إلى حد بعيد. وخلال عملها في الإليزيه وقبل ذلك مستشارة ثقافية في السفارة الفرنسية في الولايات المتحدة الأميركية، اكتسبت عبد الملك سمعة واحتراماً بسبب منهجيتها وجديتها في العمل. وسبق لها إن كانت على احتكاك مع الصحافة من خلال لقاءات «البريفينغ» التي كانت تحييها فيما خص الشؤون الثقافية. ووصلت الوزيرة الجديدة إلى فرنسا يافعة مع عائلتها التي استقرت بداية في مدينة ليون. وبعد الانتهاء من دراستها، عملت عبد الملك في الشؤون الإنسانية قبل أن تنتقل إلى الأمور الثقافية حيث عينت مساعدة لمسؤول الثقافة في بلدية باريس. وستواجه عبد الملك العديد من التحديات منها تحديث الوزارة واجتذاب الشباب نحو الثقافة وجعلها في متناول الجميع.
رأت الحكومة النور قبل ثلاثة أسابيع من استحقاق سياسي رئيسي هو الانتخابات التشريعية التي ستجرى يومي 12 و19 يونيو (حزيران) القادم. ويعول ماكرون على رئيستها وعليها مجتمعة للفوز بأكثرية نيابية تدعم برامجه للسنوات الخمس القادمة فيما تواجه فرنسا تحديات خارجية وداخلية معقدة. ومنذ الإعلان عن تشكيلها انصبت الانتقادات عليها من طرفي الخريطة السياسية يميناً ويساراً. فاليمين المتطرف ركز هجومه على وزير التربية فيما رأى اليسار المتشدد أنها استمرار لعملية استهداف الطبقات الأكثر هشاشة وتخريب الضمانات الاجتماعية. وقالت مارين لو بن، وزعيمة اليمين المتطرف إن الحكومة «تعكس عجرفة ماكرون وانعدام كفاءته». واعتبر زعيم اليسار المتشدد جان لوك ميلونشون أنها «تضم الوجوه الرئيسية التي تجسد، كما الحكومة السابقة، سوء التعاطي مع المسائل الاجتماعية وانعدام المسؤولية البيئوية». ومن جانبه، وصفها جوليان بايو، أمين عام حزب الخضر بأنها «حكومة يمينية تنفض يديها تماماً مما هو اجتماعي أو بيئي».


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...