الحرب في أوكرانيا تدخل في صلب مواقف واختيارات «كان»

افتتاح الدورة الـ75 بفيلم كبير مقتبس عن فيلم صغير

من «ألفيس» لباز لورمان
من «ألفيس» لباز لورمان
TT

الحرب في أوكرانيا تدخل في صلب مواقف واختيارات «كان»

من «ألفيس» لباز لورمان
من «ألفيس» لباز لورمان

المسافة ما بين مطار نيس والشقة التي تم استئجارها لأسبوعين لتكون المكان الذي يأوي إليه المرء حين يكتفي من مشاهدة الأفلام، لا تزيد على 40 دقيقة خلال النهار. أما في ساعات الليل المتأخرة، فإن الآتي إلى المهرجان الفرنسي في دورته الخامسة والسبعين لا تزيد على 25 دقيقة.
خلالها سرح هذا الناقد، والسيارة تمر به فيما يشبه طبيعة كاليفورنيا، أشجاراً وألواناً ومنعطفات، في أسئلة غير مُجاب عنها، ومن بينها لماذا أعود إلى هذا المهرجان كل سنة؟ هل أكون من الجرأة بمكان كافٍ لأن أقلع عن القدوم إلى هذا المهرجان مفضلاً راحة البيت أو مهرجاناً آخر صغيراً يتيح لحاضريه التواصل الإنساني ومشاهدة أفلام من خارج منظومة الفيلم الحدث؟
هناك 43 سنة تفصل بين زيارتي «كان» العام الحالي، وبين المرّة الأولى التي وصلت فيها إلى المدينة. كنت شاباً صغيراً يواجه مهرجاناً يترعرع انطلق سنة 1946، وكل ما في جعبته عرض أفلام مميّزة في فترة تلت استقلال فرنسا من الاحتلال النازي.
1979 هي السنة التي تقاسم فيلمان السعفة الذهبية. الفيلم الأول غُولي في الاحتفاء به، وهو الفيلم الألماني «الطبل الصفيح» لفولكر شلندروف، والآخر هو الفيلم التحفة «القيامة الآن» لفرنسيس فورد كوبولا.
لا شيء من بين الـ20 فيلماً آخر في مسابقة ذلك العام وصل إلى قيمة فيلم كوبولا وبعضها لم يشارفه. لا «فكتوريا» لبو وايدربيرغ، و«الأوروبيون» لجميس أيفور، أو «وويجك» لفرند هرزوغ، أو «نورما راي» لمارتن رِت، ولا «سيري نوار» لألان كورنو. الأقرب إلى «القيامة الآن» من حيث بصرياته وحكايته الملحمية «سايبرياد» للروسي أندريه كونتشالوڤسكي.
خرجت مبهوراً من «القيامة الآن» وقررت أنني لن أفوّت دورة واحدة على الإطلاق. ولم أفعل سوى مرّتين، الأولى سنة 2009 والأخرى في العام الماضي.
زومبيز
هذا العام، وبعد كل تلك العقود من تراكم التجارب والنجاحات، تدخل الحرب في أوكرانيا بصلب مواقف واختيارات المهرجان. المدير العام للمهرجان تييري فريمو كان قرر ألا يشترك في هذه الدورة أي فيلم روسي من داخل البلاد، ومن تمويل مؤسسات روسيا السينمائية. لكن «زوجة تشايكوفسكي» الفيلم الثالث للروسي كيريل سيربرنيكوڤ، معروض في المسابقة كونه لمخرج معارض يعيش حالياً «في المهجر» كما قيل لنا.
على الجانب الأوكراني، فيلمان، «رؤية الفراشة» لماكسيم نأكونيتشني المعروض في قسم «نظرة ما» و«التاريخ الطبيعي للدمار» لسيرغي لوزنتزا في قسم «عروض خاصّة».
وأحد الانعكاسات للوضع الراهن في أوكرانيا تغيير المخرج ميشيل أزانافشيوس عنوان فيلمه الجديد من Z إلى Final Cut؛ وذلك لاستبعاد شبهة الإيحاء والترميز إلى العربات والدبابات الروسية التي حملت حرف «زد» عندما دخلت البلاد.
فيلم أزانافشيوس لا علاقة له بالحرب في أي مكان باستثناء أنه يدور حول مجموعة من المقاومين لغزو الزومبيز. وهذا هو تاسع فيلم يحققه. قبله أنجز فيلمين كوميديين جاسوسيين هما «OSS 117‪:‬ Cairo‪، ‬ Nest of Spies»، والآخر«OSS 117‪:‬ Lost In Rio». كان ذلك في مطلع عمله في الأفلام بعد خبرة تلفزيونية محدودة، لكن فيلمه الثالث هو ما دفعه إلى الشهرة. هذا الفيلم هو «الفنان» (The Artist) سنة 2011 الذي نال عليه أوسكار أفضل فيلم.
«فاينال كَت» مأخوذ عن فيلم ياباني من إنتاج 2017، بعنوان «قطعة من الموتى» (One Cut of the Dead) لشينيشيرو أيدا حول فريق من السينمائيين يصور فيلم رعب عن الـ«زومبيز» ليكتشفوا أنهم مهددون بزومبيز حقيقيين بالفعل.
ما هو مثير في ذلك الفيلم، أنه صُنع بتكلفة لم تتجاوز 27 ألف دولار وصوّر في ثمانية أيام، وعندما افتتح الفيلم للجمهور في ثلاث صالات يابانية فوجئ الجميع بأنه باع مليوني تذكرة؛ ما جعل إيراداته تفوق تكلفته بـ1000 مرّة.
قد يُصيب فيلم الفرنسي أزانافشيوس حظاً مماثلاً، لكنه لن يتجاوز ما حققه الفيلم الأصلي من نجاح فوري، وذلك تبعاً لتكلفته التي تتجاور 20 مليون دولار. كون المهرجان الفرنسي اختاره للافتتاح يعني أنه بحث عن الفيلم الذي ينتمي إلى اسم «كبير» وموضوع فيه غرابة وإنتاج يدعم الفيلم خلال عروضه الفرنسية والأوروبية.
هذه ليست المرّة الأولى التي يفتتح مهرجان «كان» عروضه بفيلم عن الـ«زومبيز». في العام 2019 قام بعرض الفيلم الأميركي «الموتى لا يموتون» لجيم جارموش (بطولة لـموراي وتيلدا سوينتو وداغني غلوفر). ولو أن ذلك الافتتاح لم يفد الفيلم كثيراً عندما طُرح للعروض الجماهيرية.

                                                                        من «فاينال كَت»: سؤال حول الصلاحية؟
اختيارات أخرى
إذ ينتمي «فاينال كَت» إلى تلك المجموعة من الأفلام المعروضة خارج المسابقة الرسمية (في قسم خاص بها) يجاور 10 أفلام أخرى، بعضها ربما كان (من الناحية الإعلامية على الأقل) أفضل ملاءمة للمناسبة. كان المهرجان، على سبيل المثال، رغب في عرض فيلم باز لورمان «ألفيس» عن حياة ألفيس برسلي، لكن حقيقة إن فيلم لورمان السابق «مولان روج”، كان افتتح إحدى دورات «كان» السابقة ما جعل اختياره أمراً غير وارد. هناك أيضاً «توب غن: ماڤيريك» لجوزف كوزينسكي الذي كان سيمنح المهرجان قفزة مرتفعة كبداية، لكن المشكلة أن الشركة المموّلة (باراماونت)، كانت قررت توزيع الفيلم في الـ25 من الشهر الحالي، وهي أرادت ربط عرضه في «كان» بعروضه التجارية مباشرة.
ما هو واضح، أن كل هذه الأفلام المذكورة (من «فاينال كَت» إلى «ألفيس» و«توب غن»)، هي أفلام تجارية وليست فنّية كما سيتأكد عندما نعود لنقدها خلال أيام المهرجان. صحيح أنها مصنوعة بإتقان العناصر الفنية والإنتاجية، لكنها ليست أفلاماً من تلك التي لا تنتمي إلى سينما المؤلف ولا إلى السينما الذاتية أو أي من التيارات التي تفضل الصياغة الفنية وأساليب التعبير الفنية. فيلم باز لورمان يبدو أفضل ما حققه هذا المخرج إلى اليوم، لكنه لا يزال فيلماً تجارياً.
هذا المنوال ليس غريباً، إنه ذاته الممارس عاماً بعد عام منذ أكثر من عقد أو اثنين. المسابقة الرسمية ومسابقة «نظرة ما»، هما اللتان تتخصصان أكثر من سواهما بعروض أفلام تنتمي إلى المخرج وتعبّر عنه أكثر مما تندمج في حلقة العروض التجارية، علما بأنها جميعها ستجد نفسها في هذا الخضم على نحو أو آخر.


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


«البنتاغون» يرضخ للقضاء «شكلاً» ويواصل التضييق على الصحافة

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون يوم 2 مارس 2026 (أ.ف.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون يوم 2 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» يرضخ للقضاء «شكلاً» ويواصل التضييق على الصحافة

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون يوم 2 مارس 2026 (أ.ف.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون يوم 2 مارس 2026 (أ.ف.ب)

لم تستغرق وزارة الحرب الأميركية وقتاً طويلاً لتحويل هزيمتها القضائية إلى معركة جديدة مع الصحافة. فبعد أيام فقط من حكم فيدرالي اعتبر سياسة «البنتاغون» الإعلامية الأخيرة مخالفة للدستور، أعلنت الوزارة إغلاق «ممر المراسلين» داخل المبنى الخماسي ونقل الصحافيين إلى «ملحق» خارجي داخل حرم البنتاغون، مع فرض مرافقة إلزامية لهم عند دخول المبنى خارج الإحاطات والمؤتمرات الرسمية. والنتيجة أن الوزارة امتثلت للحكم شكلاً، لكنها بدت وكأنها تعيد إنتاج القيود نفسها عملياً، بما يفتح مواجهة جديدة حول حدود الأمن، وحق الجمهور في المعرفة، ومستقبل التغطية المستقلة لشؤون الجيش الأميركي في لحظة حروب وتوترات خارجية.

حكم قضائي لم ينهِ النزاع

تعود الأزمة إلى السياسة التي فرضها البنتاغون في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، حين طلب من الصحافيين التوقيع على تعهد يتيح للوزارة سحب الاعتماد من أي مراسل يطلب معلومات «غير مخول الإفصاح عنها»، حتى لو لم تكن مصنفة سرية. مؤسسات إعلامية كبرى، بينها «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«سي إن إن» و«فوكس نيوز» و«أسوشييتد برس» رفضت التوقيع، معتبرة أن هذا الشرط لا ينظم العمل الصحافي، بل يفرغه من مضمونه؛ لأن السعي إلى المعلومات من خارج البيانات الرسمية هو جوهر المهنة. وقد قاد ذلك إلى دعوى رفعتها «نيويورك تايمز»، انتهت يوم 20 مارس (آذار) بحكم القاضي الفيدرالي، بول فريدمان، الذي رأى أن السياسة تنتهك التعديلين الأول والخامس من الدستور؛ لأنها فضفاضة وتفتح الباب أمام التمييز ضد صحافيين «غير مرغوب فيهم» على أساس توجهاتهم أو أسلوب تغطيتهم.

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث خلال إحاطة إعلامية في البنتاغون بالعاصمة واشنطن... 19 مارس 2026 (رويترز)

ولم يكتفِ القاضي بإبطال السياسة، بل أمر بإعادة اعتماد صحافيي «نيويورك تايمز»، مشدداً على أن الحاجة إلى صحافة مستقلة تصبح أكثر إلحاحاً عندما تكون الولايات المتحدة منخرطة في عمليات عسكرية خارجية. وهذه النقطة تحديداً تفسر لماذا لم يُنظر إلى القضية بوصفها خلافاً إدارياً داخلياً، بل باعتبارها اختباراً دستورياً لما إذا كانت مؤسسة بحجم البنتاغون تستطيع أن تحصر تدفق المعلومات في القنوات التي تسيطر عليها هي وحدها.

امتثال شكلي وتقييد عملي

ما أعلنه المتحدث باسم «البنتاغون»، شون بارنيل، بعد الحكم أوحى منذ اللحظة الأولى بهذا المنطق المزدوج: الوزارة «ستمتثل» لكنها «لا توافق» وستستأنف. ومن هنا جاء القرار بإغلاق المساحة التقليدية التي عمل منها المراسلون لعقود داخل المبنى، واستبدالها بملحق خارجي «عندما يصبح جاهزاً»، من دون تحديد موعد واضح. كذلك فرضت الوزارة قاعدة جديدة تقضي بوجوب مرافقة الصحافيين من موظفين مخولين عند دخولهم المبنى خارج الإحاطات والمقابلات المبرمجة. وتقول الوزارة إن الدافع أمني، وإنها لا تستطيع إدارة متطلبات الحماية داخل البنتاغون مع وجود صحافة عاملة فيه على النحو السابق.

لكن الاعتراض الرئيسي على هذه الصيغة أن المشكلة ليست في «مكان الجلوس» بحد ذاته، بل في فقدان الوصول اليومي الطبيعي إلى المؤسسة العسكرية. فالصحافي الذي يُنقل إلى ملحق خارجي، ولا يدخل المبنى إلا بمرافقة ومواعيد محددة، يصبح أقرب إلى زائر رسمي منه إلى مراسل مقيم يراقب ويختبر الروايات ويطوّر مصادره. وبذلك ينتقل البنتاغون من محاولة تقييد الصحافة بنص مكتوب إلى إعادة هندسة بيئة العمل نفسها بحيث تصبح التغطية أكثر اعتماداً على الشؤون العامة وأقل قدرة على إنتاج معلومات مستقلة. لهذا يرى منتقدو القرار أن الوزارة لم تتراجع فعلاً، بل أعادت صياغة هدفها بطريقة أقل صداماً مع الحكم وأكثر تضييقاً في التطبيق.

صورة عامة لمبنى البنتاغون في العاصمة واشنطن (أ.ب)

معركة على الشفافية

ردود الفعل كانت سريعة وحادة. رابطة صحافة البنتاغون قالت إن القرار الجديد يشكل انتهاكاً «لنص وروح» حكم المحكمة، خصوصاً أن القاضي تحدث صراحة عن أهمية استعادة الوصول الإعلامي في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة أزمات عسكرية متشابكة. أما «نيويورك تايمز» فاعتبرت أن السياسة الجديدة لا تمتثل لأمر المحكمة، وأنها تواصل فرض قيود غير دستورية على الصحافة، متعهدة العودة إلى القضاء. كما دفع عدد من الصحافيين العسكريين المتخصصين بأن ذريعة الأمن مبالغ فيها؛ لأن المراسلين كانوا يخضعون أصلاً لفحوص خلفية وإجراءات اعتماد، ولأن المحكمة لم تمنع البنتاغون من استبعاد أي شخص يشكل خطراً أمنياً حقيقياً، بل رفضت فقط اعتبار السعي إلى المعلومات سلوكاً مشبوهاً.

والأهم أن تداعيات هذه الخطوة تتجاوز نزاعاً مهنياً بين وزارة وصحافيين. فالمسألة تمس صورة الإدارة الأميركية في تعاملها مع الإعلام المستقل، وتمس أيضاً قدرة الرأي العام على معرفة ما يجري داخل المؤسسة، التي تدير الحروب والانتشار العسكري والإنفاق الدفاعي الهائل. ولهذا ينظر كثيرون إلى «الملحق» الخارجي لا كمجرد تعديل لوجيستي، بل كترجمة سياسية لفكرة أوسع: إبقاء الصحافة موجودة بما يكفي لتفادي الاتهام بالإقصاء الكامل، لكن بعيداً بما يكفي لإضعاف دورها الرقابي.


في انتقاد نادر لترمب... رئيس ألمانيا: حرب إيران خطأ كارثي

الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير (د.ب.أ)
الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير (د.ب.أ)
TT

في انتقاد نادر لترمب... رئيس ألمانيا: حرب إيران خطأ كارثي

الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير (د.ب.أ)
الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير (د.ب.أ)

قال ‌الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، اليوم (الثلاثاء)، إنَّ الحرب على إيران «خطأ كارثي» ينتهك ​القانون الدولي، في انتقاد صريح غير معتاد لسياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الخارجية، والتي وصفها بأنها تمثل شرخاً في علاقات برلين مع أكبر حليف لها بعد الحرب.

وفي هجوم لفظي لاذع، اتخذ شتاينماير موقفاً ‌أكثر انتقاداً بكثير من ‌المستشار فريدريش ميرتس، ‌الذي ⁠تجنَّب الردَّ ​على أسئلة ⁠حول شرعية الحرب. ويتيح منصب شتاينماير الشرفي بشكل كبير التحدُّث بحرية أكبر من السياسيين.

وقال شتاينماير، في كلمة ألقاها في وزارة الخارجية: «سياستنا الخارجية لن تصبح أكثر إقناعاً فقط بسبب ⁠امتناعنا عن وصف انتهاك للقانون الدولي ‌بأنه انتهاك ‌للقانون الدولي».

وأضاف: «في رأيي، هذه ​الحرب تتعارض ‌مع القانون الدولي»، مضيفاً أنه لا ‌يساوره شكٌّ في أنَّ التبرير المتمثل في الطبيعة الوشيكة لشنِّ هجوم على أهداف أميركية غير منطقي.

ووصف شتاينماير الحرب بأنها ‌غير ضرورية و«خطأ كارثي سياسياً». وقال إن ولاية ترمب الثانية مثَّلت ⁠شرخاً ⁠في العلاقات الخارجية الألمانية لا يقل عن ذلك الشرخ الذي أحدثه غزو روسيا لأوكرانيا.

وقال شتاينماير: «أعتقد أنه لن تكون هناك عودة للعلاقات مع روسيا إلى المستوى الذي كانت عليه قبل 24 فبراير (شباط) 2022، وأعتقد أيضاً أنه لن تكون هناك عودة للعلاقات عبر الأطلسي ​إلى ما ​كانت عليه قبل 20 يناير (كانون الثاني) 2025».


من الأكثر تضرراً من حرب إيران وتأثيرها على الاقتصاد العالمي؟

صدمة جديدة في قطاع الطاقة الأوروبي تعيد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة للحرب الروسية - الأوكرانية (رويترز)
صدمة جديدة في قطاع الطاقة الأوروبي تعيد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة للحرب الروسية - الأوكرانية (رويترز)
TT

من الأكثر تضرراً من حرب إيران وتأثيرها على الاقتصاد العالمي؟

صدمة جديدة في قطاع الطاقة الأوروبي تعيد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة للحرب الروسية - الأوكرانية (رويترز)
صدمة جديدة في قطاع الطاقة الأوروبي تعيد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة للحرب الروسية - الأوكرانية (رويترز)

تسبَّبت حرب إيران، التي دخلت أسبوعها الرابع، في أزمة كبيرة في إمدادات الطاقة تؤثر على جميع قطاعات الاقتصاد العالمي. لكن من الواضح أن بعض الدول إما أكثر عرضةً لهذا التأثير، أو أقل قدرةً على التعامل معه.

وبالنظر إلى الوضع في أوروبا، فهناك صدمة جديدة في قطاع الطاقة تعيد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة للحرب الروسية - الأوكرانية قبل 4 سنوات، والتي سلَّطت الضوء بشكل حاد على اعتماد المنطقة على واردات الطاقة الروسية.

ومن المتوقع أن يرتفع التضخم مجدداً، ويتوقع المتداولون أن يضطر البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا إلى رفع أسعار الفائدة هذا العام.

وأظهرت بيانات، الثلاثاء، أنَّ النشاط التجاري قد تأثَّر بالفعل بالنزاع؛ مما ينذر بتباطؤ النمو الاقتصادي.

ألمانيا

يُعدُّ اقتصاد ألمانيا، الذي يعتمد بشكل كبير على الصناعة، من أبرز الاقتصادات المُعرَّضة لخسائر جراء ارتفاع تكلفة الطاقة، وأي انكماش عالمي قد يؤثر على مُصدِّريها.

لكن في الوقت الراهن، يحافظ النشاط التجاري الألماني على استقراره نسبياً، ويواصل قطاع التصنيع نموه بعد انكماش دام قرابة 4 سنوات. ومن المتوقع أن يساعد برنامج التحفيز الضخم الذي أعلنته ألمانيا، العام الماضي، على تخفيف بعض الآثار.

إيطاليا

تُعدُّ إيطاليا موطناً أيضاً لقطاع تصنيع كبير، علاوة على ذلك، يُعدُّ النفط والغاز من بين أعلى مصادر استهلاك الطاقة الأولية في أوروبا.

ففي هذه الحالة قد تكون إيطاليا أيضاً مُعرَّضةً لتحديات جمة مع استمرار حرب إيران.

بريطانيا

تعتمد بريطانيا على الطاقة المُولَّدة بالغاز بشكل أكبر من نظيراتها الأوروبية، في إنتاج الكهرباء. وتحدِّد أسعار الغاز أسعار الكهرباء لديها في أغلب الأحيان، وهي حالياً ترتفع بوتيرة أسرع من أسعار النفط منذ بداية الحرب.

ومن شأن تخفيف تحديد سقف لأسعار الطاقة من الأثر التضخمي الأولي، إلا أنَّ رفع أسعار الفائدة سيزيد من معاناة المقترضين، إذ تعاني بريطانيا بالفعل من أعلى تكاليف اقتراض في مجموعة السبع في ظلِّ ارتفاع معدلات البطالة.

وتحدُّ الضغوط على الميزانية وسوق السندات من خيارات الحكومة لمساعدة الشركات والأسر.

اليابان

تستورد اليابان نحو 95 في المائة من نفطها من الشرق الأوسط، ويمرُّ نحو 90 في المائة منه عبر مضيق هرمز. لذلك هي الأخرى في دائرة الخطر.

وتُضاف ذلك إلى الضغوط التضخمية التي تعاني منها اليابان بالفعل نتيجة ضعف الين، مما يؤثر على أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية اليومية نظراً لاعتمادها الكبير على المواد الخام المستوردة.

الهند

تُعدُّ الهند أيضاً مُعرَّضةً للخطر؛ لأنَّها تستورد نحو 90 في المائة من نفطها الخام ونحو نصف غازها المسال، ويمرُّ عبر مضيق هرمز نحو نصف ما تحتاج إليه نيودلهي تقريباً.

وقد بدأ الاقتصاديون خفض توقعات النمو الاقتصادي للبلاد، وانخفضت قيمة الروبية إلى مستوى قياسي.

وفي المطاعم والمطابخ في جميع أنحاء الهند، تختفي الأطعمة والمشروبات الساخنة - حتى السمبوسة والدوسا والشاي - من قوائم الطعام، لأن ارتفاع أسعار الغاز أدى إلى تقنين غير رسمي.

تركيا

تتشارك تركيا حدوداً مع إيران، وتستعدُّ لتدفق محتمل للاجئين ومزيد من عدم الاستقرار الجيوسياسي. وفي غضون ذلك، يُعدُّ التأثير الاقتصادي الرئيسي على البنك المركزي.

ويشعر البنك المركزي بالفعل بتكرار أزمات التضخم السابقة. فقد اضطر إلى إيقاف دورة خفض أسعار الفائدة للمرة الثانية في غضون عام، وباع ما يصل إلى 23 مليار دولار من احتياطاته الثمينة لتعزيز عملته.

الدول الهشة

هناك أيضاً عدد قليل من الدول التي تبدو عرضةً للخطر بشكل خاص، بعد أن مرَّت مؤخراً - أو كادت تمر - بأزمات اقتصادية شاملة.

فقد أعلنت سريلانكا مؤخراً، يوم الأربعاء، عطلةً رسميةً للعاملين في القطاع الحكومي في محاولة للحد من تكاليف الطاقة. ويتم إغلاق المدارس والجامعات والمؤسسات العامة، وتعليق وسائل النقل العام غير الضرورية، ويتعيَّن على السائقين الآن التسجيل للحصول على تصريح وقود وطني يقيد مشتريات الوقود.

باكستان

كانت باكستان على حافة أزمة قبل عامين، فرفعت أسعار البنزين وأغلقت المدارس لمدة أسبوعين.

وخفَّضت مخصصات الوقود للدوائر الحكومية إلى النصف، وتم منع الجهات الحكومية من شراء مكيفات الهواء وأثاث جديد، وأمرت بسحب عدد كبير من مركباتها من الخدمة.

مصر

تواجه مصر، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية الأساسية، احتمال انخفاض حاد في عائدات قناة السويس والسياحة، التي ضخَّت نحو 20 مليار دولار في اقتصادها العام الماضي.

كما ازداد عبء سداد ديونها، التي يُشكِل الدولار معظمها، صعوبةً؛ بسبب انخفاض قيمة عملتها بنسبة نحو 9 في المائة منذ بدء الحرب.