«مستريحو الصعيد» يكشفون خللاً ثقافياً واقتصادياً في مصر

ضعف التوعية والحماية الاجتماعية عزز ظاهرة «الاحتيال المالي»

تجمهر أمام نزل أحد «المستريحين» بإدفو للمطالبة بأموالهم (فيسبوك)
تجمهر أمام نزل أحد «المستريحين» بإدفو للمطالبة بأموالهم (فيسبوك)
TT

«مستريحو الصعيد» يكشفون خللاً ثقافياً واقتصادياً في مصر

تجمهر أمام نزل أحد «المستريحين» بإدفو للمطالبة بأموالهم (فيسبوك)
تجمهر أمام نزل أحد «المستريحين» بإدفو للمطالبة بأموالهم (فيسبوك)

«قادر على الوفاء بتعهداته وإعادة الأموال لأصحابها... إذا تركوه». إلى هذه الدرجة يضع الشاب المصري أشرف عواد (28 عاماً) ثقته في «مصطفى البنك»، أحد أبرز المتهمين بالاحتيال المالي في محافظة أسوان (جنوب الصعيد)، والذين يُطلق عليهم لقب «المستريح» رغم إلقاء الشرطة القبض عليه، واتهامه بالاستيلاء على مبلغ 500 مليون جنيه (أكثر من 27 مليون دولار)، بحجة تشغيلها.
ويُطلق اسم «المستريح» شعبياً في مصر على نوع من المحتالين الذين يجمعون أموالاً من المواطنين، عبر طُعم «الأرباح الشهرية الضخمة» والتي يوفون بها في البداية، قبل أن يهربوا بعد الاستيلاء على أموال أكبر عدد من ضحاياه، وهي ظاهرة منتشرة منذ سنوات، وتلقى رواجاً أكثر في القرى والريف.
وعلى مدار الأيام الماضية ألقت الداخلية المصرية القبض على 3 «مستريحين»، بينما نجح رابع في الفرار. فيما يؤكد عواد وجود أكثر من «11 مستريحاً» تعاملوا خلال الأشهر الماضية، ووصلت معاملاتهم إلى العاصمة القاهرة.
وشغلت قضية «مستريحي الصعيد» الرأي العام المصري، مثيرة تساؤلات حول طريقة جمع تلك الأموال بيسر، وأسباب تكرارها رغم ثبوت عملية الاحتيال في قضايا مشابهة منذ سبعينيات القرن الماضي.
ويرى عواد الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط» عبر الهاتف، خلال حضوره لتجمع لأهالي قريته لمناقشة تحركاتهم القانونية المقبلة لاستعادة أموالهم، التي احتجزت الحكومة جزءاً منها، أنه «إذا أطلقت الشرطة سراح (مصطفى البنك)، وتركته يستكمل ما بدأه فإنه قادر على إعادة الأموال لأصحابها وبالأرباح»، مقتنعاً بأنه «كان يعمل لدى جهة كبيرة تمتلك أمولاً طائلة وتستهدف مساعدة الشباب والفقراء وإعانتهم».
واستثمر عواد، أحد أبناء قرية «البصيلة» بمدينة إدفو، مواشي تقدر قيمتها بـ200 ألف جنيه على أمل استعادتها 300 ألف بعد 21 يوماً، بواقع فائدة تبلغ 50 في المائة، وهو رقم لا يمكن الحصول عليه من خلال التجارة أو إيداع الأموال في أي بنك، لكنه لم يهنأ لا بالأرباح ولا بأصل أمواله، بعد أن تم ضبط «المستريح».
ويعتقد عواد أن «المستريح» اعتمد على «السمعة الطيبة» بين أهل بلدته وانتظامه في دفع المستحقات في بداية نشاطه، الذي يرى أنه «عائد إلى امتلاكه أموالاً ضخمة ربما عن طريق تجارته في الآثار»، (وهي تجارة يعتقد الكثير من أهل الصعيد أنها ورغم كونها غير مشروعة قانوناً إلا أنها غير محرمة).
ويعمل عواد (الحاصل على تعليم متوسط) كمزارع بجانب امتلاكه لسيارة نقل أجرة، ولم يستطع الزواج حتى الآن بسبب ظروفه المالية الصعبة». ويحمل الحكومة– ومعه غالبية المضارين من مستريحي الصعيد - مسؤولية ما حدث كون تلك الأعمال جرت تحت أعينها عدة أشهر، ولم تتدخل لوقفها، الأمر الذي اطمأن له المواطنون ودفعهم إلى المزيد من الاتجار في ظل الأرباح الكبيرة المحققة، وما يعانيه الكثيرون من صعوبات وضوائق مالية».
حال عواد، الذي تعامل مع «المستريح» بشكل غير مباشر لنحو 3 أشهر، من خلال نقل سيارته للمواشي ومحاصيل المواطنين من معظم مراكز أسوان وغيرها من المحافظات، يشبه الكثيرين ممن استمروا في العملية حتى نهايتها رافضين الاعتراف بالنصب عليهم، وهي ظاهرة فسرها الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية في القاهرة، بأنها أقرب إلى المرض النفسي «متلازمة ستوكهولم»، الذي يصيب الفرد عندما يتعاطف مع من يؤذيه، «ربما بداعي عدم إحراجه أو إظهاره في ثوب المغفل المنصوب عليه».
ويؤكد خبير علم الاجتماع، لـ«الشرق الأوسط»، أن «المستريح ظاهرة قديمة في المجتمع المصري، بدأت بما عرف بعمليات توظيف الأموال في شركات إسلامية نهاية السبعينات، معتمدة على ضعف الثقافة بين المواطنين خصوصاً البسطاء من سكان القرى والريف، والذين يحرمون التعامل مع البنوك بداعي الربا، ويحتفظون بأموالهم في المنزل، ولا يثقون في المعاملات الرسمية».
وحمل صادق الدولة المسؤولية عن انتشار تلك الظاهرة، التي يتوقع تكرارها مراراً، في ظل غياب التوعية الثقافية، وضعف برامج الحماية الاجتماعية، التي تؤمن للعمال البسطاء مستقبلهم ومستقبل أسرهم إذا فقدوا وظيفتهم بسبب المرض أو الموت، مستنكراً ما يردده البعض بأن «القانون لا يحمي المغفلين»، باعتبار أن دور الدولة هو «حفظ النظام والأمن وليس ترك هؤلاء المحتالين طوال هذه الفترة».
وأشار صادق إلى الخلل الاقتصادي الذي أبرزته تلك القضية، كون هؤلاء الأشخاص (المستريحين) يقومون بخلق اقتصاد موازٍ خارج القطاع المصرفي، ليشكل عبئاً إضافياً على ما تعانيه البلاد من أزمات اقتصادية.
تكرار تلك الحوادث وفي عدة أماكن، ينذر بـ«خطر ووجود خلل يتعين سرعة معالجته وتدارك سلبيات تفاقمه»، كما يشير مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق محمد مرسي، الذي يعتقد أن «هناك أبرياء من بين هؤلاء أوقعهم حظهم العاثر في مصيدة المناخ غير المواتي للعمل الجاد وللإنتاج الحقيقي».
ورغم الوعود الحكومية بـ«استعادة حقوق» الأهالي عقب التحقيق مع المتهمين، تجمع مواطنون يوم (السبت) الماضي، في أكثر من قرية بأسوان، أمام منازل المتهمين، للمطالبة بأموالهم، و«أشعلوا إطارات السيارات، كما هاجموا مباني حكومية، الأمر الذي دعا الشرطة لتوقيف البعض»، كما تشير ياسمين الفراهي، التي احتجز أحد أقاربها، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «هؤلاء ضحايا تركتهم الحكومة فريسة للنصابين، وعليها مساعدتهم بدلاً من القبض عليهم... حضروا الآن لمحاسبة ناس مظلومة ومقهورة من غير أي ذنب».


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


الطاقة والتجارة وأمن الساحل... محاور زيارة مستشار ترمب إلى الجزائر

الرئيس الجزائري مستقبلاً المستشار الأميركي مسعد بولس (الرئاسة)
الرئيس الجزائري مستقبلاً المستشار الأميركي مسعد بولس (الرئاسة)
TT

الطاقة والتجارة وأمن الساحل... محاور زيارة مستشار ترمب إلى الجزائر

الرئيس الجزائري مستقبلاً المستشار الأميركي مسعد بولس (الرئاسة)
الرئيس الجزائري مستقبلاً المستشار الأميركي مسعد بولس (الرئاسة)

أجرى مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية والشرق الأوسط مسعد بولس، مساء الأحد، محادثات مكثفة بالجزائر، تركزت على ملفات الطاقة والتعاون التجاري والأمن الإقليمي في منطقة الساحل، وسط أحاديث دبلوماسية جانبية تناولت الخطوة الأخيرة التي اتخذتها الجزائر بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات.

وأكد ممثل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في تصريح مقتضب أدلى به عقب استقبال الرئيس عبد المجيد تبون له، على «دور الجزائر في تعزيز الأمن الإقليمي»، مشدداً أيضاً على «مكانتها كشريك مهم للولايات المتحدة».

وقال في هذا السياق: «يسعدني العودة اليوم إلى الجزائر، حيث تشرفت بلقاء رئيس الجمهورية، الذي أود أن أشكره على الاستقبال الحار»، مضيفاً أن هذا اللقاء كان «مثمراً للغاية».

الشراكة الثنائية

وفي معرض حديثه عن المباحثات مع رئيس الدولة، قال بولس إنها «تأتي امتداداً للنقاشات الأخيرة حول الأولويات الإقليمية المشتركة والعلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والجزائر». وأضاف: «الجزائر شريك مهم للولايات المتحدة في تعزيز الأمن الإقليمي، وتوسيع الفرص الاقتصادية، وتحقيق الرخاء للبلدين».

مباحثات موسعة خلال استقبال مستشار الرئيس الأميركي بمقر الرئاسة الجزائرية (الرئاسة)

وأشار بولس إلى محادثاته مع الوزير الأول سيفي غريب، ووزير الشؤون الخارجية أحمد عطاف، فضلاً عن لقائه مع الرئيس المدير العام لمجموعة «سوناطراك» للمحروقات، نور الدين داودي، والذي بحث معه سبل تعزيز التعاون في قطاع الطاقة.

وأوضحت سفارة الولايات المتحدة لدى الجزائر، في بيان، أن زيارة مسعد بولس الثالثة إلى الجزائر «سمحت بتعزيز التعاون الأميركي - الجزائري لصالح السلم والأمن الإقليميين، مع تعميق العلاقات التجارية بين البلدين أكثر فأكثر».

وبحسب البيان نفسه، فإن محادثات بولس مع الرئيس تبون «تناولت متانة العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والجزائر، فضلاً عن أبرز التحديات والفرص التي تواجه منطقة الساحل والقارة الأفريقية بشكل أوسع».

وأشار البيان إلى أن محادثات المسؤول الأميركي مع الوزير الأول غريب ووزير الشؤون الخارجية عطاف «خُصصت للمصالح المشتركة للبلدين في مجالات الأمن الإقليمي، والتعاون الطاقوي، وتوطيد العلاقات التجارية».

مستشار الرئيس الأميركي مع رئيس مجموعة «سوناطراك» للمحروقات (سوناطراك)

ووفق بيان السفارة الأميركية، تأتي هذه الزيارة استكمالاً للزيارتين السابقتين اللتين قام بهما المستشار الأول بولس إلى الجزائر في يوليو (تموز) 2025 ويناير (كانون الثاني) 2026، «وهي تؤكد مجدداً مواصلة الولايات المتحدة تعاونها مع الجزائر، والتزامها بدعم الاستقرار في مختلف أنحاء المنطقة، بينما تسهم الشراكة المتنامية في مجال الطاقة بين البلدين في تمهيد الطريق نحو تحقيق ازدهار مشترك».

من جهتها، ذكرت الرئاسة الجزائرية بحساباتها بالإعلام الاجتماعي أن تبون استقبل بولس بحضور عطاف، ووزير الدولة المكلف بالرقابة العامة للمصالح التابعة للدولة والجماعات المحلية إبراهيم مراد، والمستشار لدى الرئيس الجزائري المكلف بالشؤون الدبلوماسية عمار عبة. كما رافق القائم بالأعمال بالسفارة الأميركية لدى الجزائر مارك شابيرو المسؤول الأميركي في لقائه بمقر الرئاسة.

الأزمة مع الإمارات

لم تفصح الرئاسة عن القضايا التي نوقشت، بينما لفتت مصادر مهتمة بزيارة المسؤول الأميركي إلى إحاطته بالقرار الذي اتخذته الجزائر بشأن قطع العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة، مع شرح أسباب هذه الخطوة، ولم توضح المصادر نفسها ماذا كان رد بولس على هذا القرار.

الرئيس الجزائري مع مسعد بولس والقائم بالأعمال لدى السفارة الأميركية ومسؤولة بالسفارة (الرئاسة)

ويشار إلى أن هذه الزيارة جاءت بعد أيام قليلة من اتصال هاتفى بين تبون وبولس، الذي وصف المحادثة بـ «المثمرة» عبر منشور على منصة «إكس»، مشيراً إلى أنها ركّزت على شراكة البلدين.

وكانت الجزائر قد أعلنت، الخميس الماضي، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات، إثر سنوات من التوتر بين البلدين، وتصاعُد اتهاماتها بالتدخل في شؤونها الداخلية.

وفي مساء اليوم نفسه، أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية إغلاق المجال الجوي أمام عبور جميع الطائرات المدنية والعسكرية «المرقمة بدولة الإمارات ذهاباً وإياباً»، موضحةً أن الرحلات القائمة ستستمر حتى انتهاء العقود المبرمة بين الجانبين، بنهاية العام الحالي.

وأوضحت وزارة الخارجية الجزائرية في بيان رسمي أنه تم استدعاء سفير الإمارات بمقر الوزارة في اليوم نفسه لتبليغه رسمياً بالقرار، ومنحه مهلة 48 ساعة لمغادرة البلاد.

وفي ردّها على القرار الجزائري قالت وزارة الخارجية الإماراتية: «في ضوء قرار الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية الشقيقة بقطع علاقاتها مع دولة الإمارات، تؤكد دولة الإمارات تقديرها لعلاقاتها مع جميع الدول، وحرصها الدائم على تطويرها وتعزيزها، بما يخدم المصالح المشتركة ويعزز التفاهم والتعاون والازدهار».


«التقاضي عن بُعد»... مصر تختبر تحولها الرقمي في «الإجراءات الجنائية»

وزارة العدل المصرية تؤكد استعدادها لتطبيق المنظومة القضائية (وزارة العدل)
وزارة العدل المصرية تؤكد استعدادها لتطبيق المنظومة القضائية (وزارة العدل)
TT

«التقاضي عن بُعد»... مصر تختبر تحولها الرقمي في «الإجراءات الجنائية»

وزارة العدل المصرية تؤكد استعدادها لتطبيق المنظومة القضائية (وزارة العدل)
وزارة العدل المصرية تؤكد استعدادها لتطبيق المنظومة القضائية (وزارة العدل)

تترقب الأوساط القضائية في مصر بدء تطبيق منظومة «التقاضي عن بُعد» مع بداية العام القضائي الجديد في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، الذي سيتيح نظر القضايا الجنائية في جلسات إلكترونية عبر تقنية «الفيديو كونفرنس».

ولدى بعض المحامين مخاوف من عدم قدرة البنية التحتية التكنولوجية على استيعاب هذا القدر من القضايا، خصوصاً مع شكاوى ضعف شبكات الإنترنت في مصر، بالإضافة إلى التكلفة المرتفعة لهذه التقنية التي تفرض رسوماً جديدة، تُضاعف من تكلفة التقاضي.

ومهّد قانون «الإجراءات الجنائية» الذي صدر في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي لتطبيق هذه المنظومة، وأرجأت الجهات المختصة تطبيق القانون لحين تجهيز البنية التحتية له.

وبينما لا يفصل عن تطبيق المنظومة الجديدة سوى نحو أسبوعين، تتصاعد المخاوف منها، خصوصاً مع مواجهة بعض المحامين مشاكل تقنية خلال التسجيل على المنصة التي سيتم من خلالها تطبيق المنظومة، حسب المحامي حسن شومان الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن تطبيق التقاضي عن بُعد «يواجه تحديات أخرى تتعلق بتأمين أوراق القضايا ومستنداتها لمنع التلاعب فيها، أو تعرض المنظومة لهجوم إلكتروني».

غرفة المحضرين تكتظ بالمستأجرين في محكمة جنوب الجيزة (الشرق الأوسط)

وشاركه في التخوف المحامي عمر قريبة الذي كتب عبر «فيسبوك»: «مع عدم إنكار ما تحققه فكرة التقاضي عن بُعد من مزايا، إذا ما طُبقت بصورة صحيحة من توفير الوقت والجهد، وتقليل الزحام داخل المحاكم، وتيسير وصول المتقاضين ومحاميهم إلى الخدمات القضائية، فضلاً عن سرعة تداول بعض الإجراءات وإنجازها بصورة أكثر كفاءة، إلا أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الفكرة، وإنما في آليات التنفيذ، ومدى جاهزية المنظومة التي يُراد تطبيقها من خلالها».

وأضاف: «التقاضي عن بُعد لا يتوقف على إنشاء منصة إلكترونية فحسب، وإنما يحتاج إلى بنية تحتية قوية، وأجهزة ومعدات قادرة على تحمل الاستخدام، وشبكات إنترنت مستقرة، ونظم إلكترونية مصممة بصورة احترافية، فضلاً عن ضرورة وجود عناصر بشرية مؤهلة ومدربة وقادرة على إدارة المنظومة والتعامل مع مشكلاتها الفنية والإجرائية».

وتساءل عن إشكاليات انقطاع الاتصال بالإنترنت أو تعطل النظام الإلكتروني أثناء اتخاذ إجراء قضائي، قائلاً: «لن يكون مجرد عطل فني عابر، وإنما يترتب عليه تعطيل مصلحة أحد الخصوم أو فوات إجراء أو تأخير الفصل في الدعوى».

وتُجرى المحاكمات في مصر حالياً داخل قاعات المحاكم على مستوى الجمهورية، التي عادة ما تعج بكثير من المحامين والمتهمين والمواطنين المتوجهين لقضاء مصالحهم، وسط شكاوى من بطء المنظومة في بعض القضايا والإجراءات.

وكانت وزارة العدل المصرية قد أطلقت في نهاية أغسطس (آب) الماضي، «المنصة الرقمية للتقاضي الجنائي عن بُعد»، تمهيداً لتطبيق منظومة التقاضي الإلكترونية.

وتتيح المنصة للمحامين حضور جلسات المحاكمة عن بُعد، والحصول على صور رقمية معتمدة من ملفات الدعاوى، وإرسال قرارات محاكم جنايات أول درجة وإخطارات الجلسات إلى المحامين فور صدورها من خلال رسائل نصية، وحضور مختلف أطراف الدعوى عبر الوسائل الرقمية، ومن بينهم الشهود من الخبراء والأطباء الشرعيين، وفقاً للقواعد والإجراءات المنظمة لذلك، «بما يعزز كفاءة إجراءات التقاضي، ويدعم سرعة إنجاز القضايا»، وفق بيان لوزارة العدل.

ويأتي تطبيق منظومة التقاضي الجديدة في وقت تتجه فيه الدولة نحو الرقمنة، بتوفير كثير من الإجراءات والخدمات عبر منصة «مصر الرقمية». وأشار «مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار» التابع لمجلس الوزراء المصري في بيان، الاثنين، إلى أن مصر تقدمت «في المرتبة 22 عالمياً في مؤشر نضج تكنولوجيا الحكومة لعام 2025، والمرتبة 52 عالمياً في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي».

من داخل محكمة جنوب الجيزة الابتدائية (الشرق الأوسط)

ولا يتوقع المحامي محمود أحمد عليوة أن تكون البنية التكنولوجية عائقاً أمام التحول الرقمي، بالقياس على أن «جلسات تجديد المحاكمات الفترة الماضية كانت تتم عبر (الفيديو كونفرنس)، حيث يشارك فيها المتهم من مقر محبسه والمحامي والقضاة في المحكمة، وكانت تحدث دون عوائق».

لكنه انتقد في الوقت نفسه الرسوم الكثيرة، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «كل خطوة أصبحت برسوم، وغير واضح إذا ما كانت هذه الرسوم للقضية أم لكل جلسة»، لافتاً إلى أن المتقاضي سيتحمل هذه التكلفة.

وانتقد بعض المحامين رسوم التقاضي. ووفق المنصة الجديدة يحتاج المحامي إلى 500 جنيه (نحو 10 دولارات) للتسجيل سنوياً على المنصة، بالإضافة إلى 500 جنيه مصاريف جلسة الجنايات أول درجة، و100 جنيه لجلسة تجديد الحبس، و10 جنيهات لتصوير كل ورقة في القضية.

وكان وكيل لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب ياسر الهضيبي قد انتقد في تصريحات على إحدى القنوات الفضائية، الأحد، الرسوم التي توشك على التطبيق، متسائلاً عن «السند القانوني لهذه الرسوم، ومدى قدرة منظومة العدالة على تطبيق التحول الرقمي بالتزامن معها»، مؤكداً أنه لا يجوز فرض أي رسوم على المواطن إلا بموجب تشريع صادر عن السلطة المختصة، ومشيراً إلى أن العبء سيقع على المواطن.


الأزمة الليبية تدخل مرحلة جديدة بعد اعتماد «النواب» اتفاق «4+4»

جانب من جلسة مجلس النواب يوم 14 سبتمبر 2026 (وكالة الأنباء الليبية)
جانب من جلسة مجلس النواب يوم 14 سبتمبر 2026 (وكالة الأنباء الليبية)
TT

الأزمة الليبية تدخل مرحلة جديدة بعد اعتماد «النواب» اتفاق «4+4»

جانب من جلسة مجلس النواب يوم 14 سبتمبر 2026 (وكالة الأنباء الليبية)
جانب من جلسة مجلس النواب يوم 14 سبتمبر 2026 (وكالة الأنباء الليبية)

في تطور يفتح مرحلة جديدة بالأزمة الليبية ويضع مجلس النواب أمام اختبار تنفيذ اتفاق يمهد للانتخابات في ظل استمرار الانقسام داخله، صوّت المجلس بالإجماع، الاثنين، على اعتماد الاتفاق النهائي للجنة «4+4» رغم إعلان 63 نائباً في وقت سابق مقاطعة الجلسة.

وقال المركز الإعلامي لرئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، في بيان، إن المجلس صوّت بالإجماع على اعتماد الاتفاق النهائي للجنة «4+4» خلال جلسة عقدها في مقره بمدينة بنغازي شرق البلاد، في حين أعلن المتحدث باسم المجلس، عبد الله بليحق، في بيان آخر، اعتماد الاتفاق بعد انطلاق أعمال الجلسة المغلقة.

لكن اعتماد الاتفاق لا ينهي الخلاف داخل مجلس النواب، إذ لا يزال 63 نائباً يعترضون على طريقة إدارة الجلسة وترتيب أولويات جدول أعمالها، ويتمسكون بإدراج تعديل اللائحة الداخلية قبل المضي في أي خطوات لاحقة بشأن الاتفاق.

ويفتح التصويتُ بالإجماع على الاتفاق البابَ أمام مرحلة جديدة من المسار السياسي؛ لكن مدى قدرة المجلس في الحفاظ على هذا التوافق وتنفيذ ما اتُّفق عليه سيظل مرتبطاً، وفق مراقبين محليين، بقدرته على احتواء الانقسام الداخلي بشأن آلية عمله وترتيبات المرحلة المقبلة.

وقال النواب المعترضون، في بيان، إنهم يقاطعون الجلسة التي دعت إليها رئاسة المجلس لعدم وجود جدول أعمال واضح، ولتجاهل ما أُقر في جلسة رسمية سابقة نصت على إعطاء الأولوية لبند تعديل اللائحة الداخلية في الجلسة التالية، إلى جانب تجاهل المطالبات اللاحقة بإدراج هذا البند.

وأكد الموقعون رفضهم المشاركة في أي جلسة لا تراعي الإجراءات والأصول المنظمة لعمل المجلس، ولا تستوفي الدعوة إليها العدد الكافي من توقيعات الأعضاء.

وقال النواب إن مخرجات لجنة «4+4» تحظى بتأييد 111 عضواً، لكنهم يرفضون التصويت عليها قبل إدراج تعديل اللائحة الداخلية بوصفه أولوية لتنظيم عمل المجلس. وأبدوا استغرابهم وأسفهم الشديد حيال «الأحداث التي مرت بها البلاد دون أن يستجيب لها المجلس بجلسة واحدة»؛ بسبب ما وصفوه بـ«تعطيل الرئاسة للجلسات».

رئيس جهاز الاستخبارات التركي مع رئيسَي مجلسَي «النواب» و«الدولة» الخميس الماضي (المركز الإعلامي لعقيلة صالح)

ولا يبدو أن الخلاف يقتصر على جلسة واحدة، فمطالبة النواب بتعديل اللائحة قبل التصويت على «4+4» تتصل؛ في جانب منها، بطريقة إدارة مجلس النواب وصلاحيات رئاسته وترتيب أولويات عمله.

ويربط المحلل المختص في الشأن الليبي جلال حرشاوي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، التطورات الأخيرة بزيارة بالقاسم حفتر، نجل قائدِ «الجيش الوطني» المتمركزِ في شرق البلاد المشيرِ خليفة حفتر، أنقرةَ برفقة رئيس مجلس النواب الأسبوع الماضي.

وقال حرشاوي إن الزيارة يمكن فهمها في إطار «تحرك تركي أوسع لا يقتصر على مواجهة التحركات الدبلوماسية للأمم المتحدة والولايات المتحدة، وإنما يرتبط أيضاً بطموحات صدام حفتر، نائب القائد العام، في الوصول إلى موقع متقدم في السلطة التنفيذية المقبلة».

ويرى حرشاوي أن أنقرة تحتاج إلى مجلس النواب لضمان تمرير ترتيبات واتفاقات مهمة بالنسبة إليها، «بما في ذلك مذكرة التفاهم البحرية التي وقعتها مع حكومة (الوفاق الوطني) الليبية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019».

وتأتي قراءة حرشاوي في أعقاب زيارة صالح وبالقاسم حفتر أنقرة، حيث التقيا مسؤولين أتراكاً، في تحرك لفت الانتباه إلى اتصالات تركيا مع معسكر شرق ليبيا، رغم دعمها السياسي والعسكري المعروف للحكومة الموجودة في طرابلس.

ويشير هذا التواصل إلى محاولة أنقرة الحفاظ على قنوات مع الأطراف الرئيسية في شرق ليبيا، في وقت تسعى فيه إلى حماية مصالحها الأمنية والاقتصادية واتفاقاتها الموقعة مع السلطات في طرابلس.

ووفق حرشاوي، فإن هذا السياق يساعد في تفسير الاصطفافات التي ظهرت داخل مجلس النواب خلال الأيام الأخيرة، حيث يمكن النظر إلى جزء من الخلاف بوصفه انعكاساً للتنافس على من سيحدد شكل المرحلة الانتقالية المقبلة.

وقال إن «كتلة من النواب تقف في هذا السياق إلى جانب صالح، بينما تصطف كتلة أخرى في مواجهته وفي اتجاه أقرب إلى مصالح صدام حفتر».

وتحاول بعثة الأمم المتحدة تحويل اتفاق الاجتماع المصغر لمجموعة «4+4» خطواتٍ عمليةً باتجاه الانتخابات الرئاسية والتشريعية، خصوصاً أنه ينص على إجرائها تحت سلطة تنفيذية واحدة، والعمل على تنظيمها خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً، مع إخضاع الاتفاق للمصادقة من مجلسَي «النواب» و«الدولة» خلال شهر.

وكانت البعثة قد دشنت مسار الاجتماع المصغر «4+4» بعد تعثر اتفاق المجلسَين بشأن الإطار الانتخابي، وعدّت أن هذا الاجتماع تمكن من معالجة بعض أشد القضايا إثارة للخلاف في الإطار القانوني والدستوري للانتخابات وإعادة تشكيل «مجلس المفوضية».