«التمسك بالسلطة» في ليبيا... مخاوف من المساءلة وتشبث بـ«المكاسب»

وسط تعويل البعض على دعم الميليشيات أو «حلفاء الخارج»

صورة تجمع الدبيبة والمشري والمنفي خلال أداء حكومة الوحدة اليمين أمام مجلس النواب منتصف مارس 2021 (الحكومة الليبية)
صورة تجمع الدبيبة والمشري والمنفي خلال أداء حكومة الوحدة اليمين أمام مجلس النواب منتصف مارس 2021 (الحكومة الليبية)
TT

«التمسك بالسلطة» في ليبيا... مخاوف من المساءلة وتشبث بـ«المكاسب»

صورة تجمع الدبيبة والمشري والمنفي خلال أداء حكومة الوحدة اليمين أمام مجلس النواب منتصف مارس 2021 (الحكومة الليبية)
صورة تجمع الدبيبة والمشري والمنفي خلال أداء حكومة الوحدة اليمين أمام مجلس النواب منتصف مارس 2021 (الحكومة الليبية)

عرفت ليبيا منذ إسقاط النظام السابق، ظاهرة تمسك الأجسام السياسية بالسلطة على الرغم من انتهاء مدة ولايتها رسمياً، ما يراه البعض يدخل البلاد في أزمات متتالية ويعيد الاشتباكات المسلحة إلى الشارع الليبي.
وتعرض عضو مجلس النواب الليبي حسن الزرقاء، إلى هذه الظاهرة، وقال إن «نجاح أي مسؤول في التمسك بموقعه ورفض مغادرته يعتمد على تشكيكه أولاً في شرعية صدور قرار إقالته، بجانب استناده على دعم التشكيلات المسلحة له في تأمين احتفاظه بموقعه».
واستثنى الزرقاء في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، القرارات التي يتم دعمها دوليا، وقال إن عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» تمكن من القدوم للعاصمة وتسلم مقر رئاسة الوزراء بها في فبراير (شباط) العام الماضي، دون أي أزمات عقب اختياره من قبل «ملتقى الحوار السياسي» الذي رعته البعثة الأممية، لافتاً إلى أن رئيس المجلس الرئاسي السابق لحكومة «الوفاق الوطني»، فائز السراج اضطر لمغادرة السلطة بعد بقائه بها مدة خمس سنوات رغم أن قرار تكليف حكومته كان لعام واحد فقط.
وللعلم فإن السراج أعلن في سبتمبر (أيلول) 2020 رغبته علانية في تسليم السلطة نهاية شهر أكتوبر (تشرين الأول) من نفس العام، لكنه ظل في منصبه لحين انتخاب سلطة جديدة بداية عام 2021.
وتعترض الميليشيات المسلحة دائماً على أي قرار يستهدف إزاحة الممولين لها من السلطة، ويلفت الزرقاء إلى عرقلة تنفيذ قرار مجلس النواب قبل عدة سنوات بإقالة الصديق الكبير محافظة المصرف المركزي، «نظرا لما يعرفه الجميع من اعتراض دول غربية بعينها على مجرد المساس بموقعه».
ويرى أن «غياب الدعم الدولي شكل عاملا في عرقلة قرار البرلمان بتولي حكومة (الاستقرار) للسلطة التنفيذية»، ما أدى لتمسك الدبيبة بالسلطة رغم قرار إسقاط شرعيته من مجلس النواب.
وكان مجلس النواب أصدر قرارين سابقين بإقالة محافظ المصرف المركزي، وخالد شكشك رئيس ديوان المحاسبة على خلفية أحداث الانقسام السياسي التي شهدتها ليبيا عام 2014.
وأرجع الزرقاء أسباب رفض مغادرة المسؤولين السلطة، إلى «دوافع عامة تتعلق بالمزايا المالية التي يحصلون عليها، بجانب (لوبي) المصالح الذي دعم وصول هذا المسؤول في البداية للسلطة، كونهم مستفيدين مثله بالنفوذ والمزايا المالية».
ورأى أن «تيار الإسلام السياسي والذي يتطلع لفرض سيطرته الكاملة على البلاد، يتخوف بدرجة كبيرة من إمكانية فوز خصومه؛ وهذا قد يفسر التقارب الراهن بين الأجنحة الأكثر تشددا بهذا التيار مع الدبيبة ومؤيديه وبعض التشكيلات العسكرية لمنع وجود أي سيناريو بديل عن الوضع القائم بالسلطة حاليا»، لافتا إلى أن مخاوف هذا التيار زادت مع فقد حلفائه في تونس ومصر لمواقعهم بالسلطة.
من جهته، اعتبر عضو مجلس النواب جاب الله الشيباني، أن «كل الأجسام في ليبيا فاقدة للشرعية الحقيقية، ومتمسكة بالسلطة»، لافتا إلى «ما أصدره مجلس النواب في مراحل زمنية مختلفة من قرارات بإقالة مسؤولي أجهزة سيادية في غرب ليبيا، دون استجابة منهم».
وتابع: «للأسف الشديد كل شيء في ليبيا يسير عكس الاتجاه الصحيح»، منوهاً إلى أن «عملية تسليم السلطة خرجت من الإطار الدستوري والقانوني إلى ظروف (الأمر الواقع) السياسية والاجتماعية والثقافية؛ بجانب انعكاسات الأحداث والتفاهمات الداخلية والخارجية البعيدة عن مواد الدستور ونصوص القانون».
وكان البرلمان الليبي، الذي تسلم مهامه في 2014 اتخذ قرارا بالتمديد لنفسه لحين انتخاب هيئة تشريعية جديدة وذلك قبل أيام قليلة من انتهاء ولايته في 2015، أما المجلس الأعلى للدولة الذي تأسس عام 2015 كأعلى مجلس استشاري بالبلاد، فينتهي عمله بانتهاء عمل البرلمان وفقا لاتفاق الصخيرات الموقع بالمغرب.
وذهب عضو مجلس النواب محمد لينو، إلى أن كل «الأجسام الموجودة لا تريد مغادرة السلطة إلا بضمانات، على أن تتواكب مع إجراء الانتخابات العامة»، وقال: «الأمر لا يتعلق بالمكاسب والمصالح المالية كما يتصور البعض، فهناك مخاوف من تصفية الحسابات سواء جهوية أو مناطقية أو آيديولوجية، وبالتالي الكل يريد تحقيق الضمان والأمان له».
ورفض لينو، ما يطرحه البعض عن اعتماد الدبيبة على تشكيلات مسلحة للبقاء بموقعه أو حصوله دعم أطراف خارجية له، ورأى أن «الدبيبة لا يملك تشكيلات مسلحة، ولكن هناك تلاقي مصالح بين العديد من القوى السياسية والمجموعات المسلحة التي لا تؤمن بتشكيلة حكومة باشاغا، وتحالفاته، ما عزز من موقف الدبيبة».
ودعا عضو المجلس الأعلى للدولة سعد بن شرادة، للتفريق بين من يرفض مغادرة موقعه ويغتصب السلطة، وبين مسؤول سابق يحاول تأسيس حزب أو تيار سياسي بما يسمح ببقاء اسمه متداولا في الساحة السياسية.
وقال بن شرادة، إن «طلب السلطة هدف الجميع، والسعي لتحقيقه أمر متفهم ومقبول ما دام كان صندوق الاقتراع ورأي الشعب هو الفيصل، بعيداً عن الاحتماء بالسلاح»، متابعاً: «للأسف أغلب الشخصيات والأجسام ترفض مغادرة السلطة وتتخوف من فقدانها، وترى أن الرهان على خوض الانتخابات رهان غير مضمون».


مقالات ذات صلة

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

شمال افريقيا المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

بحثت نجلاء المنقوش مع نظيرها وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها أمس إلى الجزائر، فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الأشخاص، بعد سنين طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والأمنية في ليبيا. وذكرت الخارجية الجزائرية في بيان أن الوزيرين بحثا قضايا جارية في الساحتين المغاربية والعربية، منها تطورات ملف الصحراء، والمساعي العربية والدولية لوقف الاقتتال وحقن الدماء في السودان. وأكد البيان أن عطاف تلقى من المنقوش «عرضا حول آخر مستجدات العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، لإنهاء الأزمة في ليبيا».

شمال افريقيا وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

بحث وفدان عسكريان، أميركي وفرنسي، في ليبيا سبل إعادة بناء وتطوير المؤسسة العسكرية المُنقسمة، بين شرق البلاد وغربها، منذ إسقاط النظام السابق، في وقت زار فيه المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» روما، والتقى برئيسة الوزراء بالحكومة الإيطالية جورجا ميلوني، وعدد من وزراء حكومتها. وفي لقاءين منفصلين في طرابلس (غرباً) وبنغازي (شرقاً)، التقى الوفدان الأميركي والفرنسي قيادات عسكرية للتأكيد على ضرورة توحيد الجيش الليبي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا «حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

«حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

لم يكن من قبيل الصدفة أن تقذف أمواج البحر المتوسط كميات متنوعة من المخدرات إلى السواحل الليبية، أو أن تتلقف شِباك الصيادين قرب الشاطئ «حزماً» من «الحشيش والكوكايين وحبوب الهلوسة»، فالبلاد تحوّلت -وفق تقرير أممي- إلى «معبر مهم» لهذه التجارة المجرّمة. وتعلن السلطات الأمنية في عموم ليبيا من وقت لآخر عن ضبط «كميات كبيرة» من المخدرات قبل دخولها البلاد عبر الموانئ البحري والبرية، أو القبض على مواطنين ووافدين وهو يروّجون هذه الأصناف التي يُنظر إليها على أنها تستهدف «عقول الشباب الليبي». غير أنه بات لافتاً من واقع عمليات الضبط التي تعلن عنها السلطات المحلية تزايُد تهريب المخدرات وتعاطيها، خصوصاً «حبوب

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا «النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

«النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

استهلّت اللجنة المُشتركة لممثلي مجلسي «النواب» و«الدولة» (6+6) المكلفة بإعداد قوانين الانتخابات الليبية، اجتماعاتها في العاصمة طرابلس بـ«الاتفاق على آلية عملها». وطبقاً لما أعلنه عبد الله بليحق، المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب، فقد شهد الاجتماع ما وصفه بتقارب في وجهات النظر بين أعضاء اللجنة حول القوانين الانتخابية، مشيراً، في بيان مقتضب مساء أول من أمس، إلى أنه «تم أيضاً الاتفاق على التواصل مع الجهات والمؤسسات ذات العلاقة بالعملية الانتخابية».

خالد محمود (القاهرة)

«غربال النزاهة» يلاحق الأحزاب الجزائرية مع إغلاق قوائم الترشح للبرلمان

رئيس هيئة الانتخابات يتابع إيداع قوائم الترشيحات (إعلام الهيئة)
رئيس هيئة الانتخابات يتابع إيداع قوائم الترشيحات (إعلام الهيئة)
TT

«غربال النزاهة» يلاحق الأحزاب الجزائرية مع إغلاق قوائم الترشح للبرلمان

رئيس هيئة الانتخابات يتابع إيداع قوائم الترشيحات (إعلام الهيئة)
رئيس هيئة الانتخابات يتابع إيداع قوائم الترشيحات (إعلام الهيئة)

أغلقت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» في الجزائر، أمس الاثنين، عند الساعة صفر، باب إيداع ملفات الترشح للانتخابات التشريعية، المقررة يوم 2 يوليو (تموز) المقبل، بعد فترة دامت عدة أسابيع، شهدت سباقاً محموماً بين الأحزاب السياسية وقوائم المرشحين المستقلين، لجمع التوقيعات واستكمال الملفات الإدارية.

أمين عام التجمع الديمقراطي في حملة انتخابية مبكرة بالعاصمة (إعلام حزبي)

وفي المؤشرات الميدانية، كشفت مصادر حزبية عن فشل قوى سياسية عديدة في استيفاء الشروط القانونية لجمع التوقيعات، خصوصاً في الدوائر الانتخابية الكبرى، وفي مقدمتها العاصمة بـ(31 مقعداً). وهذا الإخفاق التنظيمي للأحزاب يعكس، بحسب مراقبين، عمق الفجوة والعزوف الانتخابي لدى المواطنين، ما يفتح الباب أمام شبح المقاطعة القياسية التي شهدها استحقاق عام 2021.

ووفق المكاتب الولائية لسلطة الانتخابات، فإن الساعات الأخيرة التي سبقت انتهاء المهلة القانونية، شهدت طوابير وضغطاً كبيراً من قبل ممثلي الأحزاب والأحرار، الذين تدافعوا على مقراتها لإيداع قوائم الترشيحات قبل غلق النظام آلياً.

صراع «الماركات» السياسية

أكبر الاحزاب المتنافسة هي «جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة المستقبل» و«حركة البناء الوطني»، عن أحزاب الغالبية الرئاسية، و«حركة مجتمع السلم» و«حزب العمال» و«التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» و«جبهة القوى الاشتراكية» عن المعارضة.

وبانقضاء الآجال القانونية للإيداع، تبدأ انطلاقاً من اليوم الثلاثاء، المرحلة الأكثر حرجاً للمترشحين، حيث تنطلق عملية دراسة الملفات، وتدقيقها من طرف الأجهزة الأمنية ووزارة الداخلية وذلك لمدة ثمانية أيام. وسيركز «الغربال القانوني» لهيئة الانتخابات على مراجعة السوابق القضائية، والتحري حول مدى استيفاء المترشحين لشروط السيرة والنزاهة، وإسقاط أي صلة محتملة بـ«المال الفاسد»، أو محاولات التأثير على أصوات الناخبين بطرق غير قانونية، قبل الإعلان عن قوائم الترشيحات المقبولة نهائياً لخوض غمار الحملة الانتخابية التي ستنطلق في التاسع من يونيو (حزيران) المقبل.

الملصق الرسمي الدعائي لانتخابات 2 يوليو 2026

وكتبت «القوى الاشتراكية»، أقدم حزب معارض بحسابها بالإعلام الاجتماعي، إثر الانتهاء من إيداع لوائح مرشحيها أن «المرحلة المقبلة مخصصة للعمل الميداني، وتجنيد المواطنين للتصويت، والتعريف بالمشروع الديمقراطي والاجتماعي الذي يقترحه حزبنا».

وتشير توقعات إلى أن الاستحقاق الجديد سيشهد قفزة في عدد قوائم المستقلين، التي يقودها مترشحون لا تتجاوز أعمارهم الـ40، مستفيدين من دعم مالي مباشر خصصته الدولة، قدره 300 ألف دينار لكل مترشح (ما يعادل 1250 دولاراً)، ومن الإعفاء من بعض الرسوم، وهو ما يمثل الورقة الرابحة التي تراهن عليها هيئة الانتخابات لضخ دماء جديدة داخل «المجلس الشعبي الوطني» في تركيبته الجديدة المنتظرة.

وقبل ساعات قليلة من إسدال الستار على مهلة إيداع ملفات الترشح، تلقت القوة السياسية الثانية في البلاد ضربة موجعة؛ حيث أسقطت هيئة الانتخابات ملفات سبعة مترشحين عن حزب «التجمع الوطني الديمقراطي» بولاية مستغانم بغرب البلاد، على خلفية تحريات أمنية وإدارية أكدت وجود شبهات فساد تحوم حول الأسماء المقصاة.

وضع اللمسات الأخيرة للترشحيات في جبهة القوى الاشتراكية (إعلام حزبي)

ولم يكن الغربال القانوني هذه المرة عادياً، إذ أطاح بالصف الأول لرجال الحزب في الولاية؛ وشمل قرار الرفض رئيس المجلس الشعبي الولائي عباسة إدريس، ورئيس المكتب الولائي للحزب عفيف سنوسي، إلى جانب عضو سابق في «مجلس الأمة» (غرفة البرلمان الثانية) وخمسة مترشحين آخرين. وهذا الإقصاء الجماعي وضع الحزب في مأزق تنظيمي حرج داخل ولاية، تُعد تاريخياً من أبرز معاقله الانتخابية، ما دفع بقيادته إلى تسريع تفعيل «قوائم التعويض» في الربع الساعة الأخيرة لتفادي سيناريو الغياب الكلي عن السباق.

«إرث أويحي»

فتحت هذه الصدمة نقاشاً سياسياً حاداً حول آليات انتقاء الترشحات، وتزكية الوجوه داخل الهياكل الحزبية. كما يضع التطور الميداني الخطاب الإعلامي للأمين العام للحزب، منذر بودن، أمام محك مصداقية عسير؛ فالرجل الذي لم يتوقف في حملته الأخيرة عن رفع شعار «محاربة الفساد وتطهير الصفوف»، يجد نفسه اليوم في مواجهة واقع تنظيمي عنيد، يثبت أن الشبهات لا تزال تلاحق قيادات بارزة من قسنطينة شرقاً إلى وهران ومستغانم غرباً. علماً أن أمين عام الحزب سابقاً، أحمد أويحي، يقضي عقوبة 12 سنة سجناً بعد إدانته بتهمة «الفساد وسوء التسيير»، وذلك بوصفه رئيس حكومة سابقاً.

وشهد «التجمع» هزة عنيفة الشهر الماضي، إثر تداول تسريب صوتي لقياديين منه في ولاية قسنطينة، أظهر ممارسات غير قانونية بخصوص معايير اختيار الناخبين. وجر هذا التسريب المسؤول الأول عن الحزب في هذه الولاية إلى المساءلة عند النيابة.

اجتماع لحركة مجتمع السلم تحضيرا للحملة الانتخابية (إعلام حزبي)

ويرى متابعون للشأن السياسي أن تساقط أوراق المترشحين في «فخ النزاهة والمال الفاسد» يعكس أزمة أعمق، تتعلق بغياب الرقابة القبلية الصارمة داخل الأحزاب الفاعلة قبل تقديم قوائمها رسمياً.

وفي نظر مراقبين، فإن ما شهدته مستغانم وقبلها قسنطينة، يبعث بإشارات شديدة السلبية إلى الرأي العام، ويؤكد أن الشبهات والممارسات التي لاحقت المواعيد الانتخابية السابقة ــ بدءاً بجمع التوقيعات وصولاً إلى هندسة القوائم ــ لا تزال تُستنسخ بحذافيرها في الموعد الثاني، أي في يوليو المقبل. وهذا التكرار المشهدي يُكسب الشارع الجزائري مبررات موضوعية إضافية للتمسك بخيار «النفور» وتكريس قطيعته مع صناديق الاقتراع، في ظل غياب أي كوابح حقيقية، تشي بحدوث مراجعة جذرية لآليات الماضي، بحسب المراقبين أنفسهم.


محامو تونس يبدأون سلسلة احتجاجات وإضرابات في المحاكم

جانب من الاحتجاجات التي نظمها المحامون وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)
جانب من الاحتجاجات التي نظمها المحامون وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)
TT

محامو تونس يبدأون سلسلة احتجاجات وإضرابات في المحاكم

جانب من الاحتجاجات التي نظمها المحامون وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)
جانب من الاحتجاجات التي نظمها المحامون وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)

بدأ المحامون في تونس، اليوم (الثلاثاء)، سلسلة احتجاجات وإضرابات في المحاكم التونسية، للمطالبة بإصلاحات في القطاع، والاحتجاج ضد ما عدُّوه «قيوداً على ممارسة المهنة وعلى استقلالية القضاء».

وحسبما أوردته «وكالة الصحافة الألمانية»، فقد تجمع المحامون ببدلاتهم السوداء في ساحة قصر العدالة في العاصمة، اليوم، للإعلان عن بدء تحركهم الاحتجاجي، بينما ارتدى المحامون في أغلب محاكم البلاد الشارات الحمراء. ولم تسمح السلطات الأمنية بدخول وسائل الإعلام إلى ساحة المحكمة لتغطية الاحتجاج.

وحمل المحامون في وقفتهم لافتة كبيرة تحمل عبارة: «لا لتجاهل مطالب المحاماة... لا لإنكار العدالة»، ولافتات أخرى من بينها «لا للتضييق على حق الدفاع»، و«واجب توفُّر ضمانات المحاكمة العادلة». كما ردد المحامون: «لا سجون لا إيقاف... المحامي لا يخاف»، و«حريات حريات يا قضاء التعليمات».

وقال عميد المحامين بوبكر بالثابت: «ترفض المحاماة التونسية تجاهل مطالبها وإنكار العدالة. نحن اليوم مصرُّون على مطالبنا بكل تصميم ومسؤولية. ومطالبنا لا تكلف الدولة إلا القيام بواجبها. النظر في المطالب والإصلاحات والضمانات التي نطالب بها».

وتسود حالة من التوتر بين المحامين ووزيرة العدل ليلى جفال، بسبب تعطل الحوار حول مطالب مهنية وظروف العمل، وسير جلسات المحاكمات، وما تعتبره هيئة المحامين تضييقاً من قبل السلطة على حق الدفاع، وضرباً لاستقلالية القضاء.

ويحتج محامون، بشكل خاص، ضد تنظيم محاكمات عن بُعد لسياسيين من المعارضة في قضية «التآمر على أمن الدولة»، وملاحقات قضائية ضد محامين بسبب شبهات فساد مالي.

وتشمل تحركات المحامين إضرابات تدريجية في الولايات على مدى الأسابيع المقبلة، وحتى يوم الثامن من يونيو (حزيران) المقبل، قبل الإضراب العام على المستوى الوطني المقرر يوم 18 من الشهر نفسه.


«مجزرة غرغور» تعيد إلى الواجهة ملف «الإعدامات المجمَّدة» في ليبيا

سيدتان من أهالي ضحايا أحداث غرغور الليبية خلال وقفة احتجاجية سابقة (صفحة تجمع أسر ضحايا غرغور)
سيدتان من أهالي ضحايا أحداث غرغور الليبية خلال وقفة احتجاجية سابقة (صفحة تجمع أسر ضحايا غرغور)
TT

«مجزرة غرغور» تعيد إلى الواجهة ملف «الإعدامات المجمَّدة» في ليبيا

سيدتان من أهالي ضحايا أحداث غرغور الليبية خلال وقفة احتجاجية سابقة (صفحة تجمع أسر ضحايا غرغور)
سيدتان من أهالي ضحايا أحداث غرغور الليبية خلال وقفة احتجاجية سابقة (صفحة تجمع أسر ضحايا غرغور)

أعاد حكم قضائي بالإعدام صدر في ليبيا على أحد المُدانين بقتل متظاهرين عام 2013، فيما عُرف وقتها بـ«مجزرة غرغور»، إلى الواجهة، ملف الأحكام المشابهة التي تصدرها محاكم محلية منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي في عام 2011؛ لكنها لم تنفَّذ.

وقوبل الحكم الصادر عن محكمة جنايات طرابلس، في 11 مايو (أيار) الجاري، بالإعدام رمياً بالرصاص على عبد المجيد الضراط، لتورطه بقتل متظاهرين خلال احتجاجات طالبت بإخلاء العاصمة من التشكيلات المسلحة، باهتمام شعبي وقانوني واسع، باعتبار أن الحكم يُعد «استعادة لهيبة القانون، وتأكيداً على أن حقوق الضحايا لا تسقط بالتقادم».

أحكام معطلة

يتعطل في ليبيا -حسب قانونيين ومتابعين- تنفيذ أحكام الإعدام منذ عام 2011، رغم استمرار صدورها في قضايا «قتل وإرهاب وانتهاكات جسيمة». وكان النائب العام الليبي المستشار الصديق الصور قد أشار إلى وجود عشرات الأحكام النهائية بالإعدام التي لم تنفَّذ، وهو ما نقلته عنه منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية، في تقرير لها صدر العام الماضي.

النائب العام الليبي الصديق الصور (مكتب الصور)

ووسط تخوفات من إفلات الجناة من العقاب، طالبت فتحية البخبخي، شقيقة إحدى ضحايا «مجزرة غرغور»، ورئيسة «الاتحاد النسائي الليبي العام»، بضرورة تنفيذ الحكم وملاحقة بقية المتورطين في الجريمة، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن تنفيذ الحكم وتحقيق العدالة يمثلان «رسالة ردع قوية» تعيد الاعتبار لهيبة القانون ولدماء المغدورين.

وشهدت طرابلس في نوفمبر (تشرين الثاني) 2013 واحدة من أعنف محطات الفوضى المسلحة بعد سقوط النظام السابق، حين قُتل أكثر من 60 شخصاً، وأصيب نحو 500 آخرين خلال مظاهرة طالبت بخروج الجماعات المسلحة من العاصمة.

ويعكس التقاعس عن تنفيذ أحكام الإعدامات في ليبيا حجم التعقيدات التي تواجه القضاء المحلي. فقد نقلت «هيومن رايتس ووتش» عن النائب العام تأكيده -العام الماضي- وجود نحو 250 شخصاً محكومين بالإعدام حتى سبتمبر (أيلول) 2024، بينهم مدانون في قضايا تعود إلى ما قبل 2011.

وحسب المنظمة الدولية، استنفد 105 متهمين منهم «جميع درجات التقاضي»، بينما لم يكن محتجزاً سوى 19 شخصاً، بينما خُففت أحكام 3 مدانين إلى السجن المؤبد بعد تنازل أولياء الدم.

إجراءات مطولة

إجرائياً، وعلى وقع صدور الحكم الأخير في «مجزرة غرغور»، قال الدكتور مبروك الفاخري، المستشار السابق بالمحكمة العليا الليبية، إن «أحكام الإعدام تمر بسلسلة من الإجراءات القضائية المطوَّلة، بعد صدورها من محاكم الجنايات»، موضحاً أنها «تُحال وجوباً إلى المحكمة العليا لمراجعتها، سواء طعن المحكوم عليه في الحكم أم لم يطعن، وذلك للتحقق من سلامتها القانونية».

أبو رزيزة رئيس المحكمة العليا في ليبيا (الصفحة الرسمية للمحكمة)

وأوضح الفاخري لـ«الشرق الأوسط» أن «المحكمة العليا قد تُقر الحكم أو تنقضه، وتعيد القضية إلى محكمة الجنايات في حال رصد أخطاء قانونية»، مبرزاً أن «القانون الليبي يتيح، قبل تنفيذ الحكم، تنازل أولياء الدم عن حقهم، بما يؤدي إلى استبدال السجن المؤبد مع الدية بعقوبة الإعدام، باعتبار ذلك أحد المسارات القانونية المعمول بها قبل التنفيذ».

وبين عامَي 2023 و2026، واصلت المحاكم الليبية إصدار أحكام بالإعدام في قضايا مرتبطة بـ«الإرهاب والقتل والانتهاكات المسلحة»، من دون إعلان رسمي عن تنفيذ أي منها، كان أبرزها حكم محكمة جنايات مصراتة في مايو 2023 بإعدام 23 متهماً في قضية مرتبطة بتنظيم «داعش».

كما صدرت أحكام مماثلة عن محاكم في طرابلس والزاوية بحق متهمين في قضايا اغتيال وقتل عمد، وانتهاكات نُسبت إلى جماعات مسلحة، بينهم أحد عناصر «الكانيات» المتهمين بارتكاب انتهاكات في ترهونة خلال الحرب على العاصمة بين عامي 2018 و2020.

ويُرجع الدكتور شعبان عكاش، عضو «المجلس العلمي بمركز البحوث الجنائية» بمكتب النائب العام، تأجيل تنفيذ أحكام الإعدام في ليبيا، إلى «الانقسام السياسي والهشاشة الأمنية، وتغوُّل الميليشيات، وتعدد مراكز السلطة منذ عام 2011». ويرى أن هذه الأجواء «تحُول دون تنفيذ الأحكام بصورة متساوية على كامل الأراضي الليبية، الأمر الذي وضع النائب العام أمام معضلة قانونية، تتعلق بتحقيق العدالة والمساواة بين المواطنين».

دائرة الجنايات بمحكمة استئناف طرابلس (صفحة المحكمة على فيسبوك)

وأشار عكاش لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «تنفيذ الأحكام في بعض المناطق مقابل تعذُّر تنفيذها في مناطق أخرى، قد يثير إشكاليات ازدواجية تطبيق العدالة؛ وهو ما دفع السلطات القضائية إلى إرجاء تنفيذ أحكام الإعدام إلى حين تهيؤ ظروف تسمح بتطبيقها بشكل موحَّد في جميع المحاكم الليبية».

وتعيش ليبيا انقساماً بين حكومتين متنافستين: الأولى في غرب البلاد برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والثانية في الشرق والجنوب برئاسة أسامة حماد، مدعومة من «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر. وهو انقسام امتد إلى مؤسسات الدولة، بما فيها القضاء.

وإذ عدَّ عكاش أن «هذا الوضع يظل استثنائياً ومرتبطاً بخصوصية المرحلة التي تمر بها ليبيا»، فإنه رأى أيضاً أن استمرار تعليق تنفيذ أحكام الإعدام يترك آثاراً سلبية على منظومة العدالة الجنائية. واعتبر أن غياب تنفيذ العقوبات يمثل إخلالاً بمبدأ الردع، ويفتح المجال أمام الإفلات من العقاب، كما ينعكس سلباً على فاعلية المواجهة الجنائية في البلاد.

ويعود آخر تنفيذ موثق لعقوبة الإعدام في ليبيا إلى يونيو (حزيران) 2010، حين تحدثت منظمة العفو الدولية عن إعدام 18 شخصاً رمياً بالرصاص، بينهم مواطنون من تشاد ومصر ونيجيريا، عقب إدانتهم بالقتل العمد.