سهرة مع كيم جونغ أون

سهرة مع كيم جونغ أون
TT

سهرة مع كيم جونغ أون

سهرة مع كيم جونغ أون

في تلك الليلة، حيث تناولتُ من «الفراكة» أكثر مما تسع المعدة، نمت نوماً معتكراً، وراحت تعبث بي أحلام صغرى سريعة العبور. لكنْ فجأة، وجدت أمامي رجلاً يقف منتصباً، يلبس معطفاً من الفرو أبيض اللون، ويربّت على شعره الملمّع كمن يسوّي خصلاته ويجانسها.
وهو كان يضحك ضحكة متفجّرة كفيلة بإيقاظي، إلاّ أنّني، على ما يبدو، لم أستيقظ واكتفيت بأن فتحت عينيَّ بشيء من الكسل وقلت له: «لماذا تضحك بلا سبب يا هذا؟». لم أعرفه في البداية وهو، رغم محاولته إخفاء استيائه مما ظنّه تجاهلاً مقصوداً، حيّاني بعربيّة بليغة قائلاً: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته»، ففاجأتْني تحيّتُه. وإذ حدّقت بوجهه انتبهت إلى أنّه الزعيم الكوري كيم جونغ أون، فسألته بعينين جاحظتين: «أين تعلّمت العربيّة يا سيّد كيم»، فأجابني بأنّه يتكلّم معظم لغات الأرض، مُزورّاً بوجهه عنّي كما لو أنّ سؤالي أثار فيه غضباً يصعب كتمانه. لكنّ كيم ما لبث أن أضاف، كأنّه يسامحني على غلطي ويعزّز، في الوقت نفسه، مفاجأتي به، أنّه يجيد تراثنا الأدبيّ، بشعره ونثره، إجادة تامّة، بل يعرف أيضاً أغانينا ويغنّيها مُسمّياً فيروز وفهد بلاّن. وبعد غمزة رشيقة من إحدى عينيه، حاول عبرها التقرّب منّي، أعلمني أنّ أكثر ما يحبّه في هذا التراث خطب الحجّاج بن يوسف الثقفيّ، عارضاً أن يلقي على مسامعي واحدة من تلك الخطب. وهذا، في الحقيقة، أراحني إذ أعفاني من التواصل معه باللغة الكوريّة التي لا أجيد حرفاً منها. لكنّني، رغم شعوري بالارتياح، رجوتُه ألاّ يتلو عليَّ خطبة حجّاجيّة تمنعني لوقت طويل من النوم، وقد توقظ جيراناً كثيرين في بنايتنا.
وبهدوء ولطف جلس كيم على مقعد متروك في غرفة نومي، مُطلقاً ابتسامة ودودة راحت تنتشر على وجهه كما لو أنّها تضيئه من الخدّ إلى الخدّ. فحين سألته عن سبب تشريفه لي بهذه الزيارة، قال لي: «إحزر»، ولمّا لم أحزر، عدّل جلسته قليلاً وأخبرني بأنّه سوف يصارحني بالحقيقة: «أنا سوف أضرب قنبلة ذرّيّة في صباح الغد». هكذا قال حرفيّاً وانفجر بضحكة قويّة جعلتني أجفل وأهتزّ اهتزازاً عميقاً. وتحت وطأة المفاجأة ورفع الكلفة بيننا، بدليل اطّلاعي على سرّه الكبير، أحسست أنّ في وسعي مخاطبته باسمه الأوّل: «لا يا كيم، لا تفعلها، إيّاك أن تفعلها، إيّاك...»... لكنّ كيم شرد عنّي كأنّه لا يسمعني، وبدأتْ عيناه تحدّقان مدهوشتين بكُرة صغيرة نسيَها حفيدي في زاوية الغرفة. وفجأة راح يمطّ جسمه باتّجاهها حتّى قبض عليها بيديه الاثنتين، كما لو أنّها طائر قد يُفلت ويطير بعيداً إن لم يقبض عليه. وسرت البهجة في كيم الذي جعل يقذف الكرة باتّجاه الحائط فكلّما ارتدّت صوبه عاود قذفها ثانية. وهو كان يفعل هذا بحماسة لا تصفها الكلمات، حماسة أرفقَها بدندنة أغنية «لاركب حدّك يا الموتور» لفهد بلاّن.
وإذ بدأ صبري يخونني وأنا أتابع غناءه العجيب ومداعبته للكرة، قلت له بغضب: «توقّف عن هذا يا كيم. هذه الكرة ليست لك. هي لطفل في السابعة من عمره يلهو بها، وأنا أنتظر الانتهاء من لعبك السخيف بها حتّى نعود إلى موضوع القنبلة الذريّة وأين ستضربها وفي أي ساعة، ولماذا اخترتَني أنا لإبلاغي بهذا الأمر الخطير؟».
وإذا بكيم يشدّ بقبضة يده اليمنى على الكرة التي قرّبها من صدره كما لو أنّه يريد الاستحواذ عليها، فصرخت به مستجمعاً كلّ قدرتي على الصراخ: «اتركها لحفيدي يا كيم. هذه ليست لك. اتركها وإلاّ...»...
لكنْ في تلك اللحظة، وعلى نحو مباغت، توقّف عن الغناء وبدأ يبكي مطلِقاً أصواتاً عجيبة صحبتها كلمات كوريّة لم أفهمها، كما راح يضرب قدميه بالأرض احتجاجاً، وبيده ينكش خصلات شعره المرتّبة كما لو أنّه يرثي حاله، ثمّ بعد لحظة قصيرة مدّ سبّابته باتّجاهي وقال: «سوف أضربك أنت بالقنبلة الذرّيّة. سوف أصيبك شخصيّاً. لن تستطيع أن تفلت منّي».
ويبدو، حسبما أذكر، أنّني خفت ورحت أهدّئ من روعه قائلاً له: «الأمر لا يستدعي هذا كلّه. أنا أعتذر عمّا قلته لك، ومستعدّ أن أشتري لك كرة أخرى حين أستيقظ. لكنْ أرجوك، لا تضربني بقنبلة ذريّة».
وفي محاولة منّي لاسترضائه، فضلاً عن رغبتي في كسر الصمت الذي انتشر في الغرفة، سألته: «أنت قادم من مكان بعيد، من كوريا، ألست جائعاً يا كيم، ألا تريد أن تأكل شيئاً؟».
«آكل؟ نعم، أنا جائع. أريد الزلابية التي وصفها شاعركم ابن الرومي».
«زلابية؟ هذا مستحيل الآن في هذا الوقت المتأخّر. أستطيع أن آتيك بـ...»... وقاطعني كيم مستعيداً الغضب الذي ظننتُ أنّه فارقَه: «إذاً سأضربك بالقنبلة ما دمتَ لا تقدّم لي صحناً من الزلابية». وفكّرت لوهلة بأن أستنجد بأبيه كي يردعه ثمّ تذكّرت أنّ أباه مات، فاستجمعتُ قواي مجدّداً وقلت له: «أنت تنوي ضرب الإمبرياليّة بالقنبلة، وأنا لست إمبرياليّاً يا كيم. أنا مواطن بسيط لا يشكّل خطراً على أحد، وخصوصاً على أحبّائنا الكوريين». وعندها قهقه قهقهة مجلجلة أخرى ثمّ وقف وترك لشفتيه، اللتين تباعدت واحدتهما عن الأخرى، أن تفصحا عن كتلة هائلة من البياض المقيم في أسنانه. مدّ يده صوبي فتصافحنا وراح يشدّ على يدي بقوّة كادت تكسر عظامها، أو أنّ هذا ما تراءى لي، ثمّ أردف: «أنت أعجبتني بجوابك، وأنا سوف أعطيك قنبلة ذريّة...»، وراح يفتّش في جيوب معطفه.
«ولكنْ ماذا أفعل بها يا كيم؟».
«تضربها. اضربها على بلد لا تحبّه. على شعب لا تحبّه. على شخص لا تحبّه. جيرانك في الطابق الأعلى، ألا يزعجونك بخبط أقدامهم؟ اضربهم بها... أنا أملك الكثير منها، ويمكنني، إذا شئتَ، أن أعطيك قنبلة أخرى تعطيها لحفيدك الذي أنوي أن أقدّم له هديّة صغيرة، خصوصاً وقد لعبت بِكُرته».
«حفيدي، ابن السبع سنين، ستعطيه قنبلة ذريّة يا كيم؟».
هنا نظر إليَّ باستغراب ممزوج بالغضب:
«أنتم تُربّون أولادكم تربية سيّئة جدّاً. تريدونهم أن يطلعوا مثل شادي الذي خطفته الإمبرياليّة ولم يجدوا له أثراً حتّى الآن».
«لكنْ من هو شادي يا كيم؟».
«ألا تعرفه؟ إلى هذا الحدّ أنتم تنسون أبطالكم! كلّ الشعب الكوري يغنّي اليوم أغنية مطربتكم فيروز عن شادي الذي خطفته الإمبرياليّة، ونحن مصممون على إعادته». وراح بصوت حزين وعينين مغرورقتين بالدمع يدندن:
«ويوم من الأيّام ولعت الدني- ناس ضدّ ناس علقوا بهالدني- وصار القتال يقرب عَ التلال والدني دني».
ولم أتمالك نفسي فقلت له بكثير من التوتّر:
«هذه مهزلة يا كيم. إنّها أغنية سخيفة لا دخل لها بالإمبرياليّة، وشادي ولد مُتخيَّل لا يمكن أن تُضرب من أجله قنابل ذرّيّة».
هنا، وكما لو أنّني هدمت قصراً من الأحلام مقيماً في رأسه، راح يصرخ: «حتماً سوف أضربك بالقنبلة الذرّيّة. هذه ساعاتك الأخيرة على وجه هذه الأرض. لن تستطيع الإمبرياليّة إنقاذك، لن تستطيع...»... وأنا بدوري زاد غضبي وتضاءلت قدرتي على لجمه: «اثبتْ على رأي يا كيم. اثبتْ على رأي. ساعة تريد أن تضربني بالقنبلة وساعة تريد أن تهديني قنبلة. اثبتْ على رأي يا كيم...»... ورحت أكرّر هذه العبارة الأخيرة بصوت مرتفع فيما كانت زوجتي تستيقظ مذعورة هي الأخرى. لقد رأت وجه حسن نصر الله مطبوعاً على سطح الغرفة يحدّق بها ويهدّدها بالخنق، وهي لم تعرف لغضبه سبباً واضحاً.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

معالجة علمية جديدة لأبرز مراجع التاريخ السعودي

اعتمد التحقيق الجديد للكتاب على نسخة أحفاد ابن بشر مع مقابلة عدة نسخ أخرى (الشرق الأوسط)
اعتمد التحقيق الجديد للكتاب على نسخة أحفاد ابن بشر مع مقابلة عدة نسخ أخرى (الشرق الأوسط)
TT

معالجة علمية جديدة لأبرز مراجع التاريخ السعودي

اعتمد التحقيق الجديد للكتاب على نسخة أحفاد ابن بشر مع مقابلة عدة نسخ أخرى (الشرق الأوسط)
اعتمد التحقيق الجديد للكتاب على نسخة أحفاد ابن بشر مع مقابلة عدة نسخ أخرى (الشرق الأوسط)

دشنت «دارة الملك عبد العزيز» في الرياض نسخة محققة جديدة من كتاب «عنوان المجد في تاريخ نجد» للمؤرخ عثمان بن بشر، بعد أن حظي الكتاب بمعالجة علمية اعتمدت على نسخة بخط المؤلف نفسه أساساً للتحقيق، مع مقابلتها بعدة نسخ أخرى، إلى جانب أعمال المراجعة والتدقيق التي شملت تصحيح المفاهيم، وتوضيح المصطلحات، وإثراء الهوامش والتعليقات العلمية، بما يخدم النص التاريخي، وييسر قراءته والإفادة منه.

ورعى الأمير فيصل بن سلمان بن عبد العزيز، المستشار الخاص لخادم الحرمين الشريفين، رئيس مجلس إدارة الدارة، الأربعاء، حفل تدشين «برنامج الأعمال الكاملة للمؤرخين الرواد»، وإطلاق أول إصداراته المتمثل في هذا الكتاب.

وقال تركي الشويعر الرئيس التنفيذي للدارة، إن المؤرخين الأوائل تركوا تراثاً علمياً نفيساً، حفظ أخبار الدولة والمجتمع وسير الرجال وتحولات الزمان والمكان، وأصبح إنتاجهم شاهداً على تاريخ الوطن.

وأضاف في كلمته، خلال حفل التدشين، أن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز شجَّع على إيداع المصادر لدى الدارة، إيماناً منه بقيمتها التاريخية، وأرسى من خلال الدارة نهجاً مؤسسياً لجمع المصادر وحفظها والاستفادة منها.

من جهته، أوضح اللواء علي البشر، في كلمة أسرة المؤرخ، أن التاريخ عند ابن بشر لم يكن سرداً للوقائع بل عبرة لمن يعتبر، مضيفاً أن «ابن بشر ارتبط بصلات مع أئمة الدولة السعودية وحضر مجالس عدد منهم، وكان شاهداً على تاريخ الدولة، وقد أدرك أهمية كتابة التاريخ، ونهض بهذه الأمانة، وتثبت فيما ينقل من الأخبار».

من حفل تدشين الدارة لـ«برنامج الأعمال الكاملة للمؤرخين الرواد» وإطلاق أول إصداراته (الشرق الأوسط)

وأشار إلى أن «كتاب (عنوان المجد في تاريخ نجد) من أهم مصادر تاريخ الدولة السعودية، وقد بناه مؤلفه على الحوليات، ووثق الحوادث عبر السنين، ذاكراً أحداثها السياسية والاجتماعية».

ويأتي البرنامج ضمن جهود الدارة لحفظ الإرث التاريخي الوطني، وإثراء مصادره، عبر مشروع علمي يُعنى بجمع أعمال المؤرخين الرواد وحصرها ودراستها وتحقيقها وتوثيقها، ونشرها وفق منهج علمي رصين، بما يشمل مؤلفاتهم ومخطوطاتهم ووثائقهم وغيرها من المواد التاريخية، وإتاحتها للباحثين والمهتمين، بما يعزز الإفادة منها في الدراسات، ويسهم في صون هذا الإرث المعرفي للأجيال القادمة.

ويُعد كتاب «عنوان المجد في تاريخ نجد» أحد أبرز المصادر التاريخية القريبة زمنياً من أحداث تأسيس الدولة السعودية، وسجلاً مهماً لتاريخ نجد والجزيرة العربية؛ لما يتضمنه من توثيق للأحداث والتحولات التاريخية التي شهدتها المنطقة، مما يمنحه مكانة علمية بارزة لدى الباحثين والدارسين في التاريخ السعودي.

واعتمد التحقيق الجديد للكتاب على نسخة أحفاد ابن بشر أساساً، مع مقابلة عدد من النسخ الأخرى وإثبات الفروق بينها في الهوامش، وتضمنت المعالجة تصحيح المفاهيم، وشرح المصطلحات غير المفهومة، وإثراء هوامش الكتاب، وتنظيم المادة التاريخية.

وتولى تحقيق الكتاب ودراسته الدكتور فهد السماري، والدكتور ناصر الجهيمي، والأستاذ أيمن الحنيحن، وصدر العمل في ثلاثة مجلدات.

سيرة بن بشر ونتاجه

وُلد المؤرخ عثمان بن بشر، في بلدة جلاجل عام 1210 هجري (1795م)، ونشأ فيها، ثم انتقل إلى الدرعية طلباً لعلوم الشريعة من علمائها، وحظي بمكانة مرموقة بين أهل العلم والمجتمع، وارتبط بعلاقات وثيقة مع آئمة الدولة السعودية وحضر مجالسهم.

وأخذ ابن بشر العلم عن عدد من العلماء البارزين في نجد، وتوثقت صلته بأهل العلم بالمراسلات واللقاءات العلمية، وتنوع نتاجه بين التاريخ والفلك والأنواء والخيل والأدب والتراجم، مع ما جمعه من وثائق ومخطوطات ذات قيمة علمية.

وسجَّل ابن بشر في كتابه أحداثاً من تاريخ نجد والجزيرة العربية والدولة السعودية، ويعد من المصادر التاريخية المهمة، ويتناول الأحداث التاريخية من سنة 850 هجرية، ويتسلسل في سرده التاريخي حتى أحداث سنة 1267 هجرية، وفق تنظيم زمني منهجي.

وتوفي ابن بشر في جلاجل سنة 1290 هجرية (1873م) عن نحو ثمانين عاماً، تاركاً وراءه مسيرة علمية حافلة بالمؤلفات والوثائق والمخطوطات.

ويشكّل هذا الإصدار انطلاقة لمرحلة جديدة من جهود الدارة في جمع تراث المؤرخين الرواد وتحقيقه ونشره، وتعزيز حضوره في المشهد البحثي والمعرفي، وإتاحة مصادر التاريخ السعودي وفق أسس علمية موثقة.


دنيا سمير غانم تفتح صفحة غنائية جديدة عبر «الله يعيني»

الملصق الدعائي لأغنية «الله يعيني» (حسابها على فيسبوك)
الملصق الدعائي لأغنية «الله يعيني» (حسابها على فيسبوك)
TT

دنيا سمير غانم تفتح صفحة غنائية جديدة عبر «الله يعيني»

الملصق الدعائي لأغنية «الله يعيني» (حسابها على فيسبوك)
الملصق الدعائي لأغنية «الله يعيني» (حسابها على فيسبوك)

تفتح الفنانة المصرية دُنيا سمير غانم صفحة جديدة في مسيرتها باعتبارها مطربة عبر أحدث ألبوماتها «الدلال» الذي اختارت أن تطرحه في موسم الخريف لتغرد منفردة بعيداً عن الصيف الذي كان مزدحماً بألبومات النجوم.

وطرحت دُنيا أولى أغنيات الألبوم الثلاثاء بعنوان «الله يعيني» وكتبت عبر حسابها على «إنستغرام»: انتظروا أغنيتي الجديدة «الله يعيني» من ألبوم «الدلال»، التي طرحتها على «يوتيوب» وجميع منصات الديجيتال.

وتُعد «الله يعيني» أغنية عاطفية تجمع بين العتاب واللوم وإحساس الخذلان الذي تواجهه امرأة من حبيبها فتتمنى أن يعينها الله على نسيانه.

الأغنية من كلمات الشاعر مصطفى ناصر وألحان عمرو مصطفى وتوزيع النابلسي، وتعد الأغنية اللقاء الثاني بين مصطفى ناصر وصوت دنيا سمير غانم بعد أن جمعتهما أغنية «أسيب نفسي وأغني» قبل 3 سنوات، والتي عادت بها دنيا للغناء بعد رحيل والديها، وقد أهدتها لهما.

دنيا سمير غانم تراهن على ألبومها الجديد (حسابها على فيسبوك)

وكشف ناصر كواليس أغنية «الله يعيني»، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «الأغنية بدأت عبر ثيمة لحنية وضعها الملحن عمرو مصطفى وأنه كتب كلماتها بمجرد أن استمع إلى اللحن»، مؤكداً أنه انتهى منها خلال نصف ساعة فقط، لافتاً إلى أن «كيمياء خاصة تجمعه بعمرو مصطفى، حيث قدما معاً أكثر من 45 أغنية، من بينها (أكتر وأكتر) لعمرو دياب، و(مشيتي) لمحمد حماقي، و(سيبوه يفكر في زمان) التي غناها عمرو مصطفى، و(كداب) لسميرة سعيد».

ولفت إلى أن دنيا تحمست بمجرد أن استمعت إليها من المُلحن وقررت أن تغنيها، ويرى مصطفى ناصر أن الأغنية تعبر عن حالة شخص تلقى كثيراً من الوعود الحالمة وصدقها ثم استيقظ ليجد نفسه أمام وعود زائفة، مشيراً إلى أن التوزيع الموسيقي الذي قام به «النابلسي» على إيقاعات المقسوم والإيقاعات الشرقية حقق الحالة الكاملة للأغنية كما لو كانت «رقصة على الأحزان».

ووصف ناصر دنيا سمير غانم بأنها «فنانة متعددة المواهب»، وقال إنها نجحت كونها مطربة، مثلما نجحت ممثلة، واصفاً صوتها بأنه من «أكثر الأصوات دفئاً وشجناً وإحساساً، فهو قادر على توصيل الحالة الغنائية للمتلقي بشكل صحيح»، لافتاً إلى أنها «كونها مطربة لم تغب عن الغناء بل تحرص في أغلب أعمالها الدرامية على الغناء»، مشيداً بذكاء اختيارها لهذا التوقيت لطرح ألبومها، لا سيما أن شهور الصيف كانت مليئة بالألبومات، وقد تلقى الجمهور جرعة دسمة منها، واختارت هي توقيتاً منفرداً، معولة على جمهورها وموهبتها واختياراتها»، حسبما يقول.

دنيا مع الملحن عمرو مصطفى (حسابها على إنستغرام)

وأصدرت دنيا سمير غانم الأغنية التي أطلقت شهرتها «مش قادرة أصدق» ضمن ألبوم «فري ماكس 4» عام 2005، وطرحت ألبوماً في 2013 ضم 9 أغنيات، وجمعت ببراعة بين الغناء والتمثيل لا سيما في أعمالها الاستعراضية، كما شاركت بالغناء مع الفنان أحمد مكي في أغنيتي «دور بنفسك» و«الحلم».

وعَدّ الناقد الموسيقي أحمد السماحي دنيا من «الأصوات الفطرية والسليمة في الأداء الغنائي والصادقة في كل ما تقدمه، سواء في أغنيات بها شقاوة أو دراما»، لافتاً إلى أن «أغنية (الله يعيني) أغنية درامية تراهن على تجربة للتعبير العاطفي القريب من الجمهور»، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «المُلحن عمرو مصطفى قد استفاد من مرونة صوت دنيا وقدرتها على المزج بين الإحساس والعفوية، كما بدت كلمات مصطفى ناصر فرصة لتقديم حالة وجدانية تلامس المستمع».

دنيا سمير غانم تعود للغناء مجدداً (حسابها على إنستغرام)

ورأى السماحي أن البطل في هذه الأغنية هو موزعها النابلسي، حيث جاء توزيعه متميزاً جداً وتمكن من توصيل الهوية الصوتية لدنيا سمير غانم مع أعمال المكساج والماستر لخالد سند، لافتاً إلى أن أغنية «الله يعيني» تلعب على ثيمة أغنية «حكايتي مع الزمان» التي كتبها الشاعر الكبير محمد حمزة، وغنتها الفنانة وردة في السبعينات.

وشدد السماحي على أنه في ظل صوت محبوب مثل دنيا وتوافر عناصر إنتاج مختلفة فإن الأغنية تتميز بـ«صدق الأداء» و«خصوصية اللحن» و«ابتكار التوزيع» لكنها ليست «أغنية عظيمة». على حد تعبيره.


عدسة اصطناعية مزودة بدواء لعلاج الغلوكوما

أكثر من 95 % من المرضى الذين استخدموا العدسة المطلقة للدواء لم يعودوا بحاجة لأدوية أخرى (آنسبيلاش)
أكثر من 95 % من المرضى الذين استخدموا العدسة المطلقة للدواء لم يعودوا بحاجة لأدوية أخرى (آنسبيلاش)
TT

عدسة اصطناعية مزودة بدواء لعلاج الغلوكوما

أكثر من 95 % من المرضى الذين استخدموا العدسة المطلقة للدواء لم يعودوا بحاجة لأدوية أخرى (آنسبيلاش)
أكثر من 95 % من المرضى الذين استخدموا العدسة المطلقة للدواء لم يعودوا بحاجة لأدوية أخرى (آنسبيلاش)

أظهرت نتائج تجربة سريرية أن عدسة تُستخدم لعلاج المياه البيضاء (الكاتاركت) يمكن أن تساعد أيضاً في علاج المياه الزرقاء (الغلوكوما). وأفاد باحثون -خلال الاجتماع السنوي للأكاديمية الأميركية لطب العيون (AAO)، في مدينة نيو أورليانز الأميركية، في الفترة من 9 إلى 12 أكتوبر (تشرين الأول) 2026- بأن هذه العدسات الاصطناعية تحتوي على أجزاء صغيرة مشبعة بعقار «بيماتوبروست» (bimatoprost) -وهو دواء شائع الاستخدام لعلاج المياه الزرقاء- حيث يتم إطلاقه بشكل تدريجي داخل العين.

ووجد الباحثون أنه بعد مرور عام، كانت مستويات ضغط العين لدى المرضى الذين حصلوا على تلك العدسات مماثلة لتلك المسجلة لدى المرضى الذين تلقوا عدسات قياسية لعلاج المياه البيضاء واستخدموا قطرات العين مرتين يومياً لعلاج المياه الزرقاء. وأضاف الباحثون أن أكثر من 95 في المائة من المرضى الذين استخدموا العدسة المطلقة للدواء لم يعودوا بحاجة إلى أي أدوية أخرى لعلاج المياه الزرقاء بعد مرور عام.

وقال الدكتور جيفري كامر، الباحث وطبيب العيون في المركز الطبي بجامعة فاندربيلت في ناشفيل بالولايات المتحدة، في بيان، الثلاثاء: «تخيل أن تتمكن من علاج اثنين من أكثر أمراض العيون شيوعاً -المياه البيضاء والمياه الزرقاء- في إجراء واحد. ببساطة، لا يوجد شيء مماثل لهذا قيد التطوير حالياً».

وتتسبب المياه الزرقاء في فقدان البصر نتيجة لارتفاع ضغط السوائل داخل العين، مما يؤدي إلى تلف العصب البصري. ويُعد خفض هذا الضغط الوسيلة الوحيدة المثبتة طبياً لإبطاء تطور المرض، وعادةً ما يُوصف للمرضى استخدام قطرات العين يومياً كخطوة أولى للعلاج.

غير أن الالتزام باستخدام القطرات مرة أو مرتين يومياً يمثل تحدياً؛ إذ يشير الباحثون إلى أن «استخدام قطرات العين بشكل يومي منتظم قد يكون أمراً صعباً».

المياه البيضاء

في المقابل، يعاني كثير من كبار السن أيضاً من المياه البيضاء، وهي حالة تتضمن تعتيم عدسة العين الطبيعية. وقد أشار الباحثون إلى أن جراحة إزالة المياه البيضاء وزراعة عدسات بديلة أصبحت واحدة من أكثر العمليات الجراحية شيوعاً وموثوقية في العالم. وألهم هذا الأمر الباحثين فكرة: لماذا لا يتم تزويد العدسات الاصطناعية بأدوية علاج المياه الزرقاء؟

وقال كامر: «إن فكرة العدسة التي تطلق الدواء وتوفر علاجاً مستمراً بعد جراحة المياه البيضاء هي فكرة مقنعة للغاية».

وقام الباحثون بإشراك 106 أشخاص يعانون من المياه الزرقاء أو ارتفاع ضغط السوائل داخل العين، وكان من المقرر أن يخضعوا لجراحة المياه البيضاء، حيث تم توزيع 3 أرباع المرضى عشوائياً للحصول على العدسات التي صُممت لتوصيل جرعة إما منخفضة وإما عالية من عقار «بيماتوبروست». أما الربع المتبقي من المرضى فقد حصلوا على عدسة قياسية بديلة، تلاها استخدام قطرات «تيمولول» (دواء لعلاج المياه الزرقاء/الغلوكوما) مرتين يومياً.

وأظهرت النتائج أنه بعد مرور عام، انخفض ضغط العين إلى 15.9 ملم زئبقي لدى المجموعة التي تلقت جرعة أعلى، وإلى 14.8 ملم زئبقي لدى المجموعة التي تلقت جرعة أقل، وإلى 15.7 ملم زئبقي لدى المجموعة التي استخدمت العدسة القياسية وقطرات العين. وقال كامر: «لقد شعرت بالتفاؤل -أكثر من شعوري بالمفاجأة- إزاء تطابق النتائج المسجلة بعد 12 شهراً مع النتائج الأولية التي ظهرت في التجارب التي أُجريت على البشر. إن رصد نتائج مماثلة عبر هذه الدراسات يوفر دليلاً مطمئناً على أن التأثير العلاجي يتكرر بنجاح مع تقدم البرنامج».

وأشار الباحثون إلى أنه ستتم متابعة المرضى المشاركين في هذه التجربة لمدة 3 سنوات، كما تجري حالياً تجربتان سريريتان أوسع نطاقاً. وخلص كامر إلى أن «المتابعة طويلة الأمد مهمة لفهم مدى استمرارية السيطرة على ضغط العين وكذلك لتقييم السلامة»، مضيفاً: «إن علاج المياه الزرقاء يتجه نحو حلول قد تجعل إدارة المرض أكثر بساطة».