وزراء خارجية «السبع» يبحثون دعم أوكرانيا والأمن الغذائي العالمي

فرنسا أكّدت استمرار المساعدات العسكرية والمالية والإنسانية «حتى النصر»

وزيرة الخارجية الألمانية تخاطب نظيرها الأوكراني، بصحبة وزراء خارجية اليابان وبريطانيا ومولدوفا وإيطاليا وفرنسا أمس (رويترز)
وزيرة الخارجية الألمانية تخاطب نظيرها الأوكراني، بصحبة وزراء خارجية اليابان وبريطانيا ومولدوفا وإيطاليا وفرنسا أمس (رويترز)
TT

وزراء خارجية «السبع» يبحثون دعم أوكرانيا والأمن الغذائي العالمي

وزيرة الخارجية الألمانية تخاطب نظيرها الأوكراني، بصحبة وزراء خارجية اليابان وبريطانيا ومولدوفا وإيطاليا وفرنسا أمس (رويترز)
وزيرة الخارجية الألمانية تخاطب نظيرها الأوكراني، بصحبة وزراء خارجية اليابان وبريطانيا ومولدوفا وإيطاليا وفرنسا أمس (رويترز)

جالساً على يمين وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيروبوك، مُضيفة اجتماعات وزراء خارجية قمة السبع، كان واضحاً أن وزير الخارجية الأوكراني ديمترو كوليبا هو ضيف الشرف المحتفى به، فالاجتماعات المنعقدة في منتجع «فايسن هاوس» في بلدة فانغلز الهادئة شمال البلاد، تناقش موضوعاً أساسياً واحداً: الحرب في أوكرانيا وتبعاتها.
قدم كوليبا من كييف إلى ألمانيا حاملاً ملفات كثيرة وجديدة طرحها أمام نظرائه من أقوى سبعة اقتصادات في العالم، لعل أكثر ما يلفت فيها اقتراح جديد كشف عنه في مؤتمر صحافي عقده بعد اجتماعات بالمجموعة، يتعلق بدعوة الدول للإفراج عن أموال روسيا المحتجزة لديهم، وتحويلها إلى أوكرانيا لكي تستخدمها في إعادة البناء. وكشف كوليبا أن كندا وافقت على القيام بذلك، مضيفاً: «نحن نتحدث عن مئات المليارات. المعادلة بسيطة، على روسيا أن تدفع مالياً لإعادة إعمار أوكرانيا». وكان كوليبا قد أشار إلى هذه النقطة في يوم سابق في مقابلة أدلى بها لصحيفة «دي فيلت» الألمانية ببرلين، التي توقف فيها لعقد لقاءات مع مسؤولين ألمان قبل انتقاله، إلى شمال البلاد للمشاركة في اجتماعات قمة السبع. وأشار كوليبا في المقابلة إلى أن بعض الدول تعهدت بطرح الموضوع على برلماناتها لتحويلها قانونا قابلاً للتنفيذ، مضيفاً بأن ألمانيا ليست واحدة من هذه الدول.
- «دراما» أوروبية
وفي محاولة للضغط على الأوروبيين قبيل اجتماع هام يوم الاثنين المقبل في بروكسل لبحث حظر النفط الروسي سيشارك فيها كوليبا، حذر وزير الخارجية الأوكراني من أن وحدة الاتحاد الأوروبي على المحك. ووصف المحادثات الجارية بين دول الاتحاد حول حظر النفط الروسي بأنه «دراما أوروبية»، مضيفاً أنه في حال تبنت دول الاتحاد مجموعة العقوبات الجديدة على روسيا من دون أن يكون ضمنها حظر النفط، «سيحتفل الرئيس بوتين لأنه سيكون قضى على الوحدة الأوروبية بسبب معارضة المجر». ويدرس الاتحاد الأوروبي منح المجر وضعاً خاصاً في المناقشات الجارية لتبني قرار حظر النفط، على أن تتبنى دول التكتل الأخرى القرار، وتُستثنى منه المجر لفترة معينة. ولكن كوليبا شدد بأن النقاشات «تتعلق بوحدة أوروبا»، مضيفاً أنه «لو قررت المجر عدم دعم العقوبات فهذا سيتسبب بضرر كبير على الاتحاد الأوروبي ويجب القيام بأي شيء لتفادي ذلك».
واعتبر أن استمرار أوروبا التي تعتمد بشكل كبير على الطاقة الروسية بشراء الغاز والنفط الروسي، يطيل من أمد الحرب في بلاده. وقال: «طالما تستمر روسيا ببيع النفط والغاز للاتحاد الأوروبي، جيوبها ستبقى مليئة لخوض الحرب». وأشار كوليبا إلى أن «الاقتصاد الأوكراني يعاني أكثر بكثير من الحرب مما يعاني الاقتصاد الروسي من العقوبات». وأبدى وزير الخارجية الأوكراني تفهمه لعدم قدرة الدول الأوروبية على التخلي عن الغاز الروسي على الفور، وقال: «أرى أن الدول الأوروبية تعمل جاهدة لإيجاد حل للغاز، وأنا متفائل بحذر بعد زيارتي لبرلين لأني شهدت على إرادة لوقف الاعتماد الألماني على الغاز الروسي». وأضاف: «سيأخذ الأمر وقتاً ولكن سيحصل… الأهم أننا نرى إرادة للتقدم في هذه النقطة وهذا يعطينا أملاً».
- عوائق التسليح
ومن بين القضايا الأخرى التي طرحها كوليبا على نظرائه في مجموعة السبع التي تضم أربع دول أوروبية (ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا)، إضافة إلى الولايات المتحدة وكندا واليابان، مسألة التسليح والأسلحة التي ترسل إلى كييف. وعدد كوليبا عائقين في هذه المسألة، الأول يتعلق بنوع وسرعة الأسلحة المرسلة، داعياً لتزويد بلاده بنظام صواريخ متعدد وهو ما قال إنه حصل على تعهدات من بعض الدول لتسليمها. والعائق الثاني بحسب كوليبا، يتعلق بمسألة تزويد الجيش الأوكراني بالمقاتلات الحربية التي قال إنه «لا حل قريباً لها» وإن أوكرانيا ستستمر بمناقشتها مع الدول الصديقة.
وترفض دول غربية تزويد أوكرانيا بمقاتلات حربية، خوفاً من أن تصبح طرفاً مباشراً في الصراع. وقد حرص وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان على التأكيد قبيل بدء الاجتماعات بأن ما يجري ليس حرباً بين المجتمع الدولي وروسيا، بل «هي حرب روسيا ضد أوكرانيا». وشدد لودريان على وحدة دول السبع في دعم أوكرانيا «حتى النصر» من خلال تقديم الدعم العسكري والمالي والإنساني لها. وكررت وزيرة الخارجية البريطانية كلاماً شبيهاً حول ضرورة استمرار وحدة مجموعة السبع في وجه روسيا، وقالت إنه «من المهم جداً في هذا الوقت أن نبقي الضغط على فلاديمير بوتين من خلال زيادة الدعم بالسلاح لأوكرانيا وزيادة العقوبات على روسيا». وأعلن مفوض الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل عن مخصصات مالية جديدة لشراء أسلحة ترسل إلى أوكرانيا، بقيمة 500 مليون يورو تضاف إلى التعهدات السابقة، وقال إنها ستستخدم لشراء معدات عسكرية ثقيلة وذخائر.
- الأمن الغذائي
إلى جانب قضايا التسليح وتشديد العقوبات على روسيا وحظر النفط والغاز، احتلت مسألة أمن الغذاء العالمي حيزاً مهماً من المشاورات الجارية في منتجع «فايسن هاوس». وكررت بيربوك في كلمتها الافتتاحية للمشاورات مع نظرائها في مجموعة السبع، الكلام حول مخاوف من «أزمة غذاء وشيكة تتسبب بها روسيا». وقالت إن «روسيا تمنع إرسال ملايين أطنان الحبوب للعالم وهناك أزمة غذاء عالمية تلوح في الأفق». وأشارت إلى أن دول المجموعة تبحث حلولاً لتفادي وقوع أزمة تكون الدول الأفريقية ودول الشرق الأوسط الأكثر تأثراً بها لاعتمادها الكبير على الحبوب المستوردة من أوكرانيا. واتهم وزير الخارجية الأوكراني روسيا بالتسبب بهذه الأزمة المحتملة، وقال إن «هجوم روسيا هو السبب الوحيد لأزمة الغذاء العالمية في الأفق».
وفي إشارة إلى مدى قلق ألمانيا من منع روسيا إخراج الحبوب من مرافئ أوكرانيا، أجرى المستشار الألماني أولاف شولتس من مكتبه في برلين اتصالاً أمس بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين استغرق 75 دقيقة بحسب مكتبه، وركز على «جهود إنهاء الحرب»، بحسب المتحدث باسمه الذي أضاف أن المستشار الألماني تطرق أيضاً خلال اتصاله ببوتين إلى الوضع الحالي للغذاء العالمي، «والذي بات حرجاً نتيجة اعتداء روسيا». وأضاف المتحدث باسم شولتس بأن المستشار ذكر الرئيس الروسي بأن موسكو تتمتع «بمسؤولية خاصة» في هذا الوضع.


مقالات ذات صلة

غواص ينزل إلى أعماق متجمِّدة ويعود بحكاية مدهشة

يوميات الشرق الصقيع لا يخفي الحياة (أ.ب)

غواص ينزل إلى أعماق متجمِّدة ويعود بحكاية مدهشة

في مشهد أقرب إلى الاستكشافات النادرة، خرج الغواص دان جيكوبس مؤخراً من فتحة ضيقة شُقّت في جليد بحيرة فنلندية متجمِّدة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الضباب يُغطي المحيط الهادئ بالقرب من حي بارانكو في ليما (أ.ب)

«الأمم المتحدة»: الأرض احتبست حرارة قياسية في 2025

حذرت الأمم المتحدة اليوم (الاثنين) من أن كميّة الحرارة المحتبسة في الأرض بلغت مستويات قياسية عام 2025.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
العالم طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

كشفت السلطات المحلية اليوم الثلاثاء أن ما لا يقل عن 22 شخصاً لقوا حتفهم بعد هطول أمطار غزيرة على ولاية ميناس جيرايس جنوب شرقي البرازيل.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
يوميات الشرق الشتاء في فنلندا يستمر ما بين مائة ومائتي يوم (رويترز)

حيث لا يذوب الجليد: ما أكثر دول العالم برودة؟

تشهد ولايات عدة في شمال شرقي الولايات المتحدة حالياً عاصفة ثلجية قوية، دفعت السلطات إلى إصدار تحذيرات لأكثر من 40 مليون نسمة، بسبب سوء الأحوال الجوية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ باراك أوباما مع ترمب خلال جنازة الرئيس جيمي كارتر (أ.ف.ب)

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

نقض الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرارات اتخذها سلفه باراك أوباما عام 2009 كأساس لجهود الولايات المتحدة في تنظيم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

علي بردى (واشنطن)

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».