الاستعلام الاستراتيجي ـ التكتيكي في أوكرانيا

TT

الاستعلام الاستراتيجي ـ التكتيكي في أوكرانيا

يقول المفكّر العسكري الصيني التاريخي صن تسو إن على القائد المميّز أن يجمع المعلومات عن العدو، وحتى التلاعب بكلّ فرضيّاته. وهذا أمر يأخذنا إلى أهميّة الخداع في الحرب (Deception). فكلّ الحروب، حسب صن تسو أيضاً، تعتمد على الخداع.
ويُفضّل صن تسو الحرب السريعة، المحدودة، ودون دماء إذا أمكن. من هنا ضرورة التواضع في وضع الأهداف التي تتماشى مع الإمكانات.
والهدف دائماً هو ضرب إرادة العدو وقدرته على القتال.
والسؤال يبقى: هل تصنّف الحرب على أنها فن؟ وهل وضع استراتيجيّة معيّنة يعني حتماً النصر؟ إذا كان الأمر كذلك، فهذا يعني أن كلّ الاستراتيجيّات الموضوعة تعد منتصرة، وهذا أمر ينافي العقل والمنطق. فعلى أحدهم أن يربح، وعلى آخر أن يخسر.
كما أن أسباب النصر أو الخسارة كثيرة ومعقدّة، فيها كثير من المعطيات والمتغيّرات التي يتفاعل بعضها مع بعض بطريقة غير خطّية (NonLinear). وفي هذه المعادلة، يعتقد القائد السياسي - العسكري أنه يُسيطر على تفاعلاتها الداخلية. لكن التجارب التاريخيّة تثبت أنه، وبعد الطلقة الأولى للحرب، يصبح هذا القائد متغيّراً بسيطاً من ضمن المتغيّرات اللامحدودة التي تغذي هذه المعادلة، فيخرج الأمر عن سلطته بالكامل.
وقد حدّد الكاتب الأميركيّ الراحل الفين توفلر، أهم ثلاث ثورات في التاريخ وهي: الثورة الزراعيّة، والثورة الصناعيّة، وحالياً الثورة المعلوماتيّة. ولكل ثورة معلومتها السحريّة التي تنتج الثروة وتخلق القوّة.
حالياً، في الثورة المعلوماتيّة، المعلومة هي الأساس، كما الداتا (Data). لكن هذا لا يعني أن الثورتين الأخريين أصبحتا من الماضي. لا بل يمكن الجزم بأنهما موجودتان، لكنهما مُعدّلتان لتتناسبا مع الظروف الحالية. بكلام آخر، أصبحت السيارة التي أنتجتها الثورة الصناعيّة سيّارة ذكيّة، بفضل الثورة المعلوماتيّة.
وعلى سبيل المثال، أدخل الكاتب كلود شانون كلمة بيت (Bit) لتقيس قيمة المعلومة، ولتنضم هذه الكلمة إلى سابقاتها من الكلمات التي أنتجتها الثورات السابقة، من الزراعيّة إلى الصناعية، كالإنش والباوند والدقيقة.
ويندرج هذا الأمر على الحرب بشكل أساسيّ. ففيها يستعمل الإنسان قمّة ذكائه ونبوغه لقتل الآخر. وفيها يستعمل خلاصة ما أنتج من سلاح لقتل الآخر.
وعليه، تأتي المعلومة - الاستعلام لتحتلّ مكانة متقدّمة في كلّ ثورة، وفي كلّ حرب، وفي أيّ وقت، لتكون العامل الأساسيّ لتحقيق النصر.
> الاستعلام في الحرب
إذا اعتبرنا أن للحرب ثلاثة مستويات: الاستراتيجي، والعملاني والتكتيكي. فإن لكل مستوى معلومته الخاصة، كما استعلامه، وذلك حسب القيمة والأهميّة العسكريّة. لكن الأكيد هو أن هذه المستويات الثلاثة يتكامل بعضها مع بعض، لتحقّق الأهداف الجيوسياسيّة العليا.
لذلك، لا يمكن لنصر تكتيكي محدود مثلاً، أن يؤدّي إلى نصر كبير إذا كانت الاستراتيجيّة خاطئة. كما لا يجب الجزم بأن أيّ فشل تكتيكي يعني الهزيمة المطلقة في ظلّ استراتيجيّة صحيحة ومناسبة. فأساس النصر يكمن في التأقلم.
> في منظومة الاستعلام ترتكز المنظومة على 3 مستويات وهي:
- جمع المعلومات.
- تنقيتها وتحليلها، وتحويلها إلى سلعة يمكن استغلالها.
- توزيعها للاستعمال، وانتظار ردّة فعل الواقع الحقيقي.
بعد الاستعمال، ينتج الواقع السابق واقعاً جديداً، ومُعطيات جديدة، وكذلك الأمر معلومات مختلفة، لتتكرّر آلية المنظومة أعلاه. إنه عمل مستمرّ، دون كلل أو ملل، والأسرع في تحويل المعلومة إلى سلعة قابلة للاستعمال يُكتب النصر له.
> الاستعلام على الساحة الأوكرانيّة
بدأ الاستعلام على الساحة الأوكرانيّة من المستوى الأعلى، الجيوسياسي. وفضحت الإدارة الأميركيّة خطّة الرئيس بوتين، إن كان عبر تصريحات الرئيس بايدن، أو من خلال نشر الصورة الجويّة للحشد العسكري الروسي على حدود أوكرانيا.
هذا مع التذكير بأن الرئيس بوتين نفسه كان قد أعلن الحرب علناً على أوكرانيا. وهكذا، تنتفي المفاجأة الاستراتيجيّة. حتى إن مدير «سي آي إيه» وليم بيرنز، كان قد زار سرّاً موسكو، ليحذّر الرئيس بوتين من عواقب اجتياج أوكرانيا.
> مؤشرات السياسة الأميركيّة المستجدّة في أوكرانيا
زيارات من مستوى رفيع، سياسيّ وعسكري، إلى كييف لوزيري الخارجيّة والدفاع، تلتها زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركيّ نانسي بيلوسي.
اجتماع أكثر من 40 دولة في ألمانيا بقيادة أميركيّة بهدف مساعدة أوكرانيا في كلّ المجالات، خصوصاً العسكريّة.
تصريح واضح وصريح من قبل وزير الدفاع الأميركيّ لويد أوستن، بأن أميركا تريد أن ترى روسيا ضعيفة.
الدعم الأميركيّ العسكري المستمر، الذي يقدر بعشرات المليارات من الدولارات الأميركيّة حتى الآن.
باختصار، هناك تبنٍّ أميركي كامل للحرب على روسيا على الساحة الأوكرانيّة.
فإذا أتتك الفرصة الاستراتيجية لإضعاف عدوّك، فما عليك إلا تبنّيها. وهكذا فعلت أميركا.
> ماذا عن الجدل القائم مؤخراً حول مساعدة أميركا لأوكرانيا استعلاميّاً؟
الجواب بسيط. فإذا كانت سياسة أميركا المستجدّة إضعاف روسيا، وإذا كانت أميركا تمدّ الجيش الأوكراني بكلّ ما يلزم من الأسلحة الحديثة، فمن المنطقي أن تساعد أميركا الجيش الأوكراني في الاستعلام الاستراتيجي والتكتيكي.
فالقنبلة الأميركيّة للمدفع الأوكراني تستلزم إحداثيات العدو الروسيّ، ودون هذه الإحداثيات لا نتيجة إيجابيّة تُنتظر من كلّ الدعم.
ومن المنطقي أن تكون أميركا تراقب المسرح الأوكراني ليلاً ونهاراً، كل يوم، ومن المنطقي أيضاً أن تتنصّت على كل الاتصالات العسكرية وحتى السياسية الروسيّة. ومن المنطقي أن تصوّر أميركا بواسطة الأقمار الصناعيّة كلّ المسرح الأوكراني، ومن المنطقي أن تعرف أميركا مسبقاً أماكن الحشد العسكري الروسي، وحتى محاور التقدّم الأساسيّة، كما الأهداف التي يريد تحقيقها الجيش الروسيّ.
ومن المنطقي أن ترصد أميركا حركة الأساطيل البحرية الروسية، خصوصاً في البحر الأسود.
لذلك، تستعمل أميركا طائرات «الأواكس» التي تحلّق بصورة مستمرّة على الحدود الأوكرانية، لرصد كل تفصيل، وسماع كلّ محادثة. كذلك الأمر، تقوم «ناسا» برصد مستويات ومدى ارتفاع درجات الحرارة في كلّ بلدة وقرية داخل أوكرانيا، لمعرفة مستوى وحجم القصف المدفعي والصاروخي على هذه المناطق. كما تستعمل أميركا حلف «الناتو» للاتصالات والمعلومات، والموجودة في هولندا، لرصد الحرب الأوكرانيّة. وأخيراً وليس آخراً، هناك منظومة ما يُسمّى الـ5 عيون (Five Eyes)، والمؤلفة من كلّ من أميركا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا وبريطانيا، لتبادل المعلومات على كل الصعد.
ختاماً، إن كل ما يدور من جدل حول تزويد أميركا لأوكرانيا بإحداثيات الجنرالات الروس الذين قتلوا، أو حتى السفينة الحربية «موسكوفا» التي أُغرقت، هو جدل عقيم لا لزوم له بناء لما ورد أعلاه.


مقالات ذات صلة

موسكو مستعدة لجولة مفاوضات «قريباً» رغم تبدل «أولويات واشنطن»

أوروبا مضادات جوية أوكرانية تتصدى لمسيّرات روسية فوق كييف الاثنين (أ.ف.ب)

موسكو مستعدة لجولة مفاوضات «قريباً» رغم تبدل «أولويات واشنطن»

قلّل الكرملين من أهمية تأثير انشغال الولايات المتحدة بالحرب ضد إيران على مسار المفاوضات الروسية - الأوكرانية برعاية أميركية رغم تبدل «أولويات واشنطن» حالياً.

رائد جبر (موسكو)
الاقتصاد مصفاة نفط بمدينة أورسك الروسية (رويترز)

الكرملين: ارتفاع النفط يدعم إيرادات الموازنة العامة

صرَّح المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، يوم الاثنين، بأن ارتفاع أسعار النفط سيُدرّ إيرادات إضافية لشركات النفط الروسية، وبالتالي سيزيد من إيرادات الميزانية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا نظام الهجوم بالطائرات المسيّرة انتشر على نطاق واسع بين الوحدات العسكرية الأوكرانية (إ.ب.أ)

زيلينسكي: ينبغي تشديد قواعد تصدير الطائرات المسيّرة الأوكرانية

أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أنه لا ينبغي للدول الأجنبية الراغبة في شراء طائرات مسيّرة أوكرانية أن تتمكن من التواصل مباشرة مع الشركات المصنعة.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

زيلينسكي: روسيا تزود إيران بطائرات «شاهد» المسيرة

‌قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لقناة «سي.إن.إن» في مقتطفات من ​مقابلة بُثت أمس السبت إن روسيا تزود إيران بطائرات «شاهد» المسيرة.

أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي يتبادلان التحية خلال اجتماع في طهران - 19 يوليو 2022 (أرشيفية - أ.ب) p-circle

زيلينسكي: التركيز العالمي على الشرق الأوسط «ليس في صالح أوكرانيا»

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إنه يتفهم تحول انتباه العالم إلى الشرق الأوسط، لكن ذلك «ليس في صالح أوكرانيا». وأضاف زيلينسكي للطلاب في باريس، خلال…

«الشرق الأوسط» (لندن)

كالاس: الاتحاد الأوروبي يطرح نموذج مبادرة البحر الأسود لفتح مضيق هرمز

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي ​كايا كالاس ‌(رويترز)
مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي ​كايا كالاس ‌(رويترز)
TT

كالاس: الاتحاد الأوروبي يطرح نموذج مبادرة البحر الأسود لفتح مضيق هرمز

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي ​كايا كالاس ‌(رويترز)
مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي ​كايا كالاس ‌(رويترز)

قالت ​مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس، اليوم ‌الاثنين، إنها ناقشت مع الأمم المتحدة فكرة تسهيل ​نقل النفط والغاز عبر مضيق هرمز من خلال تطبيق نموذج الاتفاق الذي يسمح بإخراج الحبوب من أوكرانيا في وقت الحرب.

ولدى وصولها إلى اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل، قالت كالاس إنها تحدثت مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش حول فكرة فتح المضيق، الذي يشهد اختناقا حاليا بسبب ‌الحرب مع ‌إيران.

وأضافت: «أجريت محادثات مع أنطونيو ​غوتيريش ‌حول ⁠إمكانية إطلاق مبادرة ​مماثلة ⁠لتلك التي كانت لدينا في البحر الأسود».

وأغلقت إيران فعليا مضيق هرمز، وسط الحرب الأميركية-الإسرائيلية عليها، والتي دخلت الآن أسبوعها الثالث. وهاجمت القوات الإيرانية سفنا في الممر الضيق بين إيران وسلطنة عمان، مما أدى إلى توقف خمس إمدادات النفط العالمية في أكبر ⁠انقطاع على الإطلاق.

وذكرت كالاس أن إغلاق المضيق «خطير ‌للغاية» على إمدادات الطاقة إلى ‌آسيا، لكنه يمثل أيضا مشكلة ​لإنتاج الأسمدة.

وتابعت «وإذا كان ‌هناك نقص في الأسمدة هذا العام، فسيكون هناك أيضا ‌نقص في الغذاء العام المقبل». ولم تقدم أي تفاصيل أخرى.

ومضت قائلة إن الوزراء سيناقشون أيضا إمكانية تعديل مهام البعثة البحرية الصغيرة التابعة للاتحاد الأوروبي في الشرق ‌الأوسط (أسبيدس)، التي تركز حاليا على حماية السفن في البحر الأحمر من جماعة الحوثي ⁠في ⁠اليمن. وأضافت: «من مصلحتنا الحفاظ على مضيق هرمز مفتوحا، ولهذا السبب نناقش أيضا ما يمكننا القيام به في هذا الشأن من الجانب الأوروبي».

وردا على سؤال حول الشكوك التي عبر عنها وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول بشأن مدى فائدة مهمة «أسبيدس» في مضيق هرمز، قالت كالاس: «بالطبع نحتاج أيضا إلى أن تحظى هذه الخطوة بدعم الدول الأعضاء».

وأضافت: «إذا قالت الدول الأعضاء إننا لن نفعل شيئا في هذا الشأن، فمن المؤكد ​أن ذلك قرارها، ​لكن يتعين علينا مناقشة كيفية المساعدة في الإبقاء على مضيق هرمز مفتوحا».


اليابان وأستراليا ترفضان إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
TT

اليابان وأستراليا ترفضان إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

رفض كلٌّ من اليابان وأستراليا إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز، بعدما دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب دولاً حليفة والصين إلى إرسال سفن للمساعدة في حماية الصادرات النفطية بالمضيق.

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن وزير الدفاع، شينجيرو كويزومي، قوله أمام البرلمان، اليوم الاثنين: «في ظل الوضع الحالي بإيران، لا ننوي إطلاق عملية أمنية بحرية».

من ناحيتها، قالت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، إن أي عملية أمنية بحرية ستكون «صعبة للغاية من الناحية القانونية».

وستسافر تاكايتشي إلى واشنطن، هذا الأسبوع، لإجراء محادثات مع ترمب قالت إنها ستتناول الحرب مع إيران.

ويُعد إرسال قوات الدفاع الذاتي إلى الخارج أمراً حساساً سياسياً في اليابان المسالِمة رسمياً، حيث يدعم عدد من الناخبين دستور عام 1947 الذي فرضته الولايات المتحدة والذي ينبذ الحرب.

وقال تاكايوكي كوباياشي، مسؤول الاستراتيجية السياسية بالحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم الذي تنتمي إليه تاكايتشي، الأحد، إن العقبات «كبيرة للغاية» أمام طوكيو لإرسال سفنها الحربية.

من جهتها، صرحت وزيرة النقل الأسترالية، كاثرين كينغ، اليوم، بأن بلادها لن ترسل سفينة حربية إلى مضيق هرمز.

وقالت كينغ، لهيئة الإذاعة الوطنية «إيه بي سي»: «لن نرسل سفينة إلى مضيق هرمز. نحن نعلم مدى أهمية ذلك، لكن هذا ليس شيئاً طُلب منا القيام به وليس شيئاً نسهم فيه».

بكين: نتواصل مع جميع الأطراف

من ناحيتها، قالت وزارة الخارجية الصينية، اليوم، ​إن بكين على تواصل «مع جميع الأطراف» بشأن الوضع في مضيق هرمز، مجدّدة دعوة البلاد إلى خفض التصعيد ‌في الصراع ‌الدائر بالشرق ‌الأوسط.

وخلال إفادة ​صحافية دورية، سُئلت الوزارة عما إذا كانت الصين قد تلقّت أي طلب من ترمب للمساعدة في توفير أمن ‌المضيق، ‌الذي يمثل ​شرياناً ‌حيوياً لشحنات الطاقة ‌العالمية.

ووفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء، فقد قال المتحدث باسم الوزارة لين جيان، للصحافيين: «نحن على تواصل مع جميع ‌الأطراف بشأن الوضع الراهن، ونلتزم بدفع الجهود الرامية لتهدئة الوضع وخفض التوتر».

وأضاف لين أن الصين حثّت مجدداً جميع الأطراف على وقف القتال فوراً لمنع التصعيد وحدوث تداعيات اقتصادية أوسع ​نطاقاً.

ودعا ترمب، مطلع الأسبوع، ‌دولاً حليفة إلى المساعدة في تأمين مضيق هرمز، في وقتٍ تُواصل فيه القوات الإيرانية هجماتها على الممر المائي الحيوي، وسط استمرار الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، للأسبوع الثالث.

وقال ​ترمب إن إدارته تواصلت، بالفعل، مع سبع دول، لكنه لم يكشف عنها.

وفي منشور سابق على وسائل التواصل الاجتماعي، عبَّر عن أمله بأن تشارك الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا ودول أخرى في هذه الجهود.

وأغلقت إيران فعلياً المضيق، وهو ممر مائي ضيق بين إيران وسلطنة عمان، مما أدى إلى تعطل 20 في المائة من إمدادات النفط العالمية، في أكبر اضطرابٍ من نوعه على الإطلاق.

وأمس الأحد، قال مكتب الرئاسة في كوريا الجنوبية: «سنتواصل، من كثب، مع الولايات المتحدة بشأن هذه المسألة وسنتخذ قراراً بعد مراجعة دقيقة».

وبموجب الدستور في البلاد، يتطلب نشر قوات بالخارج موافقة البرلمان، وقالت شخصيات معارضة إن أي إرسال لسفن حربية إلى المضيق سيتطلب موافقة من السلطة التشريعية.

من جهتها، قالت ‌متحدثة باسم «داونينغ ستريت»، الأحد، إن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ناقش مع ترمب الحاجة إلى إعادة فتح ⁠المضيق لإنهاء الاضطرابات ⁠التي لحقت حركة الملاحة البحرية العالمية.

وأضافت المتحدثة أن ستارمر تواصل أيضاً مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، واتفقا على مواصلة المحادثات بشأن الصراع في الشرق الأوسط، خلال اجتماعٍ يُعقَد اليوم الاثنين.

وقال دبلوماسيون ومسؤولون إن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي سيناقشون، اليوم الاثنين، دعم بعثة بحرية صغيرة في الشرق الأوسط، لكن من غير المتوقع التطرق إلى توسيع مهامّها لتشمل المضيق المغلَق.

وأُنشئت بعثة أسبيدس، التابعة للاتحاد الأوروبي، في عام 2024، لحماية السفن من هجمات الحوثيين اليمنيين بالبحر الأحمر.

من ناحيته، قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، أمس الأحد، إن بعثة أسبيدس، التي سُميت على اسم الكلمة اليونانية التي تعني «دروع»، ​لم تكن فعالة حتى في تنفيذ مهمتها الحالية.

وذكر فاديفول، في مقابلة مع تلفزيون «إيه آر دي» الألماني: «لهذا السبب، أنا متشكك بشدة في أن توسيع مهمة أسبيدس لتشمل مضيق هرمز سيعزز الأمن».


تحفّظ دولي عقب دعوة ترمب لتأمين مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
TT

تحفّظ دولي عقب دعوة ترمب لتأمين مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

قوبلت دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدول حليفة وشريكة بإرسال سفن حربية للمساعدة في حماية الملاحة في مضيق هرمز بردود حذرة

قوبلت دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدول حليفة وشريكة بإرسال سفن حربية للمساعدة في حماية الملاحة في مضيق هرمز بردود حذرة ومتباينة، في وقت تهدد فيه الحرب الدائرة مع إيران باضطراب طويل الأمد لأحد أهم الممرات النفطية في العالم.

وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت أن بحريتها ستبدأ قريباً مرافقة ناقلات النفط عبر المضيق الاستراتيجي، الذي يمر عبره نحو خُمس إنتاج النفط العالمي؛ إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 3 آلاف سفينة كانت تعبره شهرياً قبل أن تشلّ التهديدات الإيرانية حركة الملاحة فيه، في أعقاب اندلاع الحرب في المنطقة قبل أسبوعين.

ترمب يُحمّل العالم المسؤولية

كتب ترمب على منصة «تروث سوشال»، السبت: «نأمل بأن تبادر الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة ودول أخرى إلى إرسال سفن إلى المنطقة». وأضاف في تغريدة لاحقة: «ستنسق الولايات المتحدة مع تلك الدول لضمان سير الأمور بسلاسة وكفاءة. كان يجب أن يكون هذا جهداً جماعياً منذ البداية، وهو ما ستكون عليه الحال الآن».

وفي مقابلة هاتفية مع شبكة «إن بي سي»، أكد ترمب أن دولاً عدة لم تكتفِ بالموافقة، بل رأت في الأمر «فكرة رائعة»، غير أن المواقف الرسمية التي صدرت لاحقاً جاءت في معظمها متردّدة.

وبعد ساعات من الدعوة الأميركية، حثّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال اتصال هاتفي بنظيره الفرنسي جان نويل بارو، دول العالم إلى «الامتناع عن أي إجراء قد يؤدي إلى تصعيد النزاع وتوسيعه». ويرى المراقبون أن هذا التحذير يستهدف تحديداً الدول التي يسعى ترمب إلى استقطابها.

سيول «تدرس بعناية»

أعلنت رئاسة الجمهورية الكورية الجنوبية أنها «تدرس من كثب» الطلب الأميركي. وقال المتحدث باسمها: «نتابع تصريحات الرئيس ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي، وسندرس المسألة بعناية في إطار التشاور الوثيق مع واشنطن». وأشار المسؤول إلى أن بلاده تُجري «بحثاً دقيقاً لمختلف التدابير لضمان أمن طرق نقل الطاقة»، مستحضراً أهمية حرية الملاحة الدولية للاقتصاد الكوري الذي يعتمد اعتماداً كبيراً على واردات الطاقة العابرة للمضيق. وكانت سيول قد اتخذت في وقت سابق قراراً بتحديد سقف لأسعار الوقود، وهو إجراء استثنائي لم تلجأ إليه منذ عام 1997.

طوكيو تتمسك بـ«الاستقلالية»

لم يصدر عن اليابان أي رد رسمي على الدعوة الأميركية حتى اللحظة. وأبلغت وزارة الخارجية اليابانية وكالة «إن إتش كيه» الإخبارية أن طوكيو «لن تُسارع إلى إرسال سفن حربية بناءً على طلب ترمب»، مستندةً إلى مبدأ راسخ مفاده أن «اليابان تتخذ قراراتها المستقلة وفق حكمها الخاص». بينما أوضح تاكايوكي كوباياشي، المسؤول عن السياسات في الحزب الحاكم، أن القوانين النافذة تجعل قواعد إرسال السفن العسكرية إلى المنطقة «شديدة الصعوبة» من الناحية القانونية.

لندن «مستعدّة للتعاون»

أبدى وزير الطاقة البريطاني، إد ميليباند، استعداداً للتعاون دون أن يُفصح عن أي التزام ميداني، مؤكداً أن «أفضل السُّبل وأجداها لإعادة فتح المضيق هو وضع حدٍّ لهذا الصراع». وأضاف ميليباند أن إعادة فتح مضيق هرمز تمثل «أولوية للعالم»، مشيراً إلى أن «كل الخيارات التي قد تسهم في إعادة فتح المضيق يجري النظر فيها».

وأشار إلى أن لندن «تتحدث مع حلفائها بما فيهم الولايات المتحدة» لدراسة ما يمكن تقديمه، مستعرضاً جملةً من الخيارات المطروحة، من بينها تزويد المنطقة بـ«معدات ذاتية لكشف الألغام البحرية». كما أوضح أن بريطانيا أجرت بالفعل محادثات مع حلفائها لإعادة الملاحة في المضيق إلى طبيعتها. ولفت ميليباند أيضاً إلى أن وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر زارت المملكة العربية السعودية، هذا الأسبوع، لإجراء محادثات مع دول الخليج بشأن أمن المضيق، مؤكداً أن لندن «تريد العمل مع شركائها» لمعالجة الأزمة.

وأكدت الحكومة البريطانية أن أولويتها الراهنة تبقى «خفض حدة الصراع» لا التصعيد العسكري.

باريس تُبقي أسطولها في «وضع دفاعي»

أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية على منصة «إكس» أن سفنها المنتشرة أصلاً في شرق البحر المتوسط ستبقى في «وضع دفاعي». وكان الرئيس إيمانويل ماكرون قد أبدى في وقت سابق انفتاحه على إمكانية مرافقة السفن عبر المضيق مستقبلاً، إلا أن المحللين يرون أن الموقف الفرنسي لا يزال «بعيداً جداً عن تشكيل مهمة فعلية».

وذكرت صحيفة «فاينانشال ⁠تايمز» أن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الذين ⁠يعقدون اجتماعاً دورياً، الاثنين، سيناقشون إمكانية توسيع نطاق مهمة «أسبيدس» البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي والتي تحمي الملاحة من هجمات الحوثيين في البحر الأحمر لتشمل مضيق هرمز. وقال مسؤولون إن فرنسا تسعى لتشكيل تحالف لتأمين مضيق هرمز بمجرد استقرار الوضع الأمني هناك.

بكين تدعو إلى وقف إطلاق النار

جاء الموقف الصيني الأكثر تحفظاً والأبعد عن الاستجابة لمطالب واشنطن؛ إذ اكتفى المتحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن بالدعوة إلى «وقف فوري لإطلاق النار»، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز»، مُتجاهلاً الطلب الأميركي بصورة شبه كاملة.

في المقابل، أبدى وزير الطاقة الأميركي كريس رايت تفاؤلاً حذراً بشأن الدور الصيني، مُعرباً عن أمله في أن تكون بكين «شريكاً بنّاءً» في إعادة فتح المضيق، نظراً لحجم اعتمادها على نفط الخليج.