اتهامات بايدن لبوتين تقلق دولاً حليفة

واشنطن تؤكد مجدّداً أنّ موسكو تريد «تدمير أوكرانيا وسكانها»

سكان ماريوبول يعانون من الدمار الكبير الذي تشهده المدينة (رويترز)
سكان ماريوبول يعانون من الدمار الكبير الذي تشهده المدينة (رويترز)
TT

اتهامات بايدن لبوتين تقلق دولاً حليفة

سكان ماريوبول يعانون من الدمار الكبير الذي تشهده المدينة (رويترز)
سكان ماريوبول يعانون من الدمار الكبير الذي تشهده المدينة (رويترز)

يهاجم جو بايدن نظيره الروسي فلاديمير بوتين بضراوة متزايدة، واصفاً إياه مرّة بأنه «مجرم حرب» وتارة بأنه «جزّار» لا يجب أن «يظل في السلطة»، واتهمه أخيراً بارتكاب «إبادة جماعية» في أوكرانيا، لكن تصريحات الرئيس الأميركي التي اعتبرها «حديثاً من القلب» كثيراً ما تأخذ إدارته ودولاً حليفة على حين غرة وتسبب لهم قلقاً.
عندما تقدم رئيس الولايات المتحدة الثلاثاء نحو الصحافيين الذين كانوا ينتظرون عودته إلى واشنطن بعد زيارته لولاية أيوا الريفية في الغرب الأوسط، سألوه، هل يعتقد حقاً أن فلاديمير بوتين يرتكب «إبادة جماعية» في أوكرانيا؟
قبيل ذلك، استعمل الزعيم الأميركي العبارة بشكل شبه عرضي في سياق خطاب حول التضخم والوقود الحيوي وهو يقف بين جرار وكومة ذُرة.

دمار في محيط العاصمة كييف (إ.ب.أ)

وقال جو بايدن «ميزانية عائلتكم، قدرتكم على التزود بالوقود، لا ينبغي أن يعتمد أي من ذلك على إعلان ديكتاتور حرباً وارتكابه إبادة جماعية على الجانب الآخر من العالم».
سرعان ما أعلن البيت الأبيض للصحافيين، أنه سيصدر توضيحاً، لكن إثر نزوله من الطائرة الرئاسية صرّح بايدن مجدداً «نعم، أسميتها إبادة جماعية».
وأكد أن الأمر يعود «للخبراء القانونيين على الصعيد الدولي» ليقرّروا ما إذا كانت الجرائم المرتكبة في أوكرانيا إبادة جماعية أم لا، لكنه أضاف «بالنسبة لي، هي تبدو كذلك».
من جانبه، قال السفير الأميركي لدى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، مايكل كاربنتر، الأربعاء، إن هناك «تحليلاً قانونياً جارياً على أساس جمع دقيق للأدلة».
وأضاف في تصريح للصحافيين «سيستغرق الأمر وقتاً، لكن في غضون ذلك اتخذ الرئيس موقفاً أخلاقياً واضحاً للغاية».
أما المسؤولة الثالثة في وزارة الخارجية الأميركية، فيكتوريا نولاند، فقالت عبر شبكة «سي إن إن» الإخبارية «أعتقد أنّه بمجرّد أن نتمكّن من جمع كلّ الأدلة، سنخلص في النهاية إلى النتيجة نفسها التي توصّل إليها الرئيس بايدن؛ لأنّ ما يحدث على الأرض ليس صدفة».
وأضافت «هذا قرار متعمّد اتّخذته روسيا وقواتها لتدمير أوكرانيا وسكّانها المدنيين».

سكان ضواحي العاصمة الأوكرانية ينظفون أحد المباني بعد قصفه (إ.ب.أ)

- «محادثات عفوية»
كان الرئيس الأميركي قد وصف نظيره الروسي في 16 مارس (آذار) بأنه «مجرم حرب»، ثم اعتبر في 26 مارس، أنه «جزّار»، وجاء التصريحان خلال محادثتين قصيرتين وعفويتين مع الصحافة. وسبقت تصريحات جو بايدن رد فعل الغربيين الحانق في مطلع أبريل (نيسان) إثر اكتشاف العديد من الجثث في مدينة بوتشا بمحيط كييف بعد أن استعادها الجيش الأوكراني. فقد أدلى الزعيم الأميركي بتصريح حادّ آخر حول بوتين في 26 مارس في نهاية خطاب مدروس للغاية في العاصمة البولندية، قال فيه «بحقّ الله، لا يمكن لهذا الرجل أن يبقى في السلطة». وقد فاجأت كلماته تلك في وارسو معاونيه بشكل واضح. بينما كان موكبه يتجه نحو المطار في العاصمة البولندية، صاغ البيت الأبيض على عجل توضيحات وزّعها على المراسلين للتأكيد على أن واشنطن لم تدع إلى تغيير النظام في روسيا.
بُعيد ذلك، برّر بايدن تصريحاته قائلاً «كنت أعبّر عن سخطي». عند استخدامه مصطلحي «مجرم حرب» و«إبادة جماعية» يقول الرئيس إنه يعبّر عن مشاعره المنفصلة نوعاً ما عن التوصيفات القانونية والتداعيات الدبلوماسية.
- التعبير عن الرأي
لا يعد ذلك غريباً بالنسبة للديمقراطي البالغ 79 عاماً، والذي يؤكد أنه «يتحدّث من القلب» في عدد من المواضيع وليس فقط فيما يتعلق بالشؤون الدولية. أما المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي، التي تلقت أسئلة الأربعاء حول آخر تنقل أجراه جو بايدن، بما في ذلك حشره مصطلح «إبادة جماعية» بين طيات تصريح حول تكلفة المعيشة للأسر الأميركية، فقالت بعبارات دفاعية «إنه رئيس الولايات المتحدة وزعيم العالم الحر، يمكنه التعبير عن آرائه متى شاء».
تؤثر تصريحات الرئيس الأميركي على استقرار العلاقات مع الحلفاء؛ إذ رفض الأربعاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استعمال مصطلح «الإبادة الجماعية»، وقد سبق أن انتقد بشدة استخدام عبارة «جزّار» بحجّة أن مثل تلك المفردات تعقد آفاق التفاوض مستقبلاً مع فلاديمير بوتين.
بدوره، قال المستشار الألماني أولاف شولتس «أريد أن أحاول قدر الإمكان الاستمرار في العمل على وقف هذه الحرب وإعادة إرساء السلام؛ لذلك لست متأكداً من أن التصعيد الكلامي يخدم القضية». بتصريحاته التي تثير حتماً سخط موسكو وغالباً امتنان كييف، يسعى الرئيس الأميركي أيضاً إلى «الرد» على «ضغوط» الكونغرس الذي يحضّه على زيادة دعمه لأوكرانيا وتشديد نبرته تجاه الرئيس الروسي، وفق ما يعتقد دبلوماسي أوروبي.
ونظراً لاستبعاد جو بايدن إرسال قوات إلى أوكرانيا، فإن ما يملكه هو شحنات أسلحة ضخمة إلى كييف، والكلمات.
- الخارجية الأميركية
وقالت المسؤولة الثالثة في وزارة الخارجية الأميركية فيكتوريا نولاند، عبر شبكة «سي إن إن» الإخبارية الأميركية «أعتقد أنّه بمجرّد أن نتمكّن من جمع كلّ الأدلة، سنخلص في النهاية إلى النتيجة نفسها التي توصّل إليها الرئيس بايدن؛ لأنّ ما يحدث على الأرض ليس صدفة». وأضافت «هذا قرار متعمّد اتّخذته روسيا وقواتها لتدمير أوكرانيا وسكّانها المدنيين». وبموجب «اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها»، المعاهدة التي أقرّتها الأمم المتحدة في 1948، فإنّ الإبادة الجماعية تعني الجرائم المرتكبة «بقصد التدمير الكلّي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية، بصفتها هذه».
ويحاذر الحقوقيون كثيراً بشأن استخدام هذا المصطلح كما ينقسم القادة الغربيون حياله. واعتبر الكرملين، أنّ توجيه بايدن مثل هذا الاتّهام إلى روسيا هو أمر «غير مقبول». لكنّ الدبلوماسية الأميركية حاولت التقليل من تداعيات الاتهام الرئاسي، مؤكّدة أنّ ما قاله بايدن هو قبل كل شيء موقف «أخلاقي». وقال المتحدّث باسم وزارة الخارجية الأميركية، نيد برايس، للصحافيين الأربعاء، إنّ «الرئيس كان يتحدّث عن شعوره وهو يشاهد الصور المروّعة التي رأيناها جميعاً من أماكن مثل ماريوبول، مثل بوتشا، مثل خاركيف ومثل أماكن أخرى». وأضاف، أنّ «المهمّ ليس ماذا نسمّي هذه الأفعال، بل كيف نردّ عليها ونستجيب لها بطريقة حازمة من خلال تزويد شركائنا الأوكرانيين بما يحتاجون إليه للدفاع عن أنفسهم».
وتابع «سواء أكانت جرائم حرب أو فظائع أو إبادة جماعية، فإنّ هذا لا يغيّر شيئاً في استراتيجيتنا، ولا تمنحنا المزيد من القوة».
... وبريطانيا أيضاً
أشار تقييم استخباراتي لوزارة الدفاع البريطانية، بشأن التطورات في أوكرانيا، أمس (الخميس)، إلى أن روسيا تشن هجمات متكررة وعشوائية على مراكز مدن في أوكرانيا منذ بدء الحرب. ولفت التقييم إلى أن بلدات كراماتورسك وكوستيانتينيفكا قد تكون أهدافاً روسية لمستويات مماثلة من العنف. واعتبر التقييم أن تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الثلاثاء، تعكس اهتمامه المستمر بمنطقة دونباس بشرق أوكرانيا، حيث تستمر المواجهات بين القوات الروسية والأوكرانية. وكان بوتين قال «هدفنا الرئيسي مساعدة شعب دونباس الذي اعترفنا به... والعمليات العسكرية في أوكرانيا تشكل حماية لروسيا وليس لدينا خيار آخر».


مقالات ذات صلة

دوي انفجارات في كييف بعد إنذار من هجوم بصواريخ باليستية

أوروبا رجال إنقاذ في موقع انفجارات وقعت في وسط مدينة لفيف (رويترز)

دوي انفجارات في كييف بعد إنذار من هجوم بصواريخ باليستية

سمع دوي انفجارات صباح اليوم (الأحد) في كييف بعدما كانت السلطات حذّرت من خطر هجوم بصواريخ باليستية، قبل يومين من الذكرى السنوية الرابعة للغزو الروسي.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها (حسابه عبر منصة إكس)

أوكرانيا تتهم المجر وسلوفاكيا بـ«الابتزاز» بسبب تهديدات بقطع الكهرباء

نددت وزارة الخارجية الأوكرانية بما وصفتها بأنها «تحذيرات وابتزاز» من جانب حكومتي ​المجر وسلوفاكيا، وذلك بعدما هدد البلدان بوقف إمدادات الكهرباء إلى أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون (رويترز)

بوريس جونسون يدعو الحلفاء لإرسال قوات غير قتالية إلى أوكرانيا

قال رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون إنه يتعين على بريطانيا وحلفائها الأوروبيين نشر قوات غير قتالية فوراً في أوكرانيا

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب مرحِّباً بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في فلوريدا - 28 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

«تحالف الراغبين» يجتمع من دون واشنطن دعماً لأوكرانيا في ذكرى الحرب

«تحالف الراغبين» يجتمع من دون واشنطن دعماً لأوكرانيا في ذكرى الحرب... سلوفاكيا والمجر تهددان بوقف إمدادات الكهرباء إلى أوكرانيا إذا لم تستأنف كييف إمدادات النفط

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا جنود أوكرانيون من كتيبة ألكاتراز خلال تدريب عسكري قبل إرسالهم إلى الجبهة في خاركيف (إ.ب.أ)

أوكرانيا تستهدف مصنعاً روسياً للصواريخ الباليستية بقذائف «فلامنغو»

قالت ​هيئة الأركان العامة الأوكرانية إن الجيش استهدف خلال ‌الليل ‌مصنعاً ​لإنتاج الصواريخ ‌الباليستية بمنطقة ​أودمورتيا في جنوب روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.