أوباما لـ«الشرق الأوسط»: إيران دولة راعية للإرهاب.. والخليجيون محقون في القلق منها

في أول حوار له مع صحيفة عربية.. الرئيس الأميركي يتطلع إلى أن تعمق {كامب ديفيد} التعاون الدفاعي > الأسد فقد شرعيته منذ زمن.. والعراق لن ينجح إلا إذا حكم بالتعددية

الرئيس الأميركي باراك أوباما
الرئيس الأميركي باراك أوباما
TT

أوباما لـ«الشرق الأوسط»: إيران دولة راعية للإرهاب.. والخليجيون محقون في القلق منها

الرئيس الأميركي باراك أوباما
الرئيس الأميركي باراك أوباما

شدد الرئيس الأميركي باراك أوباما عشية انعقاد قمة تاريخية خليجية - أميركية في كامب ديفيد، على استعداد بلاده لـ«استخدام كل عناصر القوة» لحماية أمن دول الخليج العربية من التهديدات، ضمن حماية مصالح واشنطن في الشرق الأوسط. وأكد الرئيس أوباما أن لدى تلك الدول الحق في القلق من إيران «الراعية للإرهاب».
وقبل أن يستقبل الرئيس أوباما مسؤولي مجلس التعاون الخليجي في لقاء عمل مساء اليوم في البيت الأبيض وغدا في «كامب ديفيد»، حرص على توضيح رؤيته حول العلاقات الاستراتيجية وأمن منطقة الخليج والشرق الأوسط، من خلال حوار مع «الشرق الأوسط»، هو الأول للرئيس الأميركي مع صحيفة عربية.
وقال الرئيس أوباما عن قمة كامب ديفيد، إن «اجتماعنا ينبع من مصلحتنا المشتركة في منطقة خليج يعمها السلام والرفاهية والأمن». وأضاف: «الولايات المتحدة على استعداد لاستخدام كل عناصر القوة المتاحة لنا من أجل تأمين مصالح» بلاده في المنطقة، موضحا: «يجب ألا يكون هنالك أي شك حول التزام الولايات المتحدة بأمن المنطقة والتزامنا بشركائنا في دول مجلس التعاون الخليجي».
وبينما تدخل المفاوضات مع إيران حول برنامجها النووي مرحلة حاسمة، قال الرئيس الأميركي إن اجتماعاته مع المسؤولين الخليجيين اليوم وغدا «فرصة للتأكيد على أن دولنا تعمل معا بشكل وثيق من أجل مواجهة تصرفات إيران التي تسفر عن زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، بما في ذلك دعم إيران للجماعات الإرهابية». وأكد أن «إيران منخرطة في تصرفات خطيرة ومزعزعة لاستقرار دول مختلفة في أنحاء المنطقة. إيران دولة راعية للإرهاب، وهي تساهم في مساندة نظام (الرئيس السوري بشار) الأسد في سوريا، وتدعم حزب الله في لبنان، وحماس في قطاع غزة. وهي تساعد المتمردين الحوثيين في اليمن. ولذلك، فإن دول المنطقة على حق في قلقها العميق من أنشطة إيران». وأوضح: «حتى ونحن نسعى إلى اتفاق نووي مع إيران، فإن الولايات المتحدة تبقى يقظة ضد تصرفات إيران المتهورة الأخرى».
وتطرق الرئيس الأميركي إلى كل الملفات الرئيسية الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط، بما فيها سوريا؛ إذ قال إن الرئيس السوري بشار الأسد «فقد كل شرعيته منذ فترة طويلة» وإنه لا بد في النهاية أن يكون هناك انتقال سياسي.
وعن العراق، عبر الرئيس الأميركي عن ثقته في هزيمة تنظيم «داعش»، إلا أنه شدد على أن المشكلة هناك ليست عسكرية فحسب؛ ولكنها «سياسية أيضا».
وكرر أوباما التزامه بعملية السلام في الشرق الأوسط، مؤكدا: «لن أيأس أبدا من أمل تحقيق السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين». وأضاف أن «الفلسطينيين يستحقون نهاية للاحتلال والإذلال اليومي الذي يصاحبه».

نص الحوار:

عشية استقبال الرئيس الأميركي باراك أوباما مسؤولي دول مجلس التعاون الخليجي في قمة خليجية - أميركية تاريخية، حرص الرئيس الأميركي على توضيح رؤيته حول العلاقات الاستراتيجية وأمن المنطقة من خلال حوار مع «الشرق الأوسط»، هو الأول للرئيس الأميركي مع صحيفة عربية منذ وصوله إلى البيت الأبيض. ومنذ توجه الرئيس أوباما إلى العام العربي بخطابه الشهير في القاهرة في يونيو (حزيران) 2009 والذي حمل عنوان «بداية جديدة»، وتطلعاته للسلام في المنطقة، مرت المنطقة باضطرابات خلال السنوات الست الماضية جعلت كثيرين يتساءلون عن موقف الإدارة الأميركية تجاه العالم العربي. وخلال الحوار، أكد الرئيس أوباما على التزامه بمبادئ دعم «الحرية والكرامة». وشدد على أن مصالح بلاده مرتبطة مباشرة مع «منطقة خليج يعمها السلام والرفاهية والأمن»، مقرا في الوقت نفسه بأن دول المنطقة «محقة» في قلقها من تصرفات طهران التي تؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة. ومن هنا يشرح الرئيس الأميركي إصراره على السعي وراء اتفاق يمنع طهران من الحصول على سلاح نووي، قائلا إن إيران تتورط بالفعل في تلك الأنشطة من دون ترسانة نووية، و»يمكننا أن نتصور كيف يمكن أن تصبح إيران أكثر استفزازا إذا كانت تمتلك سلاحا نوويا». وهذه الرؤية سيقدمها أوباما إلى حلفائه الخليجيين خلال اجتماعات مساء اليوم في البيت الأبيض وغدا في منتجع كامب ديفيد. وكرر أوباما التزامه بحل سياسي في سوريا والعراق، مع استخدام كل أساليب القوة لمواجهة «داعش» في البلدين. وبعد أن جعل الرئيس الأميركي عملية السلام في الشرق الاوسط أولوية له خلال ولايته الرئاسية، لم يحقق التقدم الذي كان يطمح له. ومع ذلك، أكد أنه لن ييأس من تحقيق حل الدولتين ووضع «نهاية للاحتلال والإذلال اليومي الذي يصاحبه».

* تجتمعون مع زعماء دول مجلس التعاون الخليجي مساء اليوم في واشنطن، وغدًا في «كامب ديفيد». وبالإضافة إلى كلمات الدعم التي وجهتموها إليهم في اجتماعات سابقة، ما الأعمال والضمانات التي ستلتزم بها الولايات المتحدة أمام حلفائها الخليجيين، وهل تشمل هذه الضمانات مضيقي هرمز وباب المندب؟
- لقد دعوت كبار مسؤولي دول مجلس التعاون الخليجي إلى واشنطن من أجل تعزيز وتقوية شراكتنا الوثيقة، بما في ذلك التعاون الأمني ومناقشة كيفية مواجهة التحديات المشتركة معا. وتشمل المناقشات العمل على حل الصراعات في منطقة الشرق الأوسط التي قضت على حياة أعداد كبيرة من الأبرياء وتسببت في الكثير من المعاناة لشعوب المنطقة. وأشعر بالامتنان بأن كل دول مجلس التعاون الخليجي سوف تكون ممثلة في الاجتماعات، وأتطلع إلى مناقشاتنا في كل من البيت الأبيض وكامب ديفيد.
إن اجتماعنا ينبع من مصلحتنا المشتركة في منطقة خليج يعمها السلام والرفاهية والأمن. وكما قلت في الأمم المتحدة منذ عامين، لدى الولايات المتحدة مصالح جذرية في الشرق الأوسط بما في ذلك مواجهة العدوان الخارجي، وضمان المرور الحر للطاقة والتجارة، وحرية الملاحة في المياه الدولية. وهذه تشمل المرور في مضيقي هرمز وباب المندب، بالإضافة إلى تفكيك شبكات الإرهاب التي تهدد شعوبنا، ومنع تطوير أو استخدام أسلحة الدمار الشامل. وقد أوضحت أن الولايات المتحدة على استعداد لاستخدام كل عناصر القوة المتاحة لنا من أجل تأمين هذه المصالح.
هذه ليست فقط كلمات، فهي مستندة إلى سجل قوي من الأفعال الحقيقية. وعبر ستة عقود، عملت الولايات المتحدة مع دول مجلس التعاون الخليجي من أجل تقدم أهدافنا المشتركة. وقد خدم الأميركيون في المنطقة، وضحوا بحياتهم من أجل أمننا المشترك. ويخدم الآلاف من الأفراد العسكريين الأميركيين في منطقة الخليج حاليا من أجل تعزيز الاستقرار الإقليمي. ويجري تدريب قواتنا المسلحة معا في مناورات وتدريبات عسكرية كبيرة ومتعددة سنويا. ولذلك يجب ألا يكون هنالك أي شك حول التزام الولايات المتحدة بأمن المنطقة والتزامنا بشركائنا في دول مجلس التعاون الخليجي.
وآمل أن يعمق اجتماع هذا الأسبوع تعاوننا في الكثير من المجالات. ومعا، لدينا الفرصة لتحسين تنسيقنا الأمني ومساعدة شركائنا في دول مجلس التعاون الخليجي لتقوية قدراتهم الدفاعية مع زيادة تكاملها في عدد من المجالات مثل الدفاع الصاروخي والأمن البحري وأمن الشبكات الإلكترونية وأمن الحدود. ويمكننا تكثيف جهودنا في مكافحة الإرهاب بتركيز على منع تدفق المقاتلين الأجانب وتمويل الإرهاب في مناطق الصراع، وذلك بالإضافة إلى مكافحة الآيديولوجيا الشريرة لـ«داعش». ويمكننا أن نعمل معا من أجل حل النزاعات القائمة – في العراق، وسوريا، واليمن، وليبيا – والتعامل مع التوتر الطائفي السائد الذي يعرقل تقدم المنطقة.
وسوف تتاح لي الفرصة لكي أطلع كبار المسؤولين الخليجيين على آخر تطورات مفاوضاتنا نحو تسوية شاملة لمنع إيران من الحصول على سلاح نووي، وهو ما أعتقد بقوة أنه الوسيلة المثلى لتعزيز أمن المنطقة، بما في ذلك شركائنا في مجلس التعاون الخليجي. وفي الوقت نفسه، ستكون اجتماعات هذا الأسبوع فرصة للتأكيد على أن دولنا تعمل معا بصفة وثيقة من أجل مواجهة تصرفات إيران التي تسفر عن زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، بما في ذلك دعم إيران للجماعات الإرهابية.
* هناك الكثير من المخاوف حول دور إيران في دول مثل سوريا واليمن، وهي مخاوف تنبع من توجه النظام الإيراني لـ«تصدير الثورة». كيف ترون دور إيران في المنطقة اليوم، وما درجة قناعتك بأن حكام إيران يمكنهم أن يكونوا «لاعبين إيجابيين» في حال التوصل إلى اتفاق نووي؟
- من الواضح أن إيران منخرطة في تصرفات خطيرة ومزعزعة لاستقرار دول مختلفة في أنحاء المنطقة. إيران هي دولة راعية للإرهاب. وهي تساهم في مساندة نظام (الرئيس السوري بشار) الأسد في سوريا، وتدعم حزب الله في لبنان وحماس في قطاع غزة. وهي تساعد المتمردين الحوثيين في اليمن. ولذلك فإن دول المنطقة على حق في قلقها العميق من أنشطة إيران، وخصوصا دعمها لعملاء بالوكالة يلجأون إلى العنف داخل حدود دول أخرى.
من المهم أن نتذكر أن إيران تتورط بالفعل في هذه الأنشطة من دون ترسانة نووية. ويمكننا أن نتصور كيف يمكن أن تصبح إيران أكثر استفزازا إذا كانت تمتلك سلاحا نوويا. بل سيكون أصعب على المجتمع الدولي مواجهة وردع تصرفات إيران المزعزعة للاستقرار. وهذا هو أحد أسباب الأهمية البالغة للاتفاق الشامل الذي نسعى إليه مع إيران – فبمنع إيران مسلحة نوويا، سوف نزيل أحد أخطر التهديدات لأمن المنطقة.
حتى ونحن نسعى إلى اتفاق نووي مع إيران، فإن الولايات المتحدة تبقى يقظة ضد تصرفات إيران المتهورة الأخرى. وقد حافظنا على وجودنا العسكري القوي في المنطقة وواصلنا مساعدة دول مجلس التعاون الخليجي على بناء قدراتها للدفاع والردع ضد كل أنواع العدوان الخارجي. وواصلنا أيضا تطبيق العقوبات ضد إيران لدعمها الإرهاب وعملها على برنامجها للصواريخ البالستية – وسنطبق هذه العقوبات في المستقبل حتى ولو توصلنا إلى اتفاق نووي مع إيران.
فيما يتعلق بمستقبل إيران، لا يمكنني التكهن بديناميكية الأحداث الداخلية في إيران. فداخل إيران، هناك قادة ومجموعات عّرفت نفسها لعقود على أنها تعارض الولايات المتحدة وشركاءنا الإقليميين. وأنا لا أعتمد على أي اتفاق نووي من أجل تغيير هذا الوضع. ومع ذلك، من الممكن أيضا، إذا استطعنا التعامل مع المسألة النووية بنجاح وتبدأ إيران في تلقي موارد من جراء تخفيف بعض العقوبات النووية، فإن ذلك قد يؤدي إلى استثمارات إضافية في الاقتصاد الإيراني وفرص أكبر للشعب الإيراني، وهذا قد يقوي القادة الأكثر اعتدالا داخل إيران. ويمكن لمزيد من الإيرانيين أن يروا أن التواصل الإيجابي – وليس المواجهة – مع المجتمع الدولي هو المسار الأفضل. وهناك طريقان أمام إيران. أحدهما هو استمرار المواجهة، والطريق الأفضل هو التوجه الأكثر إيجابية نحو المنطقة الذي سيسمح لإيران بأن تكون أكثر اندماجا في المجتمع الدولي. ولكن حتى إذا لم تتغير الديناميكية السياسية داخل إيران، فإن الاتفاق النووي يصبح ضرورة أكبر لأنه يمنع نظاما معاديا لنا من الحصول على سلاح نووي.
* في شهر مايو (أيار) عام 2011 تحدثت عن «تقرير المصير» في العالم العربي وسط تغيير لعدد من الحكومات في المنطقة. كيف ترى هذه التغيرات حاليا، خصوصا في سوريا، حيث استطاعت «داعش» أن تهزم أطيافا عدة من المعارضة الوطنية؟
- ما قلته قبل أربع سنوات يبقى حقيقة اليوم. فقد ساهم انعدام تقرير المصير – أي عدم قدرة المواطنين على اختيار مستقبل بلادهم بوسيلة سلمية – في زيادة حالة الإحباط، والاستياء وعدم إتاحة الفرص الاقتصادية التي أدت إلى وقوع «الربيع العربي». وفي بعض الدول، مثل تونس، حدث تقدم حقيقي مع تقبل مواطنيها لروح التراضي والتعددية التي تحتاجها الأمم من أجل النجاح. وبعكس ذلك، فإن نظام الأسد شن حربا على الشعب السوري وتحطمت الآمال الأولية منذ بداية الصراع في تحقيق التقدم لتحجب بسبب أعمال عنف وتطرف.
وما لم يتغير خلال تلك السنوات الصعبة هو التزام الولايات المتحدة بشعوب المنطقة. وكما قلت في خطابي منذ أربع سنوات «يجب ألا يكون هنالك أي شك في أن الولايات المتحدة ترحب بالتغيير الذي يؤدي إلى تقدم تقرير المصير والفرص». ولهذا نستمر في دعم حق المواطنين في تقرير مصيرهم وفي العيش بكرامة وفي اختيارهم للحكومات الشاملة التعددية وإتاحة الفرص الاقتصادية لهم والإمكانيات لكي يتحكموا بأنفسهم في مستقبلهم. وستستمر الولايات المتحدة في دعم هذه الحقوق العامة في الشرق الأوسط كما نفعل في كل أنحاء العالم.
وسوريا بالطبع تفرض تحديا فريدا. فنظام الأسد المستبد يستمر في ذبح شعبه، كما تواصل جماعات متطرفة مثل «داعش» وجبهة النصرة المرتبطة بـ«القاعدة» القيام بأعمال وحشية وتخطيط عمليات إرهابية ومحاولة فرض آيديولوجيتها المفلسة على الشعب السوري. وسياسة الولايات المتحدة واضحة. الأسد فقد كل شرعيته منذ فترة طويلة – ولعدم وجود حل عسكري للتحديات في سوريا – لا بد في النهاية أن يكون هناك انتقال سياسي نحو سوريا يتم فيه حماية الحقوق العامة، ومنها حقوق المرأة وحقوق الأقليات الدينية والعرقية. ونحو هذا الهدف، تواصل الولايات المتحدة دعم المعارضة السورية المعتدلة. ونظل أكبر جهة مقدمة للمساعدات الإنسانية إلى الشعب السوري، ومع شركائنا في التحالف، بما في ذلك دول عربية، سنواصل حملتنا الصارمة من أجل تقليص المناطق الآمنة التي تحتمي بها «داعش» داخل سوريا ضمن حملتنا الأوسع لتدمير «داعش».
* لقد وصلت إلى البيت الأبيض بوعد سحب القوات من العراق، وقد حافظت على وعدك. ومع ذلك فإن الوضع في العراق اليوم أسوأ مما كان عليه عندما وصلت إلى البيت الأبيض، مع «داعش» والميليشيات المسلحة التي تهدد أمن العراق. ما هو المطلوب لاستعادة استقرار العراق وكم من النقد ستتقبل حول ما أصبح العراق عليه بعد 12 عاما من الحرب التي عارضتها؟
- إن أحد الأسباب التي عارضت من أجلها غزو العراق في عام 2003 هو شعوري بأننا لم نقدر العواقب طويلة المدى. وفي الواقع، فإن سنوات عدم الاستقرار التي تبعت الغزو الأميركي ساعدت في ظهور «القاعدة» في العراق، والتي تحولت فيما بعد إلى «داعش» التي أسست لنفسها قاعدة في سوريا. وعبر سنوات كثيرة، أنفقت الولايات المتحدة مئات المليارات من الدولارات – وضحى آلاف من الأميركيين بحياتهم – لمساعدة العراقيين في تأسيس حكومة جديدة وقوات أمن. ومن المأساة، فشل الحكومة العراقية السابقة في أن تحكم بأسلوب تعددي شامل ساهم في خلق وضع شعر فيه بعض العراقيين أنهم مستبعدون، وكانت فيه القوات العراقية غير قادرة أو غير راغبة في الدفاع عن العراق ضد تقدم «داعش» في العام الماضي. ولذلك فهي ليست فقط مشكلة عسكرية ولكنها مشكلة سياسية أيضا.
من المهم لنا جميعا أن نتعلم دروس السنوات الاثنتي عشرة الماضية. وهذه الدروس تقودني إلى الاعتقاد بأن الحل العسكري لا يمكن فرضه على العراق – وبالتأكيد ليس من الولايات المتحدة. ولهذا، فإننا بالتعاون مع شركائنا في التحالف نسعى نحو توجه شامل في العراق في شراكة مع الشعب العراقي. وحملتنا العسكرية مع شركائنا العرب أوقفت زحف «داعش» وفي بعض المناطق أجبرتهم على التراجع. وهزمت القوات العراقية «داعش» في تكريت، كما فقدت «داعش» ربع المساحة المأهولة التي سيطرت عليها في العراق. ونحن نساعد على تدريب وتقوية القوات المحلية في العراق حتى تزداد قوة. ونقوم أيضا بتوفير المساعدات الإنسانية للشعب العراقي. وكما قلت مرات عدة، الحملة لتدمير «داعش» سوف تستغرق بعض الوقت، ولكنني على ثقة بأننا سننجح.
ولكن، في نهاية المطاف، سينجح العراق فقط إذا ما حكمه قادته بطريقة شاملة وتعددية يرى من خلالها العراقيون من مختلف الخلفيات أن لهم مستقبلا في العراق. وقد تشجعت بجهود رئيس الوزراء (العراقي حيدر) العبادي في تقوية القوات المحلية من خلال دمج أبناء القبائل السنية والعمل على تطوير «الحرس الوطني». وقد طور العبادي أيضا رؤية لأسلوب حكم جديد غير مركزي. وقام العبادي بجهد للتواصل مع دول جوار العراق وتم الترحيب به في عواصم إقليمية. إن اجتماعاتي هذا الأسبوع مع شركائنا في مجلس التعاون الخليجي سوف تكون فرصة للتأكيد على أننا ندعم بشدة روابط أقوى بين العراق وجيرانه، الذين عليهم احترام سيادة العراق.
* في بداية الأمر كان هناك تقدير كبير لجهودكم في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وتطبيق حل الدولتين. ومع ذلك فإن هذه الجهود قوبلت بعرقلة من أطراف عدة. هل فقدتم الأمل في التوصل إلى حل الدولتين قبل نهاية ولايتكم الرئاسية؟ وإذا كانت الإجابة بكلا، كيف يمكنكم تغيير الوضع الحالي؟
- لن أيأس أبدا في أمل تحقيق السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ولن تتوقف الولايات المتحدة عن العمل من أجل تحقيق هذا الهدف. وكما قلت عندما قمت بزيارة رام الله قبل عامين، فإن الفلسطينيين يستحقون نهاية للاحتلال والإذلال اليومي الذي يصاحبه. وهم يستحقون الحياة في دولة مستقلة وذات سيادة، حيث يمكنهم أن يمنحوا أطفالهم حياة ذات كرامة وفرصا معيشية. وكما قلت في خطابي إلى الشعب الإسرائيلي في الرحلة نفسها فإن السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين ضروري، وهو من العدل ويمكن تحقيقه. كما أنه أيضا يصب في مصلحة الأمن القومي للولايات المتحدة. ولذلك عملنا بجهد كبير لسنوات من أجل حل الدولتين وتطوير وسائل مبتكرة للتعامل مع احتياجات إسرائيل الأمنية، واحتياجات الفلسطينيين السيادية.
ومع انهيار المحادثات وتصاعد التوتر في القدس الشرقية والضفة الغربية ونشوب الصراع في غزة الصيف الماضي، ومع تساؤلات جدية حول الالتزام المحتمل بحل الدولتين، ليس سرا أننا الآن أمام طريق شاق للمستقبل. ونتيجة لذلك، تراجع الولايات المتحدة بعمق أسلوب تعاملها مع الصراع.
نحن نتطلع إلى الحكومة الإسرائيلية الجديدة وإلى الفلسطينيين لإظهار التزام حقيقي بحل الدولتين من خلال السياسات والأعمال. وحينذاك فقط يمكن إعادة بناء الثقة وتجنب حلقة التصعيد. ولا بد أن يكون التعامل مع آثار الصراع في غزة خلال الصيف الماضي مركزيا لأي جهد. وفي نهاية المطاف، سيتعين على الأطراف ليس فقط التعامل مع الحاجات الإنسانية العاجلة واحتياجات إعادة الإعمار في غزة، ولكن أيضا التحديات الجوهرية لمستقبل غزة ضمن حل الدولتين، بما في ذلك تعزيز ارتباط غزة بالضفة الغربية وإعادة تأسيس روابط تجارية قوية مع إسرائيل ومع الاقتصاد العالمي.
* لقد تواصلت مع العالم العربي بعد وصولك إلى البيت الأبيض عبر خطاب القاهرة عام 2009. وقد تغير الكثير منذ ذلك الوقت. وفي مقابلة أجريتها مؤخرا مع صحيفة «نيويورك تايمز» تحدثت عن «الشباب السني»، ورفض الكثير من الشباب في المدن العربية تصنيفهم دينيا أو طائفيا بهذه الطريقة. فهل تأسف أن الولايات المتحدة قد تكون ساهمت في تأجيج هذه الطائفية؟ وهل لديك رسالة إلى هؤلاء الشباب، بمن فيهم من يخاطر بكل شيء من الوصول إلى «الغرب» عبر البحر المتوسط حيث شاهدنا الآلاف تهلك؟
- لقد قضيت فترة رئاستي – وفي الواقع معظم حياتي – أعمل من أجل وصل الفوارق المفترضة بين الأجناس والأعراق والديانات والتي غالبا ما تمنع الناس من العمل سويا في الولايات المتحدة وحول العالم. وفيما يتعلق بالشرق الأوسط،، قمت مرارا بحث الحكومات على أن تحكم بأسلوب شامل تعددي بحيث يدرك كل أفراد شعوبهم - سواء كانوا سنة أو شيعة أو مسيحيين أو من أقليات دينية أخرى – أن حقوقهم سوف يتم احترامها وأن الفرصة سوف تكون متاحة أمامهم للنجاح. ولذلك عندما يرفض الشباب أن يروا أنفسهم من خلال المنظار الطائفي فإن هذا يمنحني الأمل.
ومع ذلك، ما لا يمكن إنكاره هو أن الطائفية للأسف توجد في المنطقة. وقد قلت في الأمم المتحدة العام الماضي إن «الحروب بالوكالة وحملات الإرهاب بين السنة والشيعة في أنحاء الشرق الأوسط» هي «صراع لا منتصر فيه». وقد تمزقت سوريا بسبب الحرب الأهلية، واستطاعت «داعش» الاستيلاء على مناطق شاسعة في العراق. وتسوق «داعش» منهجا مشوها وكاذبا عن الإسلام ومعظم ضحاياها هم من المسلمين – من الرجال والنساء والأطفال الأبرياء. ولذلك فإن إحدى القضايا التي سنركز عليها هذا الأسبوع في واشنطن هي كيفية عمل دولنا سويا من أجل حل بعض الصراعات الأكثر إلحاحا في المنطقة والتي سمحت بانتشار وازدهار مثل هؤلاء المتطرفين.
إنها مأساة حقيقية أن يشعر الكثير من الشباب بأن انعدام الفرص في بلدانهم يدفعهم إلى المخاطرة بحياتهم – وا لعديد منهم يلقون حتفهم – في محاولة عبور البحر المتوسط إلى أوروبا. ولذلك فإن رسالتي للشباب في أنحاء المنطقة هي أن الولايات المتحدة تراكم كما أنتم – شبابا وشابات موهوبين جدا ولديكم طاقات عظيمة يمكن أن تمنحوها لمجتمعاتكم ولبلادكم وللعالم. وتود أميركا أن تكون شريكة لكم فيما تعملون من أجل النجاح. وكان هذا هو جوهر خطابي في القاهرة، ويبقى هو هدفنا إلى اليوم. ولهذا نعمل من أجل دعم شراكات ريادة الأعمال والتعليم – حتى يمكن للشباب أن يبلوروا أفكارهم إلى مشروعات وأعمال توفر الفرص والوظائف. وهي أيضا سبب استمرار دعم أميركا للديمقراطية وحقوق الإنسان حول العالم، لأننا نؤمن أن كل رجل وامرأة وصبي وفتاة، جميعا يستحقون فرصة السعي وراء أحلامهم بحرية وكرامة.



المرصد العالمي لكرة القدم: النصر يزاحم كبار أندية أوروبا على التأثير في «السوشيال ميديا»

التصنيف الأسبوعي يبرز أن التنافس ليس في الملعب فقط (مرصد كرة القدم)
التصنيف الأسبوعي يبرز أن التنافس ليس في الملعب فقط (مرصد كرة القدم)
TT

المرصد العالمي لكرة القدم: النصر يزاحم كبار أندية أوروبا على التأثير في «السوشيال ميديا»

التصنيف الأسبوعي يبرز أن التنافس ليس في الملعب فقط (مرصد كرة القدم)
التصنيف الأسبوعي يبرز أن التنافس ليس في الملعب فقط (مرصد كرة القدم)

كشف التقرير الأسبوعي رقم 548 الصادر عن مرصد «سي آي إي إس» لكرة القدم عن اتساع الفجوة الرقمية بين أندية العالم على منصات التواصل الاجتماعي، في مشهد يعكس كيف أصبحت كرة القدم الحديثة تُقاس أيضاً بحجم التأثير الجماهيري خارج الملعب، وليس فقط بعدد البطولات أو النجوم داخل المستطيل الأخضر. وبينما واصل ريال مدريد فرض هيمنته الرقمية عالمياً، برز الحضور السعودي والعربي بصورة لافتة، خصوصاً مع استمرار النصر كأكبر نادٍ آسيوي وعربي من حيث إجمالي المتابعين.

الهلال حل ثالثاً (مرصد كرة القدم)

وتصدر ريال مدريد القائمة العالمية بإجمالي 487.6 مليون متابع عبر المنصات الخمس الرئيسية، موزعين بين 133 مليوناً على «فيسبوك»، و178 مليوناً على «إنستغرام»، و72.7 مليون على «تيك توك»، و84.2 مليون على «إكس»، و19.7 مليون على «يوتيوب». وخلفه مباشرة جاء برشلونة بـ441.8 مليون متابع، بواقع 125 مليوناً على «فيسبوك»، و144 مليوناً على «إنستغرام»، و66.4 مليون على «تيك توك»، و80.6 مليون على «إكس»، و25.8 مليون على «يوتيوب».

أما المركز الثالث فكان من نصيب مانشستر يونايتد الذي بلغ مجموع متابعيه 238.6 مليون، منهم 86 مليوناً عبر «فيسبوك»، و65.6 مليون على «إنستغرام»، و32.8 مليون على «تيك توك»، و43.1 مليون على «إكس»، و11.1 مليون على «يوتيوب».

وحل باريس سان جيرمان رابعاً بإجمالي 208.1 مليون متابع، ثم مانشستر سيتي خامساً بـ187.8 مليون، يليه ليفربول بـ179.2 مليون، ثم يوفنتوس بـ178.3 مليون، فيما جاء بايرن ميونيخ ثامناً بـ165.2 مليون متابع، وهو النادي الذي سجل أعلى معدل نمو خلال العام الأخير، بعدما أضاف 16.1 مليون متابع جديد.

واحتل تشيلسي المركز التاسع بـ156.5 مليون متابع، بينما أكمل آرسنال قائمة العشرة الأوائل بإجمالي 118.5 مليون متابع.

ولم يقتصر التقرير على القوى الأوروبية التقليدية، بل أظهر التحول الكبير الذي تعيشه الكرة السعودية رقمياً خلال السنوات الأخيرة. فقد جاء النصر في المركز السادس عشر عالمياً كأكبر نادٍ عربي وآسيوي، بعدما بلغ إجمالي متابعيه 66 مليون متابع، موزعين بين 8.1 مليون على «فيسبوك»، و29.2 مليون على «إنستغرام»، و20 مليوناً على «تيك توك»، و5.8 مليون على «إكس»، و2.9 مليون على «يوتيوب».

برز الحضور السعودي والعربي بصورة لافتة وخاصة النصر الذي تصدر الأندية العربية والآسيوية (مرصد كرة القدم)

وخلفه مباشرة على الصعيد العربي جاء الأهلي المصري في المركز الثامن عشر عالمياً بـ60.1 مليون متابع، بواقع 19 مليوناً على «فيسبوك»، و12.3 مليون على «إنستغرام»، و7.3 مليون على «تيك توك»، و20 مليوناً على «إكس»، و1.5 مليون على «يوتيوب».

أما الهلال فجاء في المركز الرابع والعشرين عالمياً بإجمالي 36.1 مليون متابع، منهم 3.9 مليون على «فيسبوك»، و10.1 مليون على «إنستغرام»، و7.3 مليون على «تيك توك»، و12.2 مليون على «إكس»، و2.6 مليون على «يوتيوب».

وحضر الاتحاد أيضاً ضمن قائمة أفضل 50 نادياً عالمياً، بعدما بلغ مجموع متابعيه 14.6 مليون متابع، موزعين بين 1.3 مليون على «فيسبوك»، و3.9 مليون على «إنستغرام»، و4.1 مليون على «تيك توك»، و4.6 مليون على «إكس»، و700 ألف على «يوتيوب».

وفي أفريقيا، ظهر الزمالك في المركز الأربعين عالمياً بإجمالي 17.4 مليون متابع، بينها 8.1 مليون على «فيسبوك»، و2.4 مليون على «إنستغرام»، و1.4 مليون على «تيك توك»، و5.4 مليون على «إكس».

26 دولة حضرت في الترتيب (مرصد كرة القدم)

كما سجل الوداد المغربي حضوراً بارزاً بـ8.3 مليون متابع، بينما ظهر الرجاء بـ13 مليون متابع، في وقت واصل فيه بيرسبوليس الإيراني وكايزر تشيفز وأورلاندو بايرتس تعزيز حضورهم الرقمي داخل الأسواق الآسيوية والأفريقية.

وأشار التقرير إلى أن 26 دولة حضرت ضمن قائمة أفضل 100 نادٍ عالمياً، مع تفوق إسبانيا بـ21 نادياً، ثم إنجلترا بـ17 نادياً، والبرازيل بـ11 نادياً. كما أوضح أن «إنستغرام» و«فيسبوك» تمثلان المنصتين الأكبر للأندية بنسبة 31 في المائة لكل منهما من إجمالي المتابعين، تليهما «تيك توك» بـ17 في المائة، ثم «إكس» بـ16 في المائة، وأخيراً «يوتيوب» بـ5 في المائة.

أربعة أندية سعودية وجدت في القائمة (مرصد كرة القدم)

ويعكس التقرير كيف تحولت المنصات الرقمية إلى ساحة نفوذ موازية لكرة القدم، حيث لم تعد الجماهير تُقاس فقط بالحضور في المدرجات أو نسب المشاهدة التلفزيونية، بل أيضاً بحجم التفاعل اليومي عبر الهواتف والمنصات الاجتماعية.

وفي هذا السياق، تبدو الأندية السعودية تحديداً أمام مرحلة جديدة من التوسع العالمي، مستفيدة من الزخم الجماهيري الذي صنعته التعاقدات الكبرى، والانتشار المتزايد للدوري السعودي خارج المنطقة العربية، وهو ما يظهر بوضوح في الأرقام التي وضعت النصر والهلال والاتحاد بين أكثر الأندية متابعة خارج أوروبا.


دفاع ساركوزي يطالب بتبرئته في دعوى مرتبطة بمزاعم تورطه بـ«قضية ليبيا»

الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي (الثاني يميناً) بمحكمة الاستئناف في باريس يوم 27 مايو 2026 (رويترز)
الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي (الثاني يميناً) بمحكمة الاستئناف في باريس يوم 27 مايو 2026 (رويترز)
TT

دفاع ساركوزي يطالب بتبرئته في دعوى مرتبطة بمزاعم تورطه بـ«قضية ليبيا»

الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي (الثاني يميناً) بمحكمة الاستئناف في باريس يوم 27 مايو 2026 (رويترز)
الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي (الثاني يميناً) بمحكمة الاستئناف في باريس يوم 27 مايو 2026 (رويترز)

طالب محامو الدفاع عن الرئيس الفرنسي الأسبق، نيكولا ساركوزي، بتبرئة موكلهم في دعوى استئناف بشأن مزاعم سعيه للحصول على تمويل انتخابي غير قانوني من ليبيا خلال حملته الانتخابية في عام 2007.

وقال المحامي تريستان غوتييه، أمام محكمة باريس خلال المرافعات الختامية: «تجب تبرئة نيكولا ساركوزي؛ لأنه غير مذنب»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية». في حين أكد زميله، كريستوف إنغران، أنه لا يمكن إصدار حكم إدانة بحق ساركوزي بناء على مجرد افتراض، مضيفاً أن ساركوزي، الذي تولى الرئاسة بين عامَي 2007 و2012، لم يتصرّف بطريقة تبرر اتهامات «التورط في منظمة إجرامية».

وأوضح إنغران أن «الإدانة لم تكن قائمة على أفعال يمكن إثباتها، ولكن على نيات مفترضة».

وأدانت محكمة في باريس عام 2021، ومحكمة استئناف عام 2024، ساركوزي بتهمة التمويل غير القانوني لحملته الانتخابية لعام 2012.

ويُتهم ساركوزي بأنه أنفق نحو ضعف الحد القانوني الأقصى البالغ 22.5 مليون يورو (25.5 مليون دولار) على حملة إعادة انتخابه التي خسرها أمام المرشح الاشتراكي فرنسوا هولاند.


«ماستركارد» لـ«الشرق الأوسط»: المرونة السيبرانية تعزز جاهزية القطاع المالي السعودي

المرونة السيبرانية تعزِّز جاهزية المؤسسات المالية السعودية أمام التهديدات الرقمية (رويترز)
المرونة السيبرانية تعزِّز جاهزية المؤسسات المالية السعودية أمام التهديدات الرقمية (رويترز)
TT

«ماستركارد» لـ«الشرق الأوسط»: المرونة السيبرانية تعزز جاهزية القطاع المالي السعودي

المرونة السيبرانية تعزِّز جاهزية المؤسسات المالية السعودية أمام التهديدات الرقمية (رويترز)
المرونة السيبرانية تعزِّز جاهزية المؤسسات المالية السعودية أمام التهديدات الرقمية (رويترز)

مع تسارع التحوُّل الرقمي في السعودية، لم يعد الأمن السيبراني مرتبطاً فقط بحماية الأنظمة من الاختراقات، بل أصبح جزءاً من قدرة المؤسسات على الاستمرار، واتخاذ القرار، والتعامل مع المخاطر قبل تحوُّلها إلى أزمات تشغيلية. هذا التحوُّل يبدو واضحاً في القطاع المالي، حيث تتداخل الخدمات الرقمية والمدفوعات والبيانات والأطراف الثالثة، ضمن منظومة تتطلَّب مراقبةً مستمرةً واستجابةً أسرع.

بعد عام على إطلاق «مركز المرونة السيبرانية»، التابع لـ«ماستركارد» في السعودية، يرى آدم جونز، نائب الرئيس التنفيذي ورئيس قسم غرب الجزيرة العربية في «ماستركارد»، أنَّ القطاع شهد تغيُّراً واضحاً في طريقة النظر إلى المخاطر الرقمية. ويقول: «القطاع الرقمي في السعودية يشهد نمواً متسارعاً»، وهو ما تَرافَقَ مع ارتفاع مستوى التهديدات السيبرانية، وزيادة اهتمام المؤسسات بعمليات الرصد والمراقبة، خصوصاً فيما يتعلق بالتعامل مع الشركاء التقنيِّين والجهات الخارجية.

هذا التغيُّر لا يرتبط فقط بزيادة عدد الهجمات، بل بطبيعة البيئة الرقمية نفسها. فالأنظمة أصبحت أكثر ترابطاً، والخدمات تعتمد على تبادل البيانات بين أطراف عدة، ما يجعل فهم التهديدات وتحليلها جزءاً أساسياً من حماية الأعمال.

آدم جونز نائب الرئيس التنفيذي ورئيس قسم غرب الجزيرة العربية في «ماستركارد»

بيانات التهديدات

في البيئة السيبرانية الجديدة، لا تكفي معرفة أنَّ هناك تهديداً محتملاً، فالأهم هو فهم مصدره وطريقته وأهدافه والقطاعات الأكثر عرضة له. لذلك تزداد أهمية بيانات التهديدات السيبرانية، التي تمنح المؤسسات قدرةً على الانتقال من رد الفعل إلى الاستعداد المسبق.

يوضح جونز أنَّ هذه البيانات تساعد المؤسسات على فهم أساليب الهجمات والجهات التي قد تقف خلفها، إلى جانب الأهداف المحتملة منها. ويقول إن هذا يمنح المؤسسات «قدرة أكبر على تقييم المخاطر والاستعداد لها مبكراً».

في هذا السياق، عزَّزت «ماستركارد» قدراتها بعد الاستحواذ على شركة «ريكوردد فيوتشر» في ديسمبر (كانون الأول) 2024، وهي خطوة تهدف إلى تطوير حلول بيانات التهديدات السيبرانية، والتحليلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ومنع الاحتيال، وإدارة الهوية، والمرونة التشغيلية.

تظهر أهمية هذه القدرات في أكثر من مستوى. فعلى المستوى التنفيذي، تساعد الإدارات العليا على استشراف المخاطر المستقبلية وفهم أثرها المحتمل على الأعمال. وتقنياً، تساعد فرق الأمن على رصد تسريب بيانات الدخول، والنشاطات المشبوهة على الإنترنت، ومخاطر الأطراف الثالثة، وتحديد أولويات الاستجابة.

استباق الهجمات

لا تقف قيمة بيانات التهديدات عند التحليل النظري. وفقاً لجونز، أظهرت بعض السيناريوهات المبنية على بيانات تهديدات حقيقية قدرة المؤسسات على رصد مؤشرات مبكرة، مثل إساءة استخدام الهويات الرقمية أو محاولات الدخول غير المعتادة عبر أنظمة مرتبطة بجهات خارجية.

في الحالات التي جرى التعامل معها بسرعة، أمكن احتواء الهجمات قبل وصولها إلى الأنظمة الحساسة. كما ساعدت بيانات التهديدات المقدمة عبر «ريكوردد فيوتشر» على الكشف المبكر عن حملات تصيد إلكتروني استهدفت مؤسسات مختلفة، من خلال رصد مواقع مزيفة ونشاطات مشبوهة قبل توسُّع نطاق الهجمات.

هذا النوع من الرصد يتيح إجراءات عملية، مثل إغلاق النطاقات المشبوهة، وتحذير العملاء، وتحديث أدوات المراقبة. وهنا تصبح البيانات السيبرانية أداةً تشغيليةً، لا مجرد تقرير يُقرَأ بعد وقوع الحادث.

كما تلعب تدريبات محاكاة الأزمات السيبرانية دوراً في اختبار قدرة المؤسسات على اتخاذ القرار تحت الضغط؛ فالهدف ليس فقط معرفة ما إذا كانت الأنظمة التقنية قادرة على كشف الخطر، بل معرفة ما إذا كانت الفرق المختلفة داخل المؤسسة قادرة على التحرُّك بسرعة وبطريقة منسقة.

بيانات التهديدات تساعد المؤسسات على الاستجابة قبل توسُّع الهجمات (رويترز)

فجوة القرار

تظهر إحدى أهم النقاط في حديث جونز عند التمييز بين الجانب التقني والجانب المؤسسي في إدارة الحوادث. فالتحديات الكبرى لا تكون دائماً في اكتشاف الهجوم، بل في اتخاذ القرار المناسب بعد اكتشافه.

يصرِّح جونز بأنَّ التحديات تظهر غالباً «في جانب اتخاذ القرار، والتنسيق بين الجهات المختلفة أكثر من الجوانب التقنية نفسها». ففي تدريبات محاكاة الأزمات داخل المملكة، برزت قدرة الفرق التقنية على رصد المؤشرات المبكرة، لكن التحدي الأوسع كان في سرعة تنسيق الجهات المعنية لاتخاذ قرارات تتعلق بالاحتواء، والتواصل، والإجراءات التنظيمية، وتأثير الحادث على الأعمال.

هذا يفسِّر لماذا أصبحت المرونة السيبرانية مفهوماً يتجاوز أدوات الحماية. فالمؤسسة قد تمتلك أنظمةً متقدمةً للرصد، لكنها تحتاج أيضاً إلى حوكمة واضحة، وصلاحيات محددة، ومسارات تصعيد معروفة، وتنسيق مبكر بين فرق الأمن السيبراني وتقنية المعلومات وإدارة المخاطر والشؤون القانونية والامتثال والإدارة التنفيذية.

سرعة الاحتواء

من أبرز التحسينات التي شهدها العام الماضي، بحسب جونز، تسريع الانتقال من مرحلة اكتشاف التهديد إلى اتخاذ القرار. ويصف هذه النقطة بأنها «حاسمة خلال الهجمات السيبرانية»؛ لأنَّ أي تأخير يمنح المهاجمين وقتاً إضافياً للتحرُّك داخل الأنظمة، والوصول إلى بيانات أو صلاحيات أوسع.

وقد لوحظ تحسُّن في سرعة التنسيق بين الفرق التقنية والإدارية، إلى جانب إشراك فرق الشؤون القانونية والامتثال في مراحل مبكرة عند الحاجة. هذا التطوُّر يسهم في تقليل فترة التعرُّض للمخاطر، وتحسين عمليات الاحتواء، ومنع تحوُّل الحوادث المحدودة إلى أزمات واسعة.

في القطاع المالي، يكتسب هذا الأمر أهميةً إضافيةً؛ بسبب حساسية البيانات، وتعدُّد الأطراف المتصلة بالمنظومة، وارتباط الخدمات الرقمية بثقة المستخدمين واستمرارية العمليات. لذلك لا يمكن التعامل مع الاستجابة للحوادث بوصفها مسؤولية فريق واحد، بل بوصفها اختباراً لقدرة المؤسسة كلها على العمل تحت الضغط.

الأطراف الثالثة

مع توسُّع الخدمات الرقمية، أصبحت مخاطر الأطراف الثالثة جزءاً رئيسياً من المشهد السيبراني. فالمؤسسات لا تعمل داخل حدودها التقنية فقط، بل تعتمد على مزوِّدين وشركاء وخدمات خارجية ومنصات متصلة. وكل نقطة اتصال يمكن أن تتحوَّل إلى مصدر خطر إذا لم تُراقب جيداً.

يركز «مركز المرونة السيبرانية»، التابع لـ«ماستركارد» على تقليص الفجوة بين معرفة التهديد واتخاذ الإجراء المناسب حياله. ولا يقتصر دوره، كما يوضِّح جونز، على إصدار التقارير، بل يشمل تحليلات مستقبلية للتهديدات، وبرامج توعية وتدريبات لمحاكاة الأزمات وتقييمات للمخاطر ومراقبة للأطراف الثالثة.

هذا التكامل بين التحليل والتدريب والتقييم يعكس طبيعة الأمن السيبراني الحديثة؛ فالمخاطر لا تُدار فقط داخل مركز العمليات الأمنية، بل عبر منظومة أوسع تشمل الإدارات التنفيذية والمخاطر والقانون والامتثال والفرق التشغيلية.

التعاون بين الجهات التنظيمية والمؤسسات يحسِّن المرونة السيبرانية العملية

تعاون منظم

يعد جونز أنَّ التعاون بين القطاعَين العام والخاص في السعودية متقدم نسبياً مقارنة بعدد من الأسواق الإقليمية، خصوصاً في القطاع المالي، حيث توجد أطر تنظيمية واضحة ومتطلبات محددة تتعلق بالمرونة السيبرانية.

لكن التحدي الحالي لا يرتبط فقط بوجود الأطر، بل بتحويلها إلى ممارسة عملية. ويشير إلى أهمية تسريع تبادل المعلومات المهمة، وتحويل بيانات التهديدات السيبرانية إلى إجراءات فعلية، وتحسين التنسيق بين الجهات التنظيمية والمؤسسات ومقدمي الخدمات والأطراف الثالثة.

فيما يتعلق بالإبلاغ عن الحوادث، يؤكد جونز أنَّ البنوك في السعودية تلتزم بالأطر والتعليمات التنظيمية المعتمدة، بما يشمل الإبلاغ الفوري عن بعض الحوادث الحساسة. كما أظهرت تدريبات المحاكاة وعياً واضحاً لدى المؤسسات بأهمية إشراك الفرق القانونية والامتثال عند الحاجة.

لكن التحدي الأكبر يبقى في سرعة تقييم المعلومات، والتحقُّق منها داخلياً، ورفعها إلى الجهات المعنية في الوقت المناسب. فالاستجابة لا تعتمد فقط على الإبلاغ، بل على دقة المعلومة، وسرعة تداولها بين الجهات ذات الصلة.

الهجمات... والذكاء الاصطناعي

يتغيَّر مشهد التهديدات مع دخول الذكاء الاصطناعي بصورة أوسع في الهجمات. ويفيد جونز بأنَّ استخدام الذكاء الاصطناعي من جانب المهاجمين يشهد تطوراً سريعاً، خصوصاً في التصيد الإلكتروني، والهندسة الاجتماعية، وإنتاج المحتوى المزيف.

وقد أصبحت الهجمات أكثر إقناعاً وانتشاراً مع الاعتماد على تقنيات مثل استنساخ الأصوات، والتزييف العميق، والاحتيال المدعوم بالذكاء الاصطناعي. كما تشير أبحاث «ريكوردد فيوتشر» إلى تصاعد استخدام برمجيات سرقة المعلومات، واختراق الهويات الرقمية، وظهور مؤشرات على استخدام الذكاء الاصطناعي في بعض البرمجيات الخبيثة بعد تنفيذ الاختراقات.

هذا التحوُّل يضع المؤسسات أمام تحديين متوازيين، الأول أنَّ الهجمات أصبحت أسرع وأكثر تخصيصاً. والثاني أنَّ الدفاع نفسه يحتاج إلى استخدام أدوات أكثر تقدماً في التحليل والأتمتة وتسريع الاستجابة.

ويقول جونز إن المؤسسات الدفاعية تعتمد أيضاً على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحسين التحليلات والأتمتة، ما يجعل الاستعداد المبكر والتكيُّف المستمر جزءاً من إدارة المخاطر.

مرونة مستمرة

رغم تطوُّر قدرات الرصد والتحليل، فإنَّ جونز لا يقدِّم صورةً مبسطةً عن إمكانية منع جميع الهجمات. فالمهاجم يحتاج إلى استغلال ثغرة واحدة، بينما يتطلب الدفاع الناجح جاهزيةً مستمرةً على مستوى الأفراد والأنظمة والإجراءات.

وقد شهدت السنوات الأخيرة، وفقاً له، تطوراً واضحاً في فهم التهديدات السيبرانية، بفضل تحسُّن قدرات الرصد، وبيانات التهديدات، وارتفاع مستوى الوعي داخل المؤسسات. كما تحسَّنت القدرة على الحدِّ من تأثير الهجمات وتقليل أضرارها، وإن كانت الوقاية الكاملة من كل الهجمات غير واقعية.

لذلك، تواصل المؤسسات المالية في السعودية الاستثمار في قدرات الحماية والكشف والاستجابة والتعافي. وفي هذا الإطار، لا تبدو المرونة السيبرانية مجرد هدف تقني، بل اصبحت شرطاً لاستمرارية منظومة رقمية تتوسَّع بسرعة، وتزداد ترابطاً، وتواجه تهديدات أكثر تعقيداً.