نشأ ريتشارد دوغرتي في بيت بآيرلندا، مبني على الطراز الجورجي، منذ أكثر من 200 سنة؛ نوافذه ضيقة، وغرفه صغيرة، وفيه طاولة طعام مستطيلة.
خيم الظلام والبرد والرطوبة على أجواء المنزل، «فبات الأمر صعباً علي، خصوصاً أنني كنت أعتمد على التواصل البصري الواضح، وقراءة الشفاه، وتعابير الوجه، للاتصال مع الآخرين» حسبما يقول ريتشارد دوغرتي، ويضيف بأن الغرف المغلقة أيضاً، حدت من قدرته على التواصل البصري واستخدام الإشارات.
دوغرتي، هو المهندس المعماري الرئيس، فيما يُتوقع أن يكون أول مكان عام في الولايات المتحدة، مبني باستخدام تصميم وهندسة (DeafSpace) «ديف سبيس»، أي مساحة تواصل الصم. وحسب قوله، فإن فلسفة التصميم، التي طورت سنة 2006 لتكون مشروعاً لتصميم «ديف سبيس»، تتضمن أكثر من 150 عنصراً معمارياً، تأخذ في الاعتبار الطريقة المميزة، التي يتواصل بها الصم مع بيئتهم المادية، بما في ذلك المساحة والتقارب، والامتداد الحسي، والتنقل والقرب، والضوء واللون والصوت.
تقع المساحة الجديدة، التي تضم منطقة مفتوحة تسمى «طريق الإبداع»، في حرم جامعة غالوديت، وهي مؤسسة الفنون الحرة الوحيدة، في البلاد للصُم وضعاف السمع، وعمرها أربع سنوات فقط. وهناك في غالوديت، التي استأجرها الرئيس لينكولن في عام 1864، يطور تصميم «ديف سبيس»، بإضافة ثلاثة مبانٍ جديدة تعمل وفق مبادئ «ديف سبيس»، وتفتح الحرم الجامعي على الحي المحيط به في العاصمة واشنطن.
نشأ دوغرتي في أسرة لا تعاني من ضعف السمع، بينما تربت زوجته سارة في منزل «يلخص كل شيء عن (عالم الصم) - عالم حسي غني مليء بالمحادثات الصامتة، والرسوم المتحركة المرئية، والهوية الثقافية المحددة»، كما يقول دوغرتي، ويضيف أن سارة، ووالديها وإخوتها، كلهم من الصم. ويتذكر أول مرة زارها: «كان البيت واحة من البهجة المكانية بالنسبة لي. كانت هناك وفرة من الإضاءة الطبيعية، والأسطح اللمسية والدافئة، والوصول الواضح إلى الحدائق. وكانت الروائح مختلفة».
يقول دوغرتي إن أصهاره قضوا سنوات يعيدون تصميم بيتهم في ثلاثينات القرن العشرين، كي يتلاءم مع «طرق الحياة» الفريدة للأسرة، التي شملت إزالة الجدران، وإضافة الأضواء والمرايا الموضوعة بتنسيق استراتيجي. ويمكن للأسطح العاكسة تسهيل الاتصال البصري، وجعل الشخص الأصم يرى أن هناك شخصاً ما وراءها. وقد ساعدته الاختلافات بين بيت طفولته ومنزل زوجته، على «تقدير قيم الروابط الأساسية وقوتها بين الصم، والمساحات التي يعيشون فيها».
وقد مهد ذلك، الطريق أمام دوغرتي ليصبح المهندس الرئيس للمساحات العامة، الذي يركز على المشاة لدى غالوديت، وكذلك مستشار غالوديت بشأن المباني الثلاثة الجديدة. وستحتوي هذه المباني على 30 ألف قدم مربع من مساحة التجزئة في الطابق الأرضي، و15 ألف قدم مربع من مساحة الجامعة في الأعلى، بما في ذلك 245 وحدة سكنية، التي وصفها المشاركون بأنها «الشرفة الأمامية لشركة» «جي يو» مع المجتمع. هذا المشروع الجديد، كما يقول دوغرتي، هو طريقة الجامعة لمد الذراع الطويلة للحي بغية تعزيز العلاقات الجديدة فيما بينهما.
يقول دوغرتي الذي يعمل لدى «هول ماكنايت»، وهي شركة معمارية لديها مكاتب في بلفاست ولندن، إن تصميم «ديف سبيس»، الذي يشار إليه بأنه «تصميم محوره الإنسان»، يمكن أن يفيد الجميع، فهو «يُدخل فكرة التعاطف» في التصميم، داعياً إلى المقاعد الدائرية أو المنحنية كعنصر أساسي، على سبيل المثال.
الصُم «أناس كرويون»، كما كتب الدكتور بن باهان، أستاذ لغة الإشارات الأميركية (ASL)، ودراسات الصُم في غالوديت. ففي حين يمكن للشخص السامع البحث عن تصاميم زاوية تحتوي على الجدران والمساحات المغلقة، فإن تلك المقاربة قد تخلق شعوراً بالعزلة لدى الصُم. ويقول المهندس المعماري تود بيرد، إن التواصل البصري والجدران الأقل، أو الجدران النصفية مع «الحاويات الضمنية»، هي نهج تصميمي يفيد التواصل مع الصُم. يُطلق دوغرتي على المقاعد الدائرية اسم «المعادل الديمقراطي»، فهي لا تسهل التواصل البصري فحسب، وإنما تمنح الجميع وضعاً متساوياً، لأن أحداً لا يجلس على رأس الطاولة. كما أنه يسمح للناس برؤية بعضهم البعض بصورة أفضل، مما يمكنه تسليط الضوء على إشارات الوجه، وهو أيضاً مفتاح لتحسين التواصل، سواء كان الناس يتكلمون بلغة الإشارة أم لا.
في الواقع، فإن معظم، إن لم يكن كل، مبادئ تصميم «ديف سبيس»، مفيدة لمجتمع السامعين، كما يقول دوغرتي. ووفقا لسام سويلر، مدير التخطيط العقاري الاستراتيجي وتطوير الأعمال والعلاقات الخارجية في غالوديت، فإنها «صُممت لتكون فعالة في كل جزء منها، كما في التصميم التقليدي». وأضاف قائلاً: «إذا طُبقت بشكل صحيح، فإن مبادئ تصميم (ديف سبيس)، يجب ألا تؤثر على توافر المساحة».
من جانبها، تقول روبي ساكلاريديس، نائب رئيس التطوير في «جي بي جي سميث»، الشركة المطورة للمشروع: «لا يعد تصميم (ديف سبيس) مقيداً على الإطلاق»، وتضيف، بأن مفاهيم التصميم ليست دخيلة على المستخدم أو واضحة له بالضرورة. على سبيل المثال، سيكون لردهات الأبنية الثلاثة الجديدة خطوط رؤية مفتوحة، وهو المفهوم الذي يقول ساكلاريديس إنه يحظى بتقدير غالبية السكان، ومقاعد دائرية، أو أثاث يمكن نقله إلى أنساق مختلفة.
في حين أن ممرات المباني الجديدة ستكون أوسع، تقول ساكلاريديس إن الوحدات السكنية نفسها، لن تشمل أي اختلافات ملحوظة. (على سبيل المثال، لن تكون هناك جدران نصفية في الغرف). ولكن الإضاءة ستكون معززة. وتتابع: «لا أعتقد أنه يلزم القول: أوه، إن إضاءة هذه الغرفة رائعة»، وتستطرد: «لكن سيكون لديك شعور في اللاوعي حول (الإضاءة المصممة) لتجنب أنواع معينة من الظلال»، وهو أمر مهم للتواصل مع لغة الإشارة. لن تعمل لوحات الألوان - لا سيما الدرجات الزرقاء والخضراء - على خلق خلفية مهدئة فقط، لقد أظهرت أيضاً أنها أفضل خلفية للاتصال بين الناس من كل لون، حسب دوغرتي. كما أن برنامج «طريق الإبداع»، سيوسع من الأرصفة لإتاحة المجال لمحادثات الإشارة، التي يمكن أن تفيد أي شخص يمشي ويتحدث، بما في ذلك الأشخاص الذين يستخدمون الكراسي المتحركة والآباء الذين يدفعون عربات الأطفال. كما تُحسِّن الأشجار ذات الشجيرات الواضحة من خط الرؤية للجميع.
تقول ساكلاريديس: «لقد عملنا عن كثب مع مهندسي المناظر الطبيعية، لنكون متعمدين بشأن أنواع وألوان المواد التي نطبقها على الأرصفة والممرات، وفي أي مكان نتحكم بتصميم الحيز العام فيه. إذا لم تستطع سماع سيارة قادمة، فسترى بالتأكيد هذا التباين في مواد الرصيف، وستشعر بأنه تحتك - نتوءات أو مواد مختلفة في الرصيف فيما تقترب من مناطق التفاعل المحتملة». ويمكن لذلك أن يكون بمثابة تحذير للمشاة للانتباه والتحقق من محيطهم، ليس على عكس شريط التنبيه الصوتي على الطريق السريع أو النسيج الوعر عند حافة رصيف القطار.
من شأن فكرة «طريق الإبداع» تشجيع الناس على التوقف والدردشة، مع المساحات المخصصة للمحادثة، والمقاعد ذات الطراز المدرج. كما أنها ستعمل كمساحة انتقالية بين الجامعة والمنطقة، وستكون «طريق الإبداع» متاحة للعامة من الفجر إلى الغسق، وستخدم مساحة التجزئة في الطابق الأرضي الجمهور.
عندما يتعلق الأمر بالتكلفة، تقارن ساكلاريدس بين تصميم «ديف سبيس» والتصميم البيئي. «هل هناك طرق للتصميم البيئي مكلفة للغاية؟ نعم. هل هناك طرق لتصبح أكثر استدامة من دون زيادة التكاليف؟ نعم، بالتأكيد. لذلك أعتقد أن ذلك صحيح أيضاً في تصميم «ديف سبيس»، كما تقول ساكلاريدس، مضيفة أن ذلك يعتمد إلى حد كبير على موقع البناء ومواصفاته.
في حين أن «جيه بي جي سميث»، وجامعة غالوديت لم تلتزما بأي مستأجرين معينين لمساحة البيع بالتجزئة حتى الآن، فإنهما تخططان لتخصيص ما لا يقل عن 5 آلاف قدم مربعة لأعمال تجارية مملوكة للصم. أما بالنسبة للمستأجرين الآخرين، فتقول ساكلاريدس إن «جي بي جي سميث» تبحث عن أصحاب الأعمال الذين لديهم «نية حقيقية للتركيز على أماكنهم ومحيطهم». وتضيف أن جميع مستأجري البيع بالتجزئة سيتلقون تدريباً على كيفية الاتصال الفعال مع من يتحدثون لغة الإشارة.
ترى ساكلاريديس أن هذا المشروع، الذي ينطلق الخريف المقبل، لن يضع أفكار غالوديت لتصميم «ديف سبيس» موضع الاختبار والتنفيذ فحسب، وإنما سيسمح أيضاً للآخرين بتبني المبادئ ومواصلة تعزيزها.
يقول دوغرتي إن المشروع لديه القدرة على التحول لنموذج تصميم عالمي للاحتفال بالتنوع الحسي. «أؤمن بشدة بالعمارة القائمة على بناء الصلات، ذلك النوع من العمارة عميق المغزى وشامل الفائدة، ويستجيب بالتساوي لمتطلبات الجسم والعقل، إنها البنية الأخلاقية التي تدمج ولا تنفر».
* خدمات «تريبيون ميديا»
مهندس معماري يحاول تطوير «ديف سبيس» ليكون متاحاً للجميع
مشروع غالوديت لتصميم «ديف سبيس» (خدمات تريبيون ميديا)
مهندس معماري يحاول تطوير «ديف سبيس» ليكون متاحاً للجميع
مشروع غالوديت لتصميم «ديف سبيس» (خدمات تريبيون ميديا)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

