مهندس معماري يحاول تطوير «ديف سبيس» ليكون متاحاً للجميع

مشروع غالوديت لتصميم «ديف سبيس» (خدمات تريبيون ميديا)
مشروع غالوديت لتصميم «ديف سبيس» (خدمات تريبيون ميديا)
TT

مهندس معماري يحاول تطوير «ديف سبيس» ليكون متاحاً للجميع

مشروع غالوديت لتصميم «ديف سبيس» (خدمات تريبيون ميديا)
مشروع غالوديت لتصميم «ديف سبيس» (خدمات تريبيون ميديا)

نشأ ريتشارد دوغرتي في بيت بآيرلندا، مبني على الطراز الجورجي، منذ أكثر من 200 سنة؛ نوافذه ضيقة، وغرفه صغيرة، وفيه طاولة طعام مستطيلة.
خيم الظلام والبرد والرطوبة على أجواء المنزل، «فبات الأمر صعباً علي، خصوصاً أنني كنت أعتمد على التواصل البصري الواضح، وقراءة الشفاه، وتعابير الوجه، للاتصال مع الآخرين» حسبما يقول ريتشارد دوغرتي، ويضيف بأن الغرف المغلقة أيضاً، حدت من قدرته على التواصل البصري واستخدام الإشارات.
دوغرتي، هو المهندس المعماري الرئيس، فيما يُتوقع أن يكون أول مكان عام في الولايات المتحدة، مبني باستخدام تصميم وهندسة (DeafSpace) «ديف سبيس»، أي مساحة تواصل الصم. وحسب قوله، فإن فلسفة التصميم، التي طورت سنة 2006 لتكون مشروعاً لتصميم «ديف سبيس»، تتضمن أكثر من 150 عنصراً معمارياً، تأخذ في الاعتبار الطريقة المميزة، التي يتواصل بها الصم مع بيئتهم المادية، بما في ذلك المساحة والتقارب، والامتداد الحسي، والتنقل والقرب، والضوء واللون والصوت.
تقع المساحة الجديدة، التي تضم منطقة مفتوحة تسمى «طريق الإبداع»، في حرم جامعة غالوديت، وهي مؤسسة الفنون الحرة الوحيدة، في البلاد للصُم وضعاف السمع، وعمرها أربع سنوات فقط. وهناك في غالوديت، التي استأجرها الرئيس لينكولن في عام 1864، يطور تصميم «ديف سبيس»، بإضافة ثلاثة مبانٍ جديدة تعمل وفق مبادئ «ديف سبيس»، وتفتح الحرم الجامعي على الحي المحيط به في العاصمة واشنطن.
نشأ دوغرتي في أسرة لا تعاني من ضعف السمع، بينما تربت زوجته سارة في منزل «يلخص كل شيء عن (عالم الصم) - عالم حسي غني مليء بالمحادثات الصامتة، والرسوم المتحركة المرئية، والهوية الثقافية المحددة»، كما يقول دوغرتي، ويضيف أن سارة، ووالديها وإخوتها، كلهم من الصم. ويتذكر أول مرة زارها: «كان البيت واحة من البهجة المكانية بالنسبة لي. كانت هناك وفرة من الإضاءة الطبيعية، والأسطح اللمسية والدافئة، والوصول الواضح إلى الحدائق. وكانت الروائح مختلفة».
يقول دوغرتي إن أصهاره قضوا سنوات يعيدون تصميم بيتهم في ثلاثينات القرن العشرين، كي يتلاءم مع «طرق الحياة» الفريدة للأسرة، التي شملت إزالة الجدران، وإضافة الأضواء والمرايا الموضوعة بتنسيق استراتيجي. ويمكن للأسطح العاكسة تسهيل الاتصال البصري، وجعل الشخص الأصم يرى أن هناك شخصاً ما وراءها. وقد ساعدته الاختلافات بين بيت طفولته ومنزل زوجته، على «تقدير قيم الروابط الأساسية وقوتها بين الصم، والمساحات التي يعيشون فيها».
وقد مهد ذلك، الطريق أمام دوغرتي ليصبح المهندس الرئيس للمساحات العامة، الذي يركز على المشاة لدى غالوديت، وكذلك مستشار غالوديت بشأن المباني الثلاثة الجديدة. وستحتوي هذه المباني على 30 ألف قدم مربع من مساحة التجزئة في الطابق الأرضي، و15 ألف قدم مربع من مساحة الجامعة في الأعلى، بما في ذلك 245 وحدة سكنية، التي وصفها المشاركون بأنها «الشرفة الأمامية لشركة» «جي يو» مع المجتمع. هذا المشروع الجديد، كما يقول دوغرتي، هو طريقة الجامعة لمد الذراع الطويلة للحي بغية تعزيز العلاقات الجديدة فيما بينهما.
يقول دوغرتي الذي يعمل لدى «هول ماكنايت»، وهي شركة معمارية لديها مكاتب في بلفاست ولندن، إن تصميم «ديف سبيس»، الذي يشار إليه بأنه «تصميم محوره الإنسان»، يمكن أن يفيد الجميع، فهو «يُدخل فكرة التعاطف» في التصميم، داعياً إلى المقاعد الدائرية أو المنحنية كعنصر أساسي، على سبيل المثال.
الصُم «أناس كرويون»، كما كتب الدكتور بن باهان، أستاذ لغة الإشارات الأميركية (ASL)، ودراسات الصُم في غالوديت. ففي حين يمكن للشخص السامع البحث عن تصاميم زاوية تحتوي على الجدران والمساحات المغلقة، فإن تلك المقاربة قد تخلق شعوراً بالعزلة لدى الصُم. ويقول المهندس المعماري تود بيرد، إن التواصل البصري والجدران الأقل، أو الجدران النصفية مع «الحاويات الضمنية»، هي نهج تصميمي يفيد التواصل مع الصُم. يُطلق دوغرتي على المقاعد الدائرية اسم «المعادل الديمقراطي»، فهي لا تسهل التواصل البصري فحسب، وإنما تمنح الجميع وضعاً متساوياً، لأن أحداً لا يجلس على رأس الطاولة. كما أنه يسمح للناس برؤية بعضهم البعض بصورة أفضل، مما يمكنه تسليط الضوء على إشارات الوجه، وهو أيضاً مفتاح لتحسين التواصل، سواء كان الناس يتكلمون بلغة الإشارة أم لا.
في الواقع، فإن معظم، إن لم يكن كل، مبادئ تصميم «ديف سبيس»، مفيدة لمجتمع السامعين، كما يقول دوغرتي. ووفقا لسام سويلر، مدير التخطيط العقاري الاستراتيجي وتطوير الأعمال والعلاقات الخارجية في غالوديت، فإنها «صُممت لتكون فعالة في كل جزء منها، كما في التصميم التقليدي». وأضاف قائلاً: «إذا طُبقت بشكل صحيح، فإن مبادئ تصميم (ديف سبيس)، يجب ألا تؤثر على توافر المساحة».
من جانبها، تقول روبي ساكلاريديس، نائب رئيس التطوير في «جي بي جي سميث»، الشركة المطورة للمشروع: «لا يعد تصميم (ديف سبيس) مقيداً على الإطلاق»، وتضيف، بأن مفاهيم التصميم ليست دخيلة على المستخدم أو واضحة له بالضرورة. على سبيل المثال، سيكون لردهات الأبنية الثلاثة الجديدة خطوط رؤية مفتوحة، وهو المفهوم الذي يقول ساكلاريديس إنه يحظى بتقدير غالبية السكان، ومقاعد دائرية، أو أثاث يمكن نقله إلى أنساق مختلفة.
في حين أن ممرات المباني الجديدة ستكون أوسع، تقول ساكلاريديس إن الوحدات السكنية نفسها، لن تشمل أي اختلافات ملحوظة. (على سبيل المثال، لن تكون هناك جدران نصفية في الغرف). ولكن الإضاءة ستكون معززة. وتتابع: «لا أعتقد أنه يلزم القول: أوه، إن إضاءة هذه الغرفة رائعة»، وتستطرد: «لكن سيكون لديك شعور في اللاوعي حول (الإضاءة المصممة) لتجنب أنواع معينة من الظلال»، وهو أمر مهم للتواصل مع لغة الإشارة. لن تعمل لوحات الألوان - لا سيما الدرجات الزرقاء والخضراء - على خلق خلفية مهدئة فقط، لقد أظهرت أيضاً أنها أفضل خلفية للاتصال بين الناس من كل لون، حسب دوغرتي. كما أن برنامج «طريق الإبداع»، سيوسع من الأرصفة لإتاحة المجال لمحادثات الإشارة، التي يمكن أن تفيد أي شخص يمشي ويتحدث، بما في ذلك الأشخاص الذين يستخدمون الكراسي المتحركة والآباء الذين يدفعون عربات الأطفال. كما تُحسِّن الأشجار ذات الشجيرات الواضحة من خط الرؤية للجميع.
تقول ساكلاريديس: «لقد عملنا عن كثب مع مهندسي المناظر الطبيعية، لنكون متعمدين بشأن أنواع وألوان المواد التي نطبقها على الأرصفة والممرات، وفي أي مكان نتحكم بتصميم الحيز العام فيه. إذا لم تستطع سماع سيارة قادمة، فسترى بالتأكيد هذا التباين في مواد الرصيف، وستشعر بأنه تحتك - نتوءات أو مواد مختلفة في الرصيف فيما تقترب من مناطق التفاعل المحتملة». ويمكن لذلك أن يكون بمثابة تحذير للمشاة للانتباه والتحقق من محيطهم، ليس على عكس شريط التنبيه الصوتي على الطريق السريع أو النسيج الوعر عند حافة رصيف القطار.
من شأن فكرة «طريق الإبداع» تشجيع الناس على التوقف والدردشة، مع المساحات المخصصة للمحادثة، والمقاعد ذات الطراز المدرج. كما أنها ستعمل كمساحة انتقالية بين الجامعة والمنطقة، وستكون «طريق الإبداع» متاحة للعامة من الفجر إلى الغسق، وستخدم مساحة التجزئة في الطابق الأرضي الجمهور.
عندما يتعلق الأمر بالتكلفة، تقارن ساكلاريدس بين تصميم «ديف سبيس» والتصميم البيئي. «هل هناك طرق للتصميم البيئي مكلفة للغاية؟ نعم. هل هناك طرق لتصبح أكثر استدامة من دون زيادة التكاليف؟ نعم، بالتأكيد. لذلك أعتقد أن ذلك صحيح أيضاً في تصميم «ديف سبيس»، كما تقول ساكلاريدس، مضيفة أن ذلك يعتمد إلى حد كبير على موقع البناء ومواصفاته.
في حين أن «جيه بي جي سميث»، وجامعة غالوديت لم تلتزما بأي مستأجرين معينين لمساحة البيع بالتجزئة حتى الآن، فإنهما تخططان لتخصيص ما لا يقل عن 5 آلاف قدم مربعة لأعمال تجارية مملوكة للصم. أما بالنسبة للمستأجرين الآخرين، فتقول ساكلاريدس إن «جي بي جي سميث» تبحث عن أصحاب الأعمال الذين لديهم «نية حقيقية للتركيز على أماكنهم ومحيطهم». وتضيف أن جميع مستأجري البيع بالتجزئة سيتلقون تدريباً على كيفية الاتصال الفعال مع من يتحدثون لغة الإشارة.
ترى ساكلاريديس أن هذا المشروع، الذي ينطلق الخريف المقبل، لن يضع أفكار غالوديت لتصميم «ديف سبيس» موضع الاختبار والتنفيذ فحسب، وإنما سيسمح أيضاً للآخرين بتبني المبادئ ومواصلة تعزيزها.
يقول دوغرتي إن المشروع لديه القدرة على التحول لنموذج تصميم عالمي للاحتفال بالتنوع الحسي. «أؤمن بشدة بالعمارة القائمة على بناء الصلات، ذلك النوع من العمارة عميق المغزى وشامل الفائدة، ويستجيب بالتساوي لمتطلبات الجسم والعقل، إنها البنية الأخلاقية التي تدمج ولا تنفر».
* خدمات «تريبيون ميديا»



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».