«البوتوكس الوقائي»... هل يساعد فعلاً في الوقاية المبكّرة من التجاعيد؟

«البوتوكس الوقائي»... هل يساعد فعلاً في الوقاية المبكّرة من التجاعيد؟
TT

«البوتوكس الوقائي»... هل يساعد فعلاً في الوقاية المبكّرة من التجاعيد؟

«البوتوكس الوقائي»... هل يساعد فعلاً في الوقاية المبكّرة من التجاعيد؟

هل تساعد حقن البوتوكس في أعمار العشرينات والثلاثينات في الحفاظ على شباب البشرة، وتقليل ظهور التجاعيد، مع التقدّم في العمر؟
سموم عصبية
الجواب عن السؤال هو كما يلي: على الرغم من أنّ معظم الذين يستخدمون «سمّ البوتولينوم botulinum toxin»، وهو بروتين السمّ العصبي الذي يشتهر باسم «بوتوكس Botox» هم من النساء اللواتي تجاوزن الأربعين عاماً، تعجّ صفحات التواصل الاجتماعي بمراسلات تزعم أنّ البدء باستخدامه في سنّ صغيرة يساعد في تأخير ظهور علامات التقدّم في السنّ قبل بدايتها.
والفرضية الأساسية المطروحة هنا، هي: إذا بدأتم باستخدام البوتوكس الذي يعمل على تجميد التجاعيد في عمر صغير، لن تظهر لديكم الحزوز التي يحاول النّاس «تصحيحها» في وقتٍ لاحق من حياتهم.
وقد كشف تقريرٌ أعدته الجمعية الأميركية لجرّاحي التجميل أنّ 811 ألف عملية حقن بالبوتوكس جرت عام 2020 على أشخاص في عقدهم الثالث في الولايات المتّحدة، أي ما يقارب 18% من عدد السكّان المحليين. ورأى المشاركون، وغالبيتهم الساحقة من النساء، أنّهم «يكسبون الوقت» بتلقّي حقن البوتوكس في عمر صغير.
من جهتها، أوضحت شيرين إدريس، طبيبة الجلد ومؤسِّسة عيادة «إدريس لطبّ الجلد» في نيويورك، أنّ «النساء يتلقّين حقن البوتوكس لإبطاء عملية التقدّم في السن وليس إيقافها»، واصفةً هذه الخطوة بالضرورية.
رأي الخبراء
وانطلاقاً مما ورد أعلاه، تحدّثنا مع عشرات الخبراء لمعرفة ما إذا كان «البوتوكس الوقائي» يمثل استثماراً حكيماً فعلاً.
• كيف يعمل البوتوكس؟ تقول باتريسيا وكسلر، مؤسِّسة عيادة «وكسلر لطبّ الجلد» في مدينة نيويورك، إنّ «تعمّق الخطوط يجعل التخلّص منها أمراً صعباً جداً، ولكن من الممكن تأخير ظهورها ومعالجتها فور ظهورها».
يحدّ البوتوكس من تعابير الوجه عبر حجب «الأستيل كولين acetylcholine» المعروف بالناقل العصبي الأساسي.
ومع مرور الوقت، ووفقاً للنظريات المؤيدة للحقن، فإن تكرار استخدام البوتوكس يُضعف عضلات الوجه لدى النساء، وبذا يبطئ العملية التي تتحوّل فيها الخطوط الديناميكية (تلك التي تتشكّل بحركات التعبير بالوجه) إلى خطوط ثابتة (تلك التي تصبح ظاهرة عندما يرتاح الوجه).
وتوضح كريستن بروديريك، أستاذة مساعدة في قسم الجراحة التجميلية والترميمية في جامعة «جونز هوبكنز»، أنّ «مستخدمي البوتوكس يسهمون عند تلقيهم للحقن مبكراً في وقف تقلّص العضلات وتخفيف حركات الوجه، ما يؤدّي بالتالي إلى تجنّب أو إبطاء تشكّل التجاعيد مع الوقت».
ولكنّ الأطبّاء يصرّون على أنّ هذا الأمر يؤخر التجاعيد ولا يقي منها.
• ما الدليل؟ يُجمع معظم أطبّاء الجلد على أنّ البوتوكس آمن وفعّال. وتُجرى ملايين عمليات حقن البوتوكس كلّ عام دون رصد تقارير تُذكر عن عوارض جانبية خطيرة.
ولكنّ الدراسات التي أُجريت على الاستخدام طويل الأمد قليلة جداً والأدلّة لا تتعدّى الكلام غير المثبت علمياً، إذ يستعين معظم اختصاصيي الجلد بجبينهم الناعم لإثبات فاعلية حقنهم للزبائن.
تقول ديبرا جاليمان، الأستاذة الإكلينيكية المساعدة في طب الجلد في كلية «آيكان للطب» في «ماونت سيناي» وصاحبة كتاب «قواعد البشرة» التي بدأت حسب اعترافها بحقن نفسها بالبوتوكس منذ عام 1991: «أحتاج إلى القليل جداً من البوتوكس الآن، لأنّ عضلاتي استسلمت ولم تعد تتحرّك».
لا توجد دراسات إكلينيكية أو رقابية كبيرة حول البوتوكس الوقائي. فقد أُجريت دراسة عام 2006 على أختين توأمين امتدّت 13 سنة، حصلت خلالها إحداهما على حقن بوتوكس دورية والأخرى لم تحصل. ووجد الباحثون أنّ الخطوط «لم تكن ظاهرة لدى التوأم التي حُقنت بانتظام» في الأماكن التي تلقت فيها الحقن، بينما ظهرت لدى الأخت التي لم تُحقن. أمّا المناطق التي لم تُحقن في وجه التوأمين، فقد ظهر عليها «تقدّم واضحٌ في السن». وخلال المتابعة، وبعد أن بلغت الأختان التوأمان عامهما الرابع والأربعين، لم تظهر على وجه الأخت التي حُقنت بالبوتوكس خطوط ثابتة، على عكس الأخت التي لم تُحقن.
بدائل أخرى
• ماذا إن توقّف العلاج؟ لحسن الحظّ، لا ينعكس التقدّم الذي حقّقته الحقن في حال توقّفتم عن تلقيها، بل تبدأ حركة وجهكم الطبيعية بالعودة وتؤّدي مع الوقت إلى ظهور التجاعيد.
تصعب مراقبة تأثير إيقاف العلاج بالبوتوكس لأنّ الأشخاص الذين يوقفون الحقن قليلون. تشرح دانا بيركويتز، أستاذة مساعدة في العلوم الاجتماعية في جامعة لويزيانا، أنّ سم البوتولنيوم نفسه لا يولّد نوعاً من التبعية الكيميائية، ولكنّ الكثيرين «يدمنون» على شكل وجههم.
• هل توجد جوانب سلبية؟ البوتوكس مكلف خصوصاً أنه عملية متكرّرة، إذ تصل كلفة العلاج الواحد إلى 466 دولاراً.
تقول فاليري مونرو، المديرة التجميلية السابقة في مجلّة «أوبرا» ومعدّة نشرة «سابستاك» الإخبارية المعنية بمواضيع الجمال، إنّ «حقنات التوكسين العصبي تشكّل مصدراً مدراً للأموال في العيادات التجميلية».
وعن البدائل الموجودة، يوصي معظم أطباء الجلد بالمواظبة على استخدام الواقي الشمسي والريتينول retinol اللذين يسهمان في زيادة إنتاج البشرة للكولاجين ومحاربة الآثار الظاهرة للتقدّم في السن.
تعاني القليل من النساء في العشرينات والثلاثينات من الخطوط الرفيعة الثابتة، ما يعني أنّهن نادراً ما يستخدمن الحقنات الوقائية. وإذا كنتم تفكّرون بحقن البوتوكس في مرحلة الثلاثينات فاستشيروا الطبيب لمناقشة الأمر وما إذا كنتم بحاجة إليه.
من جهته، يعبّر د. دايفيد كولبرت، الشريك المؤسس ورئيس قسم الأطباء في مجموعة «ذا نيويورك ديرماتولوجي» عن مخاوف من اقتناع بعض المرضى بالتصورات المضرّة حول الجمال والتقدّم في السنّ.
ويضيف أنّ هذه التصورات سامّة جداً وثقيلة إلى درجة أنّ النّاس توقّفوا عن تحليلها، بل باتوا يقولون في أنفسهم: «لا نريد الحصول على الكثير من التجاعيد لأنّنا سنبدو بشعين».
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

نموذج جديد يحاكي سلوك البعوض لتحديد موقع الإنسان

تكنولوجيا راقب الباحثون سلوك البعوض حول متطوع بشري كان يرتدي ملابس واقية سوداء من جهة وبيضاء من الجهة الأخرى (MIT)

نموذج جديد يحاكي سلوك البعوض لتحديد موقع الإنسان

نموذج جديد يتنبأ بحركة البعوض ويكشف كيف يدمج الإشارات البصرية والكيميائية لتحديد موقع الإنسان وتحسين استراتيجيات مكافحته والحد من الأمراض.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

مسيرة «أبل» خلال 50 عاماً تعكس قدرة استثنائية على الابتكار وإعادة الابتكار، من مرآب صغير إلى شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أدوات مطورة لكشف التزييف بالذكاء الاصطناعي

أدوات مطورة لكشف التزييف بالذكاء الاصطناعي

بلغ المحتوى المُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي مستوى عالياً من الواقعية لدرجة أنه يصعب في كثير من الأحيان، التمييز بين ما هو حقيقي وما هو زائف

ستيوارت تومبسون (نيويورك)
علوم الأصدقاء يعززون قدرتك على أداء وظائفك

الأصدقاء يعززون قدرتك على أداء وظائفك

بينما تمنحك قلة من الروابط الوثيقة الرعاية والحماية، يوفر لك المحيط الخارجي من الأصدقاء العابرين، الفرص والتحفيز؛ ومن المرجح أنك لا تقدّر مدى أهمية هؤلاء جميعاً

هارا أستروف مارانو ود (واشنطن) ماريسا فرانكو (واشنطن)
تكنولوجيا نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)

نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

باحثو «MIT» يطورون طريقة تمكّن الذكاء الاصطناعي من تفسير قراراته بدقة ووضوح، ما يعزز الشفافية والثقة دون التضحية بالأداء.


لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
TT

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

انطلق عصر الذكاء الاصطناعي بوعودٍ واسعة النطاق ونقاشاتٍ حول إمكانياتٍ لا حدود لها، كما تكتب لويز ك. ألين(*).

تفاؤل وخيبة

والآن، وبعد سنواتٍ من الخبرة العملية، لا يزال الخبراء متفائلين بشأن التأثير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، يتفق معظم الناس على أن مساهماته في الحياة اليومية كانت مخيِّبة للآمال، إن لم تكن أسوأ من ذلك.

وحتى بصفتي واحدة من العاملات في القيادة التقنية بهذا المجال، لا بد لي من الاعتراف بأن استياء المستهلكين من الذكاء الاصطناعي له ما يبرره إلى حد كبير، فقد اتسمت تجربة المواطن الأميركي العادي مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، حتى الآن، بتراجع الجودة وازدياد انعدام الثقة.

قصص وهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

تعجّ وسائل التواصل الاجتماعي بأشخاصٍ وقصصٍ وهمية، وتمتلئ الأسواق الإلكترونية بشكلٍ متزايد بعمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تفشل مبادرات الشركات في تحقيق التوقعات المالية، بل إن عدداً منها زاد من صعوبة حياة العاملين.

لقد بات فشل أدوات الذكاء الاصطناعي العام في تحقيق الضجة الإعلامية الكبيرة التي أثيرت حولها، أمراً مُسلَّماً به عالمياً، حتى إن قاموس ميريام-ويبستر نفسه أعلن اختياره كلمة «هراء» ككلمة عام 2025.

«التحديد الدقيق والموجّه»

ومع ذلك، تتاح للجمهور، الآن، فرصة لتغيير هذا الواقع في عام 2026. ويبدأ ذلك بتوظيف مفهوم «التحديد الدقيق (specificity)» ككلمة تُعرِّف ما هو مقبل.

وفي حقيقة الأمر، فإن شركات التكنولوجيا وباحثي الذكاء الاصطناعي بالغوا في تقدير القدرات الفعلية لهذه التقنية منذ البداية، فقد ركّز هؤلاء الرواد على الإمكانات الكامنة، بدلاً من النتائج العملية. لقد صوّروا الذكاء الاصطناعي على أنه ضرورة يجب على الشركات اتباعها لمواكبة التطورات، بدلاً من كونه أداةً يمكن للمؤسسات والأفراد استخدامها لتحقيق أهداف محددة.

التكنولوجيا وسيلة وليست غاية

لتطوير هذه التقنية وتحقيق رؤيتهم لمستقبل مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي، سيتعيّن على القادة التوقف عن مناشدة الجمهور لتغيير الخطاب حول الذكاء الاصطناعي.

إن الطريق إلى الأمام بسيط للغاية، إذ يحتاج قادة التكنولوجيا إلى العودة إلى أساسيات المنتج. عليهم أن يتقبلوا فكرة أن التكنولوجيا وسيلة لتحقيق غاية، وليست غاية في حد ذاتها، وهذا يعني إعادة تركيز استراتيجيات التطوير والتواصل على حلول للمشاكل الحقيقية.

خطوات التحديد الدقيق «الموجّه»

1. التصميم الموجَّه للأفراد لا «المستخدمين»

إن إغراء بناء أدوات عامة الأغراض مفهوم، لكن القيام بذلك باستخدام التكنولوجيا الحالية يُضعف فائدتها. وستكون أدوات الذكاء الاصطناعي، اليوم، أكثر فاعلية عندما تُصمم خصوصاً لأفراد محددين في أدوار محددة. يجب أن تُوجه هذه المعرفة عملية ابتكار المنتج، والتدريب، والتسويق، وتكتيكات المبيعات.

2. التركيز على النتائج بدلاً من القدرات

الذكاء الاصطناعي ليس مختلفاً عن أي منتج آخر. لن يستخدمه الناس إلا إذا حل مشكلة موجودة لديهم بالفعل. ويفشل كثير من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحقيق هذا الهدف، فهي تركز على ما يمكن للنموذج فعله، بدلاً من التمعن في فهم أسباب أهمية ما يفعله.

3. التوقف عن تقديم وعود خيالية

قد يُمثل الذكاء الاصطناعي، اليوم، مستقبلاً يمكن فيه تحقيق التحسين الشامل، لكن هذا ليس صحيحاً. يجب أن تعكس خطط تطوير المنتجات هذه الحقيقة. إنّ الوضوح والمباشرة بشأن ما هو متاح الآن وما سيكون متاحاً في المستقبل يُساعدان على تخفيف الإرهاق الناتج عن الضجة الإعلامية واستعادة الثقة.

حان وقت إعادة النظر

بصفتي مديرة للمنتجات، شاهدتُ عدداً من الأمثلة على الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي، خلال السنوات القليلة الماضية.

ومع ذلك، أُدرك أن أسباب انعدام ثقة الجمهور أو عدم اهتمامه الواسع النطاق تقع في معظمها على عاتق قطاع التكنولوجيا، ذلك أن رغبة هذا القطاع في إنجاز كل شيء دفعة واحدة، خلقت بيئةً لا يثق فيها الناس بقدرة التكنولوجيا على القيام بأي شيء مفيد.

إنها حقيقةٌ يصعب تقبّلها، لكن أي قائد تقني يُنكر ذلك يُخدع نفسه. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعدُ لتصحيح الوضع. إذا كان القادة على استعداد لتقبُّل هذه الحقيقة وإعادة توجيه استراتيجياتهم نحو «التحديد»، فسيكون هناك متسع من الوقت لإعادة النظر، وإعادة التقييم، وتحقيق رؤية مستقبلٍ مُحسَّن. يجب أن يحدث هذا قريباً، وإلا فسيضيع مستقبل الذكاء الاصطناعي هباءً.

*مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.