تغيير الحدود كأمر واقع... أوكرانيا في الميزان

تغيير الحدود كأمر واقع... أوكرانيا في الميزان
TT

تغيير الحدود كأمر واقع... أوكرانيا في الميزان

تغيير الحدود كأمر واقع... أوكرانيا في الميزان

مائة عام على الحرب العالميّة الأولى واتفاقيّة سايكس - بيكو التي غيّرت الحدود وقسّمت المشرق العربيّ. مائة سنة على جائحة الإنفلونزا الإسبانيّة. مائة عام على وعد بلفور، الوعد الذي أسس لإنشاء الكيان الإسرائيليّ.
استمرّت الحرب الأولى وكأن الجائحة لم تكن، وهي التي حصدت أكثر من 50 مليون شخص.
مع سقوط الاتحاد السوفياتي، الذي اعتبر أكبر كارثة جيوسياسيّة حسب الرئيس بوتين، تغيّرت الخارطة وتعدّلت حدود الكثير من الدول، خاصة في محيط روسيا وعلى حسابها.
نتج عن الأحادية الأميركيّة، وغياب الصراع الجيوسياسي بعد سقوط الدبّ الروسي، عمليّة تسريع العولمة إلى درجة لم يسبق لها مثيل.
بعد مائة عام تقريباً من الحرب الأولى، لا تزال السياسة والجيوسياسة تتقدّم على كلّ شيء. الأوليّة لها، هي القوّة المُديرة، هي ترسم والعالم يتبع. لكن المصيبة الكبرى في السياسة أنها دائماً تُخطّط للسيناريو الأسوأ وتأمل أن يحصل السيناريو الممتاز.
ومع الحرب على أوكرانيا يجب تقديم النصائح التالية:
> لكل من قرأ بسقوط العالم الغربي وتراجع أميركا، عليه إعادة حساباته بعد الحرب على أوكرانيا.
> لكلّ من قرأ بعودة الدبّ الروسي إلى الساحة العالميّة ليحجز مكاناً له على طاولة الكبار، عليه الانتظار وإعادة حساباته.
> ولكلّ من بشّر بصعود التنين إلى ريادة العالم، عليه أيضاً أن يتبصّر أكثر في حساباته.
فكم من كتاب قرأنا عن هذه التوقعات، وخاب ظّن الكاتب كما خاب ظّننا نحن. لكن لماذا؟
ببساطة العالم هشّ جدّا. والمتغيّرات فيه لا تُعدّ ولا تُحصى والمعضلة الكبرى أنه لا توجد معادلة، أو نظريّة يمكن استعمالها لتحليل هذه المتغيّرات واستنتاج صورة واضحة لمسار مُحدّد.
إذن، الجيوسياسة اليوم هي التي تضرب العولمة. وهي التي تضرب الاقتصاد العالمي. وهي التي سخّرت الاقتصاد والمال ليكونا وسيلة أساسيّة من وسائل الصراع الكبير.
في عام 1950، ألقى وزير خارجيّة أميركا الراحل دين آتشيسون خطاباً حدّد فيه القوس الدفاعي لأميركا في الشرق الأقصى، والممتد شمالاً من اليابان إلى الفلبين جنوباً، مستثنياً الدفاع عن كوريا الجنوبيّة.
بعد 6 أشهر من الخطاب، غزت كوريا الشمالية الجنوب فكانت الحرب الكوريّة. توقّفت الحرب دون معاهدة سلميّة، وقُسّمت كوريا إلى شمال وجنوب، يفصل بينهما خطّ العرض 38.
في مكان آخر، وقبيل غزو العراق للكويت. اجتمعت السفيرة الأميركيّة أبريل غلاسبي بالرئيس صدّام حسين وقالت له خلال اللقاء: «ليس لدينا رأي في الصراع العربي - العربي، كخلافكم على الحدود مع الكويت». فكان الغزو، وكان التحرير، وكانت مناطق حظر الجو فوق العراق بين شمال وجنوب.
في عام 2022، وقبيل غزو روسيا لأوكرانيا، صرّح - لمّح - الرئيس بايدن خلال مؤتمر صحافي بالتالي: «قد تختلف أميركا مع الحلفاء على كيفيّة الردّ إذا ما قامت روسيا بتوغّل - Incursion - محدود داخل أوكرانيا». فسّر هذا التصريح على أنه الضوء الأخضر لروسيا للقيام بتوغّل محدود داخل أوكرانيا.
لم يعرف بايدن مدى هوس بوتين باسترداد أوكرانيا إلى حضن روسيا الكبرى، كونها تُعتبر «روسيا الصغرى» في الذاكرة الجماعيّة الروسية.
وبعد شهر على الحرب، تعثّر الجيش الروسي بشكل أثار حيرة المُحلّلين العسكريين. فهل هو هذا الجيش الذي سيخدم الإمبراطوريّة وهو عاجز عن إخضاع جيش من التصنيف الثالث في العالم؟ وما هي مقّومات هذه الإمبراطوريّة إلى جانب ثروات الطاقة؟ وهل يمكن لاقتصاد يوازي الاقتصاد الإيطالي بدخله القوميّ، أن يدّعي الريادة والمساواة مع القوى العظمى، كأميركا والصين؟ فكيف تحوّلت الحرب من حرب خاطفة إلى حرب مدن؟ وهل الحرب متجّهة إلى مأزق - Stalemate - تتحوّل فيه أوكرانيا إلى عدّة مقاطعات، مقسّمة إلى مناطق بين شمال، جنوب - شرق وغرب؟
ثلث الـ44 مليون نسمة في أوكرانيا يسكنون المدن. هناك 490 مدينة. أغلبهم في المنطقة الشرقيّة، أي شرق نهر الدنيبر الذي ينبع من روسيا، ويصبّ في البحر الأسود ويُقسّم أوكرانيا إلى شرق وغرب.
كلّ المعارك تدور في أهم المدن الشرقيّة: تشيرنهيف، وسومي، وخاركيف، وإقليم دونباس، وماريوبول، هذا عدا العاصمة التي تقع على ضفّتي نهر الدنيبر.
بعد أن أعلن الجيش الروسي نجاح المرحلة الأولى – مع تحفّظ من جانبنا - بدأ المرحلة الثانية التي تهدف إلى تحرير كلّ إقليم دونباس.
ستبدأ التحضيرات من قبل الفريقين، والمعركة ستكون حتماً معركة قطع خطوط الإمدادات اللوجيستيّة. لكن ما يُميّز إقليم دونباس عن الداخل الأوكراني، هو أنه على تماس مباشر مع الحدود الروسيّة. كما أن أرضيّة المعركة للانفصاليين هي تقريباً جاهزة. وهذا أمر يُهيّن العمل اللوجيستي للانفصاليين، بعكس الجيش الأوكراني.
وإذا كان التركيز الروسي سيكون على دونباس، فإن صورة المعركة حول باقي المدن ستكون معركة قصف عن بُعد واستنزاف.
لذلك حذّر مدير الاستخبارات الأوكرانيّة حول نيّة روسيا تقسيم أوكرانيا على غرار كوريا. فما المقصود بذلك؟
إذا نظرنا إلى الخريطة العسكريّة - ربطا. تتمثّل العقدة الأساسيّة للجيش الروسي في السيطرة على مدينة ماريوبول. وإذا حصل هذا الأمر، فإن الجسر البري الروسي الممتد من خيرسون إلى إقليم دونباس سيكتمل. وإذا اكتمل، سيصبح بمقدور القوات الروسيّة تطويق القوات الأوكرانيّة التي تحارب في دونباس من الغرب - الخلفيّة - لتقطع عنها كلّ خطوط التموين واللوجيستيّة. وهكذا سيسقط الإقليم، وقد يفرض بوتين التقسيم القسريّ - De Facto - على أوكرانيا لكن بدل شمال - جنوب في كوريا، سيكون شرق - غرب في أوكرانيا.
لكن المعضلة الكبرى ستبقى في باقي المدن. فهل سيعتبر بوتين تحرير دونباس نصراً، ويذهب إلى التفاوض؟ وماذا لو رفض الآخر؟
على كلّ، المعركة طويلة وللحديث تتمّة.


مقالات ذات صلة

ترمب وبوتين بحثا في مكالمة هاتفية حربَي إيران وأوكرانيا

أوروبا جانب من لقاء جمع ترمب وبوتين على هامش أعمال قمة العشرين في أوساكا بشهر يونيو 2019 (رويترز)

ترمب وبوتين بحثا في مكالمة هاتفية حربَي إيران وأوكرانيا

بحث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، في مكالمة هاتفية «صريحة وبناءة» الحرب في كل من إيران وأوكرانيا، حسبما أعلن الكرملين.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا خلال إحياء ذكرى الجنود الأوكرانيين الذين سقطوا في الحرب... في المقبرة العسكرية بخاركيف في أوكرانيا - 24 فبراير 2026 (إ.ب.أ) p-circle

دوي صفارات إنذار أوكرانية مع استهداف روسيا «مجمعات صناعية عسكرية ومنشآت طاقة»

دوي صفارات إنذار أوكرانية مع استهداف روسيا «مجمعات صناعية عسكرية ومنشآت طاقة»... وواشنطن قد ترفع العقوبات عن مزيد من النفط الروسي

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا كيم جونغ أون يزور موقع بناء غواصة تعمل بالطاقة النووية قادرة على إطلاق صواريخ «بحر - جو» (رويترز) p-circle

موسكو تلوح بـ«تدابير مناسبة» لمواجهة نشر أسلحة نووية في فنلندا

موسكو تلوح بـ«تدابير مناسبة» لمواجهة نشر أسلحة نووية في فنلندا... النقاشات حولها تتزايد مع دخول حرب أوكرانيا عامها الخامس

رائد جبر (موسكو)
أوروبا مجندون جدد أوكرانيون يتدربون بالقرب من خط المواجهة في منطقة زابوريجيا بأوكرانيا 22 فبراير 2026 (رويترز) p-circle

حرب إيران تخلط أوراق بوتين وتُحرّك ملف أوكرانيا في اتجاهين متعاكسين

لا تبدو الحرب الجارية ضد إيران حدثاً بعيداً بالنسبة للكرملين عن معركة أوكرانيا، بل اختبار مباشر لما تبقّى من قدرة موسكو على التأثير خارج جبهتها الرئيسية.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية مدمرات صواريخ موجهة تابعة للبحرية الأميركية تطلق صواريخ على الأراضي الإيرانية الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

روسيا تزود إيران بمعلومات استخباراتية لاستهداف القوات الأميركية

أفادت صحيفة «واشنطن بوست» عن مسؤولين مطلعين على المعلومات الاستخباراتية بأن روسيا تزود إيران ببيانات استهداف تتعلق بمواقع القوات الأميركية في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
TT

تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)

قال رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ، اليوم الثلاثاء، إن بلاده لا تستطيع منع القوات الأميركية من شحن بعض الأسلحة خارجها، لكن ذلك لن يؤثر على قدرة الردع في مواجهة كوريا الشمالية، وذلك بعد تقارير عن تجهيز هذه الأسلحة لإعادة نشرها في الشرق الأوسط.

وأضاف: «يبدو أن هناك جدلاً في الآونة الأخيرة بخصوص شحن القوات الأميركية المتمركزة في كوريا بعض الأسلحة خارجها»، مشيراً إلى أنه على الرغم من أن سيول قد عبّرت عن معارضتها، فإنها ليست في وضع يسمح لها بتقديم مطالب، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وذكر وزير الخارجية الكوري الجنوبي تشو هيون، يوم الجمعة، إن الجيشين الأميركي والكوري الجنوبي يناقشان إمكان إعادة نشر بعض منظومات الدفاع الصاروخي «باتريوت» الأميركية المتمركزة في كوريا الجنوبية لاستخدامها في الحرب على إيران.

بدوره، قال وزير الدفاع التايواني ويلينغتون كو، الثلاثاء، إن الولايات المتحدة لم تتواصل مع تايبه بشأن نقل أسلحة إلى الشرق الأوسط.

وقال كو، في حديثه لصحافيين في البرلمان، إن إعادة نشر أي من الأسلحة الأميركية الصنع لدى تايوان لن تحدث إلا إذا طلبت الولايات المتحدة ذلك. وأضاف أنه في حالة حدوث ذلك، ستكون الولايات المتحدة مسؤولة عن نقلها.

وقال كو: «لكن حتى الآن، لم يتصلوا بنا بشأن استخدام أي من عتادنا ذي الصلة في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران».

والولايات المتحدة هي المورد الرئيسي للأسلحة لتايوان، التي تمتلك صواريخ «باتريوت» في ترسانتها.

وتواجه تايوان، التي تحكمها حكومة ديمقراطية، ضغوطاً عسكرية متزايدة من الصين، التي تعتبر الجزيرة جزءا من أراضيها. وترفض حكومة تايوان مطالبات بكين بالسيادة.

وأفادت تقارير إعلامية نقلاً عن مصادر في الحكومة الكورية الجنوبية أن أنظمة باتريوت يجري تجهيزها لإعادة نشرها في الشرق الأوسط، حيث وصلت طائرات نقل عسكرية أميركية ثقيلة إلى أوسان لنقلها.


إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)

فُقد ثلاثة بحّارة إندونيسيين بعد غرق سفينة قاطرة، الجمعة، في مضيق هرمز، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإندونيسية.

وأفادت الوزارة في بيان أن «ناجياً إندونيسياً يعالَج حالياً من حروق بمدينة خصب في عُمان. وما زالت السلطات المحلية تبحث عن الإندونيسيين الثلاثة الآخرين»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشهدت السفينة قبل أن تغرق انفجاراً تسبّب في اندلاع حريق، وفق بيان الوزارة التي أشارت إلى فتح تحقيق.

 

 

وأثارت الحرب اضطرابات في الأسواق العالمية وارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات مع إغلاق مضيق هرمز فعلياً.


في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...