قرى مهجورة وجثث وحطام على أطراف كييف

مزارعون فقدوا منازلهم وآخرون رفضوا المغادرة

سيارات تمر بجانب دبابة روسية محترقة في إربين 9 مارس الحالي (أ.ب)
سيارات تمر بجانب دبابة روسية محترقة في إربين 9 مارس الحالي (أ.ب)
TT

قرى مهجورة وجثث وحطام على أطراف كييف

سيارات تمر بجانب دبابة روسية محترقة في إربين 9 مارس الحالي (أ.ب)
سيارات تمر بجانب دبابة روسية محترقة في إربين 9 مارس الحالي (أ.ب)

عندما استهدفت القوات الأوكرانية دبابة روسية بصاروخ «جافلين» أميركي الصنع على أحد الطرق السريعة في الأطراف الشمالية للعاصمة كييف، كان الانفجار ضخماً لدرجة أنه أدى لسقوط برج الدبابة وتحطيم بقية المركبة ووفاة الرجال الذين كانوا موجودين بداخلها.
وظلت أشلاء الجنود الروس المحترقة تتحلل على الأسفلت بعد مرور ثلاثة أسابيع، إلى جانب الحطام المعدني المتناثر للدبابة والذخيرة، وكان حذاء من النوع المفضل للروس على مدى قرون في القرى المتجمدة، ملطخا بالسواد بين المخلفات.
وقال القائد الأوكراني، نائب قائد «اللواء 72»، الذي كان يسيطر على المنطقة، والذي طلب عدم الكشف عن هويته إلا بالاسم الحركي «سوليم»، وهو ينظر للحطام: «هجوم جيد»، مشيراً إلى القطع السوداء المتناثرة على الطريق والخاصة بالجنود الروس الذين قتلوا في الهجوم المضاد، ثم أضاف «سوليم» ذو الـ40 عاماً: «كل شيء كان سريعا للغاية، لقد جاءوا إلى هنا أربع مرات، فليأتوا مرة أخرى، فأنا أنتظرهم».
وعلى مدى أسابيع، حاول الجيش الروسي دخول هذه المنطقة، مراراً وتكراراً، في محاولة لاختراق القرى والضواحي الواقعة حول كييف، فيما أصبح معركة في المناطق التي يمكن استخدامها لدخول العاصمة أو تطويقها وقصفها.
رافق إعلاميون أوكرانيون عدة مجموعات من الصحافيين، الجمعة الماضية، في زيارة نادرة عبر القرى القريبة من الخطوط الروسية الواقعة على أطراف كييف لإظهار بعض الأضرار الناجمة عن المرحلة المبكرة من القتال، وكذلك نجاح المقاومة والهجمات المضادة التي قام بها الجيش الأوكراني.
ولم تكن القرى التي تمت زيارتها من بين القرى التي تم تحريرها مؤخراً بفضل الهجوم الأوكراني المضاد المستمر، لكنها تعرضت للهجوم عندما حاولت القوات الروسية الاستيلاء عليها قبل أسبوعين، ويتم الآن شن معارك مماثلة فيها بشكل يومي.
كانت هذه المنطقة الواقعة تحت مراقبة «سوليم»، على أطراف قرية موجودة على الطريق السريع المؤدي إلى كييف، هي المكان الذي وضع حداً للتقدم الروسي. ووفقاً للقائد الأوكراني، تعرضت دبابتان روسيتان إحداهما من طراز «تي - 90» والتي تم قصفها من قبل صاروخ «جافلين» الأميركي، والأخرى من طراز «تي - 72»، لكمين على الطريق في 2 مارس (آذار)، أي خلال الأسبوع الأول من الحرب. كما تضمن الحطام الناتج عن عدة مناوشات ست عربات مدرعة محترقة بجانب مجموعة من المنازل المحترقة أيضاً.
وكانت معظم القرى الواقعة على خط المواجهة مهجورة، ولم يكن هناك سوى عدد قليل من الرجال والنساء الذين يحرسون المنازل ويرعون ماشيتهم، إذ أصيب الخط الأول من المنازل المواجهة للطريق حيث تسببت معركة الدبابات في أضرار بالغة من جراء قذائف المدفعية.
ويقول مزارع أوكراني يدعى فاليري (62 عاماً) والذي كان يرعى أبقاراً وأغناماً على الطريق، إنه فقد نصف ماشيته في القتال. وأضاف: «لقد تم تدمير كل شيء، وأتذكر أن الأمر كان في الصباح، حيث كنت قد أطعمت الحيوانات عندما جاءت الدبابة. وكانت على بعد حوالي 100 ياردة مني، ولكني ذهبت للاختباء في مكان بعيد».
وتابع المزارع، الذي لم يذكر سوى اسمه الأول حتى لا يتم الكشف عن هويته، أنه التقى لاحقاً ببعض الكشافة الروس في الغابة، ولكنهم تركوه يرحل.
وعن الروس، يقول فاليري: «لقد أتوا إلى منزلنا وحاولوا فرض أوامرهم، ولكن كيف يمكنهم فعل ذلك؟ هذا أمر لا ينبغي القيام به أبداً، فكيف أذهب إلى منزلك وأملي عليك ما تفعله؟ فالوضع الصحيح هو أنهم هم من أتوا إلينا ولذا فإنه يجب أن يتصرفوا وفقاً لقواعدنا».
وقال القائد الأوكراني إنهم عثروا على 10 جثث لجنود روس من المعركة، مشيراً إلى أنه لم يكن هناك أي سجناء، ولذا قامت القوات الأوكرانية بنقل خمس جثث فيما دفن القرويون المحليون الجثث المتبقية. وقد انفجرت عرباتهم المدرعة بقوة كبيرة تسببت في تناثر الأبواب المصنوعة من الصلب الثقيل في اتجاهات مختلفة، وفي الوادي حيث تحطمت وحرقت ناقلتا جنود مصفحتان.
وأعرب العديد من الجنود الأوكرانيين الموجودين في المنطقة عن شكرهم للولايات المتحدة لتقديمها صواريخ «جافلين» المحمولة المضادة للدبابات ولبريطانيا لإرسالها أسلحة من الجيل التالي من الأسلحة الخفيفة المضادة للدبابات. ولكن رغم نجاح هذه الأسلحة في نصب كمين للمدرعات والدبابات الروسية، فقد كانت القوات الأوكرانية حذرة من القوة النارية للجيش الروسي وأبقت الزيارة إلى مواقعها العسكرية قصيرة.
وكرر «سوليم» دعوة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لحلف شمال الأطلسي (الناتو) لفرض منطقة حظر جوي فوق البلاد لإنقاذ مدنها من الضربات الجوية، قائلاً: «نريد إغلاق الأجواء، فالروس يقصفون المدنيين والنساء والأطفال»، ووجه سؤالاً إلى السكان الروس قائلاً: «هل تريدون منا أن نقوم بقصفكم؟».
ويضيف القائد الأوكراني، الذي خدم في العراق في عدة جولات كجزء من قوات حفظ السلام الأوكرانية، إنه من منطقة في أوكرانيا قريبة من الحدود الروسية، مشيراً إلى أنه تعامل كثيراً مع الضباط الروس بعد بدء القتال في شرق أوكرانيا في عام 2014. وتابع: «لقد أخبرتهم أنه إذا كانت روسيا قد عرضت حياة أفضل، لكان قد دعم الاتحاد بين البلدين بسهولة، ولكنها لم تقدم شيئاً جيداً، وهو ما اتفق معي فيه الضباط الروس، فهم لا يعيشون بشكل جيد هناك، إذ أنهم يعيشون جيداً فقط في موسكو وسان بطرسبرغ، ولكنهم بالكاد يعيشون في أي مكان آخر».
وفي قرية ثانية، تسبب صاروخان روسيان قويان في حفر حفرة عميقة تمتد على مسافة طويلة للغاية بجانب الطريق، وفي تدمير المنازل والمباني الزراعية الممتدة على مساحة واسعة. وقال ضباط في الجيش الأوكراني إن صاروخين باليستيين من طراز «إسكندر» أصابا القرية في الأسبوع الأول من الحرب، وصحيح أنه ربما كانت الصواريخ تستهدف مواقع عسكرية أوكرانية في القرية، لكنها أضرت في الأساس بمنازل الناس ومزارعهم.
وكان يوري يونيفيتش (51 عاماً) وعائلته نائمين في المنزل عندما سقطت الصواريخ في الثالثة صباحاً، على مقربة من منزلهم. ويقول: «كل شيء تحرك من مكانه مثل الموجة، فقد تكسرت جدران المنزل وتطاير سقفه، وباتت الأبقار مستلقية وسط الطوب المكسور بعد تحطيم الأكشاك التي تعيش فيها».
وبعد هذه الواقعة، أرسل يونيفيتش زوجته وأولاده بعيداً، لكنه قال إنه لا يستطيع المغادرة، لأنه كان لا بد من حلب أبقاره وإطعامها بشكل يومي، كما أن كلبته كانت على وشك الولادة، مشيراً إلى أنه يعطي اللبن واللبن الرائب للجنود الأوكرانيين لأن الوقت الحالي ليس مناسباً لبيع منتجاته.
وبينما كان يتحدث يونيفيتش، انطلقت رصاصة قنص من موقع أوكراني قريب. وقال الجنود إن المواقع الروسية تقع على بعد ميل واحد، ورفض يونيفيتش أي اقتراح للعيش بسلام في ظل وجود الروس، قائلاً: «لن نسمح للجيش الروسي بالدخول، فهذه أرضنا».
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

روسيا تقصف كييف ومناطق أوكرانية أخرى قبيل الذكرى السنوية الرابعة للغزو

أوروبا رجال إطفاء أوكرانيون أمام مبنى سكني تضرر جراء الغارات الروسية على كييف (رويترز) p-circle

روسيا تقصف كييف ومناطق أوكرانية أخرى قبيل الذكرى السنوية الرابعة للغزو

سُمِع دوي انفجارات، صباح الأحد، في العاصمة الأوكرانية كييف، بعدما كانت السلطات حذّرت من خطر هجوم بصواريخ باليستية، قبل يومين من الذكرى السنوية الـ4 للغزو الروسي

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها (حسابه عبر منصة إكس)

أوكرانيا تتهم المجر وسلوفاكيا بـ«الابتزاز» بسبب تهديدات بقطع الكهرباء

نددت وزارة الخارجية الأوكرانية بما وصفتها بأنها «تحذيرات وابتزاز» من جانب حكومتي ​المجر وسلوفاكيا، وذلك بعدما هدد البلدان بوقف إمدادات الكهرباء إلى أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون (رويترز)

بوريس جونسون يدعو الحلفاء لإرسال قوات غير قتالية إلى أوكرانيا

قال رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون إنه يتعين على بريطانيا وحلفائها الأوروبيين نشر قوات غير قتالية فوراً في أوكرانيا

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب مرحِّباً بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في فلوريدا - 28 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

«تحالف الراغبين» يجتمع من دون واشنطن دعماً لأوكرانيا في ذكرى الحرب

«تحالف الراغبين» يجتمع من دون واشنطن دعماً لأوكرانيا في ذكرى الحرب... سلوفاكيا والمجر تهددان بوقف إمدادات الكهرباء إلى أوكرانيا إذا لم تستأنف كييف إمدادات النفط

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا جنود أوكرانيون من كتيبة ألكاتراز خلال تدريب عسكري قبل إرسالهم إلى الجبهة في خاركيف (إ.ب.أ)

أوكرانيا تستهدف مصنعاً روسياً للصواريخ الباليستية بقذائف «فلامنغو»

قالت ​هيئة الأركان العامة الأوكرانية إن الجيش استهدف خلال ‌الليل ‌مصنعاً ​لإنتاج الصواريخ ‌الباليستية بمنطقة ​أودمورتيا في جنوب روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.