بايدن: ما يجري في أوكرانيا «سيغير» تاريخ القرن الحادي والعشرين

وصف بوتين بـ«السفاح»... والبنتاغون يعتقد أن مهاجمة كييف باتت مستبعدة بالمطلق... القوات الروسية تركز على دونباس

بايدن يلتقي بلاجئين أوكرانيين في مركز استقبال أقيم بملعب وطني في وارسو (أ.ب)
بايدن يلتقي بلاجئين أوكرانيين في مركز استقبال أقيم بملعب وطني في وارسو (أ.ب)
TT

بايدن: ما يجري في أوكرانيا «سيغير» تاريخ القرن الحادي والعشرين

بايدن يلتقي بلاجئين أوكرانيين في مركز استقبال أقيم بملعب وطني في وارسو (أ.ب)
بايدن يلتقي بلاجئين أوكرانيين في مركز استقبال أقيم بملعب وطني في وارسو (أ.ب)

في اليوم الثاني من زيارته لبولندا، وصف الرئيس الأميركي جو بايدن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنه «سفاح». جاء ذلك خلال لقائه بعدد من اللاجئين الأوكرانيين في العاصمة البولندية وارسو. وأجرى بايدن السبت، محادثات مع وزيري الخارجية والدفاع الأوكرانيين في فندق ماريوت بوسط وارسو، خلال لقاء جمعهما مع نظيريهما الأميركيين. وجلس بايدن في اللقاء الأول مع مسؤولين أوكرانيين كبار منذ بدء الغزو الروسي، إلى طاولة بجانب الوزيرين أنتوني بلينكن ولويد أوستن، مقابل وزيري الخارجية والدفاع الأوكرانيين دميترو كوليبا وأوليسكي ريزنيكوف. وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية نيد برايس إن الوزراء الأربعة «تحدثوا بشأن نتائج القمة الاستثنائية لحلف شمال الأطلسي التي انعقدت في بروكسل، والتزام الولايات المتحدة الراسخ تجاه سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها». وأضاف في بيان، أن بلينكن وأوستن «وعدا بتقديم دعم مستمر للاستجابة للحاجات الإنسانية والأمنية والاقتصادية لأوكرانيا، فيما دخل الغزو واسع النطاق للرئيس بوتين شهره الثاني». وعدّ الاجتماع إشارة واضحة عن تمسك واشنطن بدعمها للحكومة الأوكرانية برئاسة فولوديمير زيلينسكي، في مواجهة محاولات روسيا نزع الشرعية عنها، وضمان توفير وسائل الدفاع لها في مواجهة الهجوم الروسي. وقال وزير الخارجية الأوكراني كوليبا، إن بلاده «تلقت تعهدات أمنية إضافية من الولايات المتحدة، بخصوص تطوير تعاونهما الدفاعي». وقال كوليبا للتلفزيون الأوكراني، إن الرئيس بايدن أكد «أن ما يحدث في أوكرانيا سيغير تاريخ القرن الحادي والعشرين، وسنعمل معاً لضمان أن يكون هذا التغيير في مصلحتنا ومصلحة أوكرانيا ومصلحة العالم الديمقراطي».
وفيما لم يعرف بعد كيف تمكن الوزيران الأوكرانيان من مغادرة العاصمة كييف والوصول إلى وارسو، عدّ وصولهما مؤشراً على الصعوبات التي تواجهها «العملية العسكرية الروسية»، مع تراجع العمليات البرية خصوصاً في كييف وحولها، وإعلان الجيش الروسي بشكل مفاجئ الجمعة، أنه سيركز هجومه بعد اليوم على منطقة دونباس لـ«تحريرها». والتقى بايدن في وقت لاحق بالرئيس البولندي أندريه دودا في القصر الرئاسي في وارسو، برفقة وزيري الخارجية والدفاع الأميركيين، بحضور نظيريهما البولنديين زبيجنيف راو وماريوس بلاستساك. وقال بايدن لنظيره البولندي، إن الولايات المتحدة تعد البند الخامس من معاهدة حلف شمال الأطلسي الخاصة بالدفاع المشترك، «واجباً مقدساً». وأضاف: «يمكنكم الاعتماد على ذلك... من أجل حريتكم وحريتنا». ورداً على سؤال صحافي عمّا إذا كانت روسيا قد غيرت استراتيجيتها في غزو أوكرانيا، بعد إعلان الجيش الروسي تغيير أولوياته، قال بايدن: «لست متأكداً من أنهم فعلوا ذلك». في المقابل، قال نظيره البولندي دودا إن «مواطنيه يشعرون بتهديد كبير» من جراء النزاع الدائر في أوكرانيا. وأضاف أنه سأل بايدن عن إمكانية الإسراع في عمليات شراء العتاد العسكري. وقال إنه كان يشير إلى شراء أنظمة صواريخ باتريوت وراجمات الصواريخ الأميركية المتطورة سريعة الحركة من طراز «هيمارس»، ومقاتلات «إف - 35» ودبابات «أبرامز». وقبل عودته إلى واشنطن، التقى بايدن بلاجئين أوكرانيين في مركز استقبال أقيم بملعب وطني في وارسو، حيث تعهد بتقديم الولايات المتحدة مساعدات إنسانية عاجلة للبلدان التي تقوم باستضافتهم. وحين سُئل عن رأيه في الرئيس الروسي بوتين، رد قائلاً: «إنه سفاح». ورد متحدث باسم الكرملين على تصريحات بايدن الجديدة، قائلاً: «إنها تضيق آفاق إصلاح العلاقات بين البلدين».
يذكر أن حرس الحدود البولندي كان قد أعلن عبور أكثر من 2.2 مليون شخص منذ 24 فبراير (شباط) هرباً من النزاع، من أصل نحو 3.7 مليون بينهم 1.8 مليون طفل لجأوا إلى الخارج، وفق أرقام الأمم المتحدة.

- البنتاغون: مهاجمة كييف باتت مستبعدة
ميدانياً، قال مسؤول دفاعي أميركي كبير إن الروس ما زالوا يشنون غارات جوية على العاصمة كييف، لكن «يبدو أن الجيش الروسي أصبح أقل اهتماماً الآن بإجراء عمليات برية هناك، مما كان عليه في الماضي». وأضاف أنه بدلاً من ذلك يركزون الآن على المنطقة الشرقية من البلاد، المعروفة باسم دونباس. وقال: «إنهم يضعون أولوياتهم وجهودهم في شرق أوكرانيا... هذا هو المكان الذي لا يزال يشهد قتالاً عنيفاً ونعتقد أنهم يحاولون، ليس فقط تأمين نوع من المكاسب الجوهرية هناك كتكتيك تفاوضي محتمل على الطاولة، ولكن أيضاً لعزل القوات الأوكرانية في الجزء الشرقي من البلد». وأكد المسؤول الدفاعي أن الروس يحفرون الخنادق ويقيمون مواقع دفاعية ولا يظهرون أي بوادر على استعدادهم للتحرك على الأرض في كييف. وأضاف: «من المثير للاهتمام أن الجزء الأكبر من النشاط الجوي يجري فقط في كييف، وفي مدينة تشيرنيهيف التي تخوض معارك دموية للغاية، ثم في دونباس». «هذه هي الأماكن التي نشهد فيها نشاطاً جوياً روسياً. لذا مرة أخرى، هذا يعزز اعتقادنا أنهم الآن، لا يبدو أنهم يريدون متابعة الهجوم على كييف، وبصراحة قد لا يقومون بذلك مطلقاً». وأكد المسؤول الدفاعي التقارير الأوكرانية عن تدمير سفينة إنزال ضخمة للبحرية الروسية في بحر آزوف، على ميناء مدينة بيرديانسك الساحلية. وقال إن السفينة الروسية المدمرة، المسماة ساراتوف، عبارة عن سفينة إنزال برمائية من فئة «التمساح»، ويمكن أن تحمل ما يصل إلى 20 دبابة. وأضاف أن البنتاغون لا يعلم عدد الروس الذين كانوا على متن السفينة عندما أصيبت، أو عدد الضحايا. ورفض ذكر نظام الأسلحة الذي استخدمه الأوكرانيون في تدمير السفينة، «حماية لأمن عملياتهم»، على حد قوله. وكشف أخيراً أن الجيش الروسي بدأ في سحب بعض قواته المنتشرة بجورجيا للمشاركة في العمليات العسكرية، من دون أن يحدد عددها أو أماكن انتشارها المتوقع بعد وصولها إلى أوكرانيا. وأكدت رئاسة أركان الجيش الأوكراني في بيانها الأخير فجر السبت، «إلحاق خسائر جسيمة بالمحتل الروسي» بمنطقتي دونيتسك ولوغانسك، أكبر مدينتين في دونباس. وأعلنت القيادة العسكرية الأوكرانية إسقاط ثلاث طائرات وتدمير 8 دبابات ومقتل نحو 170 جندياً من الجانب الروسي. من جهتها، أفادت وزارة الدفاع الروسية عن معركة للسيطرة على قريتي نوفوباخموتيفكا ونوفوميخايليفكا قرب دونيتسك. كما ذكرت الوزارة أن صواريخ من طراز كاليبر دمرت مستودع أسلحة وذخائر بمنطقة جيتومير قرب قرية فيليكي كوروفينتسي إلى غرب كييف يوم الجمعة، كما أصيب مستودع وقود قرب مدينة ميكولاييف (جنوب) بحسب المصدر ذاته. وتنبغي مقاربة هذه الأرقام بحذر في ظل حرب المعلومات الشديدة الجارية بين الطرفين، وسط صعوبات كبرى في التثبت مما يجري على الأرض من مصدر مستقل، بعد أكثر من شهر على بدء الغزو الروسي.

- تحرير دونباس هدف رئيسي
وأحدثت قيادة القوات الروسية مفاجأة، إذ أعلنت الجمعة «تركيز الجزء الأكبر من الجهود على الهدف الرئيسي: تحرير دونباس»، وادعاءها بإنجاز ما وصفته بالمرحلة الأولى من العملية العسكرية. وهو ما يتباين مع تأكيدات موسكو بأن هجومها يهدف إلى «نزع السلاح واجتثاث النازية» في أوكرانيا ككل، وليس فقط في المنطقة التي تضم «الجمهوريتين» الانفصاليتين المواليتين لروسيا. كما يخيم غموض مطلق على مصير الجنرالات الروس الذين قتلوا في أوكرانيا وعددهم سبعة بحسب كييف، وآخرهم الجنرال ياكوف ريزانتسيف، وفق مسؤولين غربيين، فيما أقرت موسكو بمقتل جنرال واحد.
كما ذكرت المصادر أن جنرالاً آخر هو فلاديسلاف يرشوف أقيل من مهامه بقرار من الكرملين، بسبب الخسائر الفادحة في صفوف القوات الروسية، في وقت تحدثت فيه وسائل إعلام أوكرانية عن «حملة تطهير» روسية على ارتباط بالخسائر التي تكبدها الجيش، وهو ما لا يمكن التأكد من صحته أيضاً. وفي السياق، ظهر وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو لأول مرة منذ أسبوعين، في مشاهد تم بثها السبت بروسيا، بعدما أثار غيابه تساؤلات حاول الكرملين، الذي نفى أيضاً تكهنات حول وضعه الصحي.
وخارج منطقة دونباس، أعلنت رئاسة الأركان الأوكرانية أن المعارك متواصلة «لصد هجوم العدو»، مشيرة إلى أن خط الجبهة لم يتحرك. وتؤكد قوات كييف مواصلة هجومها المضاد على مدينة خيرسون جنوب البلاد، وهي المدينة الكبرى الوحيدة التي احتلتها القوات الروسية بالكامل منذ بدء الغزو. وفي ماريوبول، قتل أكثر من ألفي مدني، بحسب بلدية المدينة الساحلية الاستراتيجية الواقعة على بحر آزوف. وقال زيلينسكي إن نحو مائة ألف من سكان المدينة ما زالوا محاصرين فيها وسط انقطاع كل احتياجاتهم. وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مساء الجمعة، أن فرنسا وتركيا واليونان ستنفذ «عملية إنسانية» لإجلاء مدنيين من ماريوبول «في الأيام المقبلة». وتخوض الكتيبة الأوكرانية «آزوف» المتحصنة في ماريوبول، معارك كبرى ضد الجنود الروس، وتقع في قلب حرب دعائية بين كييف وموسكو. وفي حين يعدّها الروس ميليشيا نازية، يعدّها الأوكرانيون بطلاً وطنياً. وتحفل شبكات التواصل الاجتماعي بدءاً بحسابي السفارتين الروسيتين في باريس ولندن على «تويتر»، بإفادات وتعليقات حول الفظاعات المنسوبة إلى هذه الكتيبة التي توصف بـ«الفاشية» و«النازية»، مقابل مقاطع مضادة تظهر تصديهم للقوات الغازية.
من جهة أخرى، اتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي السبت، روسيا بتأجيج سباق تسلح خطير بتلويحها باستخدام السلاح النووي، خلال مداخلة عبر الفيديو أمام مؤتمر سياسي في الدوحة. وطالب الرئيس الأوكراني قطر بزيادة إنتاج مواردها من الطاقة، خصوصاً الغاز، للتعويض عن إمدادات الطاقة الروسية والتصدي للتهديدات الروسية باستخدام الطاقة «لابتزاز العالم».


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: التركيز العالمي على الشرق الأوسط ليس في مصلحة أوكرانيا

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث إلى طلاب في باريس

زيلينسكي: التركيز العالمي على الشرق الأوسط ليس في مصلحة أوكرانيا

​قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الجمعة، إنه ‌يتفهم تحول انتباه ‌العالم إلى ​الشرق ‌الأوسط، ⁠لكن ​ذلك «ليس في ⁠مصلحة أوكرانيا».

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا المستشار الألماني لدى عقده مؤتمراً صحافياً في قاعدة «باردوفوس» بالنرويج يوم 13 مارس (أ.ف.ب)

المستشار الألماني ينتقد قرار واشنطن إعفاء النفط الروسي من العقوبات

وصف المستشار الألماني فريدريش ميرتس قرار واشنطن اعتماد إعفاءات على صادرات النفط الروسي، بأنه «خاطئ»، داعياً إلى عدم التلهي بالحرب في إيران لتخفيف دعم أوكرانيا.

راغدة بهنام (برلين)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (رويترز) p-circle

ماكرون يشدد على أن الحرب الإيرانية لن تخفف الضغط على روسيا

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجمعة، خلال استقباله نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن روسيا «تُخطئ» إذا اعتقدت أن الحرب على إيران ستخفف الضغط عليها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (أ.ب)

ترخيص أميركي «مؤقت» يسمح للدول بشراء النفط الروسي العالق في البحر

أصدرت وزارة الخزانة الأميركية ترخيصا مؤقتاً يسمح للدول بشراء النفط الروسي العالق حالياً في البحر لزيادة النطاق العالمي للإمدادات الحالية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس ​الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (إ.ب.أ) p-circle

موفد بوتين يعقد «اجتماعاً مثمراً» مع ويتكوف... وزيلينسكي يلتقي ماكرون في باريس

موفد بوتين يعقد «اجتماعاً مثمراً» مع ويتكوف... وزيلينسكي يلتقي ماكرون في باريس، وأوكرانيا تنتظر موافقة البيت الأبيض على اتفاق لإنتاج المسيّرات.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.