صراعات دولية وإجراءات اقتصادية تُربك حسابات المصريين

أزمة غلاء في الأسواق... والحكومة تسعى لتبديد المخاوف الاجتماعية

صراعات دولية وإجراءات اقتصادية تُربك حسابات المصريين
TT

صراعات دولية وإجراءات اقتصادية تُربك حسابات المصريين

صراعات دولية وإجراءات اقتصادية تُربك حسابات المصريين

لم يكد المصريون يتجاوزون التداعيات الاجتماعية والاقتصادية لجائحة «كوفيد - 19»، حتى داهمهم تحالف بين عاملين مهمين مثلهما: أولاً صراع دولي تخوضه روسيا مقابل الدول الغربية. وثانياً، إجراءات اقتصادية أقدمت عليها الحكومة الأسبوع الماضي، منها رفع سعر الفائدة وتراجع سعر صرف العملة الوطنية مقابل الدولار الأميركي، والإعلان عن بدء مناقشات مع صندوق النقد الدولي للحصول على تمويل جديد؛ ولقد أسهم العاملان في إرباك للحسابات المحلية على مستويات عدة.
كانت الحرب الأوكرانية - الروسية متهمة وحيدة تقريباً للوهلة الأولى من قبل المصريين وحكومتهم، عندما حلت الصدمة المبدئية التي تلقتها أسواق البلاد جراء اشتعال المواجهة البعيدة نسبياً على مستوى الجغرافيا، والقريبة عملياً على مستوى الاقتصاد والسياسة.
وكذلك أصبح رغيف الخبز أول الضحايا، بسبب اعتماد البلاد بنسبة كبيرة على القمح الوارد من موسكو وكييف في تدبير احتياجاتها. إذ قفز سعر الخبز الحر بنسب تراوحت بين 50 في المائة إلى 100 في المائة (بحسب الحجم) للسعر النهائي للرغيف الواحد، وكان هذا ناقوس خطر بسبب ما يمثله «العيش» (كما يسميه المصريون) من صمام أمان اجتماعي لكل الطبقات تقريباً، وبالتالي أظهرت الحكومة إدراكاً لامتدادا تأثيراته على كل السلع والأسواق.

كان الظرف استثنائياً حقاً في مصر، خلال الأسبوع الماضي. ورغم اعتراف مسؤوليها بأن التأثر الاقتصادي بأزمة الحرب قادم لا محالة؛ فإن الحكومة شنت هجوماً على «مستغلي الأزمة». ثم شككت عبر وزيرها للتموين، علي المصيلحي، في سرعة تأثر سوق الخبز، ودحضت مبررات زيادة سعر القمح الموجود بالفعل في السوق المحلية جراء الحرب.
المصيلحي كان حاسماً عبر تصريحات تلفزيونية، قبل أيام قال فيها «مصر لم تستورد حبة قمح واحدة من الخارج منذ اشتعال الحرب الروسية - الأوكرانية»، قبل أن يتعهد بإعادة خفض السعر خلال يومين، رغم أن الزيادة كانت في أسواق القطاع الخاص.
ولكن بسبب الظروف غير العادية، لجأت الحكومة المصرية الأسبوع الماضي، إلى قرار استثنائي مؤقت لتحديد سعر رغيف الخبز في السوق الحر، وذلك لمدة 3 أشهر قد تجدد وفق المستجدات. ودافعت عن تدخلها في عمل القطاع الخاص بالتأكيد على أن «قانون حماية المستهلك» يكفل لها وفق شروط (رأت أنها تحققت) أن تحدد مؤقتاً سعر سلعة بعينها لمدة محددة.
مع ذلك فإن «موجة الغلاء» لم تتراجع في سلع أخرى بينها السلع الغذائية. وهنا يشرح الخبير في الاقتصاد وأستاذ التمويل الدكتور مدحت نافع لـ«الشرق الأوسط» أنه «بمجرد أن اشتعل الصدام المسلح بين روسيا وأوكرانيا تأثرت أسواق القمح، لكن كثيراً من الدول قررت أن تتحوط تحسباً لطول أمد الأزمة، فزادت حجم احتياطياتها من المواد الغذائية والأولية والنفط ومشتقاته، وأدى هذا بدوره إلى نقص المعروض وضغط على بورصات السلع الكبرى والتي تعد مؤشرا للأسعار في كل دول العالم ومن بينها مصر».
إلا أن نافع يعود فيذكر بأن «الاضطراب في سلاسل الإمداد بدأ منذ تفشي كوفيد - 19، وأعقبته أزمة الحرب الروسية - الأوكرانية وفرض عقوبات على موسكو. وأخيراً، جاء ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية التي ستتبعها زيادات أخرى حتى نهاية العام». ويخلص إلى أن كل تلك العوامل مع غيرها «تضغط على الواردات المصرية وبالتالي على السلع والخدمات كافة».

حوافز وعقوبات
على أي حال، فإن الحكومة المصرية، سعت لتأمين جبهتها الداخلية من القمح التي طمأنت بأنه متوفر باحتياطي يكفي لاستهلاك 4 أشهر. غير أنه على المدى المتوسط والمدى الطويل فقد اتخذت إجراءات عدة لحشده من المزارعين المحليين... عبر إلزام نسبي لهم بتوريد حصة محددة من محصولهم للشركات المملوكة للدولة مع تعهد السلطات بسرعة سداد المستحقات.
جدير بالذكر، أن مصر تعد من أكبر مستوردي القمح في العالم. وفي أعقاب اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية، أقر وزير المالية المصري محمد معيط، بأن البلاد ستواجه تبعات جراء تلك الأحداث، مشيراً إلى أن «بند (شراء) القمح في موازنة الدولة سيرتفع بمقدار 15 مليار جنيه مصري (الدولار يساوي 18.3 جنيه تقريباً).
ووفق الإجراءات التنظيمية التي أقدمت عليها الحكومة المصرية لتأمين جزء من احتياج البلاد من القمح المحلي فإنها أعلنت عن «حوافز ودعم للأسمدة لأصحاب حيازات الأراضي الكبيرة ممن سيوردون لها 90 في المائة من محصولهم»، وفي الوقت نفسه لوحت بتطبيق عقوبات الحبس والغرامة المالية على المخالفين.
وتضمن القرار الذي أصدره وزير التموين المصري إلزاماً على كل «من يملك محصولاً من قمح عن موسم حصاد عام 2022 أن يسلم إلى جهات التسويق (المملوكة للدولة) جزءاً من المحصول بواقع 12 إردباً عن كل فدان كحد أدنى؛ بناءً على الحيازة الزراعية المسجلة بوزارة الزراعة والجمعيات الزراعية». هذا، وتتباين التقديرات لإنتاجية الفدان من القمح حسب جودة الأراضي وأنواع التقاوي، وتتراوح بين 18 و23 إردباً للفدان تقريباً.
وعلى الجانب الآخر، طمأنت الحكومة المصرية المزارعين بتعهدها «السداد الفوري لمقابل كميات القمح بحد أقصى 48 ساعة من تاريخ التسلم». في حين حذر القرار من أن العقوبات على المخالفين، التي تتضمن الحبس والغرامة المالية، تتضمن «الأشخاص الذين اشتركوا في عملية بيع القمح، مسؤولين بالتضامن؛ سواء أكانوا بائعين أم مشترين أم وسطاء أم ممولين، وفي جميع الأحوال تضبط الكميات موضوع المخالفة، ويحكم بمصادرتها، كما تضبط وسائل النقل أو الجر التي استعملت في نقله ويحكم بمصادرتها».
ومن ثم، إذا كان المسار العاجل لتوفير القمح قد تلقى إجراءات تحفيزية، فإن ثمة ملفات أخرى لجأت إليها مصر على مستوى موازنتها. إذ أعلن رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، إعادة هيكلة الموازنة للعام المقبل، وقال موضحاً «في ظل الأوضاع العالمية الحالية وما نشهده من تغيرات اقتصادية متلاحقة، وضعنا حلولاً وتوقعات للتعامل مع السيناريوهات الأكثر تشاؤما، للتخفيف من حدتها».
لم يخفِ مدبولي أن هناك قرارات ستتخذ «لتحقيق الانضباط المالي الكامل في الإنفاق، بل والتقشف في عدد من الأمور، مع ترتيب الأولويات، إلى أن تتضح الصورة في الفترة المقبلة، وتمر هذه الأزمة». وأضاف مدبولي «سنتابع توافر السلع الأساسية والمنتجات الغذائية في الأسواق، وانتظام عمل المصانع المنتجة لتلك المواد الغذائية، واستمرار الجهود المتعلقة بضبط الأسعار والأسواق، بما يضمن عدم السماح بوجود أي ممارسات سلبية، كإخفاء السلع أو احتكارها».

مشكلة دولية أم محلية؟
على صعيد متصل، حملت الساعات الأولى من يوم 21 من مارس (آذار) خبراً ساراً للمصريين، إذ نشرت الجريدة الرسمية قراراً حكومياً رسمياً بتحديد سعر بيع الخبز الحر (غير المدعوم) في برهنة على تنفيذ التعهدات بتخفيض سعره. ولكن وبعد ساعات معدودة من بزوغ شمس اليوم نفسه جاء خبر مفاجئ من البنك المركزي للبلاد يشير إلى رفع سعر الفائدة بنسبة 1 في المائة، لتبدأ العملة الوطنية مسار هبوط متوقع مقابل الدولار الأميركي.
بطبيعة الحال، صدم قرار زيادة الفائدة الأسواق ومرتاديها، خاصةً أنه صدر عن اجتماع استثنائي عقدته لجنة السياسية النقدية قبل موعدها المقرر بثلاثة أيام، وتبعته تساؤلات وتعليقات عدة بشأن طبيعة تلك الإجراءات وأسبابها، وكان ذلك مصحوباً بترقب لحظي لزيادة كبيرة قاربت 3 جنيهات لسعر صرف الدولار الواحد مقابل الجنيه. وهو ما يعني زيادة أسعار سلع وخامات مختلفة في بلد مثل مصر التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد من الخارج بالعملة الصعبة.
ومع تصاعد الجدل بشأن أسباب المشكلة، وما إذا كانت بسبب تداعيات النزاع الدولي بين روسياً وأوكرانيا، أم أن مرجعها مشكلة اقتصادية محلية؟... يعتقد الدكتور نافع أن «الفصل بين مدى تأثير العوامل الداخلية والخارجية صعب في هذه الحالة، خاصةً إذا أتت بشكل آنٍ». وشرح الخبير الاقتصادي المصري أن «أحد الآثار الظاهرة أمامنا في الحالة المصرية لسعر صرف العملة مرتبط بارتفاع الفائدة الأميركية وانعكاسه على التضخم وتكلفة الدين بالنسبة لكل الدول النامية». وقال إنه «سبق أن حذر صندوق النقد والبنك الدوليين من الضغوط التي ستفرض على الدول النامية والتي من شأنها خلق أزمة».
ثم استكمل «هناك أيضاً أزمة تضخم في مصر كانت تحتاج لسياسة نقدية تمتص السيولة عبر رفع سعر الفائدة الذي لم يكن فقط عبر 1 في المائة لسعر الإقراض والإيداع، ولكن علينا أن ننظر إلى الشهادات التي طرحها بنكان حكوميان بفائدة 18 في المائة ارتفاعاً من 11 في المائة وهو ما انعكس على السيولة».

سخرية وطمأنة
واقع الحال، أن الإجراءات التي أفضت إلى هبوط سعر صرف العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية وأخصها الدولار، أدخلت المصريين في موجة «قلق وسخرية» عبّر عنها مستخدمون لمواقع التواصل الاجتماعي ومعلقون محليون بصور شتى. وتواكب ذلك مع إجراءات حكومية لتخفيف آثار زيادة الأسعار، ودعم رواتب الفئات الأقل دخلا ومنها قطاع المعاشات.
وفي هذه الأثناء، سعت الحكومة إلى تبديد المخاوف الاجتماعية جراء التطورات، وأعلنت عن تخصيص 190.5 مليار جنيه للهيئة القومية للتأمين الاجتماعي لصرف زيادة المعاشات بنسبة 13 في المائة بحد أدنى 120 جنيهاً بدءاً من أول أبريل (نيسان)، فضلا عن تدبير 2.7 مليار جنيه لضم 450 ألف أسرة جديدة للمستفيدين من «تكافل وكرامة».
بيد أن إجراءات «الطمأنة» الحكومية لم تقنع - على ما يبدو - آخرين عبروا بصور مركبة ساخرة «كوميكس» عن صدمتهم من «تعويم عملتهم»، ومن بينها صورة مقتطعة من فيلم شهير لسيدة أجروا على لسانها سؤالاً استنكارياً: «أنا نايمه امبارح (بالأمس) طبقة متوسطة... ينفع أصحى النهارده (اليوم) ألاقيني تحت خط الفقر»، في محاكاة تتسم بالمبالغة الساخرة للإشارة لما فقده الجنيه أمام الدولار.
ويبدو أن نمو التعبير عن القلق من زيادة أسعار السلع أو السيناريوهات التي قدمها البعض من احتمال نضوب بعض المنتجات أثار انتباه المسؤولين على مستويات رسمية مختلفة، لكن أبرز تعليق جاء في ختام الأسبوع، على لسان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي دعا مواطنيه في احتفالية عامة إلى الاطمئنان. ومع إشارته إلى ضرورة ترشيد الاستهلاك خلال الموسم الرمضاني، فإنه استدرك وقال: «هذا لا يعني أن السلع غير متوفرة، اشتروا كما تريدون من الأسواق وكل شيء متوفر وبكثرة».
كذلك، دخل الجيش المصري على خط التطورات عبر توفير السلع، وأعلن «تجهيز وتعبئة أكثر من مليون ونصف المليون عبوة غذائية لطرحها في الأسواق بنسبة خصم تصل إلى 60 في المائة وطرحها في جميع المحافظات».

تعميق الصناعة والتكامل
لكن هل يمكن القول إن هناك إجراءات إضافية ينبغي على مصر تنفيذها لمواجهة تدهور العملة؟...
يجيب الخبير في الاقتصاد مدحت نافع على هذا السؤال بالقول إن «الاعتمادات المالية التي طرحتها الحكومة لتفعيل زيادة رواتب بعض الفئات الأقل دخلاً وأصحاب المعاشات، إجراء موفق وله آثار اجتماعية مهمة على المدى القصير، ولكن على الأجلين المتوسط والطويل يجب الاتجاه لضرورة تعميق الصناعة الوطنية لتجنب مسار الأزمات».
وأردف موضحاً «هناك اتجاه عالمي لتغيير فلسفة وإجراءات التحوط، وسنجد أن ألمانيا مثلاً كدولة رائدة في مجالات الطاقة المستدامة، قررت أن تؤجل إغلاق محطتين نوويتين على خلفية تعطل مشروع «نورد ستريم2» (الروسي لنقل الغاز)... فضلاً عن إجراءات تحوط في آسيا لبناء مخزون استراتيجي من السلع المهمة ومنها الأرز بشكل إقليمي وخلق اكتفاء ذاتي».
في الحقيقة، نافع يدعو إلى تسريع العمل على «تحقيق الاكتفاء الذاتي من المواد الغذائية ومدخلات الصناعة الرئيسية بشكل إقليمي لأن العمل الذاتي بات صعباً للغاية»، ويرى أن يجب «طرح مشروع إقليمي بين عدد من الدول للتكامل يقوم على المصالح المشتركة والربح في الاتجاهين Win - Win، ويعتمد على المشروع القاطرة فيكون لدينا مثلا مشروع الاكتفاء الذاتي من الحبوب كبداية تقود هذا النوع من التكامل».


مقالات ذات صلة

تداعيات الحرب الإيرانية تصل إلى موائد المصريين

شمال افريقيا تراجع القوى الشرائية للمصريين مع زيادة الأسعار وتداعيات الحرب الأميركية الإيرانية (وزارة التموين المصرية)

تداعيات الحرب الإيرانية تصل إلى موائد المصريين

خاصمت منتجات الألبان مائدة حنان رمضان (49 عاماً) التي قررت التخلي عنها لصالح توجيه فاتورة إنفاقها إلى أخرى أكثر أهمية.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء سابق بين الرئيس عبد الفتاح السيسي وكايا كالاس الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي (الرئاسة المصرية)

مصر تطالب بتسريع صرف الشريحة الثانية من الدعم الأوروبي

طالبت مصر بتسريع تحويل الشريحة الثانية من حزمة الدعم الكلي المقدمة من الاتحاد الأوروبي، لدعم موازنة البلاد بما يساهم في التعامل مع تداعيات التصعيد الحالي.

أحمد جمال (القاهرة)
تحليل إخباري رئيس الوزراء المصري متحدثاً خلال الاجتماع الأسبوعي للحكومة (مجلس الوزراء)

تحليل إخباري هل أحبطت الحرب الإيرانية وعود الحكومة المصرية بتحسن الأوضاع؟

طبقت الحكومة المصرية خلال السنوات العشر الماضية إصلاحات اقتصادية وُصفت بـ«القاسية»، بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، تضمنت رفع الدعم عن المحروقات.

أحمد عدلي (القاهرة)
الاقتصاد رجل مصري يمر أمام شاشة عرض لعملة الدولار الأميركي (رويترز)

التضخم في مصر يتسارع إلى 13.4 % عشية الحرب على إيران

ارتفع معدل التضخم السنوي للمستهلكين في المدن المصرية، إلى ‌13.4 في المائة ‌في فبراير ‌(شباط)، من ‌11.9 في المائة في يناير (كانون الثاني).

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد من المخطط ربط الاكتشاف الجديد على الإنتاج بحلول عام 2029 (وزارة البترول المصرية)

مصر: نجاح حفر أول بئر استكشافية للغاز في 2026 لشركة «شل»

أعلنت وزارة البترول المصرية، نجاح حفر أول بئر استكشافية للغاز لشركة «شل» في 2026، بالبحر المتوسط.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».