العالم يطمع بـ«حلول عربية» للفكاك من «الكارثة الأوكرانية»

جولات مكوكية لمسؤولين من اليابان إلى أميركا بحثاً عن دعم قوي

لا يتوقف وفود كبار المسؤولين الغربيين إلى المنطقة العربية بحثاً عن حلول لمعضلة الطاقة (رويترز)
لا يتوقف وفود كبار المسؤولين الغربيين إلى المنطقة العربية بحثاً عن حلول لمعضلة الطاقة (رويترز)
TT

العالم يطمع بـ«حلول عربية» للفكاك من «الكارثة الأوكرانية»

لا يتوقف وفود كبار المسؤولين الغربيين إلى المنطقة العربية بحثاً عن حلول لمعضلة الطاقة (رويترز)
لا يتوقف وفود كبار المسؤولين الغربيين إلى المنطقة العربية بحثاً عن حلول لمعضلة الطاقة (رويترز)

خلال الأيام الماضية، وتحديدا الأسبوع الأخير، لم تتوقف الجولات المكوكية التي يقوم بها كبار المسؤولين من مختلف الدول شرقا وغربا إلى المنطقة العربية من الخليج إلى المحيط، بحثا عن حلول للكارثة الأوكرانية التي تبدو كقنبلة منزوعة الفتيل تهدد الاقتصاد العالمي برمته.
فتارة نرى سعيا يابانيا لتأمين مصادر الطاقة، وأخرى نشهد طلبات أوروبية مماثلة، أو مناشدات أميركية لمحاولة إنقاذ الموقف... وفي المقابل فإن المواقف العربية الواضحة تصب جميعا في خانة «عدم الانحياز وسط الصراع» و«أولوية ضمان أمن أسواق الطاقة العالمية» و«الحفاظ على توازنات للعلاقات مع مختلف الأطراف».
الإصرار الأميركي على تقليم أظافر الدب الروسي عقب غزو أوكرانيا لا يخفى على أحد، كما أن مساعي واشنطن لحشد أكبر قدر من الحلفاء تضعها في بؤرة المسؤولية عن تأمين هؤلاء الحلفاء، خاصة على خط المواجهة الرئيسي في أوروبا ضد أي مخاطر طاقوية خلال قادم الأيام.
هذا التوجه شهد ذروته خلال الأيام الأخيرة مع تكثيف خاص لمحاولات حظر وخنق صادرات الطاقة الروسية كأقوى الأسلحة الغربية في مواجهة روسيا، لكنه سلاح غاشم، إذ إن أوروبا والعالم بشكل أوسع مهدد بفقدان مصدر للطاقة لا يمكن - نظريا حتى الآن - تعويضه.
وحذرت الوكالة الدولية للطاقة الأسبوع الماضي من أن تباطؤ النمو عقب الحرب على أوكرانيا، قد يؤدي إلى خفض الاستهلاك العالمي بـ1.3 مليون برميل في اليوم في الفصول الثلاثة الأخيرة من العام... إلا أنها أشارت أيضًا إلى أن الاضطرابات التي تؤثر على عمليات التصدير الروسية قد تُحدث «صدمة عالمية للعرض»، ما سيحرم السوق العالمية من ثلاثة ملايين برميل في اليوم، وقد ترتفع هذه الكمية إذا أصبحت العقوبات المفروضة على موسكو أكثر صرامة. وقالت الوكالة الجمعة إن الاجتماع المقبل لأوبك وحلفائها ضمن تحالف أوبك+ المقرر في 31 مارس (آذار)، قد يسمح بـ«تهدئة السوق».
وبدورها قالت فيتول، تاجر الطاقة العالمي، إن تزايد الطلب على النفط مصحوبا بنمو مكبوح في الإنتاج تسببا في هبوط مخزونات الخام بمقدار مليوني برميل يوميا إلى أدنى مستوياتها في عدة أعوام، مضيفة أن شحا في المعروض في أسواق الطاقة كان موجودا بالفعل قبل تفجر الأزمة بين روسيا وأوكرانيا. وأضافت أن أسواق الغاز والكهرباء عانت تقلبات لم يسبق لها مثيل في أوائل الخريف في أوروبا وفي ديسمبر (كانون الأول) بسبب مخاوف من نقص في المعروض.
وبعيدا عن ملفات الطاقة المباشرة، فقد أكدت شركة الشحن الدنماركية العملاقة «ميرسك» أن ارتفاع أسعار الوقود سيؤثر على صناعة الشحن ويزيد من التأخير في سلاسل التوريد العالمية، والتي تشهد بالفعل اختناقات.
وقالت الشركة إنه «مع ارتفاع تكلفة الوقود، يمكن أن ترتفع تكلفة حركة البضائع وتتسبب في المزيد من التأخيرات والتراكمات للصناعات، مما يؤدي إلى حدوث اضطرابات عبر سلاسل التوريد ويؤثر على سلاسة حركة الأعمال»، وفقا لما نقلته وكالة «بلومبرغ». وأضافت «سيتعين على سلاسل الإمدادات إدخال المزيد من المرونة على المسارات اللوجيستية، وخلق فرص بديلة من خلال الخيارات القريبة والبعيدة المحتملة، ومواكبة الاضطرابات المحلية والعالمية».

بداية بريطانية
التوجه الغربي نحو المنطقة بدأ بشكل جلي منتصف الشهر الجاري، مع زيارة رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون للسعودية، ومناشدته ولي العهد الأمير محمد بن سلمان خلال لقائهما، بالعمل على زيادة الإنتاج لتهدئة الأسعار والمخاوف... حيث ناقشا «تطورات الأوضاع في أوكرانيا» بينما تسعى أوروبا لتقليل اعتمادها على الخام الروسي.
وبحسب مكتب جونسون، تشكل الإمارات والسعودية أكبر شريكين اقتصاديين للمملكة المتحدة في المنطقة، إذ بلغت قيمة التبادل التجاري نحو 15.9 مليار دولار مع أبوظبي و13.9 مليار دولار مع الرياض في 2020، فيما تمثل الواردات الروسية 8 في المائة من إجمالي الطلب على النفط في المملكة المتحدة.
وفي ختام اللقاء، أكد جونسون أن السعودية «متفهمة الحاجة لاستقرار أسواق النفط والغاز العالمية»، لكن دون التطرق إلى أي اتفاق حول زيادة الإنتاج... وهو ما يظهر أنه تأكيد على سياسة المملكة المعلنة في الحفاظ على أمن أسواق الطاقة مع الحفاظ أيضا على قوام تحالف «أوبك بلس»، والذي بدوره يحفظ أمن الطاقة العالمية بشكل كبير. وهو ذات المفهوم الذي وصله جونسون خلال زيارته إلى الإمارات في اليوم السابق.
وكان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قد أكد للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نهاية الشهر الماضي، أن بلاده ملتزمة باتفاق تحالف «أوبك بلاس» حول كميات إنتاج النفط والذي تقوده إلى جانب روسيا، وذلك خلال اتصال هاتفي شمل «بحث الأوضاع في أوكرانيا... وأثر الأزمة على أسواق الطاقة».
وخلال الساعات الماضية، أكد الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية أمين الناصر، على توازن سياسات المملكة، قائلا إن الشركة ملتزمة بالكامل بكافة العقوبات المفروضة على روسيا، واصفاً إمدادات النفط الروسية بـ«المهمة» لأسواق الخام العالمية. وأضاف أن «الشركة ستقوم بدورها في هذا الشأن بناء على التوجيهات التي ترد إليها من وزارة الطاقة، ليس لدينا أي عمليات تجارية في روسيا، فقط مركز للبحث والتطوير».

ألمانيا المتوترة
المقاومة الأساسية للمشروع الأميركي - البريطاني تأتي من ألمانيا شديدة الاعتماد على الغاز والنفط الروسي، بما يعني أن فقدانهما قد يهدد - لا فقط الصناعة الألمانية التي تعد أهم عضلات البلاد الاقتصادية، لكنه يهدد أيضا سكان البلاد بالموت بردا في بيوتهم.
وقال متحدث باسم الحكومة الألمانية يوم الاثنين إن ألمانيا لا تزال على موقفها بأنها لا تستطيع الاستغناء عن واردات النفط الروسية، وذلك في ظل المناقشات التي يجريها الاتحاد الأوروبي حول فرض مزيد من العقوبات على موسكو.
وقال المتحدث الألماني ذلك فيما كان وزير الاقتصاد الألماني روبرت هابيك في محادثات رفيعة بالإمارات، دارت حول توسيع الشراكة بين البلدين في مجال الهيدروجين الأخضر المُنتج على أساس مصادر طاقة متجددة دون انبعاثات كربونية. ومن المنتظر أن تؤدي هذه التقنية إلى التخلص من العوادم الكربونية الناتجة عن صناعات مثل الصلب والكيماويات، واستبدال الطاقة الأحفورية مثل الغاز الروسي على المدى الطويل.
وبحسب تصريحات هابيك في الدوحة، فقد اتفقت ألمانيا وقطر يوم الأحد على شراكة طويلة الأمد في مجال الطاقة. وقطر من أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم. ويتعلق الأمر من ناحية بعمليات توريد قصيرة الأجل إلى أوروبا، بالإضافة إلى عمليات توريد طويلة الأجل، والتي يجب أن تصل بعد ذلك إلى محطات غاز طبيعي مسال من المخطط إنشاؤها في ألمانيا. وتسعى الحكومة الألمانية إلى تقليل الاعتماد على الغاز الروسي في ظل الحرب العدوانية الروسية في أوكرانيا.

اليابان على الخط
ووسط الاهتمام الأوروبي، دخلت اليابان على الخط، وقال بيان لوزارة الخارجية الإماراتية يوم الاثنين إن وزير الخارجية الشيخ عبد الله بن زايد ناقش مع نظيره الياباني يوشيماسا هاياشي في أبوظبي جهود تحقيق الاستقرار والتوازن في أسواق الطاقة والغذاء العالمية في ضوء تطورات الأزمة الأوكرانية.
وقال رئيس الوزراء الياباني فوميو كيشيدا الأسبوع الماضي إنه اتفق مع ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان على العمل للمساهمة في تحقيق استقرار سوق النفط العالمية بعد أن أدت الحرب الأوكرانية إلى اضطراب السوق، والذي عزز أهمية مصدري الخام الخليجيين لمستوردي الطاقة مثل اليابان... وتستورد اليابان قرابة ثلث حاجاتها النفطية من الإمارات.
*الجزائر في الصورة:
وفي أقصى الغرب العربي، رفضت الجزائر الأسبوع الماضي طلبا قدمته الولايات المتحدة، من أجل إعادة تشغيل خط أنابيب الغاز المتوقف باتجاه إسبانيا، فيما كانت واشنطن تأمل أن تساعد هذه الخطوة في خفض اعتماد الأوروبيين على إمدادات الطاقة الروسية.
وبحسب إذاعة فرنسا الدولية، فإن السلطات الجزائرية رفضت مؤخرا إعادة تشغيل هذا الخط الذي يمر عبر المغرب، وجرى الإعلان عن وقفه إثر توتر العلاقات مع الرباط، في نهاية 2021. وذكرت الإذاعة الفرنسية نقلا عن مصادر جزائرية، أن واشنطن طلبت إعادة تشغيل خط أنابيب الغاز خلال الزيارة التي أجرتها نائبة وزير الخارجية الأميركي ويندي شيرمان مؤخرا، إلى كل من مدريد والرباط والجزائر. لكن الجزائر التي تمد الدول الأوروبية بـ11 في المائة من واردات الغاز، لا تريد زيادة الكمية في الوقت الحالي. وأضافت الإذاعة أن الجزائر تتعامل مع الملف الأوكراني بـ«حذر كبير»، في إطار الحرص على العلاقات القائمة مع موسكو، ورفض الاصطفاف مع الغرب في الأزمة.
وتوقف خط أنابيب الغاز الذي يعبر البحر المتوسط في 31 من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عندما رفضت الجزائر تجديد العقد الذي كان يربطها بالمغرب، بسبب خلافات سياسية مع البلد الجار. وتوضح الإذاعة الفرنسية، أنه حتى لو وافقت الجزائر على زيادة الإمدادات صوب أوروبا، فإن ذلك لن يكون بمثابة حل على المدى القريب. وأضافت أن رفع الإمدادات على المدى الطويل يستدعي القيام باستثمارات كبرى، وهذه الخطوة تحتاج 5 سنوات على الأقل حتى تؤتي ثمارها، في حين أن أوروبا تسابق الزمن لأجل تقليل اعتمادها على واردات الطاقة الروسية.


مقالات ذات صلة

ارتداد حذر في الأسواق العالمية على وقع خطة الـ15 نقطة الأميركية

الاقتصاد متداول في بورصة نيويورك يستعد لافتتاح السوق (أ.ف.ب)

ارتداد حذر في الأسواق العالمية على وقع خطة الـ15 نقطة الأميركية

عكست استعادة الأسواق العالمية عافيتها رغبة محمومة لدى المستثمرين في تصديق رواية «التهدئة» التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد فينك يتحدث خلال قمة البنية التحتية لعام 2026 بواشنطن (أرشيفية-رويترز)

رئيس «بلاك روك» يحذر من ركود عالمي إذا وصل سعر النفط لـ150 دولاراً

قال الرئيس التنفيذي لشركة بلاك روك، لاري فينك، إن أسعار النفط قد تصل إلى 150 دولاراً للبرميل، مما قد يتسبب في «ركود عالمي» إذا «ظلت إيران تشكل تهديداً».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مصور تلفزيوني يصوّر لوحات مؤشرات تُظهر عائد سندات الحكومة اليابانية لأجل 10 سنوات في طوكيو (إ.ب.أ)

إذا أردتَ معرفة نبض الاقتصاد العالمي... فراقِب عوائد السندات

بينما تنشغل العواصم الكبرى بقرارات الحرب والسلم في الشرق الأوسط، تُطلق سوق السندات العالمية «صافرات إنذار» مدوية تتجاوز شاشات التداول لتضرب صلب الاقتصاد.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

الأسواق العالمية تتنفس الصعداء مع أنباء عن هدنة محتملة بين واشنطن وطهران

شهدت الأسواق العالمية حالة من الانتعاش يوم الأربعاء، حيث ارتفعت أسهم البورصات وتراجعت أسعار النفط.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد امرأة تحمل ورقة نقدية من فئة 500 روبية في الأحياء القديمة بدلهي (رويترز)

تضارب الأنباء بين واشنطن وطهران يضع متداولي العملات في حالة استنفار وإرهاق

أظهرت أسواق العملات علامات على الإرهاق في التداولات الآسيوية، يوم الأربعاء، حيث أبدى المتداولون حذراً إزاء جهود الرئيس الأميركي لإنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

تراجع حاد في إنتاج النفط العراقي مع امتلاء الخزانات وسط استمرار حرب إيران

منظر عام لحقل غرب القرنة - 2 النفطي في جنوب البصرة (رويترز)
منظر عام لحقل غرب القرنة - 2 النفطي في جنوب البصرة (رويترز)
TT

تراجع حاد في إنتاج النفط العراقي مع امتلاء الخزانات وسط استمرار حرب إيران

منظر عام لحقل غرب القرنة - 2 النفطي في جنوب البصرة (رويترز)
منظر عام لحقل غرب القرنة - 2 النفطي في جنوب البصرة (رويترز)

تراجع إنتاج النفط ‌العراقي ‌بشكل حاد ​مع ‌استمرار ⁠حرب ​إيران، إذ ⁠وصلت خزانات النفط إلى مستويات عالية وحرجة، في ⁠حين تعجز ‌البلاد ‌عن ​تصدير ‌النفط الخام ‌عبر مضيق هرمز. حسبما نقلت «رويترز» عن ثلاثة مسؤولين في قطاع الطاقة العراقي.

وأضاف المسؤولون، الأربعاء، أن إنتاج حقول ‌النفط الرئيسية في جنوب ⁠العراق انخفض بنحو ⁠80 في المائة ليصل إلى نحو 800 ألف برميل يومياً.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، انخفض إنتاج النفط العراقي من حقوله الرئيسية في الجنوب بنحو 70 في المائة ليصل إلى نحو 1.3 مليون برميل يومياً، نظراً لعدم قدرة البلاد على تصدير النفط الخام عبر مضيق هرمز المغلق بشبه كامل، وفقاً لمصادر في القطاع.

وكان إنتاج هذه الحقول يبلغ 4.3 مليون برميل يومياً قبل الحرب.

وأفاد مسؤولون بأن العراق قرر إجراء المزيد من التخفيضات في الإنتاج ابتداء من يوم الثلاثاء، بعد أن طلب من شركة بريتيش بتروليوم (BP) خفض الإنتاج من حقل الرميلة النفطي العملاق بمقدار 100 ألف برميل يومياً، ليصل الإنتاج إلى 350 ألف برميل يومياً من 450 ألف برميل يومياً.

كما طلب العراق من شركة «إيني» الإيطالية خفض الإنتاج من حقل «الزبير» بمقدار 70 ألف برميل يومياً من الإنتاج الحالي البالغ 330 ألف برميل يومياً.

وجاء في رسالة رسمية صادرة عن شركة نفط البصرة الحكومية وموجهة إلى شركة «بريتيش بتروليوم»، وفقاً لـ«رويترز»: «نظراً لارتفاع مستويات المخزون في المستودعات إلى مستويات حرجة، يرجى خفض الإنتاج والضخ من شمال الرميلة إلى 350 ألف برميل يومياً من المستويات الحالية، بدءاً من الساعة 9:00 صباحاً بالتوقيت المحلي يوم 24 مارس (آذار)».

كما أفادت «رويترز» برسالة مماثلة موجهة إلى شركة «إيني». وأضافت المصادر أن العراق خفض أيضاً إنتاجه من حقول نفطية حكومية مختلفة.

وحذر مسؤولون في قطاع الطاقة العراقي من إمكانية الإعلان عن مزيد من تخفيضات الإنتاج خلال الأيام المقبلة إذا لم تحل الأزمة في مضيق هرمز.

وبعد سلسلة من التخفيضات، انخفض إنتاج حقول النفط الجنوبية في العراق إلى نحو 800 ألف برميل يومياً، نظراً للمحدودية الشديدة في مساحات التخزين المتاحة واستمرار توقف الصادرات، وفقاً لما ذكره مسؤول نفطي رفيع المستوى مطّلع على عمليات الإنتاج.


ارتداد حذر في الأسواق العالمية على وقع خطة الـ15 نقطة الأميركية

متداول في بورصة نيويورك يستعد لافتتاح السوق (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك يستعد لافتتاح السوق (أ.ف.ب)
TT

ارتداد حذر في الأسواق العالمية على وقع خطة الـ15 نقطة الأميركية

متداول في بورصة نيويورك يستعد لافتتاح السوق (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك يستعد لافتتاح السوق (أ.ف.ب)

عاشت الأسواق العالمية حالة من «الانفصام الإيجابي» خلال تعاملات الأربعاء؛ فبينما كانت الطائرات المتبادلة ترسم خطوط الحرب في سماء الشرق الأوسط، كانت شاشات التداول ترسم أخضر الأمل، مدفوعة ببريق مقترح أميركي يرمي لـ«تجميد» الصراع. هذا التحول الدراماتيكي في شهية المخاطرة، الذي قاد الأسهم العالمية لاسترداد عافيتها وهبط بخام برنت تحت حاجز الـ100 دولار، عكس رغبة محمومة لدى المستثمرين في تصديق رواية «التهدئة»، رغم افتقارها حتى الآن لضمانات الميدان أو موافقة طهران الصريحة.

ولم يكن ارتداد الأسواق مجرد رد فعل عاطفي على أنباء «خطة الـ15 نقطة» الأميركية، بل كان تحركاً فنياً استراتيجياً؛ حيث استغل «قنّاصو الفرص» بلوغ الأسهم والذهب مستويات مغرية للشراء بعد نزف الأيام الماضية. وفي مفارقة لافتة، قفز الذهب بأكثر من 2 في المائة ليس فقط كـ«ملاذ آمن» ضد المجهول الجيوسياسي، بل كمستفيد أول من تراجع رهانات رفع الفائدة، بعد أن منحت أنباء التهدئة وتراجع أسعار النفط «قُبلة حياة» للمصارف المركزية التي كانت تخشى فقدان السيطرة على التضخم.

ناقلة نفط راسية في ميناء تشينغداو بمقاطعة شاندونغ شرق الصين (أ.ف.ب)

الأسهم العالمية تسترد عافيتها

وفي تفاصيل الأداء الميداني، قادت البورصات الأوروبية قاطرة الصعود؛ حيث قفز مؤشر «ستوكس 600» بنسبة 1.4 في المائة، بينما استعاد مؤشر «فاينانشال تايمز 100» البريطاني بريقه بصعوده 1.1 في المائة.

ولم تكن الأسواق الآسيوية بعيدة عن هذا المشهد، إذ سجلت بورصة تايوان مكاسب قوية بلغت 2.5 في المائة، مدعومة بتفاؤل حذر حيال استقرار سلاسل الإمداد التقنية، في حين تراوحت مكاسب الأسواق الناشئة الأخرى بين 1.6 في المائة و2.3 في المائة.

يقف أحد المارة أمام لوحة أسعار الأسهم التي تعرض متوسط ​​مؤشر نيكي خارج شركة وساطة في طوكيو (رويترز)

هذا الانتعاش جاء مدفوعاً بما أوردته تقارير إعلامية، حول مقترح أميركي يتضمن خطة من 15 نقطة لوقف إطلاق النار لمدة شهر. ورغم نفي طهران وجود مفاوضات مباشرة ووصفها لحديث الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنه «تفاوض مع الذات»، فإن المستثمرين فضلوا التمسك بـ«قشة» التهدئة، وهو ما عكسه تراجع عوائد السندات السيادية. فقد تراجعت العوائد في منطقة اليورو، حيث انخفض العائد على السندات الألمانية لأجل عشر سنوات إلى نحو 2.95 في المائة، فيما تراجع العائد على السندات الإيطالية إلى نحو 3.83 في المائة. وجاء هذا التحسن مدفوعاً بزيادة الطلب على الأصول الآمنة، بالتزامن مع تراجع أسعار النفط.

وفي الولايات المتحدة، استقرت عوائد سندات الخزانة نسبياً، حيث بلغ العائد على السندات لأجل عشر سنوات نحو 4.33 في المائة، بينما سجل مؤشر الدولار ارتفاعاً طفيفاً إلى 99.33 نقطة، في حين تراجع اليورو بشكل محدود إلى 1.1598 دولار.

النفط إلى مستوى مقاومة مهم

أما في سوق الطاقة، فقد عاشت الأسعار حالة من التصحيح؛ إذ انخفضت أسعار النفط تحت حاجز 100 دولار للبرميل، وهو مستوى مقاومة مهم. وتراجعت العقود الآجلة لخام برنت 5.2 في المائة إلى 98.99 دولار دولار للبرميل بحلول الساعة 01:35 بتوقيت غرينتش، كما انخفضت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي 4.7 في المائة إلى 87.90 ‌دولار للبرميل.

وارتفع كلا الخامين بنحو ‌5 في المائة في جلسة يوم الثلاثاء، ما يعني أن جلسة الأربعاء محتها. ولا تزال الأسعار أكبر بنحو 40 في المائة من مستويات ما قبل حرب إيران.

ومع آمال نجاح المفاوضات الأميركية الإيرانية، قال الرئيس التنفيذي لشركة «بلاك روك»، ‌لاري فينك، إن أسعار النفط قد تصل إلى 150 دولاراً للبرميل، مع استمرار تعطل مضيق هرمز، وتؤدي إلى «ركود عالمي» إذا «ظلت إيران تشكل تهديداً» حتى بعد انتهاء الحرب.

عائلة تجلس أمام حوض بناء السفن قبالة مدينة الفجيرة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الذهب يلمع مجدداً

وفي مفارقة لافتة، استغل الذهب هذا التراجع في ضغوط الفائدة ليحلق عالياً بارتفاع تجاوز 2 في المائة، ليصل إلى مستويات 4558 دولاراً للأوقية. وبحسب محللين، فإن الذهب لم يعد يعمل فقط كتحوط ضد الحرب، بل كمستفيد من ضعف الدولار النسبي وتوقعات بأن الاحتياطي الفيدرالي قد يتجه لتثبيت الفائدة «لفترة أطول» بدلاً من رفعها، مع انخفاض احتمالات الرفع في ديسمبر (كانون الأول) إلى نحو 16 في المائة.

وعلى الرغم من هذا «اللون الأخضر» الذي كسا الشاشات، أظهرت بيانات اقتصادية ألمانية استمرار تراجع ثقة الأعمال، ما يذكر بأن الضرر الهيكلي الذي أحدثته الحرب لا يزال قائماً.


تركيا تضحي بـ30 مليار دولار في 21 يوماً لإنقاذ الليرة من تداعيات حرب إيران

مقر المصرف المركزي التركي في أنقرة (رويترز)
مقر المصرف المركزي التركي في أنقرة (رويترز)
TT

تركيا تضحي بـ30 مليار دولار في 21 يوماً لإنقاذ الليرة من تداعيات حرب إيران

مقر المصرف المركزي التركي في أنقرة (رويترز)
مقر المصرف المركزي التركي في أنقرة (رويترز)

يواجه البنك المركزي التركي ضغوطاً غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب في إيران؛ حيث أدّى الاستنزاف الحاد في احتياطيات النقد الأجنبي إلى إثارة تساؤلات جدية حول قدرة أنقرة على مواصلة سياستها الحالية لدعم العملة، وسط توقعات باحتمال لجوء المصرف المركزي إلى تسييل جزء من حيازاته الضخمة من الذهب لدعم الليرة المتعثرة.

فاتورة التدخل

وكشف محللون ومديرو صناديق لصحيفة «فاينانشيال تايمز» أن البنك المركزي التركي أنفق نحو 30 مليار دولار خلال الأسابيع الثلاثة الماضية فقط للحفاظ على استقرار الليرة، وهو حجم تدخل يضاهي الذروة التي شهدتها البلاد إبان الهزة المالية التي أعقبت اعتقال عمدة إسطنبول أكرم إمام أوغلو العام الماضي.

وحسب تقديرات «بورومجيكجي للاستشارات»، فإن مبيعات المركزي من العملات الأجنبية بلغت 26 مليار دولار في الأسابيع الثلاثة المنتهية في 19 مارس (آذار)، ما هبط بصافي الاحتياطيات (باستثناء المقايضات) إلى نحو 43.4 مليار دولار، فيما تُشير تقديرات مستقلة أخرى إلى أن إجمالي النزيف منذ بدء الصراع وصل إلى 34 مليار دولار.

سلاح الذهب... الخيار الأخير!

في ظل هذا التسارع في فقدان الاحتياطيات، يبرز الذهب طوق نجاة محتملاً؛ إذ تمتلك تركيا أكثر من 100 مليار دولار من المعدن الأصفر، منها 30 مليار دولار مودعة في بنك إنجلترا، ما يسهل استخدامها في عمليات التدخل دون «عقبات لوجيستية». وحسب تقارير، يدرس البنك المركزي استخدام «مقايضات الذهب» لتوفير السيولة الأجنبية اللازمة للدفاع عن العملة.