هل حقاً نعيشُ زمن علمٍ بلا ثقافة؟

في نقد أطروحة الفيلسوف الفرنسي ميشيل هنري

ميشيل هنري
ميشيل هنري
TT

هل حقاً نعيشُ زمن علمٍ بلا ثقافة؟

ميشيل هنري
ميشيل هنري

نُشِرَتْ مطلع العام 2022 نسخة مترجمة من كتابٍ ألّفه الفيلسوف والروائي الفرنسي ميشيل هنري Henry Michel عام 1987. وصدر وقتذاك بعنوان «الهمجية La Barbarie». تُرجِم الكتاب من الفرنسية إلى الإنجليزية عام 2012، ثم جاءت ترجمته العربية عام 2022 بالعنوان ذاته مع إضافة عنوان ثانوي هو «زمنُ علمٍ بلا ثقافة»، في إشارة تأكيدية إلى الأطروحة الجوهرية للكتاب.
عُرِف عن ميشيل هنري (1922 – 2002) أنه فيلسوف فرنسي تخصّص في مبحث الفلسفة الظواهرية Phenomenology، كما كتب 5 روايات وكتباً كثيرة تناولت حقولاً معرفية شتى. منها؛ السياسة والاقتصاد واللاهوت المسيحي والتحليل النفسي والثقافة. درّس هنري في جامعات عدّة في فرنسا وبلجيكا والولايات المتحدة واليابان.
تقومُ أطروحة هنري على تأكيد راديكالي للرابطة بين الهمجية الثقافية السائدة من جانب، والعلم والتقنية من جانب مقابل. وهو يرى أنّ العلم الحديث والتقنية الحديثة يعملان بالضد من التطوّر الذاتي لخصيصة إنسانية، أسماها «الحساسية الفردية»، التي رأى فيها دافعاً للارتقاء بالحياة الفردية النقية. يمضي هنري في تطوير فكرته بشأن هذا التعارض الحتمي - من وجهة نظره - بين العلم والحساسية الفردية؛ فيؤكّدُ في مؤلفاته قائلاً إن العلم يتأسّسُ على الحقائق الكلية الموضوعية؛ وهو ما يقودُ إلى تهميش حساسية الفرد تجاه العالم والحياة. ثمة عنصر ميتافيزيقي جوهري تقوم عليه الحساسية الفلسفية للأفراد، والعلم يعمل على تقويض هذا العنصر. يستدركُ هنري قائلاً إنه ليس ثمة من خطأ أساسي أو ضروري في مفهوم العلم أو الممارسة والتطبيقات العلمية طالما ظلّ الأمر محصوراً في نطاق دراسة الطبيعة وتطويعها للأغراض العملية؛ لكن إذا ما سعى العلم لتقويض أشكال الثقافة التقليدية (الفن، الأخلاقيات، الدين) فعندئذ لا بد أن نتوقّع مَقْدَمَ معضلات إشكالية خطيرة. يرى هنري في التطبيقات التقنية مخاطر أعظم من تلك التي يمكن أن تأتي مع الممارسة العلمية؛ فهو يؤكّدُ أن التطويرات التقنية العمياء باتت تتطوّرُ بأشكال متوحّشة من غير الانتباه إلى مفاعيلها الخطيرة المؤثرة على الحياة البشرية.
يرى هنري في العلم شكلاً من الثقافة التي تنكرُ فيها الحياة ذاتها ولا تعود لها أي قيمة مشخّصة؛ بل يمضي حدّ توصيف العلم بأنه ثقافة تمثّلُ نفياً عملياً للحياة، وهذا أمرٌ يدفعُ حثيثاً باتجاه صناعة آيديولوجيا علمية (بمعنى أصولية علمية) تتعارض مع كلّ أشكال المعارف البشرية السابقة وبخاصة في الحقلين الإنساني والاجتماعي. وهو يعتقد أنّ هذه الأصولية العلمية قد تغلغلت في كلّ المفاصل المؤسساتية للمجتمعات الحديثة (وبخاصة في الجامعات ومراكز صناعة الثقافة)، وراحت هذه الأصولية تستبعدُ الحياة البشرية (في أبعادها القيمية والثقافية وليس البيولوجية) من ميادين البحث المعمّق.
يتناول هنري في أطروحته التي يضمُّها كتابه أعلاه (الهمجية) تفاصيل محدّدة عن علاقة العلم بالمرئي؛ فهو يرى أنّ العلم منذ عصر الثورة الغاليلية التي أسّست نشأة العلم الحديث يتعاملُ مع الحقائق المرئية المشخّصة بحيثيات مادية، وأهمل تلك الحقائق الفردية الجوّانية المتعالية (الترانسندنتالية) التي تمثلُ أعالي الثقافة البشرية وتجلياتها الأسمى. عملت الفلسفة الديكارتية على تعميق هذه الحقيقة بمنهجها الاختزالي الميكانيكي، وجاءت التطوّرات العلمية اللاحقة مكرّسة لتلك المنهجية الاختزالية المادية عقب الفتوحات العلمية الكبرى منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى أيامنا الحالية. يمضي هنري في أطروحته فيتناول موضوعات مثل؛ الثقافة والهمجية، العلمُ منظوراً إليه من وجهة نظر الفن، العلم وحيداً؛ التقنية، مرضُ الحياة المعاصرة، آيديولوجيات الهمجية، ممارسات الهمجية، تحطيم الجامعة، ثمّ ينهي أطروحته بخلاصة مكثّفة مبشّرة بأن العلم يقودنا إلى عالم سفلي ديستوبي، سينتهي إلى مآلات خطيرة.
قد يجد كثيرون راحة لذيذة في قراءة مثل هذه الأطروحات، وبخاصة أنها صدرت عن فيلسوف فرنسي ذائع الشهرة. تكمنُ اللذة في أنها توفّرُ لبعض الأفراد شكلاً من ميكانيكية دفاعية سيكولوجية يشعرُ معها البعضُ منّا بالسعادة عندما يرون العالم ينزلق نحو قيعان مظلمة، كما أنّ مثل هذه الأطروحات تعفيهم من مشقة التفكّر المجتهد في حال العالم والبشر، وبدلاً من ذلك يكرّسون عناصر الارتكان إلى ما هم عليه من خدر فكري وتخاذل في الفعل الحسي، حتى لو كان على أضيق النطاقات الفردية ولم يتخذ سمة الفعل الجمعي المنظّم.
أقدّمُ أدناه بعضاً من النقودات التي أراها وجيهة ومسوّغة تجاه أطروحة هنري...
أولاً؛ يميلُ هنري كثيراً إلى الموضوعات اللاهوتية في كتاباته، وهذا ما تشي به عناوين عدد من كتبه التي تنطوي على مضامين لاهوتية مسيحية مكثّفة، ومعروفٌ أنّ فلاسفة اللاهوت يرون الأمور من وجهة نظر طهرانية خالصة، وهم في هذا يتغافلون عن حقيقة أنّ العالم كينونة دنيوية لا تصحُّ معها الطهرانيات اللاهوتية التي تعزّز الرؤى القائمة على المطلقات الأخلاقية الكلية.
ثانياً؛ ينطوي العلمُ والممارسة العلمية على جانبين متلازمين؛ الأخلاقيات العلمية والتطبيقات العملية، والأمر في هذا ينقادُ لما كتبه (مونتين) منذ قرون عدّة، العلمُ حِلْيَة عظيمة، وهو أداة هائلة المنفعة. العلمُ له أخلاقياته وليس عنصراً محايداً في الحياة البشرية، وكثيرون من العلماء كانوا فلاسفة وصانعي سياسات ارتقت بأحوال البشر، مثلما يخبرنا عالم السيكولوجيا الإدراكية ستيفن بينكر؛ وعليه فإنّ النظر إلى العلم من ثقب الرؤية الغاليلية والفلسفة الديكارتية الاختزالية إنما يمثلُ اختزالاً للقيم التي ترتقي مع ارتقاء الممارسات العلمية.
ثالثاً؛ من اليسير أن نسِم عصرنا بأنه عصرُ التفاهة. ليس هذا بالأمر الجديد؛ فقد حصل في عصور سابقة لنا ومع كلّ انعطافة علمية أو تقنية. لماذا؟ لأنّ كلّ ثورة علمية أو تقنية تستجلبُ معها أنماطاً فكرية وسلوكية مستحدثة، وفي الوقت ذاته تعملُ على إزاحة أنماط قديمة، ولا تجد هذه الفاعلية من «الإحلال - الإزاحة» قبولاً عند كثيرين لأسباب كثيرة، منها أنّ تعلّم الأنماط الفكرية الجديدة يقتضي تدريباً عملياً وسيكولوجياً قد لا يريد البعض تحمّل عبئه، وقد ينطوي الأمر على محض شعور بحنين نوستالجي للأنماط الثقافية القديمة والشعور بالضيق والاكتئاب مع الممارسات الجديدة. كثيرون – مثلاً – ناهضوا فكرة تحويل الجامعة إلى ميدان للتأهيل التقني، وأرادوا الإبقاء على نمط التعليم الذي يؤكّدُ على الكلاسيكيات واللغات القديمة، وثمة أمثلة كثيرة في تأريخ العلم والتقنية على أشكال المناهضة ومقاومة التغيير على صعيد البنى الفكرية والاجتماعية والتعليمية.
رابعاً؛ كيف يرى هنري العلماء المعاصرين؟ هل يراهم كائنات روبوتية تمتلك عقولاً احتسابية لا تعرفُ شيئاً في هذه الحياة سوى البحث عن حلول لمعادلة شرودنغر أو تطوير أفكار غير مسبوقة في الحاسوب الكمومي؟ هل يحسبُ أنهم لا شأن لهم بكلّ ما يمتُّ إلى الدين أو الاقتصاد أو المؤثرات المجتمعية بصلة؟ كيف سيعلّق هنري لو قرأ الفقرة التالية التي كتبها بول ديفيز Paul Davies، أستاذ الفيزياء النظرية، الذي لقيت كتبه شهرة ذائعة على مستوى العالم: «... فَمِنْ بين العلماء غير المتدينين بالمعنى التقليدي للكلمة، نجد كثيرين يعترفون بشعور غامض بوجود (شيء ما) خلف سطح حقيقة الحياة اليومية، معنى ما خلف هذا الوجود؛ فثمة إحساس طاغٍ لدى أوساط أكثر العلماء راديكالية يجوز لنا أن نسميه؛ تبجيل الطبيعة، افتتانٌ واحترامٌ لجمالها وبُعْد غورها حتى حماقتها، وهذا الشعور مماثل للرهبة والخشوع الديني...».
ليس بول ديفيز وحيداً في هذه المقاربة، بل له نظراء كثيرون، ولا أحسبُ أنّ هنري سيرى فيهم تلاميذ خلّصاً للمنهج الغاليلي والفلسفة الديكارتية الاختزالية الصارمة.
خامساً؛ ثمة تغافل قصدي أو عابر للاستحالات التي طرأت على المفهوم السوسيولوجي للثقافة؛ فقد نرى في الجيل الجديد، جيل العصر الرقمي والثورة المعلوماتية، مثالاً على تهافت الثقافة وانحسارها، لكنّ حقيقة ما يحصلُ هو تطورٌ طبيعي في شكل الثقافة وأنماط التعاطي المجتمعي معها. مثلاً، لا بد أنّ شيوع الخوارزميات سيلقي بظلاله على طبيعة التعامل مع البيانات الهائلة التي يحفل بها عالمنا، ولم يعُدْ مناسباً التعاملُ مع هذه البيانات بذات الوسائل التحليلية القديمة. إنّ انكفاء القدرات التحليلية الفردية أمام سطوة الخوارزميات والبيانات الكبيرة لا يعني شيوع تفاهة ثقافية بأي شكل من الأشكال.
سادساً؛ لا بد أن «الديمقراطية» المعلوماتية التي جاءت مع شيوع وسائل التواصل الاجتماعي كشفت عن كثير من التفاهات والسخافات، مثلما قدّمت منصّات كثيرة رصينة للتعلّم الذاتي الجاد، وهي منصات كانت أقرب إلى حلم منذ عهد قريب. صار الخيار واضحاً لدى كلّ فرد، إن شئت التعلّم وتوظيف الزمن في بناء قدرات فكرية ومعرفية فعّالة، فالأمر موكول إليك؛ أما إذا شئت إضاعة الوقت فلك ذلك أيضاً. أنت من تصنعُ شأنك بذاتك.
* * * * *
ثمّة كثير من التسويغات التي تعاكس أطروحة الفيلسوف هنري؛ لكنّ هذا ليس تَعِلّة للتفلّت من قراءة أطروحته التي سطّرها في كتابه «الهمجية... زمن علمٍ بلا ثقافة» الذي يقدّم أطروحة تحتمل كثيراً من الجهد الفكري والمناقشة المستفيضة حتى بعد 20 سنة من رحيل صاحبها.


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً