سودانيون يشكون من انفلات أمني في الخرطوم ومدن أخرى

انتشار النهب المسلح يثير الرعب ويهدد بسيطرة «العصابات»

قوات أمنية في شوارع الخرطوم (أ.ف.ب)
قوات أمنية في شوارع الخرطوم (أ.ف.ب)
TT

سودانيون يشكون من انفلات أمني في الخرطوم ومدن أخرى

قوات أمنية في شوارع الخرطوم (أ.ف.ب)
قوات أمنية في شوارع الخرطوم (أ.ف.ب)

تواجه العاصمة السودانية الخرطوم ومدن أخرى ارتفاعاً كبيراً في الجريمة والانفلات الأمني مع انتشار السلاح بين أيدي كثير من المواطنين، ما أصبح يُشكّل هاجساً يومياً للمواطنين وحديثهم المستمر عن تزايد الظاهرة وقلقهم من تفاقمها، ليضاف هذا إلى معاناتهم المعيشية مع التدهور الاقتصادي.
وفجع السودانيون باستغاثة الصحافي الشهير بهرام عبد المنعم، الذي تعرض لعملية نهب مسلح بواسطة قوة ترتدي زياً رسمياً لأحد تنظيمات القوات الأمنية في وسط الخرطوم، استولت على هاتفه ومبلغ من المال كان بحوزته أثناء عودته من تغطية الاحتجاجات الشعبية. وأبلغه المعتدون أنهم «يستهدفون الصحافيين» لأنهم يصورون الاحتجاجات، ولم تفلح دورية الشرطة القريبة من الحادث في نجدته، بل نصحه أحد أفرادها بـ«المغادرة» وتجاهل الأمر.
ما حدث للصحافي وقصص عديدة مشابهة تدق نواقيس الخطر من انتشار الانفلات الأمني في البلاد. بهرام ليس وحده من تعرض لعمليات النهب المسلح، فقد أشار الكثيرون إلى أنه منذ 25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي وعقب إجراءات قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان، استشرت في الخرطوم عمليات نهب وسلب عديدة قام بها مسلحون بزي الشرطة أو زي عسكري آخر، وسط المدينة عقب تفريق مواكب الاحتجاجات مباشرة. وتناقلت مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات وتسجيلات لعمليات السطو والنهب المسلح التي تشهدها البلاد، دون رد فعلي رسمي واضح حتى الآن.
ولا تقتصر عمليات السطو والخطف والسرقة على المسلحين في الأزياء العسكرية النظامية، بل تعدتهم إلى «مجموعات شبه منظمة» على دراجات نارية أو راجلة، تصطاد ضحاياها في الشوارع الجانبية والرئيسية، بل حتى اقتحام المنازل والمحال العامة، يخطفون الممتلكات مثل الهواتف الجوالة والنقود وحقائب الفتيات، وبعضهم يوقفون السيارات الخاصة والمركبات العامة ويستولون على ممتلكات ركابها أو قائدها تحت تهديد السلاح.
ونشر موقع صحيفة «الجريدة» المحلية «فيديو» قالت إنه صورته لعملية نهب مسلح حدثت بالقرب من مقرها في وسط الخرطوم، وصفته بـ«الصادم والدليل الدامغ» على ضلوع نظاميين في عمليات النهب المسلح. وأضافت «عدسة (الجريدة) رصدت عملية نهب أحد المواطنين بالقرب من مستشفى الزيتونة، من قِبل قوات مُشتركة بالزي الرسمي». وأوضحت أن صاحب السيارة أفاد بأن تلك القوات نهبت منه 200 ألف جنيه وثلاثة هواتف ذكية.
ولم تعلق الشرطة على رواية بهرام رغم أن وسائل التواصل الاجتماعي قد ضجت بها، وتناولتها تنظيمات الصحافيين واعتبرتها امتداداً لاستهداف الصحافيين على وجه الخصوص ضمن حملات الشرطة لاستهداف الناشطين بشكل عام. كما تضج المدينة ومجالسها بحكايات عن عمليات نهب واسعة طالت أنحاء متفرقة منها، بل رافق بعضها اعتداءات وعنف وضرب مبرح للضحايا، كما لم تنج المؤسسات العامة من هجمات المسلحين بالأزياء العسكرية.
وتناقلت وسائط التواصل الاجتماعي «فيديو» آخر لاعتداء قوات كانت تطارد محتجين احتموا بـ«المعمل القومي استاك»، وهو المختبر الطبي الرئيسي في البلاد، ويتبع وزارة الصحة، وأوسعوا العاملين والأطباء والكوادر الطبية ضرباً، قبل أن ينهبوا هواتفهم الجوالة ويكسروا المعدات الطبية. وقال عضو مجلس السيادة عبد الباقي عبد القادر، في نشرة صحافية، عقب لقائه كوادر المختبر إن «ما حدث كان من فئة قليلة، ولا يمكن تعميمه على كل القوات النظامية». وأوضح أن التحقيقات ستوضح المتسببين «في هذا العمل لتتم محاسبتهم على وجه السرعة»، وتابع «هناك توجيهات مباشرة بعدم اقتحام القوات النظامية للمستشفيات والمرافق الصحية، حتى إذا احتمى بها المتظاهرون».
وفي أول رد فعل من جهة تنفيذية، كشف والي الخرطوم المكلف عن إجراءات جنائية بدأت حول ما حدث الخميس 17 مارس (آذار) الجاري، لمعرفة الذين ارتكبوا هذا العمل في «معمل استاك الطبي»، بيد أن الوالي وبصفته مسؤولاً عن الأمن في الخرطوم، وجه الاتهام لجهات أخرى غير القوات النظامية بقوله: «في مثل هذه الظروف قد يكون هناك منتحلو هيئة أفراد قوات نظامية ليحدثوا فوضى ونهبا».
كما حمل أحد أعضاء مجلس السيادة المتظاهرين السلميين المسؤولية ودعاهم إلى عدم الاحتكاك مع القوات النظامية أو التعدي على الممتلكات، وناشد المحتجين بـ«إبعاد أصحاب الأغراض الأخرى من الدخول وسطهم حتى لا يحدثوا الفوضى»، وذلك استمراراً لنهج درجت قوات الأمن والجيش عليه باتهام «طرف ثالث» دون تسميته، متجاهلة أن مهمتها ليست إنكار ضلوعها في تلك الجرائم بل منعها والقبض على مرتكبيها.
وتنشط على نحو لافت مجموعات نهب وخطف بالدراجات البخارية، تستهدف النساء على وجه الخصوص وتخطف هواتفهن الجوالة أو حقائبهن، أو تجبر أصحاب السيارات في الأماكن الخالية على التوقف وتنهب ممتلكاتهم تحت تهديد السلاح، أو تعتدي على السيارات أثناء الليل وتستولى على أجهزتها وما قد يكون داخلها من مقتنيات.
ويسمي السودانيون هذه المجموعات بـ«9 طويلة»، وترجع التسمية في الراجح إلى لعبة «البوكر» الورقية، فيما يقول آخرون إنها ترجع إلى شكل تنفيذ عملية الخطف، والتي يدور فيها الخاطف حول الضحية راسما الرقم 9 قبل أن ينفلت هاربا. واتسع نشاط عصابات النهب ما دفع سكان عدد من أحياء الخرطوم إلى إعلان التعبئة الشعبية لمواجهة عصابات النهب المسلح المعروفة بـ«نيقرز»، الأمر الذي قد يدفع الناس لأخذ الحق باليد في ظل غيبة أجهزة حفظ الأمن بالقانون.
وقال نشطاء إنهم سيوجهون «ثورة الشباب والكنداكات» لتكون ثورة ضد الانفلات الأمني واقتلاع من سموهم بـ«الانقلابيين». وحذر المدير الأسبق لإدارة المباحث الجنائية المركزية التابعة لقوات الشرطة الفريق عابدين الطاهر، مما سماه «الفوضى الشاملة والنهب المقنن» الذي وثقته فيديوهات وتسجيلات لمواطنين يشرحون تعرضهم لعمليات نهب مصحوبة بالعنف داخل الأحياء.
وأبدى الفريق الطاهر على صفحته الرسمية على «فيسبوك»، دهشته من صمت الشرطة لتوضيح حقيقة ما تبثه تلك المنصات الاجتماعية، ودعا مدير الشرطة لرفع حالة الاستعداد لمواجهة ما أطلق عليه «الانفلات». وقال إن «الإحساس بالأمن إذا فُقد فعواقبه وخيمة على كل أوجه الحياة». وانتقد الطاهر ما اعتبره صمتا من الجهات الرسمية عن توضيح الحقائق للناس.
ودخلت العاصمة الخرطوم أفواج من الفصائل المسلحة عقب اتفاقية «سلام جوبا» الموقعة بين الحكومة وعدد من الحركات المسلحة في إقليمي دارفور والنيل الأزرق في أكتوبر 2020، لكن لم يطبق البند الخاص بالترتيبات الأمنية في تلك الاتفاقية والذي ينص على دمج تلك الفصائل في الجيش النظامي والشرطة، لأسباب تتعلق بنقص التمويل وغياب الإرادة السياسية، فتركت تلك الفصائل دون مأوى أو مرتبات في وضع اقتصادي طاحن ومشهد سياسي مرتبك.
ويرى محللون أن الأزمة السياسية الخانقة التي نتجت عن إجراءات 25 أكتوبر الماضي، دقت إسفيناً حاداً بين القوات النظامية وبين الشارع المطالب بالحكم المدني وعودة العسكر إلى ثكناتهم، الأمر الذي خلق إحساساً بأن حالة الانفلات الأمني مدبرة، ومقصود بها مقايضة الأمن بالحريات، فيما يؤكد محللون أن للظاهرة أبعادها الأمنية والسياسية، وأن لها ارتباطاً وثيقاً بالضائقة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، وقد تدفع الجنود إلى طريق السطو والنهب.



السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.


حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
TT

حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)

أقدم الحوثيون على تنفيذ حملات تعسف استهدفت بالإغلاق والهدم أسواقاً ومتاجر ومنازل في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، وذلك في سياق عملية مُمنهجة، ظاهرها «إزالة العشوائيات» وباطنها فرض مزيد من الإتاوات غير القانونية.

ووفق ما ذكرته مصادر محلية في إب لـ«الشرق الأوسط»، فإن حملة التعدي التي أطلقتها الجماعة، عبر ما يُسمى «مكتب الأشغال العامة» و«إدارة المرور»، أغلقت سوقين شعبيين وطردت التجار والباعة، كما هدمت منازل عدة بعضها طور الإنشاء في المنطقة الخامسة بمديرية الظهار جنوب مدينة إب (مركز المحافظة).

واشتكى مُلاك منازل ومحلات تجارية طالهم التعسف الحوثي، وأوضحوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة تشنّ حملات تستهدف منازلهم ومصادر عيشهم تحت مبررات غير قانونية.

باعة أرصفة يتعرضون للابتزاز من قبل مسلحين حوثيين (فيسبوك)

وقال مراد، وهو اسم مستعار لمالك بسطة تجارية بمديرية الظهار لـ«الشرق الأوسط»، إن الحملة باغتتهم دون سابق إنذار، موضحاً: «نعتمد على هذه البسطة منذ سنوات لإعالة أسرنا، وفجأة جاءت الجرافات ومعها مسلحون وطلبوا منا إخلاء المكان خلال دقائق قليلة جداً، ثم بدأوا بهدم كل شيء». ولفت إلى أن الإجراءات تمت هذه المرة كسابقاتها بطريقة قاسية، مؤكداً أن كثيراً من المُتضررين لم تُمنح لهم فرصة لنقل ممتلكاتهم أو بضائعهم.

اتساع التعسف

في مديرية العدين (جنوب غرب إب) استخدمت الحملة الحوثية - التي أشرف على تنفيذها قيادات في الجماعة - 4 جرافات لاستهداف مُمتلكات السكان ومصادر عيشهم.

وأوضح سكان لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفين حوثيين برفقة عربات ومسلحين نفذوا حملات دهم استهدفت بالإغلاق «السوق المركزي» الكائن وسط المدينة، إلى جانب تجريف وإزالة لعدد من البسطات والمحلات الصغيرة والأكشاك التي يعتمد عليها مئات المواطنين كمصدر رئيسي للعيش.

تعرض متاجر للهدم الحوثي في مديرية العدين بمحافظة إب (فيسبوك)

وبحسب السكان، فإن هذه الحملات لم تقتصر على إزالة ما تصفه الجماعة بالمخالفات، بل طالت ممتلكات قائمة منذ سنوات، دون تقديم بدائل مناسبة للمتضررين أو مراعاة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

وأوضح عدد من المتضررين أن الحملة نفذت بشكل مفاجئ، ولم تمنح أصحاب البسطات والعربات أي مهلة لإخلاء مواقعهم، قبل أن تباشر الجرافات بعملية الهدم والتجريف، ما أدى إلى خسائر مادية كبيرة، وقطع مصادر دخل أسر كاملة.

ويتحدث بائع خضروات في سوق العدين لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مصدر دخله الوحيد اختفى خلال دقائق جراء حملة التعدي الحوثية، وأضاف: «ليس لدينا عمل آخر. بعد التجريف أصبحنا بلا عمل ولا نعرف كيف سنوفر احتياجات أسرنا».

وبررت الجماعة الحوثية استهدافها أملاك السكان ومصادر رزقهم بأنه ضمن ما تُسميه خُطة لتنظيم المدن وإزالة العشوائيات، إلا أن ناشطين يرون أن الحملة تفتقر إلى أبسط مقومات التخطيط العادل، وتستهدف الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، دون بدائل ومعالجات حقيقية.

خوف متصاعد

يتخوف السكان في المحافظة اليمنية ذات الكثافة السكانية العالية (إب)، من توسع نطاق هذه الحملات لتشمل بمقبل الأيام أسواقاً ومتاجر في مديريات أخرى، الأمر الذي يُهدد بفقدان المزيد من المواطنين مصادر رزقهم في ظل غياب أي برامج دعم أو تعويض.

قيادات حوثية تشرف على حملات الاستهداف في إب (فيسبوك)

ولفت السكان إلى أن المئات من ملاك الأسواق والتجار والباعة باتوا خائفين لكون مصدر رزقهم مُهدداً، في ظل ظروف معيشية صعبة وقاسية، إذ إن أي خسارة تعني أن أسراً كاملة ستفقد قدرتها على العيش.

وطالب السكان والناشطون في المحافظة بوقف هذه الحملات، وإيجاد حلول تنظيمية تراعي أوضاع المواطنين، وتضمن عدم الإضرار بمصادر عيشهم، مؤكدين أن معالجة العشوائيات وتنظيم المدن يجب أن يتمّا عبر خطط حضرية واضحة وتوفير بدائل مناسبة للمتضررين، وليس عبر المصادرة والهدم المفاجئ والتجريف القسري.