سودانيون يشكون من انفلات أمني في الخرطوم ومدن أخرى

انتشار النهب المسلح يثير الرعب ويهدد بسيطرة «العصابات»

قوات أمنية في شوارع الخرطوم (أ.ف.ب)
قوات أمنية في شوارع الخرطوم (أ.ف.ب)
TT

سودانيون يشكون من انفلات أمني في الخرطوم ومدن أخرى

قوات أمنية في شوارع الخرطوم (أ.ف.ب)
قوات أمنية في شوارع الخرطوم (أ.ف.ب)

تواجه العاصمة السودانية الخرطوم ومدن أخرى ارتفاعاً كبيراً في الجريمة والانفلات الأمني مع انتشار السلاح بين أيدي كثير من المواطنين، ما أصبح يُشكّل هاجساً يومياً للمواطنين وحديثهم المستمر عن تزايد الظاهرة وقلقهم من تفاقمها، ليضاف هذا إلى معاناتهم المعيشية مع التدهور الاقتصادي.
وفجع السودانيون باستغاثة الصحافي الشهير بهرام عبد المنعم، الذي تعرض لعملية نهب مسلح بواسطة قوة ترتدي زياً رسمياً لأحد تنظيمات القوات الأمنية في وسط الخرطوم، استولت على هاتفه ومبلغ من المال كان بحوزته أثناء عودته من تغطية الاحتجاجات الشعبية. وأبلغه المعتدون أنهم «يستهدفون الصحافيين» لأنهم يصورون الاحتجاجات، ولم تفلح دورية الشرطة القريبة من الحادث في نجدته، بل نصحه أحد أفرادها بـ«المغادرة» وتجاهل الأمر.
ما حدث للصحافي وقصص عديدة مشابهة تدق نواقيس الخطر من انتشار الانفلات الأمني في البلاد. بهرام ليس وحده من تعرض لعمليات النهب المسلح، فقد أشار الكثيرون إلى أنه منذ 25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي وعقب إجراءات قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان، استشرت في الخرطوم عمليات نهب وسلب عديدة قام بها مسلحون بزي الشرطة أو زي عسكري آخر، وسط المدينة عقب تفريق مواكب الاحتجاجات مباشرة. وتناقلت مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات وتسجيلات لعمليات السطو والنهب المسلح التي تشهدها البلاد، دون رد فعلي رسمي واضح حتى الآن.
ولا تقتصر عمليات السطو والخطف والسرقة على المسلحين في الأزياء العسكرية النظامية، بل تعدتهم إلى «مجموعات شبه منظمة» على دراجات نارية أو راجلة، تصطاد ضحاياها في الشوارع الجانبية والرئيسية، بل حتى اقتحام المنازل والمحال العامة، يخطفون الممتلكات مثل الهواتف الجوالة والنقود وحقائب الفتيات، وبعضهم يوقفون السيارات الخاصة والمركبات العامة ويستولون على ممتلكات ركابها أو قائدها تحت تهديد السلاح.
ونشر موقع صحيفة «الجريدة» المحلية «فيديو» قالت إنه صورته لعملية نهب مسلح حدثت بالقرب من مقرها في وسط الخرطوم، وصفته بـ«الصادم والدليل الدامغ» على ضلوع نظاميين في عمليات النهب المسلح. وأضافت «عدسة (الجريدة) رصدت عملية نهب أحد المواطنين بالقرب من مستشفى الزيتونة، من قِبل قوات مُشتركة بالزي الرسمي». وأوضحت أن صاحب السيارة أفاد بأن تلك القوات نهبت منه 200 ألف جنيه وثلاثة هواتف ذكية.
ولم تعلق الشرطة على رواية بهرام رغم أن وسائل التواصل الاجتماعي قد ضجت بها، وتناولتها تنظيمات الصحافيين واعتبرتها امتداداً لاستهداف الصحافيين على وجه الخصوص ضمن حملات الشرطة لاستهداف الناشطين بشكل عام. كما تضج المدينة ومجالسها بحكايات عن عمليات نهب واسعة طالت أنحاء متفرقة منها، بل رافق بعضها اعتداءات وعنف وضرب مبرح للضحايا، كما لم تنج المؤسسات العامة من هجمات المسلحين بالأزياء العسكرية.
وتناقلت وسائط التواصل الاجتماعي «فيديو» آخر لاعتداء قوات كانت تطارد محتجين احتموا بـ«المعمل القومي استاك»، وهو المختبر الطبي الرئيسي في البلاد، ويتبع وزارة الصحة، وأوسعوا العاملين والأطباء والكوادر الطبية ضرباً، قبل أن ينهبوا هواتفهم الجوالة ويكسروا المعدات الطبية. وقال عضو مجلس السيادة عبد الباقي عبد القادر، في نشرة صحافية، عقب لقائه كوادر المختبر إن «ما حدث كان من فئة قليلة، ولا يمكن تعميمه على كل القوات النظامية». وأوضح أن التحقيقات ستوضح المتسببين «في هذا العمل لتتم محاسبتهم على وجه السرعة»، وتابع «هناك توجيهات مباشرة بعدم اقتحام القوات النظامية للمستشفيات والمرافق الصحية، حتى إذا احتمى بها المتظاهرون».
وفي أول رد فعل من جهة تنفيذية، كشف والي الخرطوم المكلف عن إجراءات جنائية بدأت حول ما حدث الخميس 17 مارس (آذار) الجاري، لمعرفة الذين ارتكبوا هذا العمل في «معمل استاك الطبي»، بيد أن الوالي وبصفته مسؤولاً عن الأمن في الخرطوم، وجه الاتهام لجهات أخرى غير القوات النظامية بقوله: «في مثل هذه الظروف قد يكون هناك منتحلو هيئة أفراد قوات نظامية ليحدثوا فوضى ونهبا».
كما حمل أحد أعضاء مجلس السيادة المتظاهرين السلميين المسؤولية ودعاهم إلى عدم الاحتكاك مع القوات النظامية أو التعدي على الممتلكات، وناشد المحتجين بـ«إبعاد أصحاب الأغراض الأخرى من الدخول وسطهم حتى لا يحدثوا الفوضى»، وذلك استمراراً لنهج درجت قوات الأمن والجيش عليه باتهام «طرف ثالث» دون تسميته، متجاهلة أن مهمتها ليست إنكار ضلوعها في تلك الجرائم بل منعها والقبض على مرتكبيها.
وتنشط على نحو لافت مجموعات نهب وخطف بالدراجات البخارية، تستهدف النساء على وجه الخصوص وتخطف هواتفهن الجوالة أو حقائبهن، أو تجبر أصحاب السيارات في الأماكن الخالية على التوقف وتنهب ممتلكاتهم تحت تهديد السلاح، أو تعتدي على السيارات أثناء الليل وتستولى على أجهزتها وما قد يكون داخلها من مقتنيات.
ويسمي السودانيون هذه المجموعات بـ«9 طويلة»، وترجع التسمية في الراجح إلى لعبة «البوكر» الورقية، فيما يقول آخرون إنها ترجع إلى شكل تنفيذ عملية الخطف، والتي يدور فيها الخاطف حول الضحية راسما الرقم 9 قبل أن ينفلت هاربا. واتسع نشاط عصابات النهب ما دفع سكان عدد من أحياء الخرطوم إلى إعلان التعبئة الشعبية لمواجهة عصابات النهب المسلح المعروفة بـ«نيقرز»، الأمر الذي قد يدفع الناس لأخذ الحق باليد في ظل غيبة أجهزة حفظ الأمن بالقانون.
وقال نشطاء إنهم سيوجهون «ثورة الشباب والكنداكات» لتكون ثورة ضد الانفلات الأمني واقتلاع من سموهم بـ«الانقلابيين». وحذر المدير الأسبق لإدارة المباحث الجنائية المركزية التابعة لقوات الشرطة الفريق عابدين الطاهر، مما سماه «الفوضى الشاملة والنهب المقنن» الذي وثقته فيديوهات وتسجيلات لمواطنين يشرحون تعرضهم لعمليات نهب مصحوبة بالعنف داخل الأحياء.
وأبدى الفريق الطاهر على صفحته الرسمية على «فيسبوك»، دهشته من صمت الشرطة لتوضيح حقيقة ما تبثه تلك المنصات الاجتماعية، ودعا مدير الشرطة لرفع حالة الاستعداد لمواجهة ما أطلق عليه «الانفلات». وقال إن «الإحساس بالأمن إذا فُقد فعواقبه وخيمة على كل أوجه الحياة». وانتقد الطاهر ما اعتبره صمتا من الجهات الرسمية عن توضيح الحقائق للناس.
ودخلت العاصمة الخرطوم أفواج من الفصائل المسلحة عقب اتفاقية «سلام جوبا» الموقعة بين الحكومة وعدد من الحركات المسلحة في إقليمي دارفور والنيل الأزرق في أكتوبر 2020، لكن لم يطبق البند الخاص بالترتيبات الأمنية في تلك الاتفاقية والذي ينص على دمج تلك الفصائل في الجيش النظامي والشرطة، لأسباب تتعلق بنقص التمويل وغياب الإرادة السياسية، فتركت تلك الفصائل دون مأوى أو مرتبات في وضع اقتصادي طاحن ومشهد سياسي مرتبك.
ويرى محللون أن الأزمة السياسية الخانقة التي نتجت عن إجراءات 25 أكتوبر الماضي، دقت إسفيناً حاداً بين القوات النظامية وبين الشارع المطالب بالحكم المدني وعودة العسكر إلى ثكناتهم، الأمر الذي خلق إحساساً بأن حالة الانفلات الأمني مدبرة، ومقصود بها مقايضة الأمن بالحريات، فيما يؤكد محللون أن للظاهرة أبعادها الأمنية والسياسية، وأن لها ارتباطاً وثيقاً بالضائقة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، وقد تدفع الجنود إلى طريق السطو والنهب.



⁠مصر وسوريا... خطوة جديدة للتقارب بملتقى اقتصادي واستثماري

السيسي خلال لقاء الشرع على هامش «القمة العربية» بالقاهرة في مارس الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء الشرع على هامش «القمة العربية» بالقاهرة في مارس الماضي (الرئاسة المصرية)
TT

⁠مصر وسوريا... خطوة جديدة للتقارب بملتقى اقتصادي واستثماري

السيسي خلال لقاء الشرع على هامش «القمة العربية» بالقاهرة في مارس الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء الشرع على هامش «القمة العربية» بالقاهرة في مارس الماضي (الرئاسة المصرية)

في خطوة جديدة نحو التقارب المصري السوري، تستضيف دمشق، «ملتقىً اقتصادياً واستثمارياً» مشتركاً بين البلدين، الأحد، بمشاركة «الاتحاد العام لغرف التجارة المصرية»، ومجتمع المال والأعمال في الدولتين.

ويعد الملتقى الفعالية الاقتصادية الأولى بين القاهرة ودمشق، منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وتولي الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع السلطة، في خطوة يراها دبلوماسيون مصريون، «نافذة لدعم التقارب وتحسين التفاهم السياسي بين البلدين».

ويمثل الملتقى خطوة عملية لبناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار، بحسب إفادة من اتحاد الغرف التجارية المصرية، مع التأكيد أيضاً على أن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض، وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

ويأتي انعقاد الملتقى الاقتصادي، عقب توقيع الحكومتين المصرية والسورية، على مذكرتي تفاهم في مجال الطاقة، الأسبوع الماضي، «للتعاون في توريد الغاز المصري إلى سوريا، بهدف توليد الكهرباء، من خلال استغلال البنية التحتية المصرية سواء سفن التغييز، أو شبكات نقل الغاز»، و«لتلبية احتياجات سوريا من المنتجات البترولية».

ويضم الوفد المصري، رئيس اتحاد الغرف التجارية، أحمد الوكيل، إلى جانب 26 من قيادات الغرف المصرية والمال والأعمال، كما تشارك شركات مصرية عاملة في مجالات الكهرباء والبترول والغاز والبنية التحتية ومواد البناء والصناعة والزراعة والنقل واللوجيستيات، والبناء، حسب بيان من اتحاد الغرف التجارية المصرية.

وسيعقد الوفد المصري لقاءات مع وزراء الاقتصاد والصناعة والمالية والإسكان والأشغال العامة والطاقة والاتصالات السوريين، بهدف استطلاع احتياجات سوريا وتنمية الشراكات بين الجانبين، والنهوض بالتبادل التجاري والاستثماري، وفق ما أكده الوكيل عبر البيان الصادر، الخميس.

وأوضح الوكيل أن الملتقى الاقتصادي سيبحث «التعاون في قطاعات الطاقة والنقل واللوجيستيات والبنية التحتية والزراعة وإعادة تأهيل المصانع المتعطلة»، مشيراً إلى أن «الوفد المصري، سيبحث دعم سوريا في إعادة الإعمار، ونقل تجربة مصر في الخطط العاجلة للبنية التحتية، وإنشاء 22 مدينة جديدة من الجيل الرابع، ومدن صناعية ومراكز لوجيستية»، إلى جانب «إقامة 8 آلاف من الطرق السريعة والكباري والأنفاق والمواني».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

ويشكل الملتقي الاقتصادي المصري - السوري، «خطوة جيدة في مسار التعاون بين القاهرة ودمشق»، وفق مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، مشيراً إلى أن «انعقاد الملتقى لأول مرة، يشجع على مزيد من التعاون بين القطاع الخاص المصري والسوري، خصوصاً في مجال التبادل التجاري وزيادة الاستثمارات».

ودعا هريدي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى «ضرورة تحصين العلاقات الاقتصادية والاستثمارية والتجارية بين القاهرة ودمشق، بعيداً عن الاعتبارات والتحولات السياسية»، وأعرب عن أمله في أن تعود توصيات ونتائج الملتقى بالنفع على الاقتصاد المصري والسوري الفترة المقبلة.

ولا يختلف في ذلك، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير يوسف الشرقاوي، الذي يرى أن «انعقاد الملتقى الاقتصادي، يسهم في وضع أسس قوية من الناحية الاقتصادية لدعم العلاقات بين القاهرة ودمشق».

ويعتقد الشرقاوي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن مسار التعاون الاقتصادي، «يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «هناك أسساً يمكن البناء عليها لتطوير العلاقات السياسية، من بينها التقارب الشعبي، والاهتمام المصري الدائم لتحقيق الاستقرار والأمن داخل الأراضي السورية».

وهناك تقدم حذر في العلاقات المصرية - السورية، منذ تولي الشرع الحكم، وتطالب مصر بضرورة «تدشين عملية سياسية شاملة في سوريا، تضم كل مكونات المجتمع وأطيافه لتحقيق مصالحة وطنية»، وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في أكثر من مناسبة، إن «موقف بلاده تجاه التطورات في سوريا ثابت، يستند إلى ضرورة دعم الدولة السورية واحترام سيادتها ووحدة أراضيها».

ويرى عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، وليد جاب الله، أن «الملتقى الاقتصادي المصري - السوري، سيفتح الباب أمام تعاون تجاري واستثماري بين القاهرة ودمشق الفترة المقبلة»، موضحاً أن «استقرار الأوضاع داخل سوريا، سيفتح باب الاحتياج لإعادة الإعمار، وهذه تشكل فرصة أمام القطاع الخاص المصري».

وأوضح جاب الله، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «فرص تعزيز التعاون الاقتصادي المصري السوري جيدة»، وقال إن «وجود عدد كبير من رجال الأعمال السوريين في مصر خلال السنوات الأخيرة، يُسهل من حركة التعاون الاستثماري والتجاري، وإن فتح قنوات الشراكة بين الغرف التجارية بالبلدين، سيسهم في تعميق مستوى التعاون الاقتصادي ثم السياسي».


الهدوء يعمّ المناطق اليمنية المحررة غداة طي صفحة «الانتقالي»

محافظ عدن وزير الدولة الجديد عبد الرحمن شيخ يؤدي أمام العليمي اليمين القانونية (سبأ)
محافظ عدن وزير الدولة الجديد عبد الرحمن شيخ يؤدي أمام العليمي اليمين القانونية (سبأ)
TT

الهدوء يعمّ المناطق اليمنية المحررة غداة طي صفحة «الانتقالي»

محافظ عدن وزير الدولة الجديد عبد الرحمن شيخ يؤدي أمام العليمي اليمين القانونية (سبأ)
محافظ عدن وزير الدولة الجديد عبد الرحمن شيخ يؤدي أمام العليمي اليمين القانونية (سبأ)

هيمنت حالة الهدوء الأمني في المناطق اليمنية المحررة، غداة إعلان قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي طي صفحة المجلس وحل جميع هيئاته ومكاتبه في الداخل والخارج، تمهيداً للانخراط في مؤتمر الرياض المرتقب الخاص بالقضية الجنوبية، في خطوة يُنظر إليها على أنها مفصلية في مسار الترتيبات السياسية والأمنية في جنوب اليمن.

وبينما واصلت محافظة حضرموت تعزيز حضورها الأمني وترسيخ الاستقرار عبر سلسلة إجراءات وتأكيدات رسمية، شددت السلطات المحلية في العاصمة المؤقتة عدن من تدابيرها الاحترازية، رافضةً دعوات وصفتها بـ«المشبوهة» للانزلاق نحو الفوضى، وسط انتشار مكثف لقوات «ألوية العمالقة» و«درع الوطن»، وسيطرتها على الأوضاع الأمنية.

في هذا السياق، أدى محافظ عدن، وزير الدولة الجديد، عبد الرحمن شيخ اليافعي، اليمين القانونية، السبت، أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، وفق ما ذكره الإعلام الرسمي.

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي اجتمع مع المحافظ الجديد، وأكد أولوية توحيد القرار الأمني وتعزيز دور اللجنة الأمنية في عدن، مشدداً على ضرورة احتكار السلاح بيد الدولة، وتمكين مؤسساتها من ممارسة صلاحياتها القانونية، وترسيخ سيادة القانون ركيزة أساسية للاستقرار.

العليمي مع محافظ عدن الجديد عقب أداء اليمين القانونية (سبأ)

كما دعا العليمي إلى إعلاء قيم التسامح والتعايش والسلم الاجتماعي، ومنع أي مظاهر للثأر أو التشفي، وتسهيل عمل المنظمات الإغاثية وضمان انسياب مساعداتها، بما يسهم في تحسين فرص العيش الكريم للمواطنين.

ووجّه رئيس مجلس القيادة الرئاسي قيادة السلطة المحلية بعدن بالعمل المشترك مع الحكومة لتحسين الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء، وتهيئة بيئة آمنة وجاذبة للاستثمار، وإزالة المعوقات الإدارية، وتحسين الإيرادات المحلية والسيادية، واستعادة ثقة المستثمرين، وتعزيز مكانة عدن ومينائها التاريخي مركزاً تجارياً إقليمياً.

رفض للفوضى

كانت السلطات المحلية في عدن أصدرت تعميماً أمنياً مهماً، استناداً إلى توجيهات نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي، وقرار وزير الدولة محافظ عدن عبد الرحمن شيخ، يقضي بمنع إقامة أي تجمعات أو «مليونيات» خلال الفترة الراهنة.

وأكد التعميم أن السلطة المحلية «ليست ضد المظاهرات من حيث المبدأ»، لكنها ترفض التوقيت الحالي، في ظل مرحلة أمنية «صعبة وحرجة»، محذّرة من محاولات استغلال أي أعمال سلمية عبر الاندساس لجرّها نحو العنف، واستهداف المؤسسات والمعسكرات والممتلكات العامة والخاصة.

عربة أمنية في أحد شوارع عدن (رويترز)

وأوضح البيان أن الدعوات المتداولة التي روّجت لها عناصر في المجلس الانتقالي المنحل لم تحصل على أي تصريح رسمي، ولا تقف خلفها جهة مسؤولة ومنسقة، مما يجعلها عرضة للاختراق من قِبل التنظيمات الإرهابية الساعية إلى زعزعة الاستقرار، مشدداً على أن حرص السلطات على الأمن لا يعني مصادرة الآراء، وأن باب التعبير السلمي سيبقى مفتوحاً فور استتباب الأوضاع.

ودعت السلطة المحلية المواطنين إلى الالتزام بالتعميم وعدم الانجرار خلف الدعوات المشبوهة، مؤكدة أن الأجهزة الأمنية ستتعامل بحزم ووفق القانون مع أي محاولات لمخالفة القرار، حفاظاً على سلامة العاصمة وسكانها.

حضرموت ترسّخ الأمن

بموازاة هذه المستجدات، عقد محافظ حضرموت، رئيس اللجنة الأمنية، قائد قوات «درع الوطن» في المحافظة، سالم أحمد الخنبشي، اجتماعاً موسعاً في مدينة المكلا، ضم قيادات عسكرية وأمنية رفيعة، لمناقشة مستجدات الحالة الأمنية والعسكرية ومستوى الجاهزية، في ظل التحديات والمتغيرات الراهنة التي تشهدها المحافظة.

وشارك في الاجتماع وكيل محافظة حضرموت حسن الجيلاني، وأركان حرب المنطقة العسكرية الثانية العميد الركن سالم أحمد باسلوم، وممثل قوات تحالف دعم الشرعية العقيد عبد الباري الشهراني، وقائد الفرقة الثانية لقوات «درع الوطن» العقيد فهد عيسى بامؤمن، إلى جانب قادة الألوية والوحدات العسكرية والأمنية.

وناقش المجتمعون تطورات الوضع الأمني في ساحل ووادي حضرموت، والجهود المبذولة لتعزيز الاستقرار، بالإضافة إلى استعراض احتياجات الوحدات العسكرية والأمنية، وآليات تطوير الأداء، ورفع مستوى التنسيق والتكامل بين مختلف التشكيلات.

وأكد الخنبشي، في كلمته، أن أمن حضرموت يمثّل «أولوية قصوى ومسؤولية وطنية مشتركة»، مشدداً على أهمية توحيد الجهود وتعزيز الانضباط العسكري والعمل بروح الفريق الواحد، ومثمّناً الدور الذي تؤديه مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في مكافحة الإرهاب وحماية المكتسبات الأمنية.

المحافظ سالم الخنبشي إلى جانب ممثل تحالف دعم الشرعية في حضرموت (إكس)

ووجّه المحافظ نداءً لعودة جميع الضباط والجنود من أفراد قوات النخبة الحضرمية إلى وحداتهم ومعسكراتهم، مؤكداً ضرورة الإسراع في استكمال تجهيز غرفة العمليات المشتركة للتشكيلات كافّة، واعتماد مبدأ الكفاءة في التعيينات، معرباً عن شكره للسعودية على دعمها المستمر وحرصها على استقرار حضرموت.

من جهته، أوضح العميد الركن سالم باسلوم أن قيادة المنطقة العسكرية الثانية تضع في مقدمة أولوياتها تعزيز الجاهزية القتالية والانضباط العسكري، واستعادة المعدات والأسلحة التي نُهبت، مؤكداً أن قوات النخبة الحضرمية تشكّل ركيزة أساسية في المنظومة الأمنية، وأن المرحلة الراهنة تتطلّب مزيداً من التنسيق والعمل المشترك.

بدوره، شدد ممثل تحالف دعم الشرعية في حضرموت، العقيد عبد الباري الشهراني، على حرص السعودية على دعم جهود الأمن والاستقرار في حضرموت، داعياً إلى «فتح صفحة جديدة» وتغليب مصلحة المحافظة وأمنها على أي اعتبارات أخرى، ومؤكداً استمرار الدعم في مجالات التدريب والتأهيل وتوفير التجهيزات.

تدابير أمنية وعسكرية

على وقع هذه التطورات، أصدرت قيادة وزارة الدفاع اليمنية ورئاسة هيئة الأركان العامة بياناً، السبت، أكدت فيه التزامها الكامل بالقرارات الصادرة عن مجلس الدفاع الوطني ومجلس القيادة الرئاسي، وفي مقدمتها قرار إعلان حالة الطوارئ في عموم الأراضي اليمنية.

وأعلنت القوات المسلحة اليمنية، في بيانها، تنفيذ جملة من التدابير والإجراءات الهادفة إلى تعزيز الأمن والاستقرار والحفاظ على السكينة العامة، وتأمين المنشآت السيادية والمصالح العامة، وحماية الطرق الرئيسية لضمان سلامة المواطنين والمسافرين.

وشدد البيان على أن القوات المسلحة «لن تتهاون» في التصدي لأي محاولات للعبث بالأمن وزعزعة الاستقرار في المحافظات المحررة، أو استغلال المطالب والحقوق المشروعة لتنفيذ مخططات تخريبية، متهماً ميليشيات الحوثي والجماعات المرتبطة بها بالسعي إلى استثمار الفوضى لخلط الأوراق.

كما أكدت القيادة العسكرية التزامها بحماية الحقوق والحريات، ومحاربة جرائم التهريب، وأعمال النهب والتعدي على الممتلكات العامة والخاصة، داعية المواطنين إلى الالتزام بالتعليمات والتعاون مع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، ومثمّنة دور القبائل في مساندة مؤسسات الدولة ورفض الأعمال التخريبية.

ويأتي هذا الحراك في ظل مرحلة دقيقة تمر بها المناطق اليمنية المحررة، مع سعي السلطات الشرعية إلى تثبيت الاستقرار بعد السيطرة على التمرد العسكري الذي قاده رئيس المجلس الانتقالي المنحل، عيدروس الزبيدي.

وكانت قوات «ألوية العمالقة» فرضت الأمن في عدن، قبل أن تلتحق لمساندتها قوات «درع الوطن» التي كانت هي الأخرى انتشرت في حضرموت والمهرة، وأمّنت المعسكرات والمؤسسات الحكومية.


سكان صنعاء يستقبلون 2026 بالجوع والديون وانسداد الأفق

عام 2025 كان قاسياً على اليمنيين وتضاعفت معاناتهم خلاله (أ.ف.ب)
عام 2025 كان قاسياً على اليمنيين وتضاعفت معاناتهم خلاله (أ.ف.ب)
TT

سكان صنعاء يستقبلون 2026 بالجوع والديون وانسداد الأفق

عام 2025 كان قاسياً على اليمنيين وتضاعفت معاناتهم خلاله (أ.ف.ب)
عام 2025 كان قاسياً على اليمنيين وتضاعفت معاناتهم خلاله (أ.ف.ب)

لم يكن عام 2025 عاماً مختلفاً عما سبقه من الأعوام العشرة في ذاكرة سكان العاصمة اليمنية صنعاء الواقعة تحت وطأة الانقلاب الحوثي، بل مثّل فصلاً إضافياً من المعاناة المركّبة، حيث تراكمت الأزمات المعيشية، والاقتصادية فوق كاهل ملايين السكان، وتحول تأمين أساسيات الحياة إلى صراع يومي في ظل شح الموارد، وغياب الدخل، واستمرار الانتهاكات الحوثية، والجبايات، والقمع.

ويجمع سكان في صنعاء، في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، على أن العام الماضي كان من أكثر الأعوام قسوة، إذ تصاعدت فيه الأزمات بوتيرة غير مسبوقة، وازدادت فيه الفجوة بين الدخل –إن وُجد– ومتطلبات المعيشة، في وقت باتت فيه لقمة العيش، والدواء، والخدمات الأساسية أهدافاً بعيدة المنال لكثير من الأسر.

ويشكو السكان من ارتفاعات متتالية في أسعار المواد الغذائية الأساسية، إلى جانب اتساع دائرة الجبايات، والإتاوات الحوثية، واستمرار انقطاع الرواتب، وغياب الخدمات، وندرة فرص العمل، ما دفع آلاف الأسر إلى العيش في دائرة دائمة من العجز، والديون.

آلاف الأسر اليمنية تعاني حرمانًا شديدًا في استهلاك الغذاء (الأمم المتحدة)

يقول أحمد. ع (45 عاماً)، وهو موظف حكومي بلا راتب منذ سنوات: «مرّ علينا 2025 ونحن نعدّ الأيام، لا نخطط لشيء سوى كيف نوفر لقمة العيش لأطفالنا. يسألوننا عن أبسط الأشياء، ولا نملك سوى الصمت».

ويضيف: «قبل الحرب كنا نأكل ثلاث وجبات، اليوم بالكاد نوفر وجبة واحدة. اللحوم أصبحت حلماً، وحتى الخضار نحسبه بالقطعة».

هموم يومية بلا حلول

في إحدى الحدائق العامة قرب ميدان التحرير، تجلس «أم سليمان»، وهي أم لخمسة أطفال، محاولة إخفاء دموعها وهي تستعرض عاماً من المعاناة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «أصعب ما في 2025 أننا اضطررنا للاختيار بين الدواء والطعام. ابني مريض، وكثيراً ما عجزت عن شراء علاجه، لأن ثمنه يعادل مصروف أسبوع كامل». وتضيف بصوت متعب: «لم نعد نخاف من الغد، نحن نعيش الخوف كل يوم».

وتختصر قصة «أم سليمان» واقع آلاف الأسر في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث لم تعد المعاناة مقتصرة على الغذاء، والدواء، بل امتدت إلى الخدمات الأساسية. ويؤكد حقوقيون في صنعاء أن الانقطاعات المتكررة للكهرباء، وشح المياه، وتدهور التعليم، دفعت كثيراً من الأطفال إلى ترك المدارس والالتحاق بسوق العمل، أو البقاء في المنازل لمساندة أسرهم على البقاء.

تدخلات الحوثيين تسببت في إيقاف المساعدات إلى اليمنيين (منظمات إغاثية)

ومع انقضاء الأيام العشرة الأولى من 2026 تسود مشاعر الإحباط والقلق أوساط السكان، وسط غياب أي مؤشرات على تحسن قريب، فيما تتطلع آلاف الأسر إلى عام جديد قد يحمل بارقة أمل تنهي سنوات طويلة من البؤس.

ويقول مسؤول حقوقي في صنعاء، طلب إخفاء اسمه، إن الإحباط الشعبي بلغ مستويات مقلقة، ويتجلى في قصص يومية عن تراكم الديون، والضغوط المالية، والخوف من السجن بسبب العجز عن سداد الالتزامات.

ويضيف: «كان 2025 عاماً بالغ القسوة، حيث يعيش معظم السكان على حافة المجاعة نتيجة الفساد، والنهب، والقمع. صنعاء اليوم ليست مجرد مدينة تحت سيطرة جماعة انقلابية، بل مجتمع يئن تحت وطأة حرب طويلة».

اقتصاد منهك وجبايات خانقة

على الضفة الأخرى، يشكو تجار وأصحاب مهن من تفاقم أعبائهم الاقتصادية بسبب اتساع دائرة الجبايات الحوثية، ما أدى إلى إغلاق متاجر، وارتفاع معدلات البطالة، لا سيما بين الشباب الذين فقد كثير منهم الأمل في إيجاد عمل يوفر الحد الأدنى من الاستقرار.

يقول «أبو محمد»، صاحب متجر صغير في صنعاء: «2025 كان ضربة قاصمة لمصادر رزقنا. لم نغلق بسبب الخسارة فقط، بل بسبب تكرار الإتاوات. كل يوم تأتي جهات تطالبنا بدفع أموال بمسميات مختلفة، وفي النهاية لم نعد قادرين على الاستمرار».

سكان صنعاء يدخلون 2026 مثقلين بالجوع، والديون، بعد عام قاسٍ من الغلاء، وانقطاع الرواتب، وتفاقم الجبايات الحوثية، وسط غياب الأمل، وتحذيرات من انهيار اقتصادي أعمق.

المشردون والمرضى النفسيون يفترشون شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)

ويتزامن هذا التدهور مع حلول اليمن في المرتبة الثالثة عالمياً ضمن قائمة الدول الأكثر معاناة اقتصادياً، وفق التصنيفات الدولية.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا التصنيف يعكس سنوات من الشلل الاقتصادي، والانقسام المؤسسي، ويُعد جرس إنذار خطير في ظل عمل الاقتصاد المحلي بأقل من نصف طاقته، واعتماد شريحة واسعة من السكان على المساعدات.

ويؤكدون الخبراء أن استمرار الوضع الحالي ينذر بمزيد من التدهور، ما لم يُفتح مسار حل سياسي شامل، يترافق مع إصلاحات اقتصادية عاجلة تعيد الحد الأدنى من الاستقرار.