ما أفضل عمر لتعليم الأطفال القراءة؟

أطفال يظهرون وهم يقرأون في الكتب (رويترز)
أطفال يظهرون وهم يقرأون في الكتب (رويترز)
TT

ما أفضل عمر لتعليم الأطفال القراءة؟

أطفال يظهرون وهم يقرأون في الكتب (رويترز)
أطفال يظهرون وهم يقرأون في الكتب (رويترز)

في بعض البلدان، يتعلم الأطفال دون سن الرابعة القراءة والكتابة. في حالات أخرى، لا يبدأون حتى السابعة. فما أفضل صيغة للنجاح الدائم؟
كشفت ميليسا هوغنبوم، من هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، وصاحبة كتاب الأمومة «ماذيرهود كومبلاكس» أنها كانت في السابعة من العمر عندما بدأت تعلم القراءة، كما هو معتاد في المدرسة التي التحقت بها. تذهب ابنتها إلى مدرسة أخرى الآن، وبدأت التعلم في سن الرابعة.
وتتساءل هوغنبوم حول ما إذا كانت هذه التجارب المختلفة ستؤثر على مستقبل طفلتها: هل حصولها على بداية سريعة سيعطيها فوائد مدى الحياة؟ أم أنها تتعرض لضغوط لا داعي لها، في وقت ينبغي أن تتمتع فيه بحريتها؟ أم أننا ببساطة نشعر بالقلق الشديد، ولا يهم في أي سن نبدأ في القراءة والكتابة؟
* تجربة الطفل المبكرة مع اللغة أساسية
ليس هناك شك في أن اللغة بكل ثرائها - المكتوبة أو المنطوقة أو المغناة بصوت عالٍ - تلعب دوراً مهماً في تطورنا المبكر. يستجيب الأطفال بالفعل بشكل أفضل للغة التي تعرضوا لها في الرحم. يتم تشجيع الآباء على القراءة لأطفالهم قبل ولادتهم وعندما يكونون صغاراً. تُظهر الأدلة أن مقدار الحديث مع الأطفال قد يكون له تأثيرات دائمة على التحصيل التعليمي في المستقبل.
وتعد الكتب جانباً مهماً بشكل خاص لهذا العرض اللغوي الغني، حيث تشتمل اللغة المكتوبة غالباً على مفردات أوسع وأكثر دقة وتفصيلاً من اللغة المنطوقة اليومية. وهذا بدوره يمكن أن يساعد الأطفال على زيادة مدى عمق تعبيرهم.
نظراً لأن تجربة الطفل المبكرة في اللغة تعتبر أساسية جداً لنجاحه في وقت لاحق، فقد أصبح من الشائع بشكل متزايد أن تبدأ الحضانات في تعليم الأطفال المهارات الأساسية لمحو الأمية حتى قبل بدء التعليم الرسمي. عندما يبدأ الأطفال المدرسة، فإن محو الأمية هو التركيز الرئيسي على الدوام. أصبح هذا الهدف المتمثل في ضمان تعلم جميع الأطفال للقراءة والكتابة أكثر إلحاحاً حيث حذر الباحثون من أن الوباء تسبب في اتساع فجوة التحصيل بين العائلات الأكثر ثراءً والأكثر فقراً، مما أدى إلى زيادة عدم المساواة الأكاديمية.

في العديد من البلدان، يبدأ التعليم الرسمي في الرابعة. غالباً ما يذهب التفكير إلى أن البدء مبكراً يمنح الأطفال مزيداً من الوقت للتعلم والتفوق. ومع ذلك، يمكن أن تكون النتيجة «سباق تسلح تعليمي»، حيث يحاول الآباء منح أطفالهم مزايا مبكرة في المدرسة من خلال التدريب والتعليم الخاصين، وحتى أن بعض الآباء يدفعون مقابل الحصول على دروس خصوصية إضافية للأطفال الذين تقل أعمارهم عن أربع سنوات.
قارن ذلك بالتعليم المبكر القائم على اللعب منذ عدة عقود، ويمكنك أن ترى تغييراً كبيراً في السياسة، بناءً على أفكار مختلفة جداً عما يحتاجه أطفالنا من أجل المضي قدماً. في الولايات المتحدة، تسارعت هذه الحاجة الملحة مع تغييرات في السياسة مثل قانون 2001 «عدم ترك أي طفل جانباً»، والذي شجع الاختبار المعياري كطريقة لقياس الأداء التعليمي والتقدم. في المملكة المتحدة، يتم اختبار الأطفال في السنة الثانية من المدرسة (من سن 5 إلى 6 سنوات) للتحقق من وصولهم إلى مستوى القراءة المتوقع. يحذر النقاد من أن مثل هذا الاختبار المبكر يمكن أن يمنع الأطفال من القراءة، بينما يقول المؤيدون إنه يساعد في تحديد أولئك الذين يحتاجون إلى دعم إضافي.
ومع ذلك، تظهر العديد من الدراسات فائدة قليلة من البيئة الأكاديمية المفرطة في وقت مبكر. يقول تقرير أميركي صدر عام 2015 أن توقعات المجتمع لما يجب أن يحققه الأطفال في رياض الأطفال قد تغيرت، مما أدى إلى «ممارسات غير مناسبة في الفصول الدراسية»، مثل الحد من التعلم القائم على اللعب.
https://twitter.com/melissasuzanneh/status/1499043696234401792?s=20&t=-V7jRULFXeofytInWL38qw
* مخاطر ترتبط بالمدارس
كيف يتعلم الأطفال ونوعية البيئة أمر مهم للغاية. يقول دومينيك وايز، المتخصص بالتعليم الابتدائي في كلية لندن الجامعية بالمملكة المتحدة: «تعلم الأطفال الصغار القراءة هو أحد أهم الأشياء التي يقوم بها التعليم الابتدائي. إنه أمر أساسي للأطفال الذين يحرزون تقدماً في الحياة». نشر وايز، جنباً إلى جنب مع أستاذة علم الاجتماع أليس برادبري، من جامعة كاليفورنيا بلوس أنجليس، بحثاً يقترح أن الطريقة التي ندرس بها مهمة حقاً.
في تقرير صدر عام 2022. ذكر الباحثان أن التركيز المكثف لنظام المدارس الإنجليزية على الصوتيات - وهي طريقة تتضمن مطابقة صوت كلمة أو حرف منطوق، بأحرف مكتوبة فردية، قد يكون فاشلاً لبعض الأطفال.
والاختبارات السابقة وجدت أن التعلم المبكر قد لا يكون له علاقة بالمهارات اللازمة فعلياً لقراءة الكتب أو غيرها من النصوص ذات المغزى والاستمتاع بها.
وأبرز وايز وبرادبري أنه يجب علينا إعادة التفكير في الطريقة التي يتم بها تعليم الأطفال القراءة والكتابة. ويقول الباحثان إن الأولوية يجب أن تكون تشجيع الاهتمام بالكلمات والإلمام بها، وذلك باستخدام القصص والأغاني والقصائد، وكلها تساعد الطفل على التقاط أصوات الكلمات، فضلاً عن توسيع مفرداته.

هذه الفكرة مدعومة بدراسات تظهر أن الفوائد الأكاديمية لمرحلة ما قبل المدرسة تتلاشى فيما بعد. تظهر العديد من الدراسات الآن أن الأطفال الذين يذهبون إلى رياض الأطفال لا يتمتعون بقدرات أكاديمية أعلى في صفوف لاحقة من أولئك الذين لم يذهبوا إلى مثل هذه الحضانات.
ومع ذلك، قد يكون للتعليم المبكر تأثير إيجابي على التنمية الاجتماعية - والتي بدورها تغذي احتمالية التخرج من المدرسة والجامعة فضلاً عن ارتباطها بانخفاض معدلات الجريمة. باختصار، قد يكون للالتحاق بصفوف ما قبل المدرسة آثار إيجابية على التحصيل اللاحق في الحياة، ولكنها ليست ضرورية فيما يرتبط بالمهارات الأكاديمية.


* بداية لاحقة، نتائج أفضل؟
لا يفضل الجميع البداية المبكرة. في العديد من البلدان، بما في ذلك ألمانيا واليابان، يبدأ التعليم الرسمي في نحو الساعة السادسة. في فنلندا، التي غالباً ما يتم الترحيب بها باعتبارها الدولة التي تتمتع بواحد من أفضل أنظمة التعليم في العالم، يبدأ الأطفال المدرسة في السابعة.
رغم هذا التأخر الواضح، فإن الطلاب الفنلنديين يسجلون درجات أعلى في فهم القراءة من الطلاب من المملكة المتحدة والولايات المتحدة في سن 15 عاماً. تماشياً مع هذا النهج الذي يركز على الطفل، تمتلئ سنوات رياض الأطفال الفنلندية بمزيد من اللعب.
باتباع هذا النموذج، اقترحت مراجعة أجرتها جامعة كامبريدج عام 2009 تأجيل سن المدرسة الرسمية إلى ستة أعوام، مما يمنح الأطفال في المملكة المتحدة مزيداً من الوقت «للبدء في تطوير مهارات اللغة والدراسة الضرورية لتقدمهم اللاحق»، حيث إن البداية في وقت مبكر يمكن أن «تخاطر بتقويض ثقة الأطفال في سن الخامسة والتسبب في ضرر طويل الأجل لتعلمهم».


مقالات ذات صلة

دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

الولايات المتحدة​ دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

أظهر بحث جديد أن مدى جودة مدرستك الثانوية قد يؤثر على مستوى مهاراتك المعرفية في وقت لاحق في الحياة. وجدت دراسة أجريت على أكثر من 2200 من البالغين الأميركيين الذين التحقوا بالمدرسة الثانوية في الستينات أن أولئك الذين ذهبوا إلى مدارس عالية الجودة يتمتعون بوظيفة إدراكية أفضل بعد 60 عاماً، وفقاً لشبكة «سكاي نيوز». وجد الباحثون أن الالتحاق بمدرسة مع المزيد من المعلمين الحاصلين على تدريب مهني كان أوضح مؤشر على الإدراك اللاحق للحياة. كانت جودة المدرسة مهمة بشكل خاص للمهارات اللغوية في وقت لاحق من الحياة. استخدم البحث دراسة استقصائية أجريت عام 1960 لطلاب المدارس الثانوية في جميع أنحاء الولايات المتحدة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي مصر: نفي رسمي لـ«إلغاء مجانية» التعليم الجامعي الحكومي

مصر: نفي رسمي لـ«إلغاء مجانية» التعليم الجامعي الحكومي

نفت الحكومة المصرية، أمس السبت، عزمها «إلغاء مجانية التعليم الجامعي»، مؤكدة التزامها بتطوير قطاع التعليم العالي. وتواترت أنباء خلال الساعات الماضية حول نية الحكومة المصرية «إلغاء مجانية التعليم في الجامعات الحكومية»، وأكد مجلس الوزراء المصري، في إفادة رسمية، أنه «لا مساس» بمجانية التعليم بكل الجامعات المصرية، باعتباره «حقاً يكفله الدستور والقانون لكل المصريين».

إيمان مبروك (القاهرة)
«تشات جي بي تي»... خصم وصديق للتعليم والبحث

«تشات جي بي تي»... خصم وصديق للتعليم والبحث

لا يزال برنامج «تشات جي بي تي» يُربك مستخدميه في كل قطاع؛ وما بين إعجاب الطلاب والباحثين عن معلومة دقيقة ساعدهم «الصديق (جي بي تي)» في الوصول إليها، وصدمةِ المعلمين والمدققين عندما يكتشفون لجوء طلابهم إلى «الخصم الجديد» بهدف تلفيق تأدية تكليفاتهم، لا يزال الفريقان مشتتين بشأن الموقف منه. ويستطيع «تشات جي بي تي» الذي طوَّرته شركة الذكاء الصناعي «أوبن إيه آي»، استخدامَ كميات هائلة من المعلومات المتاحة على شبكة الإنترنت وغيرها من المصادر، بما في ذلك حوارات ومحادثات بين البشر، لإنتاج محتوى شبه بشري، عبر «خوارزميات» تحلّل البيانات، وتعمل بصورة تشبه الدماغ البشري. ولا يكون النصُّ الذي يوفره البرنامج

حازم بدر (القاهرة)
تحقيقات وقضايا هل يدعم «تشات جي بي تي» التعليم أم يهدده؟

هل يدعم «تشات جي بي تي» التعليم أم يهدده؟

رغم ما يتمتع به «تشات جي بي تي» من إمكانيات تمكنه من جمع المعلومات من مصادر مختلفة، بسرعة كبيرة، توفر وقتاً ومجهوداً للباحث، وتمنحه أرضية معلوماتية يستطيع أن ينطلق منها لإنجاز عمله، فإن للتقنية سلبيات كونها قد تدفع آخرين للاستسهال، وربما الاعتماد عليها بشكل كامل في إنتاج موادهم البحثية، محولين «تشات جي بي تي» إلى أداة لـ«الغش» العلمي.

حازم بدر (القاهرة)
العالم العربي بن عيسى يشدد على أهمية التعليم لتركيز قيم التعايش

بن عيسى يشدد على أهمية التعليم لتركيز قيم التعايش

اعتبر محمد بن عيسى، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، ووزير الخارجية المغربي الأسبق، أن مسألة التعايش والتسامح ليست مطروحة على العرب والمسلمين في علاقتهم بالأعراق والثقافات الأخرى فحسب، بل أصبحت مطروحة حتى في علاقتهم بعضهم ببعض. وقال بن عيسى في كلمة أمام الدورة الحادية عشرة لمنتدى الفكر والثقافة العربية، الذي نُظم أمس (الخميس) في أبوظبي، إن «مسألة التعايش والتسامح باتت مطروحة علينا أيضاً على مستوى بيتنا الداخلي، وكياناتنا القطرية، أي في علاقتنا ببعضنا، نحن العرب والمسلمين».

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)

«ذاكرة لا تنطفئ»... احتفاء كبير بمئوية يوسف شاهين في باريس

يوسف شاهين كان أكثر مخرج شاركت أفلامه بمهرجان كان (آي إم دي بي)
يوسف شاهين كان أكثر مخرج شاركت أفلامه بمهرجان كان (آي إم دي بي)
TT

«ذاكرة لا تنطفئ»... احتفاء كبير بمئوية يوسف شاهين في باريس

يوسف شاهين كان أكثر مخرج شاركت أفلامه بمهرجان كان (آي إم دي بي)
يوسف شاهين كان أكثر مخرج شاركت أفلامه بمهرجان كان (آي إم دي بي)

يحتفي معهد العالم العربي في باريس بالذكرى المئوية لميلاد المخرج المصري يوسف شاهين من خلال تنظيم مهرجان تحت عنوان «يوسف شاهين... قرن من الحرية وذاكرة لا تنطفئ» على مدى 4 أيام، متضمناً عروضاً مختارة من أفلامه وندوات تثير نقاشاً حول أعماله.

وأعلن معهد العالم العربي الذي يترأسه جاك لانج، وزير الثقافة الفرنسي الأسبق، عن تكريم يوسف شاهين طوال عام 2026 من خلال عروض الأفلام واللقاءات والبودكاست، إلى جانب عرض فني.

وكتب الناقد الفرنسي جون ميشيل فردون، عبر بيان للمعهد عن هذه الاحتفالية: «هناك أسباب عديدة للاحتفال بهذه الذكرى، لما كان عليه يوسف شاهين ولما هو عليه اليوم بعد 17 عاماً من وفاته في يوليو (تموز) 2008»، لافتاً إلى أن أعماله واسعة، متعددة الأوجه، مبهجة ومؤثرة ومليئة بالمفاجآت؛ إذ تشكل أفلامه الروائية الـ38 التي أخرجها بين عامي 1950 و2007 مجموعة أعمال ثرية، تتوالى فيها الكوميديا والدراما والأفلام التاريخية والقصص السياسية والملاحم الوطنية والتأملات الشخصية وتتداخل أحياناً، مشيراً إلى أن شاهين برز خلال العصر الذهبي للسينما، وسرعان ما أكدت أفلامه أصالتها في صناعة شكلتها نماذج قليلة وقوة المنتجين والنجوم.

وانطلقت الاحتفالات، الخميس، وشهدت حضوراً لافتاً من الجمهور الفرنسي والعربي، واستهلّت بجلسة نقاش بعنوان «يوسف شاهين... بورتريه وإرث»، بمشاركة المنتجة والمخرجة ماريان خوري ابنة شقيقة شاهين، والمخرج يسري نصر الله والمخرج المصري الفرنسي نمير عبد المسيح الذي عُرض له الفيلم الوثائقي «الحياة بعد سهام»، وقد تضمن مقاطع عدة من فيلمي «عودة الابن الضال» و«فجر يوم جديد»، مستعيناً بمقاطع أيضاً من موسيقى الفيلمين.

ملصق احتفالية شاهين في باريس (معهد العالم العربي بباريس)

وقال عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن عرض فيلمه في افتتاح مهرجان شاهين لاقى اهتماماً من الحضور، وسبقته ندوة «إرث شاهين» التي حضرها جاك لانج، وتطرقت ليوسف شاهين وأولاده من السينمائيين سواء من عملوا معه على غرار يسري نصر الله أو من تأثروا بأفلامه مثلي، وأضاف: «تحدثنا عن تأثير يوسف شاهين علينا، وفي رأيي أن شاهين ترك تأثيراً كبيراً بأفلامه التي أرّخت لمصر سياسياً واجتماعياً على مدى 60 عاماً».

ويلفت نمير إلى أن شاهين أوجد رباطاً وثيقاً بين مصر وفرنسا، وأن أفلامه تحظى باهتمام بعض الجمهور الفرنسي، خصوصاً فيلم «المصير» الذي لا يزال مثار الحديث هنا بعد أكثر من ربع قرن على ظهوره، مشيراً إلى أن دور العرض الفرنسية ستعرض «المصير» في ذكرى مئوية رحيل شاهين، قائلاً إن «إعادة عرضه تُعد فرصة كبيرة لمشاهدة أفلامه من جديد».

وشهدت الاحتفالية، الجمعة، عرض فيلم «اليوم السادس» الذي أُنتج 1986 بمشاركة مصر وفرنسا، وهو من بطولة داليدا ومحسن محيي الدين وشويكار ومحمد منير، كما أقيمت مناقشة تحت عنوان «يوسف شاهين وقوة المرأة»، بمشاركة كل من شارون حكيم، وهند المدب، وفيفيان كانداس، وتطرقت للنماذج القوية للمرأة التي طرحها شاهين في أفلامه.

بينما يعرض، السبت، فيلما «المصير» من إنتاج 1997 و«المهاجر» 1994، وتختتم الاحتفالية الأحد 25 يناير (كانون الثاني) بجلسة بعنوان «يوسف شاهين وأنا»، يديرها تييري جوس، وتتضمن شهادات غير منشورة عن شاهين مع كل من جاك لانج رئيس معهد العالم العربي، وعبد الله طايا، ودومينيك باكس، والصحافية هدى إبراهيم، كما يعُرض في نفس اليوم فيلما «الأرض» 1969، و«العصفور» 1972، وهو إنتاج مصري - جزائري.

لقطة من فيلم المصير الذي حظي باهتمام الجمهور الفرنسي (معهد العالم العربي)

وارتبط المخرج الراحل ارتباطاً وثيقاً بفرنسا، وحازت أعماله التي عُرض بعضها بالسينمات الفرنسية اهتمام الجمهور، ومن بينها فيلم «المصير» الذي عُرض في 130 دار عرض، ومثّل مصر في مسابقة مهرجان «كان»، واستقبله الجمهور بحفاوة بالغة، ورُشح للحصول على جائزة «السعفة الذهبية» لأفضل فيلم لكن لم ينلها، ورغم أن 10 من أفلام شاهين شاركت بمختلف أقسام مهرجان «كان» منذ الخمسينات بدءاً من أول أفلامه «ابن النيل» 1951 وحتى فيلم «إسكندرية نيويورك» 2004، لكنها لم تحظ بجوائز، وقد حظي شاهين بجائزة الإنجاز مدى الحياة من مهرجان «كان» عام 1997.

ويشير الناقد الفني المصري، طارق الشناوي، إلى صداقة ربطت بين يوسف شاهين وجاك لانج خلال توليه وزارة الثقافة بفرنسا، وأنه هو من أقنع لانج بأهمية الإنتاج المشترك بين فرنسا والسينما العربية والأفريقية، وأسفر ذلك عن نتاج سينمائي ليوسف شاهين وكثير من المخرجين العرب والأفارقة.

وبدأ أول إنتاج لشاهين مع فرنسا بفيلم «وداعا بونابرت»، مثلما يقول الشناوي لـ«الشرق الأوسط»، مؤكداً أن «شاهين كان الوجه الأكثر حضوراً في بينالي السينما العربية الذي أقامه معهد العالم العربي بباريس منذ إطلاقه عام 1992، كما كان أكثر مخرج شاركت أفلامه بمهرجان (كان)، فقد واكب إطلاق المهرجان عام 1946 مسيرة شاهين التي بدأت مطلع الخمسينات».

ويلفت الشناوي إلى أن فرنسا صالحت شاهين على فيلمه «انت حبيبي» الذي لم يكن يحبه، لكنه غيّر رأيه بعد عرضه في «بينالي السينما العربية»، وقد فوجئ أن الجمهور الفرنسي يغادر العرض وهو يردد أغنيات فريد الأطرش وشادية بالفيلم، فعاد وأحبه واقتنع به، ويضيف الشناوي: «لذا، من المنطقي أن يحتفي معهد العالم العربي بمئويته، وقد لاحظت أن شركة الطيران الفرنسية تضع صورة كبيرة له مع كل نجوم العالم».

يوسف شاهين قدم شخصية «قناوي» في فيلم «باب الحديد»، أمام هند رستم (صورة أرشيفية)

وتحتفي أوساط سينمائية عديدة بمئوية ميلاد المخرج الراحل يوسف شاهين المولود بالإسكندرية في 25 يناير 1926 لأب لبناني وأم من أصول يونانية، وقد حصل على الشهادة الثانوية من كلية فيكتوريا، وبعد دراسته بجامعة الإسكندرية سافر إلى الولايات المتحدة، حيث درس فنون المسرح بمعهد «باسادينا»، ورغم شهرته العالمية مخرجاً، فقد حقق اهتماماً لافتاً بأدواره لا سيما شخصية «قناوي» التي أدّاها في فيلم «باب الحديد»، أمام هند رستم، كما ظهر في لقطة خاطفة في أول أفلامه «ابن النيل»، ومثّل في أفلامه «فجر يوم جديد» و«اليوم السادس» و«إسكندرية كمان وكمان».


في عرض «مشارف» بريق السينما يتألّق على الخشبة

أنجيلا في أحد عروضها المسرحية (أنجيلا الحداد)
أنجيلا في أحد عروضها المسرحية (أنجيلا الحداد)
TT

في عرض «مشارف» بريق السينما يتألّق على الخشبة

أنجيلا في أحد عروضها المسرحية (أنجيلا الحداد)
أنجيلا في أحد عروضها المسرحية (أنجيلا الحداد)

على مدى عرضين متتاليين في يوم واحد، تُقدِّم أنجيلا الحداد عرضها «مشارف (outskirts)» على خشبة مسرح «زقاق» في بيروت، وذلك في 29 يناير (كانون الثاني) الحالي. العمل من نوع المونودراما، ويتناول الظلم الاجتماعي الذي يخيّم على حيّ الكرنتينا. هذا الحيّ المنسي على أطراف المدينة، منذ عقود بفعل التهميش المتراكم.

تجسّد أنجيلا في «مشارف» 5 شخصيات مختلفة (أنجيلا الحداد)

تكسر أنجيلا هذه العزلة، وتواجه، عبر عرضها، واقع الظلم الاجتماعي المحيط بالمنطقة. فتُعيد سرد حكاية الكرنتينا عبر حقبات شهدت النزوح والعزلة والحرب، مستعيدة شريطاً من الذكريات المؤلمة والمُرّة، وأخرى مضيئة. ليحمل النصُّ في طيّاته بصيص أمل بغدٍ أفضل.

تروي أنجيلا أن فكرة العرض بدأت بالتبلور خلال مهرجان «شربكات» عام 2024. تقول: «يومها قدَّمنا عرضاً مسرحياً كاملاً بدعم من استوديو (أمالغام) في شارع الحمرا، وكان مخصصاً للفنانين الناشئين بإشراف يارا بستاني. لاحقاً، وبفضل منحة قُدِّمت للاستوديو، تطوَّر العمل ليصبح مشروعاً فنياً مدعوماً من (اليونيسكو) في بيروت. آنذاك، جرى اختيار 8 فنانين لإقامة عروض تُحيي منطقة الكرنتينا، من بينهم مصممو غرافيك، وممثلون، وتقنيو صوت وإضاءة. اختار كل منهم حياً معيّناً داخل الكرنتينا». وتتابع الحداد: «قدَّمتُ عرضاً فردياً قائماً على الأداء التمثيلي ومسرح الشارع. وعددتُه خطوتي الأولى في هذا المشروع. سرعان ما جرى ترشيحه ليُعرَض في مسرح (زقاق) ضمن برنامج (كواليس)، فعملتُ على تطويره وإغنائه بعناصر فنية إضافية، وأخذته نحو مسار سينمائي أكثر وضوحاً». وبعدما كانت شخصيات العمل تقتصر على طفل وامرأة ولاجئ، أضافت أنجيلا الحداد شخصيات جديدة، ليغدو العرض مزيجاً فنياً يتقاطع فيه المسرح مع السينما، والنص مع الإضاءة والموسيقى.

تُعرَض «مشارف» على مسرح «زقاق» في 29 يناير الحالي

تقف أنجيلا وحدها على الخشبة لتجسيد 5 شخصيات، تروي كل واحدة منها معاناة عاشتها في الكرنتينا. وتشكّل مجتمعة صوتاً صارخاً في وجه الظلم الذي تعرَّض له الحي منذ الحرب الأهلية، وصولاً إلى انفجار مرفأ بيروت.

ولا تغفل الحداد عن الإبقاء على نافذة الأمل مفتوحة في عرضها، مستلهمة ذلك من موقع الكرنتينا المطلّ على البحر. تقول: «هذه الفسحة الزرقاء استخدمتها لأقول إن الحياة لا بدّ أن تستمر، مهما اشتدّ الألم».

وترتبط الشخصيات الـ5 في العرض، بشكل غير مباشر، بـ5 أبطال من أفلام هوليوودية شهيرة. وتوضِّح الحداد: «قمت بهذه الإسقاطات، مستخدمةً هالة كل بطل لأروي من خلالها حكاية كل شخصية».

من شخصية «البونو» لكلينت إيستوود، التي تفجّر أحد الجسور، تربط الحداد بين هذا المشهد وانفجار المرفأ. أما الشخصية الثانية فمستوحاة من ليوناردو دي كابريو في فيلم «Gangs of New York»، لتتناول الفوقية والعنصرية اللتين مورستا بحق اللاجئين في الكرنتينا.

ومن فيلم «مالينا» لمونيكا بيلوتشي، تنبثق الشخصية الثالثة التي تتناول قضية المفقودين.

وللحديث عن المجزرة التي تعرَّض لها الفلسطينيون في الكرنتينا منتصف السبعينات، تستحضر الحداد فيلم «Clockwork Orange»، وتُسقِط قصته على واقع العنف الممنهج. بينما تقلب المعادلة في الشخصية الأخيرة، المستوحاة من دور أودري هيبورن في «Breakfast at Tiffany’s»، حيث تدفع بحي الكرنتينا إلى معاقبة الظالم، في إشارة إلى انتقام المقهور من جلّاده.

تلجأ أنجيلا الحداد، الحائزة شهادة ماجستير في الفنون الجميلة، إلى مجموعة من الإكسسوارات والأدوات لتلوين الشخصيات واستحضارها على الخشبة. تقول: «أجسّد هذه الأدوار من خلال تبديل ملامحي الخارجية. فأكون امرأة مرة، ورجلاً مرة أخرى. وتساعدني لعبة الإضاءة، مع جمال زركي، على إبراز هذه التحوّلات».

ويرافق العرض موسيقى وديكور بسيط، تتصدّره طاولة تخرج من تحتها الأدوات اللازمة لكل شخصية. وترافق العرض موسيقى الأفلام المذكورة بوصفها عنصراً فنياً إضافياً.

وترى الحداد أن هذا الدمج بين المسرح والسينما يأتي في إطاره الطبيعي. وتوضِّح لـ«الشرق الأوسط»: «أؤمن بأن مختلف الفنون قابلة للتلاقي مع السينما. هي حلقة متكاملة تفيد وتستفيد من بعضها بعضاً. نراها اليوم تدخل إلى النحت والرسم والرقص، فتمنحها بريقاً إضافياً. الوسيلة قد تختلف، لكن التزاوج بين الريشة، والتمثيل، والحركة، والإضاءة، والفن التشكيلي، وتصميم الأزياء، يصنع عملاً جماعياً متكاملاً. ويبقى المسرح المساحة الأوسع والأكثر حرية، حيث تلتقي كل هذه العناصر في خلطة فنية واحدة».

وتضيف الحداد لـ«الشرق الأوسط»: «يلعب الجمهور الدور الأكبر في المشهد المسرحي. فاختياراته وأهواؤه تقف خلف توجهه نحو المسرح الكلاسيكي أو الاستعراضي أو العبثي وغيره. بينما تأتي الرؤية الإخراجية لتضع القالب المسرحي في أبهى حلّة».

وتوجِّه دعوةً إلى جمهور المسرح اللبناني لمشاهدة هذا العرض، عادّةً أنه يخاطبهم بلغتهم، ويقول الأشياء كما هي، مُحمَّلاً بمشاعر وأحاسيس تلامسهم مباشرة. وتختم: «بالنسبة إليّ، زمن الحرب لم ينتهِ بعد، بل نقوم بإخفائه بوسائل مختلفة. لذلك مَن يشاهد هذا العرض سيدرك أنه يتابع عملاً يشبهه، ويُشكِّل صرخةً صادقةً باسم هذه المنطقة المتعبة».


روائع الأدب العالمي تجتذب روَّاد «القاهرة للكتاب»

الأسعار الزهيدة اجتذبت رواد معرض الكتاب (هيئة قصور الثقافة المصرية)
الأسعار الزهيدة اجتذبت رواد معرض الكتاب (هيئة قصور الثقافة المصرية)
TT

روائع الأدب العالمي تجتذب روَّاد «القاهرة للكتاب»

الأسعار الزهيدة اجتذبت رواد معرض الكتاب (هيئة قصور الثقافة المصرية)
الأسعار الزهيدة اجتذبت رواد معرض الكتاب (هيئة قصور الثقافة المصرية)

أصبح في حكم المعتاد أن ترى الشباب دون العشرين من العمر وما فوقها، يصطفون في طوابير طويلة في أروقة معرض القاهرة الدولي للكتاب في مشهد لافت. ولكن الجديد الذي حملته الدورة الـ57 من المعرض، والتي فتحت أبوابها للجمهور منذ الخميس الماضي، هو أن هؤلاء الشباب لم يكونوا هذه المرة في انتظار توقيع مؤثر شهير على مواقع التواصل أصدر رواية تنتمي لفئة الرعب، أو مطرب «راب» معروف أصدر ديواناً باللهجة المحلية يتضمن أشعاراً في الحب، وإنما كانوا يحملون روائع الأدب العالمي وكنوز التراث العربي التي تباع هنا بأسعار زهيدة.

يحدث ذلك في جناح «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة» التي تبيع كثيراً من المؤلفات البارزة بأسعار تبدأ من 6 جنيهات، ولا تتجاوز 35 جنيهاً (الدولار يعادل نحو 47 جنيهاً مصرياً).

وقال حسن منصور (شاب في الفرقة الثالثة بكلية الطب، جامعة عين شمس، القاهرة) إن «القراءة في الأدب مهمة جداً لي لعمل توازن مع طبيعة دراستي العملية والعلمية»، لافتاً -في حديثه لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه يعتقد بشدة أن «القراءة مهمة جداً في تلك الفترة من حياتي، قبل أن أنشغل بعد التخرج ولا أجد وقتاً لأي كتاب، كما يحدث مع كثير من أقاربي وأصدقائي الأطباء الأكبر سناً».

إقبال لافت على الأجنحة الحكومية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب (هيئة قصور الثقافة المصرية)

ويبلغ سعر رواية «منزل الأموات» للكاتب الروسي فيودور دستويفيسكي (1821– 1881) 25 جنيهاً، ورواية «مدام بوفاري» ذائعة الصيت للكاتب الفرنسي جوستاف فلوبير (1821- 1880) 20 جنيهاً، أما كتاب «حديقة أبيقور» لمواطنه أناتول فرانس (1844- 1924) فبلغ سعره 15 جنيهاً، وهو السعر ذاته لرواية «بيدرو بارامو» أحد أشهر نماذج أدب «الواقعية السحرية» في أميركا اللاتينية، للكاتب المكسيكي خوان رولفو (1986 –1917).

وتكتسب رواية «منزل الأموات» أهميتها من كونها تعد أشبه بسيرة ذاتية لفترة السنوات الأربع التي قضاها الكاتب العالمي دستويفيسكي في معسكر للأشغال الشاقة بسيبيريا، في حين تأتي «مدام بوفاري» ضمن الأعمال الرائدة التي تستكشف تناقضات وخبايا النساء، من خلال زوجة طبيب ريفي تعاني من الملل، وتتورط في الخيانة الزوجية، ثم تنهي حياتها بالانتحار، بينما يكتسب كتاب «حديقة أبيقور» شهرته من المزج بين السخرية الأدبية والتأمل الفلسفي في مقالاته وخواطره حول الحياة والموت والعلم والوجود الإنساني.

جانب من أحد أجنحة معرض القاهرة الدولي للكتاب (هيئة قصور الثقافة المصرية)

وعلى صعيد كنوز الفكر العربي، تباع 5 مؤلفات للكاتب محمود عباس العقاد بأقل من 125 جنيهاً. وهي: «الإسلام والحضارة الإنسانية»، و«أثر العرب في الحضارة الأوروبية»، و«مطالعات في الكتب والحياة»، و«مراجعات في الآداب والفنون»، و«جحا الضاحك المضحك».

أما الكتاب الشهير للمفكر أحمد أمين «زعماء الإصلاح في العصر الحديث»، الذي يتعرض لدور كل من: عبد الرحمن الكواكبي، ومحمد عبده، وجمال الدين الأفغاني، وعبد الله النديم، وعلي مبارك، وإسهاماتهم ما بين الفكر والسياسة، فيباع بـ35 جنيهاً.

وكانت المفاجأة أن واحداً من المراجع الكبرى في التراث العربي وهو كتاب «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي، تحقيق أحمد أمين وأحمد الزين، والذي يضم خلاصة الفلسفة والحكمة في تأمل الحياة والبشر، عبر قالب قصصي ترفيهي، يباع بـ45 جنيهاً فقط، رغم أنه يقع في 600 صفحة من القطع الكبير.

زحام لافت بالمعرض (هيئة قصور الثقافة المصرية)

وعلَّقت ميادة البشير (طالبة بكلية دار العلوم، جامعة القاهرة)، على تلك الأسعار بقولها: «أصبح بإمكاني تكوين نواة مكتبة من المؤلفات الرائعة، بثمن بعض ملابس الخروج والإكسسوارات النسائية، وهو ما أفعله كل عام منذ أن كنت بالمرحلة الثانوية»، مشيرة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «أسعار الكتب في دور النشر الخاصة غالباً ما توازي أكثر من عشرة أضعاف نظيرتها في الأروقة الحكومية».