«بيروت للكتاب» يعلن «الصمود» و«التحدي»

يُفتتح اليوم رغم غياب دور نشر وازنة

جانب من معرض بيروت للكتاب في دورة سابقة (أرشيف)
جانب من معرض بيروت للكتاب في دورة سابقة (أرشيف)
TT

«بيروت للكتاب» يعلن «الصمود» و«التحدي»

جانب من معرض بيروت للكتاب في دورة سابقة (أرشيف)
جانب من معرض بيروت للكتاب في دورة سابقة (أرشيف)

يفتتح اليوم «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» أبوابه بعد ما يقارب ثلاث سنوات من الانقطاع، إذ إن آخر دورة له، وكانت تحمل الرقم (62) تعود إلى نهاية عام 2018، غير أن هذا لم يشفع للمعرض كي يبقى بمنأى عن الخلافات اللبنانية التي باتت تطال حتى الكتب. فقد انقسم الناشرون إلى فئتين: فئة ترى أن بيروت بحاجة لفسحة أمل، ولو متواضعة، وعلى الجميع مواجهة الظروف بما ملكوا من إمكانيات، كي لا تطول فترة الانقطاع أكثر. بينما عدّت دور نشر أخرى أن الوقت غير مناسب ويمكن الانتظار حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل، الموعد الرسمي للمعرض. وهو ما لا يريده «النادي الثقافي العربي»، أي الجهة المنظِّمة التي ترى أن الغياب الطويل ليس في صالح أحد، ولا بأس في معرض الآن، تعويضاً لما فات، على أن تُعقد دورة أخرى في ديسمبر المقبل.
وبالتالي فإن المعرض وللمرة الأولى في تاريخه، سيشهد غياباً لكبريات الدور المعترضة مثل «الآداب»، و«الساقي»، و«العربية للعلوم»، و«الجديد»، و«هاشيت أنطوان»، و«التنوير»، و«الجمل»، و«المدى»، و«سرد»، و«ضفاف». غير أن أحد أصحاب الدور المشاركة عدّ غياب من سماهم بـ«الحيتان» قد يكون في صالح الدور الصغيرة. ويقول د. عبد الحليم حمود، مؤسس «دار زمكان» الصاعدة، التي بدأت عملها منذ ثمانية أشهر فقط، أصدرت خلالها نحو 20 كتاباً، إنها فرصة للدور المبتدئة، لتلتقي مع القراء من دون منافسة كبيرة. ويقول حمود: «نحن من ناحيتنا عندنا 5 حفلات توقيع، وكتب جديدة كثيرة، بينها واحد عن فيروز وآخر عن زياد الرحباني. وكل دار من الدور الزميلة المشاركة عندها من ست إلى عشر حفلات توقيع». وإذا كان الجميع يترقب ليرى نتائج هذه الدورة غير المسبوقة، فإن حمود يعتقد أن «الحسابات الأولية، قد لا توحي بأن المعرض سينجح، بسبب الظروف غير العادية التي يعيشها لبنان». يكمل حمود: «لكن لو فكّرنا بطريقة أخرى، فإن 3 سنوات من الغياب، راكمت خلالها الدور عناوين كثيرة. كما أن مخازن الناشرين معبأة كتباً طُبعت قبل الأزمة، أي بأسعار رخيصة للغاية، يوم كان الدولار بألف وخمسمائة ليرة، ويمكنها أن تبيعها بأسعار مناسبة للجميع. وهذا إيجابي للدور نفسها، التي هي بحاجة لتصريف ما عندها. نحن من جهتنا سنبيع 4 روايات جديدة بسعر 100 ألف ليرة (نحو 5 دولارات) في الوقت الذي تبيع فيه بعض الدور الرواية الواحدة بسعر 200 ألف ليرة (نحو 10 دولارات)».
إذا كانت الجهة المنظمة قد أطلقت على هذه الدورة عنوان «بيروت الصمود... بيروت لا تنكسر»، بسبب كل ما تواجهه من عقبات، فإن صاحب «دار نلسن» سليمان بختي يعده «معرض التحدي» و«الاستكشاف». ويضيف: «ذلك، لأننا ما عدنا نعرف أين نحن من جمهور الناس، من عموم القراء. مضى وقت طويل، تغيّرت خلاله أشياء كثيرة. هذا أمر يقلقني كشخص يُعنى بالشأن الثقافي. هناك نوع من الانسحابات من الميدان، بينما واجبنا أن نخلق مساحات للتلاقي من خلال الكتاب، المسرح، الموسيقى، وغيرها. ليس من المهم أن يشتري الناس هذه المرة، الأهم أن يأتوا، أن يلتقوا، أن يخرجوا من بيوتهم وهمومهم. نحن نريد بعد الانهيار الاقتصادي وانفجار بيروت وكورونا، وكل الكوارث التي حلّت بنا خلال السنتين الفائتتين، أن نرى الناس تلملم نفسها من جديد».
كانت المعارض في السنوات السابقة تقام في «سي سايد آرينا» وسط بيروت، على مساحة 10 آلاف متر مربع، لكن هذ الصالة الضخمة، نُسفت بسبب انفجار المرفأ في 4 أغسطس (آب) 2020، وتم ترميم جانب منها، مساحته 4 آلاف متر سيستقبل كل الدور المشاركة، فيما ثمة وعد بأن الصالة كلها ستكون قد رُمِّمت في نهاية السنة، وحلول الموعد المقبل للمعرض.
جهاد شبارو، صاحب «الدار العربية للعلوم» التي لم تشارك في المعرض، مقتنع بأن الظروف غير مواتية، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المبنى غير جاهز بعد، ومواقف السيارات لم ينظم وضعها بعد. وعندما سئل الناشرون عن تنظيم المعرض الآن غالبيتهم لم يوافقوا، كذلك حال النقابة التي لن تشارك. ولم نحب أن نكسر قرارها. قلنا لهم: نحن لا نريد فشلاً. دعوا المعرض يحدث في الوقت المناسب، ونحن على استعداد للمشاركة بأسعار رخيصة».
أما رشا الأمير، صاحبة «دار الجديد» التي لن تشارك هي الأخرى، فكتبت على صفحة الدار على «فيسبوك»: «(دار الجديد) التي شاركت منذ تأسيسها في هذا المعرض، تحتجب هذا العام. آن أوان بعض المصارحة. كتبنا عبر موقعنا بالمجّان. كتبنا عبر (أمازون) لمن يستطيع شراء الكتب بهذه الحلّة المريحة (تكبير وتصغير الخطّ، قاموس مدمج، إمكانيّة تدوين ملاحظات، إلخ). معارض الكتب في عرفنا واجهات ليس إلّا ومنظرة لا تخدم القارئ. القارئ، القارئ بغناء عن بهرج نرجسي لم يعد ضمن أولويّاتنا».
لكن هذا ليس رأي القراء، الذين عبّروا عن سعادتهم عبر صفحاتهم على «فيسبوك»، لرؤية المعرض يعود، كأنه يؤشر إلى فرج قد يَلوح قريباً.
وكانت سلوى السنيورة بعاصيري، رئيسة النادي الثقافي العربي (المنظِّم للحدث) قد رأت أن إقامة المعرض اليوم هو «عملية استنهاض ثقافي لبيروت العاصمة التي تنكسر ولا تنهزم» وردت على مقولة البعض: «إن الظروف لا تسمح»، بأن «الإنسان هو من يوفر الظروف وهو من يفسح المجال للهزيمة أو يقرر التغلب عليها. وإذا كانت عنده الإرادة فحتماً سيقف مجدداً».
ويوافقها الناشر سليمان بختي قائلاً: «يجب ألا نترك الكتاب وحيداً. هذا المعرض لنا، نحن نصلحه، ونحن من نفسده. كنت أتمنى مشاركة الجميع، مع احترامي لرأي المعترضين. نحن سنكون حاضرين، وسنؤمّن التكاليف، ولا نعرف إذا كنا سنعوّضها، فنحن نختبر وضعاً جديداً. لكن إذا لم يحصل المعرض، فثمة نقص. نريد أن نستمر، لأن الثقافة من معالم حياتنا، وكلما كثر عدد المتحدين، كانت المحاولة أجدى، وأشرف».
ثمة مشكلات تواجه المعرض، وهذا لا يخفيه أحد، لكنّ ثمة جهوداً هائلة تُبذل من النادي الثقافي والكثير من الدور التي ترى في احتجاب دور أساسية عن المشاركة موقفاً غير مبرَّر ولا مفهوم خصوصاً أن هذه الدور تشارك في كل المعارض العربية، وجميعها كان يفترض أن تكون في معرضي البحرين والكويت اللذين أُلغيا، بسبب «كورونا».
وسيُحرم معرض بيروت هذه السنة من زيارة طلاب المدارس التي لن تتمكن من المشاركة بنشاطات كما جرت العادة، بسبب ارتفاع تكلفة التنقلات. كما أن عدداً من الناشرين واجهوا صعوبات لتأمين أرفف للعرض بأسعار في متناولهم. كل الترتيبات اللوجيستية، كانت دونها عقبات. وهو بالفعل ما جعل المنظمين يتعاملون مع تحديات لم يسبق لهم أن واجهوا مثيلاً لها.
يشارك الكثير من الفنانين والمثقفين في النشاطات اليومية المصاحبة للمعرض. ففي اليوم الثاني حوار بين الشعر والموسيقى، بمشاركة هبة القواس وزاهي وهبي. وعلى البرنامج أمسية موسيقية بعنوان «على درب الشعر من طرابلس إلى بيروت»، وأمسية طربية لـ«فرقة بيكار بيروت»، ومن المصادفات أن يقام يوم للثقافة الأوكرانية في وقت تملأ فيه أخبار هذا البلد الشاشات، ولا بد أن الجمهور يتمنى أن يعرف الوجه الآخر لبلد تعصف به الحرب. وضمن البرنامج احتفال بمئوية فرج أنطون، بمشاركة كرم الحلوة، وعلي حمية، ومحمود شريح، وصقر أبو فخر، وسليمان بختي، وتقديم ميشال مبارك. كما ستعقد ندوة بعنوان «أمكنة الرواية والارتحال نحوها» يشارك فيها الروائي الجزائري واسيني الأعرج. وثمة جلسة عن «مذكرات انتصار الوزير»، بمشاركة انتصار الوزير وصقر أبو فخر. ويوجه المعرض تحية إلى الناشر رياض نجيب الريس: بمشاركة فواز طرابلسي، ويحيى جابر، ويوسف بزي، وخولة مطر. ونقاش حول كتاب «الوثائق الحقيقية لسلطان باشا الأطرش». إضافةً إلى «بيروت والاستشراق»، بمشاركة نادر سراج، وعماد الدين رائف.
تشارك في هذه الدورة 90 دار نشر لبنانية، ودور مصرية وسورية وعراقية. كما تقام على هامشه 30 فعالية تتوزع بين ندوات ثقافية فكرية وتواقيع لإصدارات جديدة وحفلات موسيقية والكثير من الأنشطة التي ستكون يومياً لبهجة الزائرين.
«معرض بيروت العربي للكتاب»، هو أول معرض شهده العالم العربي، وكان ذلك عام 1956 حين قام «النادي الثقافي العربي» بتنظيمه فِي الجامعة الأميركية فِي بيروت واستمر لِمدة ثلاثة أَيام، وبسبب نجاحه، أصبح سنوياً، وموعداً ثقافياً ينتظره القراء والناشرون. وفيما بعد حمل اسم «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب»، وتستمر الدورة الحالية حتى 13 من الشهر.


مقالات ذات صلة

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية

«الشرق الأوسط» (عمان)
ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).