أئمة الدولة السعودية الأولى حوّلوا الدرعية عاصمة ثقافية قبل ثلاثة قرون

«دارة الملك عبد العزيز» تسجل مخطوطات وتعيد بناء مكتبات الدولة بعدما سرقها الغازي وأخفاها وأحرق بعضها

تدمير الدرعية أضاع مخطوطات ذات قيمة تحكي الواقع الثقافي والاقتصادي للدولة السعودية الأولى
تدمير الدرعية أضاع مخطوطات ذات قيمة تحكي الواقع الثقافي والاقتصادي للدولة السعودية الأولى
TT

أئمة الدولة السعودية الأولى حوّلوا الدرعية عاصمة ثقافية قبل ثلاثة قرون

تدمير الدرعية أضاع مخطوطات ذات قيمة تحكي الواقع الثقافي والاقتصادي للدولة السعودية الأولى
تدمير الدرعية أضاع مخطوطات ذات قيمة تحكي الواقع الثقافي والاقتصادي للدولة السعودية الأولى

سلّط كتاب الضوء على جانب مشرق من تاريخ الجزيرة العربية في عهد الدولة السعودية الأولى، ومهد الطريق أمام دراسات آتية تكمل المسيرة وتنير الطريق، التي تكشف عن النشاط الثقافي والارتقاء الحضاري الذي صاحَب قيام الدولة السعودية الأولى. ويلقي الكتاب الضوء على المكتبات في عهد الدولة السعودية الأولى، الممتدة من عام 1157هـ إلى عام 1234هـ (1744 – 1818)، ويبين العوامل التي كانت وراء انتقال ما ضمّته رفوف تلك المكتبات من مخطوطات وكتب قيّمة، ويعيد أبرز تلك العوامل إلى الحملات العسكرية العثمانية، التي أسهمت بشكل مباشر في نقل هذه المخطوطات.

وقف من وقفيات الإمام عبد العزيز بن سعود، ثاني أئمة الدولة السعودية الأولى، وهو كتاب معالم التنزيل للبغوي

وأبرز الكتاب، الذي أعدّه الباحث والمؤرخ حمد بن عبد الله العنقري، بصورة غير مسبوقة، تحقيقاً لوثيقة عثمانية خاصة، تعرض الكتب التي انتقلت من مكتبات الدولة السعودية الأولى إلى المدينة المنورة، ويمهّد بين يديها بدراسة تحليلية توضح المصادر التي جلبت منها تلك الكتب، التي من أبرزها الحجاز واليمن والعراق، ويبين الطرق التي يتم بها تداول تلك المخطوطات في عصر الدولة السعودية الأولى، ومن أهم تلك الطرق النسخ والاستكتاب والبيع والشراء والتوارث والإهداء والإعارة والوقف، كما يشير الكتاب إلى نوادر من المخطوطات المنقولة إلى مكتبة المدرسة المحمودية، مقسماً إياها إلى نسخ خزائنية ونسخ بخط مؤلفيها أو أحد العلماء، أو قرئت على أحد منهم، كما يعدد أنواع المكتبات في ذلك العهد موزعة بين مكتبات للأسر ومكتبات للأفراد.


غلاف كتاب بدت فيه صورة مخطوطة لأول المتون في المذهب الحنبلي تملكها الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود

وقدّم الكتاب مخطوط «شرح مختصر الخرقي» لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الزركشي، ويعد هذا الكتاب أول المتون في المذهب الحنبلي وأشهرها، وهذه المخطوطة من محفوظات مكتبة المدرسة المحمودية بمكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة، وتتميز بتملك الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود آل سعود، الإمام الثاني للدولة السعودية، وقد أمر - يرحمه الله - بوقفها، وتدوين وقفية عليها نصها «هذا الكتاب وقف على طلبة العلم، وقفه عبد العزيز بن سعود، وشهد على ذلك عبد الله بن الشيخ، وكتبه وشهد به حمد بن ناصر، وصلى الله على محمد وسلم». وقد نسخ المخطوط بحمص في 11 جمادي الآخرة سنة 900هـ، بخط حسن بن علي بن إبراهيم بن محمود والمردادي الحنبلي.

وقف للإمام عبد الله بن فيصل وهو كتاب الإيمان الكبير لشيخ الإسلام ابن تيمية

وفي تقديمه للكتاب، الذي أنجزته دارة الملك عبد العزيز، حمل عنوان «مكتبات الدولة السعودية الأولى المخطوطة - دراسة تحليلية لعوامل انتقالها واندثارها بعد سقوط الدرعية»، أوضح الدكتور فهد بن عبد الله السماري، أن الدولة السعودية الأولى قد قامت نتيجة عوامل تاريخية، من أبرزها حاجة البلاد والعباد إلى توحيد الصف ولمّ الشمل، ونشر الأمن وإقامة الشرع الإسلامي المطهر سالماً من خرافات المبتدعين، وطرد جحافل الجهل بقناديل المعارف، وإتاحة الفرصة لسكان هذه المنطقة، لينعموا بالعيش الرغيد الهانئ، بعد أن قاسوا ويلات التفرق، وعانوا من الأرق في أتون الجهل.
ووفقاً للباحث العنقري، فإن الدراسة تتناول مصير المخطوطات السعودية منذ المبايعة التاريخية بين الإمام محمد بن سعود 1139هـ - 1179 - 1765م والشيخ محمد بن عبد الوهاب، حتى سقوط مدينة الدرعية على يد قوات إبراهيم باشا في عام 1233هـ - 1818م، وتقف عند عام 1236هـ - 1823م لمعرفة آثار هذا السقوط في وضعية المخطوطات السعودية، حيث أدى هذا التدمير والهدم إلى فقدانها أو عدم معرفة مآل بعضها.
وسعت هذه الدراسة إلى البحث عن تلك المخطوطات والاطلاع على ما بقي منها والإفادة من النصوص المقتضبة، التي أشار إليها المؤرخون المعاصرون للحدث، كما ستعتمد على الوثائق العثمانية المتبادلة بين جميع مسؤولي الدولة العثمانية، وتحاول الخروج برؤية واضحة بمصير تلك المخطوطات، كما ترمي هذه الدراسة إلى محاولة إعادة بناء مكتبات الأفراد والأسر والمجموعات العامة، للوصول إلى رؤية جديدة للأوضاع العلمية والثقافية في الدولة السعودية الأولى.
وذكر الباحث العنقري، أن أول إشارة إلى نقل القوات العثمانية المخطوطات السعودية وإحراقها هي ما ذكره الرحالة البريطاني جورج سادليير، الذي زار الدرعية بعد هدمها، حيث ذكر أن قوات إبراهيم باشا نقلت مجموعة هائلة من الكتب إلى المدينة المنورة للاحتفال بالنصر والبهجة به، ثم تلاه المؤرخ عثمان بن عبد الله بن بشر، عندما ذكر مصادرة حملة حسين بك، بعض مكتبة الشيخ عبد العزيز بن سليمان بن عبد الوهاب، وإحراق بعضها الآخر.
كما أشار العجلاني، إلى نقل قوات محمد علي باشا، ما وجدته في بيوت الأمراء والعلماء في نجد، أما آل إسماعيل فقد أورد رواية محلية عن الشيخ سليمان بن عبد الله الحماد، عن مصادرة إبراهيم باشا مكتبة جده الشيخ عبد الله بن سليمان بن حماد.
أما الدراسات التي اعتمدت على الوثائق العثمانية أو الوثائق المصرية، فيأتي على رأسها كتاب «رياض الكتبا وحياض الأدبا» لحيرت أفندي، فيه نصوص خطابات محمد علي باشا الرسمية، التي تبادلها هو وجميع المسؤولين العثمانيين، وقد ذكر حيرت أفندي، فيه نص خطاب محمد علي باشا إلى الصدر الأعظم، بخصوص وضع الكتب التي أحضرها إبراهيم باشا وحسين بك في مكتبة المدرسة المحمودية.
ولعل أول من أشار إلى أهمية هذا الكتاب وما يحتويه من وثائق تاريخية، هو الدكتور أبو الفتوح رضوان، حيث ذكر أن هذا الكتاب في منتهى القيمة التاريخية، ثم تلاه الدكتور سهيل صابان، عندما نشر تعريفاً بهذا الكتاب وما يحتويه من مراسلات متبادلة بين محمد علي باشا، وكبار المسؤولين العثمانيين عن أحداث شبه الجزيرة العربية، والإجراءات التي اتخذها والي مصر فيها، أما الدراسات التي أفادت من هذا المصدر المهم فهي قليلة جداً، ومن أهمها الدراسة المتميزة التي أعدها الدكتور أحمد عزت عبد الكريم، عن تاريخ التعليم في مصر في عهد محمد علي باشا.
ثم تلته مجموعة «الأوامر والمكاتبات الصادرة من عزيز مصر محمد علي، وهي ملخص لجميع المكاتبات والمراسلات الرسمية، التي تمت بين محمد علي باشا، وجميع المسؤولين في مصر وفي الدولة العثمانية»، وكانت هذه الملخصات معدة للاستعمال الرسمي فقط وجرى نشرها مؤخراً.
أما الدراسة التي أعدها الدكتور خليفة بن عبد الرحمن المسعود، والموسومة بـ«موقف القوى المناوئة من الدولة السعودية الثانية 1234 ـ 1282هـ - 1818 ـ 1866م دراسة تاريخية وثائقية»، وهي رسالة دكتوراه حصل عليها من جامعة أم القرى عام 1421هـ - 2000م، فقد تناولت موضوع نقل القوات العثمانية المخطوطات والمصاحف من نجد إلى المدينة المنورة، وقد اعتمد في ذلك على وثيقة عثمانية واحدة في هذا الموضوع.
ثم تأتي دراسة الدكتور عبد العزيز عبد الغني إبراهيم، وعنوانها «من وثائق الأرشيف المصري في تاريخ الخليج وشبه الجزيرة العربية»، وهي عبارة عن ملخص لوثائق مجموعة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - رحمه الله -، التي توجد صور منها في مراكز البحوث والدراسات والوثائق في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي مصورة من دار الوثائق القومية بالقاهرة، وتتعلق معظم هذه الوثائق بالدولة السعودية الأولى والثانية، والخليج العربي، وقد لخص عبد الغني وثيقتين من هذه المجموعة تتعلق الأولى بالخطاب الذي وجهه محمد علي باشا، إلى الصدر الأعظم في 13 جمادي الآخرة 1236هـ - 15 مارس (آذار) 1821م، بخصوص عودة ابنه إبراهيم باشا، بخمسمائة وواحد وتسعين مصحفاً وكتاباً، أما الثانية فتتضمن رسالة من وكيل والي مصر لدى الباب العالي في إسطنبول إلى محمد علي باشا، في 11 رجب 1238هـ - 23 يناير (كانون الثاني) 1823م، بخصوص صدور توجيه السلطان بحفظ الكتب السلطانية، ومن الملحوظ أن عبد الغني لم يباشر العمل نفسه، بل اعتمد على غيره، ولم يكن له من أثر سوى الإشراف؛ ولذا فقد أغفل وثائق عدة في هذه المجموعة لم يذكرها ضمن كتابه.
أما الدراسة التي أعدها الدكتور سهيل صابان، والموسومة بـ«نصوص عثمانية عن الأوضاع الثقافية في الحجاز (الأوقاف ـ المدارس ـ المكتبات)»، فقد نشر خلالها وثيقتين عثمانيتين، سبق للمسعود أن أشار إلى إحداهما في رسالة للدكتوراه، ويعد نشر صابان أول نشر لهذه الوثائق بنصوصها العثمانية، مع ترجمتها إلى اللغة العربية، ولكن سقط من الوثيقة الثانية قرابة أربعة أسطر ـ أثناء النشر ـ وهذا أخلّ بالمعنى العام للوثيقة، واعتماداً على ما نشره عبد الغني، من ملخصات للوثائق المصرية، فقد أعد قاسم بن خلف الرويس، مقالة بعنوان «البحث عن مصاحف وكتب الدرعية»، وعلى الرغم من عدم اطلاعه على نصوص الوثائق، فإن هذه المقالة تعد أول محاولة في نظر الباحث للإجابة عن تساؤلات الباحثين عن مصير تلك المخطوطات السعودية.
كما صدر أثناء إعداد هذا الكتاب من مكتبة الملك عبد العزيز العامة بالرياض كتاب بعنوان «مكتبة الإمام عبد الله بن سعود» وهذا الكتاب هو نشر للوثيقة محل الدراسة، وقد وقع الناشر في أخطاء كبيرة، لعل من أهمها عنوان الكتاب ونسبة جميع الكتب لمكتبة الإمام عبد الله بن سعود، والخطأ في رقم تصنيف الوثيقة بالأرشيف العثماني، وعدم التدقيق في قراءة الوثيقة ونقلها، وهذا أوجد فرقاً بين النص الأصلي والمفرغ، وذكر أن الوثيقة ترجمة من اللغة العثمانية، مع أن معظمها مكتوب باللغة العربية، والمطلع على هذا العمل، يرى أن فيه عجلة وتسرعاً في طبعه ونشره، ومن خلال دراستي لهذه الوثيقة واطلاعي المباشر على مخطوطاتها الباقية لم أجد فيها أي تملك للإمام عبد الله بن سعود، كما أن معظم أصحاب هذه الكتب هم من علماء نجد والأحساء.
وسلط الباحث العنقري، الضوء على المصادر المتنوعة في الدولة السعودية، موضحاً أنه من خلال المصادر التي عُنيت بتاريخ الدولة السعودية الأولى، نجد أخباراً عن المناطق التي جلبت منها المصادر إلى الدولة السعودية، ومنها الأخبار التي أوردها الشوكاني، ولطف الله جحاف، والجبرتي، وبوركهارت وغيرهم، عن حرص السعوديين على التزود من مناطق الحجاز واليمن والشام والعراق ومصر، لكن هذه المصادر لا تفصح إلا نادراً عن أسماء الكتب التي اقتناها السعوديون من هذه المناطق؛ ولهذا فإن مجموعتي إبراهيم باشا، وحسين بك، تفيدنا في معرفة المناطق التي جلبت منها هذه المخطوطات، وتساعدنا على استكمال معرفة التواصل الثقافي والاقتصادي بين الدولة السعودية الأولى والمناطق المجاورة لها.
وأوضحت الدراسة التي جاءت في كتاب من الحجم الكبير غطى 560 صفحة، أن الدولة السعودية الأولى بعد قيامها حتى سقوطها على يد قوات إبراهيم باشا في عام 1818م سعت إلى نشر العلم والتعليم والإسهام فيه والسعي في تعميمه على عامة الناس، وأسهم هذا في تنمية الحياة العلمية وزيادتها مقارنة بالفترة السابقة للدعوة؛ ولذا انتشرت المخطوطات ونسخها واستكتابها وبيعها وشراؤها في المنطقة بشكل كبير وملحوظ، كما أفادت الدولة من السفارات المرسلة من قبلها في جلب المخطوطات وشرائها إلى المنطقة، كما أسهم هذا التبادل العلمي بين الدرعية وصنعاء، وكان من نتيجة شراء المخطوطات من صنعاء وجلبها إلى الدرعية، وغيرها من المدن والقرى التابعة للدولة السعودية الأولى؛ ونتيجة لازدياد المخطوطات في المنطقة، فقد رأى علماء نجد بيع بعض المخطوطات المتوافرة لديهم في صنعاء عن طريق الرسل، الذين أرسلتهم الدولة السعودية الأولى إلى إمام اليمن، وقد كان ذلك سبباً من أسباب انتقال المخطوطات السعودية.
ولكن أثّر في هذه النهضة إرسال الدولة العثمانية حملاتها العسكرية لمواجهة الدولة السعودية، حيث أدى ذلك إلى سقوط الدرعية، وإلى حصول فراغ سياسي وعلمي تمثل بنقل أفراد من أسرة آل سعود وبعض علماء نجد وطلبة العلم إلى مصر، وقد أثر هذا النقل في مكتباتهم؛ إذ اشترى بعض التجار بقايا مكتبات آل سعود وبعض علماء نجد ونقلوها إلى خارج المنطقة، أو اشترى بعض علماء نجد مكتبات آل الشيخ الذين نقلتهم الدولة العثمانية إلى مصر، كما اضطر بعض علماء نجد إلى أخذ بعض بقايا مكتباتهم معهم عند نقلهم إلى مصر.
وقد أثرت الحروب العثمانية في المنطقة بشكل كبير؛ إذ أدت هذه الحملات إلى فقد مجموعة كبيرة من المخطوطات والكتب، وهذا الفقد كان له أسباب عدة، منها أثر الحروب في إتلاف المكتبات وتدميرها، إضافة إلى إحراق القوات العثمانية مجموعات من المخطوطات والمكتبات، منها مكتبة الشيخ عبد العزيز بن سليمان بن عبد الوهاب، وغيره من علماء الدعوة.
كما أسهمت هذه الحروب في مصادرة المخطوطات السعودية، ونقلها إلى المدينة المنورة، وقسمت إلى مجموعتين رئيستين، هما مجموعة إبراهيم باشا، ومجموعة حسين بك، ولم تكتف هذه القوات بما فعلت، بل نقل بعض أفرادها المخطوطات السعودية دون علم قادتهم وباعوها في أسواق المدينة المنورة.
وعلى الرغم مما جرى في المنطقة من تدمير وتهجير ومصادرة، فإن الملحوظ هو احتفاظ بعض الأسر العلمية بالمخطوطات وبقاؤها إلى اليوم، ولا تزال المكتبات العامة والخاصة تحتفظ بنماذج عدة لذلك، كما أن بعض العلماء نقل بمبادرة شخصية منه مكتبته الخاصة معه أثناء مغادرته المنطقة السكنية في مناطق أخرى، وأدى هذا إلى انتقال مجموعات عدة من المخطوطات إلى خارج المنطقة.
ولهذا؛ فإن السلطات العثمانية بعد محاصرتها الدولة السعودية الأولى، وتنظيم الحملات العسكرية ضدها تفاجأت بعد سقوط الدولة السعودية الأولى، بحجم المخطوطات المتوافرة لدى السعوديين وكميتها؛ ولذا أصدرت أوامرها لقادة جيشها بجمع كل ما لدى السعوديين، وقد كان هذا ديدن كل حملة من الحملات العثمانية، التي أرسلت إلى المنطقة، حيث جمعت هذه القوات كل ما أمكن لها جمعه من المخطوطات، وما لم تتمكن من أخذه أحرقته قبيل مغادرتها؛ ولذا نقلت المخطوطات التي جمعت إلى محافظة المدينة المنورة، ووضعت في عهدة المسؤولين العثمانيين فيها، وبعد مراسلات عدة جرت بين محمد علي باشا والمسؤولين العثمانيين بإسطنبول، صدرت أوامر السلطان محمود الثاني بحفظها في مكتبة المدرسة، التي أنشأها بالمدينة المنورة، ويبدو أن فكرة تأسيسها لم تخطر في بال السلطات العثمانية، إلا بعد حصولها على هذه الكمية الوافرة من المخطوطات، وقد أدى هذا إلى إغناء مكتبة المدرسة المحمودية بمخطوطات عدة، يعد بعضها من أندر المخطوطات في العالم.
وحاولت الدراسة بقدر ما توافر لها من معلومات متنوعة الإجابة عن مصير المخطوطات السعودية في الوصول إلى عوامل وأسباب عدة لانتقال المخطوطات السعودية، وهي لا شك ليست كل الأسباب، وإنما هي محاولة لمعرفة هذه الأسباب، ويمكن من خلالها التوصل إلى نقطة مهمة، وهي أن المخطوطات والكتب لا تنشر إلا في بيئة مستقرة سياسياً وعلمياً واجتماعياً؛ ولذا فإن قيام الدولة السعودية الأولى كان سببا رئيسيا في انتشار المخطوطات وتداولها بشكل كبير، حتى وإن كانت هذه الكتب أو المخطوطات ذات اتجاه مخالف لاتجاه الدولة ومعتقدها، فقد وجدت ضمن وقفيات الإمام عبد العزيز بن محمد، كتب تصنّف على أنها مخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة لدى المذاهب الأربعة جميعها، ولم يجد الإمام عبد العزيز حرجاً في ذلك، بل إن علماء الدعوة الإصلاحية نصّوا على أنهم ليسوا معنيين بالتفتيش على الكتب - ولا يؤيدون إتلافها أو إحراقها، وقد نص على ذلك بشكل واضح الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، في رسالته المشهورة، التي كتبها عندما دخل الإمام سعود بن عبد العزيز مكة المكرمة؛ ولهذا فقد تداول علماء الدعوة كتباً تخالف عقيدة أهل السنة والجماعة في قضايا الأسماء والصفات، أو تنتهج منهج بعض المذاهب المنحرفة، وهي دلالة على سعة أفق علماء الدعوة بعكس ما صوروا به.
وتشدد الدراسة على أن استكمال حلقات هذه السلسلة سيوضح الصورة الحقيقية للواقع العلمي والثقافي في الدولة السعودية الأولى، والدولة السعودية الثانية، وستبرز هذه الصورة بشكل يجلي الصورة التقليدية أو النمطية عن الأحوال العلمية والثقافية في الدولتين، ويبرز هذه الأحوال بشكل موثق من خلال الشواهد التاريخية المعتمدة بشكل رئيسي على الوثائق والمخطوطات.



إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية
TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي