«صرعة» عالمية للتخلص من الأصول الروسية

TT

«صرعة» عالمية للتخلص من الأصول الروسية

انطلقت الاثنين، مع بدء تعاملات الأسبوع بالأسواق العالمية، صرعة تخلص من الأصول الروسية بمختلف أنواعها، فيما تستعر حملة إجراءات دولية متصاعدة ضد موسكو في إطار حملتها العسكرية على أوكرانيا.
وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية أن الولايات المتحدة حظرت الاثنين، بمفعول فوري أي تعامل مع البنك المركزي الروسي، في عقوبات غير مسبوقة بشدتها بالتنسيق مع عدد من حلفاء واشنطن، وذلك رداً على الغزو الروسي لأوكرانيا.
كما تسرع الحكومة البريطانية خططها للتعامل مع «أموال قذرة» وكشف أباطرة أجانب يغسلون ثرواتهم من خلال سوق العقارات بالبلاد في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا. وذكرت وكالة الأنباء البريطانية (بي إيه ميديا) أنه بعد حزمة العقوبات التي أعلن عنها رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون الأسبوع الماضي، سوف يعرض الوزراء اليوم (الثلاثاء)، مشروع قانون الجرائم الاقتصادية (الشفافية والإنفاذ) - الذي كان متوقعاً قبل ذلك أن يتم عرضه في وقت لاحق من الدورة البرلمانية.
كما قالت بريطانيا الاثنين، إنها بصدد اتخاذ مزيد من الإجراءات ضد روسيا، بالتنسيق مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لمنع أي كيانات بريطانية من إجراء معاملات مع البنك المركزي ووزارة المالية وصندوق الثروة الوطني في روسيا.
وتتضمن العقوبات الجديدة أيضاً فرض قيود جديدة على المؤسسات المالية الروسية وإجراءات لمنع الشركات الروسية من إصدار أوراق مالية قابلة للتحويل وغيرها من أدوات سوق المال في المملكة المتحدة. وقالت بريطانيا إن لديها «سلطة منع البنوك المدرجة من الحصول على الجنيه الإسترليني وتسوية المدفوعات من خلال المملكة المتحدة». كما ذكرت صحيفة «الغارديان» مساء الأحد، أن الحكومة البريطانية تبحث منع السفن الروسية من استخدام الموانئ البريطانية، بعد اتضاح أن ناقلة نفط مملوكة لروسيا من المقرر أن ترسو في ميناء أوركني هذا الأسبوع.
«بي بي» تنسحب من «روسنفت»
وفي نطاق المؤسسات، أعلنت مجموعة «بي بي» النفطية البريطانية الأحد، انسحابها من رأس مال شركة «روسنفت» الروسية العملاقة والبالغة حصتها فيها 19.75 بالمائة إثر الغزو الروسي لأوكرانيا. وأوضحت المجموعة أن مديرها العام برنارد لوني سيستقيل من مجلس إدارة «روسنفت» بـ«مفعول فوري». وأضافت أن المسؤول في المجموعة ورئيسها التنفيذي السابق بوب دودلي سيستقيل أيضاً. وقال رئيس مجلس إدارة «بي بي» هيلغ لوند إن «هجوم روسيا على أوكرانيا عمل عدواني له عواقب مأساوية في جميع أنحاء المنطقة».
وأورد البيان: «تعمل بريتيش بتروليوم في روسيا منذ أكثر من 30 عاماً... ولكن هذا العمل العسكري يمثل تغييراً جوهرياً دفع مجلس إدارة شركة بريتيش بتروليوم إلى الاستنتاج، بعد مراجعة معمّقة، أن مشاركتنا في شركة روسنفت المملوكة للدولة، لا يمكن ببساطة أن تستمر».
وقال برنارد لوني إنه «يشعر بصدمة وحزن عميقين للوضع في أوكرانيا». ونقل عنه البيان أنه «مقتنع بأن القرارات التي اتخذناها كمجلس إدارة ليست فقط، الأمر الصائب الذي يجب القيام به، ولكنها أيضاً تخدم مصلحة بي بي على المدى الطويل».
كما أعلنت شركة «بريتش بتروليوم» أنها تنسحب من أنشطتها المشتركة الأخرى مع «روسنفت» في روسيا. ورحب وزير قطاع الأعمال البريطاني كواسي كوارتنغ عبر «تويتر» بفك الارتباط، قائلاً إن «الغزو غير المبرر لأوكرانيا يجب أن يكون بمثابة نداء يقظة للشركات البريطانية التي لها مصالح تجارية في روسيا». وقدرت حصة «بي بي» في «روسنفت» بنحو 14 مليار دولار في نهاية عام 2021.
من جهتها، قالت المحللة بشركة «هارغريفز لانسداون» سوزانا ستريتر في مذكرة، إن «قرار الانسحاب من روسنفت سيكون مكلفاً للغاية لشركة بي بي، لكن من الواضح أن مجلس الإدارة شعر تحت وقع الصدمة أنه ليس أمامه خيار سوى دفع ثمن باهظ وإبعاد أنشطته عن العدوان الروسي».
وإلى جانب بريطانيا، قال الرئيس السويسري إغنازيو كاسيس يوم الأحد، إن من «المحتمل جداً» أن تحذو سويسرا حذو الاتحاد الأوروبي في معاقبة روسيا وتجميد الأصول الروسية في الدولة الواقعة بجبال الألب. وأضاف أن المجلس الاتحادي (الحكومة) المؤلف من سبعة أعضاء سيجتمع الاثنين، لمراجعة توصيات وزارتي المالية والاقتصاد.
النأي عن المشاكل
وإثر هذه القرارات والاجراءات المتصاعدة، أعلنت شركة الخدمات المالية اليابانية نومورا هولدنغز وقف تلقي أوامر بيع أو شراء في الوقت الراهن لأربعة من صناديق الاستثمار التابعة لها التي تحتوي على أصول مرتبطة بروسيا. ونقلت وكالة «بلومبرغ» عن موقع شركة نومورا سيكيوريتز لتداول الأوراق المالية على الإنترنت، القول إن قرار تعليق التداول دخل حيز التنفيذ بدءاً من يوم الاثنين. وأضافت الشركة أنها ستلغي أي أوامر بيع أو شراء بتاريخ 28 فبراير (شباط) إذا كانت مرتبطة بهذه الصناديق.
يذكر أن صندوقين من الصناديق الأربعة يحتويان على سندات مقومة بالروبل الروسي، أما الصندوقان الآخران فيحتويان على أسهم لشركات روسية. كما أعلنت شركة ميزوهو سيكيوريتز اليابانية للوساطة المالية تعليق تلقي طلبات شراء أو بيع تتعلق بصندوق استثمار تابع لها ويحتوي على أسهم روسية أو أوراق مالية مرتبطة بالروبل الروسي.
وبدورها، أعلنت الحكومة النرويجية في أوسلو مساء الأحد، اعتزامها سحب استثمارات صندوق التقاعد الحكومي النرويجي من روسيا.

وقال وزير مالية النرويج، تريجف سلاغسفولد فيدوم: «بالنظر إلى الشكل الذي تطور به الموقف، نعتقد أن من الضروري لصندوق التقاعد (الحكومي النرويجي) الانسحاب من روسيا».
وبحسب تقرير لمحطة «إن آر كيه» الإذاعية العامة في النرويج، استثمر صندوق التقاعد النرويجي (صندوق الثروة السيادية) نحو 25 مليار كرون (2.8 مليار دولار) في روسيا منذ بداية العام.
وأوضح الوزير فيدوم أنه أصدر تعليمات للبنك المركزي النرويجي بالوقف الفوري لأي استثمارات في روسيا، وسحب الاستثمارات القائمة من البلاد. ويشار إلى أن صندوق التقاعد الحكومي النرويجي هو واحد من أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم. ويقوم الصندوق باستثمار عائدات البلاد من النفط والغاز لتحقيق أرباح من أجل أجيال المستقبل.
وبالإضافة إلى سحب الاستثمارات من روسيا، تقول الحكومة النرويجية إنها تريد الانضمام إلى العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على موسكو، وكذلك تقديم الدعم المالي من أجل توفير مساعدات إنسانية ومعدات حماية عسكرية لأوكرانيا. والنرويج ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي، ولها حدود مع روسيا.
البنك الدولي على خط الأزمة
وفي غضون ذلك، دعا مجلس أوروبا الذي علق مشاركة موسكو في أبرز هيئاته بعد غزو القوات الروسية لأوكرانيا، دوله الأعضاء الأحد، إلى «التضامن» المالي من أجل تعويض أي خسائر محتملة في التمويل إذا أوقفت موسكو سداد مستحقاتها.
وبدوره، قال رئيس البنك الدولي ديفيد مالباس يوم الأحد، إن قادة المال في دول مجموع السبع سيعقدون اجتماعاً عبر الفيديو يوم الثلاثاء، لمناقشة الصراع في أوكرانيا وخيارات المساعدة المحتملة لهذا البلد.
كما أبلغ مصدر مطلع على جدول الاجتماع «رويترز» بأن وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية سيناقشون العقوبات المالية الأحدث على البنك المركزي الروسي وعزل البنوك التجارية الروسية الرئيسية عن نظام سويفت للمعاملات المالية.
وقال مالباس لشبكة (سي بي إس) إن وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية بمجموعة السبع «بإمكانهم اتخاذ كثير من القرارات المتعلقة بحجم المساعدات التي يمكن تقديمها لأوكرانيا».
شظايا في قلب بيلاروس
ولا يقتصر الأمر على روسيا، إذ أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين الأحد، أن الاتحاد الأوروبي قرر فرض عقوبات جديدة على بيلاروس عبر حظر صادرات «القطاعات الاقتصادية الأكثر أهمية» لنظام مينسك، «المتواطئ» في الغزو الروسي لأوكرانيا. وأوضحت أن هذه التدابير تشمل قطاعات المحروقات والتبغ والإسمنت والحديد والفولاذ.
وتستهدف العقوبات أيضاً المسؤولين البيلاروسيين «الذين ساعدوا روسيا» في هجومها على أوكرانيا. وتخضع بيلاروس لعقوبات سابقة من الاتحاد الأوروبي بسبب قمع المعارضة وإجبار طائرة أوروبية على الهبوط في أراضيها في يونيو (حزيران) 2021 لتوقيف معارض بيلاروسي على متنها، والسماح بتدفق مهاجرين من الشرق الأوسط عبر حدودها المشتركة مع التكتّل بشكل مدبّر، على ما يقول الأوروبيون.
والإجراءات التي أعلنت الأحد، هي الرزمة السادسة من عقوبات بروكسل ضد الجمهورية السوفياتية السابقة المتحالفة مع فلاديمير بوتين، وتشمل 183 مسؤولاً، بينهم الرئيس ألكسندر لوكاشنكو و26 شركة أو كياناً جمدت أصولهم وحُظر دخولهم إلى الاتحاد الأوروبي.



ترمب و«المحكمة العليا» يضعان التجارة العالمية في نفق غامض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)
TT

ترمب و«المحكمة العليا» يضعان التجارة العالمية في نفق غامض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)

دخلت التجارة العالمية نفقاً جديداً من الغموض، بعد أن أحدث حكم المحكمة العليا الأميركية بطلاناً في هيكلية الرسوم الجمركية، ما فجّر ردود فعل متلاحقة بدأت بتلويح بتجميد أوروبي للمسار التشريعي مع واشنطن، ولم تنتهِ بتهديدات «انتقامية» من الرئيس دونالد ترمب. فبينما أعلن البرلمان الأوروبي رسمياً وضع اتفاق التجارة الرئيسي «على الجليد» بانتظار وضوح الرؤية، شن ترمب هجوماً لاذعاً على القضاء الأميركي، عادّاً أن الحكم منحه «عن غير قصد» أنياباً أقسى لاستخدام سلاح التراخيص ضد الدول التي «تنهب» أميركا، وفي مقدمتها الصين التي سارعت إلى إعلان «تقييم شامل» للمشهد، محذرة من أن «الحمائية طريق مسدود».

وكانت المحكمة العليا الأميركية أعادت خلط أوراق التجارة العالمية، بعد أن أبطلت بأغلبية 6 أصوات مقابل 3 جزءاً كبيراً من الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب استناداً إلى قانون عام 1977. والقرار، الذي صدر يوم الجمعة، لم يكن مجرد انتصار قانوني لخصوم الإدارة، بل محطة فاصلة في مسار السياسات التجارية الأميركية، مع ما يحمله من تداعيات مباشرة على شركاء واشنطن وأسواق المال العالمية.

وبعد ساعات فقط من الحكم، سارع ترمب إلى الإعلان عن تعريفة جمركية عالمية بديلة بنسبة 10 في المائة، قبل أن يرفعها إلى 15 في المائة، مستخدماً أساساً قانونياً مختلفاً، على أن تدخل حيز التنفيذ لمدة 150 يوماً مع استثناءات محدودة.

وشنّ ترمب هجوماً لاذعاً وغير مسبوق على المحكمة العليا الأميركية، واصفاً قرارها بأنه «غبي ومثير للانقسام دولياً». وفي تصريحات حادة عبر منصته للتواصل الاجتماعي «تروث سوشيال»، أشار إلى أن الحكم القضائي يفتح له الباب لاستخدام «نظام التراخيص» بوصفه أداة للقيام بأمور وصفها بـ«الفظيعة» ضد الدول التي اتهمها بـ«نهب» الولايات المتحدة لعقود. وسخر ترمب مما وصفه بتناقض المحكمة، قائلاً: «بموجب القرار، يمكنني استخدام التراخيص لمعاقبة تلك الدول، ولكن لا يمكنني تحصيل رسوم عليها... الجميع يعلم أن الهدف من الترخيص هو الرسوم! المحكمة لم تشرح ذلك، لكني أعرف الإجابة».

وأكد ترمب أن المحكمة، عبر تثبيتها أنواعاً أخرى كثيرة من التعريفات الجمركية، أعطته الضوء الأخضر لاستخدامها بطريقة «أكثر عدوانية وإزعاجاً» وبحماية قانونية كاملة هذه المرة. ولم يكتفِ بالجانب التجاري، بل هاجم المحكمة استباقاً لقرارات محتملة بشأن «حق المواطنة بالولادة» (التعديل الـ14)، متهماً إياها بالتمهيد لقرارات تخدم مصالح الصين ودول أخرى تجني ثروات من هذا القانون.

واختتم ترمب هجومه بمطالبة القضاة بـ«الخجل من أنفسهم» (باستثناء الثلاثة العظماء كما وصفهم)، متهماً إياهم باتخاذ قرارات ضارة بمستقبل الأمة الأميركية، ومؤكداً إصراره على المضي قدماً في مهامه تحت شعار «لنعد أميركا عظيمة مجدداً».

بروكسل تلوح بتعليق خطط المصادقة

في هذا الوقت، اتخذ التصعيد في بروكسل بعداً مؤسسياً حاسماً؛ حيث أعلن نواب البرلمان الأوروبي نيتهم تعليق خطط المصادقة على الاتفاق التجاري الذي تم التوصل إليه العام الماضي. وأكد رئيس لجنة التجارة، بيرند لانغه، مدعوماً من أكبر الكتل البرلمانية، ضرورة وقف العمل التشريعي مؤقتاً، واصفاً مستوى التخبط في السياسة التجارية الأميركية بأنه «غير جاد».

وجاء هذا الموقف ليعكس مخاوف القارة العجوز من الانزلاق إلى دوامة جمركية جديدة بعد تحويل ترمب الرسوم المُلغاة إلى تعريفة موحدة بنسبة 15 في المائة.

وكانت لجنة التجارة في البرلمان تستعد لمنح الضوء الأخضر لإزالة الرسوم على السلع الصناعية الأميركية ضمن الاتفاق، غير أن نواباً من كتل سياسية مختلفة أبدوا دعمهم لتجميد المسار التشريعي إلى حين اتضاح تداعيات الحكم الأميركي على الترتيبات الجمركية مع الاتحاد الأوروبي. ودعا رئيس لجنة التجارة، بيرند لانغه، إلى تعليق العمل التشريعي مؤقتاً، وهو ما حظي بدعم حزب «الشعب» الأوروبي، أكبر الكتل البرلمانية، إلى جانب مجموعات أخرى.

وأكدت النائبة عن حزب «الشعب» الأوروبي، زيليانا زوفكو، ضرورة انتظار توضيحات من المفوضية الأوروبية بعد مشاوراتها مع واشنطن بشأن الشروط الجديدة، وتحديد «الخيار الأفضل لمواصلة المسار». كما شددت النائبة عن حزب «الخضر»، آنا كافازيني، على أن التصويت لا يمكن أن يمضي قدماً قبل توافر رؤية واضحة.

ومن جهتها، قالت النائبة عن مجموعة «رينيو» الليبرالية، كارين كارلسرو، إن البرلمان «لن يتمكن من التصويت على اتفاق تورنبيري قبل الحصول على وضوح كامل بشأن تأثير حكم المحكمة العليا على الترتيبات الجمركية»، مضيفة أن «الولايات المتحدة يجب أن ترتب سياستها التجارية، فهذا المستوى من الفوضى غير جاد».

متابعات أوروبية

وفي ألمانيا، أكبر اقتصاد أوروبي، عبّرت الأوساط الصناعية عن قلق كبير من استمرار حالة الضبابية، عادّة أن تقلب القرارات الجمركية الأميركية يضع الشركات أمام تحديات في التخطيط طويل الأمد، خصوصاً في قطاعات السيارات والآلات والصناعات الكيماوية. ودعت برلين إلى حوار عاجل مع واشنطن يضمن وضوح القواعد ويحافظ على تنافسية الصادرات الألمانية، في وقت تعتمد فيه قطاعات واسعة من الصناعة على السوق الأميركية بوصفها شريكاً استراتيجياً رئيسياً.

أما سويسرا، ورغم بقائها خارج الاتحاد الأوروبي، فإنها تتابع التطورات عن كثب نظراً لارتباط اقتصادها التصديري الوثيق بالأسواق الأميركية والأوروبية. فيما أعلنت الحكومة السويسرية أنها لا تزال تعتزم التوسط في إبرام اتفاقية ملزمة قانوناً من خلال المحادثات الجارية مع الولايات المتحدة، التي تهدف إلى وضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية مبدئية تم التوصل إليها في أواخر عام 2025، والتي خفضت الرسوم الجمركية الأميركية على سويسرا من 39 في المائة إلى 15 في المائة.

وفي باريس وروما ولاهاي، تكررت الدعوات إلى الحفاظ على نظام تجاري قائم على قواعد واضحة يمكن التنبؤ بها، وسط تخوف من أن يؤدي تعدد المسارات القانونية الأميركية إلى إطالة أمد عدم اليقين. ويجمع الموقف الأوروبي، في مجمله، على أن الشراكة عبر الأطلسي تظل ركيزة أساسية للاقتصاد العالمي، غير أن استدامتها تتطلب التزاماً متبادلاً بالاتفاقات، وتجنب الإجراءات الأحادية التي قد تعيد إشعال توترات تجارية في مرحلة لا يزال فيها الاقتصاد العالمي يسعى إلى ترسيخ تعافٍ هش.

الصين تقيّم الوضع

وفي بكين، أعلنت وزارة التجارة أنها تجري «تقييماً شاملاً» للحكم، داعية واشنطن إلى إلغاء جميع الإجراءات الجمركية الأحادية. وأكدت أن «الرسوم الأحادية تنتهك قواعد التجارة الدولية والقانون المحلي الأميركي، ولا تخدم مصالح أي طرف»، محذرة من أن «الحمائية طريق مسدود». كما أبدت قلقها من احتمال لجوء الإدارة الأميركية إلى «وسائل بديلة» مثل التحقيقات التجارية القطاعية للإبقاء على مستويات مرتفعة من الرسوم، متعهدة بحماية مصالحها بحزم.

رابحون وخاسرون

واللافت أن الصين والهند برزتا في طليعة الرابحين من هذا التحول. فالهند، التي كانت تواجه رسوماً بلغت ذروتها عند 50 في المائة قبل أن تنخفض إلى 25 في المائة ثم إلى 18 في المائة بموجب تفاهمات ثنائية، وجدت نفسها بعد قرار المحكمة أمام معدل 10 في المائة، قبل أن يستقر عند 15 في المائة، وهو مستوى يظل أدنى من السيناريوهات السابقة. أما الصين، فقد توقع اقتصاديون انخفاض متوسط الرسوم الفعلية عليها من 32 في المائة إلى 24 في المائة، مع إلغاء بعض الرسوم الإضافية التي كانت قد فُرضت تحت مبررات أمنية وصحية، ما يمنح صادراتها متنفساً مهماً في السوق الأميركية.

وفي المقابل، برزت بريطانيا بوصفها الخاسر الأكبر من توحيد الرسوم عند 15 في المائة. إذ كانت تستفيد من معدل تفضيلي عند 10 في المائة، قبل أن يؤدي النظام الجديد إلى رفع التكلفة على صادراتها بشكل مفاجئ. وتشير تقديرات إلى أن الزيادة قد تكلف قطاع الصادرات البريطاني نحو 4 مليارات دولار، مع تأثر عشرات الآلاف من الشركات. وتسعى لندن حالياً إلى انتزاع استثناء أو معاملة خاصة، في ظل إدراكها لحساسية المرحلة بالنسبة لاقتصادها.

أما أوروبا وأستراليا فلم تكونا بعيدتين عن دائرة التأثير. فقد واجهت دول مثل إيطاليا وسنغافورة زيادات مماثلة، بينما لوّح الاتحاد الأوروبي بإعادة النظر في مسارات تفاوضية قائمة إذا لم تتضح الرؤية القانونية للسياسة الجمركية الأميركية. وفي سيول، حذّر وزير التجارة الكوري الجنوبي من أن استمرار حالة عدم اليقين قد يفاقم الضغوط على قطاعات حيوية مثل السيارات والصلب، داعياً إلى تنسيق وثيق بين القطاعين العام والخاص لتعزيز القدرة التنافسية وتنويع الأسواق.

مساعٍ للطمأنة

ومن الجانب الأميركي، حاولت الإدارة طمأنة الشركاء. فقد أكد الممثل التجاري جيمسون غرير أن الاتفاقيات القائمة لا ترتبط بارتفاع أو انخفاض الرسوم، بل بالتزامات متبادلة ينبغي احترامها. بدوره، شدّد وزير الخزانة سكوت بيسنت على أن عائدات الرسوم ستظل مستقرة، وأن الحكومة ستلتزم بأحكام القضاء فيما يخص أي استردادات محتملة للرسوم التي جُمعت سابقاً، وهو ملف قد يفتح الباب أمام مطالبات ضخمة تُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات.

وعملياً، أعلنت وكالة الجمارك وحماية الحدود الأميركية وقف تحصيل الرسوم التي أُبطلت، وتعطيل الرموز المرتبطة بها، ما يعكس امتثالاً فورياً للحكم. غير أن الأسئلة تبقى مفتوحة حول قدرة الإدارة على الالتفاف عبر أدوات قانونية أخرى، مثل توسيع التحقيقات بموجب قوانين التجارة أو الأمن القومي، وهو ما تراقبه بكين وشركاء واشنطن عن كثب.

الأسواق المالية تعاملت مع التطورات بحذر. فقد تراجعت العقود الآجلة لمؤشري «ستاندرد آند بورز 500» و«داو جونز» بنسب طفيفة، وانخفضت أسعار النفط، بينما ضعف الدولار أمام الين واليورو. وفي المقابل، صعد مؤشر «هانغ سينغ» في هونغ كونغ بنسبة لافتة، في إشارة إلى تفاؤل نسبي في بعض الأسواق الآسيوية بإعادة ضبط قواعد اللعبة التجارية.

وسياسياً، يأتي هذا السجال قبل أسابيع من زيارة مرتقبة لترمب إلى الصين، يُفترض أن تشكل محطة مفصلية في إدارة العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم. ورغم تأكيدات واشنطن أن اللقاء ليس موجهاً للتصعيد، فإن التهديد بفرض رسوم مستقبلية على قطاعات استراتيجية مثل أشباه الموصلات يضفي على المشهد قدراً إضافياً من التوتر.

وفي المحصلة، لم ينهِ حكم المحكمة العليا الحرب التجارية، بل نقلها إلى مرحلة جديدة عنوانها الصراع بين السلطة التنفيذية والقيود القانونية، وبين نزعات الحمائية ومتطلبات الاستقرار الاقتصادي العالمي. وبينما يسعى بعض الشركاء إلى استثمار اللحظة لتحسين شروطهم، يواجه آخرون تكلفة إعادة التموضع في نظام جمركي أكثر توحيداً وأقل تفضيلاً.


بريطانيا لا تتوقع تأثيراً لتعريفات ترمب على اتفاقيتها التجارية

قصر باكنغهام في العاصمة البريطانية (أ.ف.ب)
قصر باكنغهام في العاصمة البريطانية (أ.ف.ب)
TT

بريطانيا لا تتوقع تأثيراً لتعريفات ترمب على اتفاقيتها التجارية

قصر باكنغهام في العاصمة البريطانية (أ.ف.ب)
قصر باكنغهام في العاصمة البريطانية (أ.ف.ب)

قال المتحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الاثنين، إن بريطانيا لا تتوقع أن تؤثر التعريفة الجمركية العالمية الجديدة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بنسبة 15 في المائة على «أغلبية» بنود الاتفاق الاقتصادي بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة، والذي أُعلن عنه العام الماضي.

وأضاف المتحدث أن وزير التجارة البريطاني، بيتر كايل، تحدث مع الممثل التجاري الأميركي، جيمسون غرير، وأن الحكومة تتوقع استمرار المحادثات بين المسؤولين البريطانيين والأميركيين هذا الأسبوع.


من ساعتين إلى 30 دقيقة… «قطار القدية السريع» يختصر 75 % من زمن التنقل في الرياض

إحدى عربات قطار الرياض في العاصمة السعودية (واس)
إحدى عربات قطار الرياض في العاصمة السعودية (واس)
TT

من ساعتين إلى 30 دقيقة… «قطار القدية السريع» يختصر 75 % من زمن التنقل في الرياض

إحدى عربات قطار الرياض في العاصمة السعودية (واس)
إحدى عربات قطار الرياض في العاصمة السعودية (واس)

تشهد مدينة القدية تحولاً في مكانتها ضمن خارطة العاصمة السعودية، مع ربطها بمشاريع نقل رئيسية تصلها بمطار الملك سلمان ومركز الملك عبد الله المالي (كافد) عبر مشروع « قطار القدية السريع »، لتصبح مدة الوصول إليها نحو 30 دقيقة، من ساعتين تقريباً كوقت تقريبي عبر وسائل النقل الأخرى، ويمثل ذلك انخفاضاً في زمن التنقل بنسبة تصل إلى 75 في المائة، مع وصول سرعة القطارات التشغيلية إلى 250 كيلومتراً في الساعة، وفق لبيانات الهيئة الملكية لمدينة الرياض.

يأتي المشروع ضمن منظومة نقل أوسع تستهدف تعزيز الترابط داخل المدينة ورفع كفاءة التنقل بين المراكز الحيوية، بما يواكب النمو السكاني والتوسع العمراني غرب وجنوب غربي الرياض.

في سياق متصل، أعلنت الهيئة ترسية امتداد «المسار الأحمر» لمترو الرياض إلى الدرعية، عبر أنفاق بطول 7.1 كيلومتر ومسارات مرتفعة بطول 1.3 كيلومتر، مع إنشاء محطات في جامعة الملك سعود والدرعية، على أن تمثل المحطة الأخيرة نقطة ربط مستقبلية مع «الخط السابع» المرتقب.

إحدى مناطق مشروع القدية الترفيهي (واس)

ووفق تقديرات الهيئة، يُتوقع أن يسهم المشروع في تقليص عدد السيارات اليومية بنحو 150 ألف مركبة، مما يعزز الوصول إلى وجهات سياحية مثل «مطل البجيري» و«وادي صفار»، ويدعم التحول نحو أنماط تنقل أكثر استدامة.

المشاريع الكبرى

وقال نائب رئيس «الخليجية القابضة» بندر السعدون، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، إن مشروع الدرعية يُعد من بين أضخم مشاريع «رؤية 2030»، فيما تم الإعلان عن مشاريع نوعية في «وادي صفار»، إضافةً إلى مشاريع الأوبرا وجامع الملك سلمان.

وأوضح أن امتداد المسار الأحمر عبر طريق الملك عبد الله حتى الدرعية سيخلق طلباً عقارياً قوياً، لا سيما مع تكامل شبكة القطارات التي تبدأ من مطار الملك سلمان مروراً بـ«كافد» والدرعية والمربع الجديد.

في المقابل، أشار السعدون إلى أن عدد المشاريع المعلنة في القدية يصل إلى نحو 30 مشروعاً، مما يعزز احتمالات تشكل طفرة عقارية تدريجية في الممرات المرتبطة بالقطار، خصوصاً مع ارتباطه بمشاريع كبرى مثل «إكسبو 2030» و«المربع الجديد» و«الأفنيوز»، إضافةً إلى مطار الملك سلمان المتوقع أن يكون من أكبر مطارات العالم بحلول 2030.

الأراضي البيضاء

من جهته، ذكر المحلل العقاري خالد المبيض، لـ«الشرق الأوسط»، أن مشاريع النقل الكبرى مثل «قطار القدية السريع» لا ترفع الأسعار فقط، بل تعيد تشكيل هيكل السوق العقارية وقيم الأصول على المدى المتوسط والطويل.

وحسب المبيض، فإن التجارب التاريخية تشير إلى أن العقارات الواقعة ضمن نطاق 1 إلى 3 كيلومترات من محطات النقل تشهد ارتفاعاً في القيمة الرأسمالية، مع زيادة الطلب الاستثماري على الأراضي البيضاء وتحولها إلى مشاريع تطويرية عالية الكثافة.

وأضاف أن هناك قاعدة اقتصادية واضحة في هذا النوع من المشاريع، مفادها أن «كل دقيقة يتم اختصارها في زمن الوصول تنعكس مباشرةً على القيمة السوقية للأصول»، معتبراً أن المشروع لا يمثل مجرد محطة نقل، بل محور نمو متكامل يُنتج حوله اقتصاداً عقارياً جديداً.

الكثافة السكانية

وحول ما إذا كان الأثر سيقتصر على إعادة توزيع الطلب داخل الرياض، أم سيولّد نمواً فعلياً في حجم السوق، أبان أن الأثر سيكون مزدوجاً؛ إذ ستشهد السوق نمواً حقيقياً مدفوعاً بما وصفه بـ«الطلب المصنّع» الناتج عن مشروع القدية، الذي يُتوقع أن يستقطب 17 مليون زائر ويوفر 325 ألف فرصة عمل، إلى جانب إعادة توزيع الكثافة السكانية باتجاه غرب العاصمة والمناطق المرتبطة بالمحطات.

وفيما يتعلق بالمسار السعري، يرى المبيض أن السوق حالياً في مرحلة استباقية انعكست في ارتفاع أسعار الأراضي المحيطة بالقدية بين 30 و40 في المائة منذ 2023، متوقعاً أن يتحول النمو إلى مسار أكثر استدامة مع بدء التشغيل الفعلي، وارتباط الأسعار بالقيمة التشغيلية الناتجة عن تقليص زمن التنقل إلى 30 دقيقة بين المطار و«كافد» و«القدية».

وبشأن القطاع المرشح لقيادة المرحلة المقبلة، أبان أن العقارين السكني والسياحي مرشحان بأدوار متكاملة؛ فالسكني مدعوم بمستهدفات رفع نسبة تملك المواطنين إلى 70 في المائة، في حين يستند السياحي إلى مستهدفات استقطاب 150 مليون زائر سنوياً بحلول 2030، مرجحاً أن تكون المواقع التي تخدم الاستخدامين معاً على امتداد مسار القطار الأكثر جذباً للاستثمار.

Your Premium trial has ended