الجفاف يستمر في تهديد مواقع الحضارات القديمة

الجفاف يستمر في تهديد مواقع الحضارات القديمة
TT

الجفاف يستمر في تهديد مواقع الحضارات القديمة

الجفاف يستمر في تهديد مواقع الحضارات القديمة

في أواخر الألف الثانية قبل الميلاد، اندثرت الحضارات التي كانت تمتد من اليونان إلى مصر وبلاد الرافدين. وفي غضون بضعة عقود لم تعد حواضر الحيثيين والبابليين والميسينيين والكنعانيين قائمة، واختفت بغيابهم نُظم كاملة للكتابة والعمارة والتكنولوجيا. وفيما يربط كثيرون بين هجمات «شعوب البحر» وانهيار هذه الحضارات، تشير الدراسات إلى أن سلسلة من حالات الجفاف الشديدة استمرت لنحو 150 سنة كانت المحرك الأساسي لاندثار الحضارات في شرق البحر المتوسط. والمدهش أكثر أن الجفاف لا يزال يطارد ما تبقى من آثار هذه الحضارات.
- الجفاف «يبتلع» المناطق الأثرية
تسبب الجفاف في شرق المتوسط قبل 3200 سنة بإطلاق سلسلة من الأحداث، بدأت باقتلاع مجموعات من الناس من أراضيهم في المناطق الشمالية، وأرغمتهم على الانتقال شرقاً وجنوباً للقيام بغزوات بحثاً عن الطعام والموارد. ودفعت هذه الغزوات مجموعات بشرية أخرى لهجرة مواطنها، مما تسبب تباعاً في إشعال الاضطرابات وتعطيل النُظم الاقتصادية والتجارية الهشة في المنطقة.
وقد تكرر هذا «الحراك الإنساني» في مراحل كثيرة عبر التاريخ، بمقاييس أصغر وعلى نطاق أضيق. فعلى سبيل المثال، تسببت «قصعة الغبار» الشهيرة في الولايات المتحدة خلال ثلاثينات القرن العشرين بنزوح كبير للأُسر من أوكلاهوما وتكساس إلى كاليفورنيا. وفي العالم العربي، تُشير الدراسات إلى أن الجفاف، الذي دفع الكثير من الأسر للهجرة من أراضي الجزيرة السورية إلى المناطق الهامشية في مدن حلب ودمشق وحمص اعتباراً من سنة 2006 كان أحد أسباب فقدان سوريا لاستقرارها.
وبينما لا توجد صلة مباشرة بين الجفاف وأعمال التخريب والسطو التي طالت أماكن أثرية وتاريخية كثيرة في سوريا، مثل تدمر وحلب القديمة وبصرى وأفاميا ودورا أوروبس وإيبلا وماري وعين دارة وغيرها، لكن لا يمكن، في الوقت ذاته، إنكار أن الجفاف كان محركاً لغياب الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، الذي وفر الظروف المناسبة لمثل هذه الأعمال.
وحتى في أوقات السِلْم، تلعب المخاوف من فقدان الأمن المائي دوراً سلبياً في إعطاء المشروعية للتعدي على المناطق الأثرية. ففي منتصف ستينات القرن الماضي، أثار إنشاء السد العالي في أسوان اهتماماً غير مسبوق بحماية التراث الثقافي. وفي ذلك الحين، اعتقد كثيرون بحتمية الاختيار بين الثقافة والتنمية، أو بين المحاصيل الغذائية المزدهرة وآثار التاريخ المجيد. ولكن بفضل المبادرات الوطنية المخلصة والتعاون الدولي، أمكن نقل أحجار معبد أبو سمبل وحمايته من الغمر بمياه بحيرة ناصر، وكان من نتائج المشروع لاحقاً إطلاق اتفاقية اليونيسكو بشأن التراث العالمي.
ولكن النجاح الذي تحقق في مصر لم يحالف مواقع أثرية أخرى. ففي سوريا، تسبب إنشاء سد الفرات في نهاية الستينات ومطلع السبعينات في إغراق موقع «حبوبة كبيرة» الذي يعود لفترة أوروك في منتصف الألف الرابعة قبل الميلاد. وتتميز مستعمرة «حبوبة كبيرة» بمرافقها العامة، لا سيما الطرقات المرصوفة وأنظمة أنابيب الصرف الصحي والمطري، التي تعد من بين الأقدم في العالم، إن لم تكن أقدمها. كما ألحق الغمر خلف السد أضراراً بموقع مملكة إيمار، التي يعود تاريخها إلى منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، واكتُشفت سنة 1972 في إطار حملة الإنقاذ الدولية لآثار حوض الفرات برعاية اليونيسكو.
وعلى الضفة الغربية لنهر دجلة، بالقرب من مدينة الشرقاط العراقية، تتعرض مدينة آشور الأثرية لتعديات متكررة بسبب غياب الاستقرار والجهل بأهميتها. ومع اتساع الجفاف في المنطقة، أعلنت الحكومة العراقية في 2002 عن خطة لبناء سد في ناحية مكحول على بعد نحو 40 كيلومتراً جنوباً، مما جعل اليونيسكو تصنف مدينة آشور على أنها موقع تراث عالمي معرض للخطر.
توقف المشروع بسبب الحرب العراقية سنة 2003، ولكن بسبب المخاوف من نقص المياه في المنطقة أعادت الحكومة العراقية إحياءه، ووضعت حجر الأساس له في أبريل (نيسان) الماضي. ومع بدء أعمال الحفر والبناء، يخشى كثيرون من تعريض أكثر من 200 موقع أثري بالقرب من الشرقاط لخطر الغمر بمياه السد في منطقة مكحول.
- نُظم مائية تاريخية عرضة للاندثار
قبل 100 ألف عام، كانت شبه الجزيرة العربية تلتقي الصفيحة الأوراسية بأرض غنية بالأنهار، سواء تلك الآتية من الشمال مثل نهري الفرات ودجلة أو تلك القادمة من الشرق مثل نهر كارون. ومع تغير المناخ الطبيعي، طغى المحيط الهندي على هذه الأرض، فتشكل الخليج قبل 8000 سنة، وكانت حدوده أوسع حيث لم يكن شط العرب قد تشكل بعد، ثم أخذت مياه الخليج بالتراجع تدريجياً.
وطرأ الجفاف على وسط شبه الجزيرة العربية نتيجة لتقلبات جيولوجية حدثت في الألف الثالثة قبل الميلاد. وارتبط هذا الجفاف بانحسار المياه عن أطراف شبه الجزيرة العربية، مما أدى إلى تناقص الرطوبة التي تحملها الرياح الغربية التي تهب على أرضها. وتسبب الجفاف الناشئ بموجات هجرة بشرية جديدة باتجاه الشمال والشرق. ويبدو أن مياه الخليج، التي انحسرت عن الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية، وتفجر الينابيع العذبة في هذه المنطقة، وفر الظروف المناسبة لقيام حضارات مهمة، أشهرها حضارة دلمون في جزر البحرين المعاصرة.
على أن وفرة المياه والخصوبة الزراعية، التي كانت السبب المباشر في نشأة حضارة دلمون، كانت السبب أيضاً في انهيارها، إذ اجتذبت أنظار الآشوريين والكلدانيين واستتبعت سيطرتهم عليها لاحقاً. ومع تغير طرق التجارة واستمرار انحسار مياه الخليج، تراجعت أهمية دلمون إلى أن أُهملت تماماً في القرن السادس قبل الميلاد.
وحتى وقت قريب، كان أهل البحرين يعتمدون بشكل كبير على الينابيع التاريخية، مثل عين عذاري وعين قصاري وعين أم السجور وعين أم شعوم، لتأمين مياه الشرب وري الأراضي الزراعية. كما ابتكر البحرينيون منذ مئات السنين أسلوباً خاصاً بهم في حفر القنوات من أجل الاستفادة من العيون في المناطق البعيدة، بشق أخاديد متحدرة تحافظ على سرعة تدفق المياه وغزارتها.
وبسبب الإفراط في استنزاف المياه الجوفية وتملحها، تعتمد البحرين حالياً على تحلية مياه البحر لتأمين نحو 60 في المائة من إجمالي احتياجاتها المائية. وتقترن هذه التقنية بالتكاليف المالية العالية، التي تتطلب الدعم الحكومي، كما تستنزف قدراً كبيراً من الطاقة، مما يؤدي إلى تراجع موارد البلاد من الغاز الطبيعي الذي تستخدمه محطات التحلية.
وفي عُمان، التي امتدت إليها حضارة دلمون، ونشأت على أرضها حضارة مجَان في الفترة الزمنية ذاتها، تواجه قنوات المياه التاريخية التي تروي أراضيها خطر الجفاف. وتُعرف هذه القنوات محلياً بالأفلاج، وهي تشق الصخور لتصل بين المصادر المائية في الأماكن المرتفعة والأراضي القابلة للزراعة. وكانت لجنة التراث العالمي التابعة لليونيسكو أدرجت في سنة 2006 خمسة أفلاج عُمانية ضمن مواقع التراث العالمي.
ويوجد في السلطنة أكثر من 4000 فلج يبلغ عمر بعضها نحو ألفي سنة. وبسبب الجفاف وإهمال الصيانة توقف جريان الماء في حوالي ألف فلج. وفيما يُلقي البعض باللائمة على تغير المناخ، يرتبط جفاف الأفلاج في عُمان باستنزاف المياه الجوفية عن طريق الآبار الخاصة التي يحفرها المزارعون.
وفي محاولة لضمان استمرار جريان المياه في الأفلاج، فرضت السلطات العُمانية مناطق حرم في محيط الينابيع المغذية للأفلاج، يُمنع ضمنها حفر الآبار الجديدة. كما قامت ببناء عدد من السدود لتغذية الأحواض المائية ورفع منسوب طبقات المياه الجوفية. ويرى كثيرون أن مفتاح الحفاظ على الأفلاج قد يكون اقتصادياً، من خلال إدخال زراعات ذات مردود أعلى، مما يتطلب أيضاً زيادة كفاءة استخدام مياه الأفلاج وتقليل الهدر.
إشكالية الحفاظ على المواقع التاريخية وحمايتها من آثار الجفاف ومشاريع الأمن المائي لا يمكن حلها إلا من خلال تعريف الأجيال الناشئة بأهمية ما تمثله هذه المواقع من أصول ثقافية وسياحية. وكما كان الحال في مشروع الحفاظ على معبد أبو سمبل، توجد في كثير من الأحيان فرص للوصول إلى تسوية تدعم خطط التنمية وتحافظ في الوقت نفسه على الكنوز الحضارية.


مقالات ذات صلة

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

بيئة شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 % من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030

«الشرق الأوسط» (باريس)
بيئة شعاب مرجانية بالقرب من جزيرة في جزر غونا يالا الهولندية على الكاريبي - 24 أغسطس 2026 (أ.ب)

ابيضاض الشعاب المرجانية يتسارع بوتيرة تفوق قدرتها على التعافي

قال علماء، اليوم الاثنين، إن الشعاب المرجانية تتعرّض بشكل مستمر إلى عوامل تؤدي إلى ابيضاض لونها بدرجة لم تعد تتيح لها الوقت الكافي للتعافي.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
بيئة جفاف وتشقق التربة على ضفاف نهر ماغدالينا بكولومبيا في مشهد يعكس تداعيات الظروف المناخية المرتبطة بظاهرة «إلنينيو» (رويترز - أرشيفية)

«الأرصاد البريطانية» تتوقع أقوى ظواهر «إلنينيو» في التاريخ الحديث

قالت هيئة الأرصاد الجوية البريطانية، اليوم (الجمعة)، إن ظاهرة «إلنينيو» الجوية التي تتشكل حالياً مرشحة لأن تكون الأقوى في التاريخ الحديث.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا أعلنت بعض المستشفيات في إيطاليا الطوارئ بسبب ارتفاع درجات الحرارة (أ.ب)

إيطاليا في حالة تأهب قصوى والمجر تطفئ الأنوار مع موجة حر تجتاح أوروبا

اتخذت ‌إيطاليا خطوة غير مسبوقة بوضع كل مدنها الكبرى في أعلى مستويات التأهب الصحي، بسبب ارتفاع ​درجات الحرارة اليوم الخميس

«الشرق الأوسط» (روما)
أوروبا صورة من بحيرة بايكال في روسيا (أ.ف.ب-أرشيفية)

مشروع سياحي في روسيا يهدد «بايكال» أكبر خزان للمياه العذبة في العالم

يثير مشروع لتطوير السياحة حول بحيرة بايكال في روسيا مخاوف بيئية متزايدة، بعدما سمحت تعديلات قانونية بقطع الأشجار في مناطق كانت تخضع لحماية مشددة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
TT

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 في المائة من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030.

وتأتي نتائج هذه الدراسة قُبيل عقد قمة في أرمينيا حول التقدم المحرز في أهداف حماية التنوع البيولوجي، لتُضاف إلى تقييم مماثل أجرته الأمم المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحددت 200 دولة هدف «30 في 30»، أي حماية 30 في المائة من الأراضي بحلول عام 2030، في اتفاق أُبرم عام 2022، وأطلق بشكل غير رسمي «اتفاق باريس للطبيعة».

لكنّ تقريراً أعدته منظمتا «حملة من أجل الطبيعة» (Campaign for Nature)، و«معاً من أجل المحيط» (Together for the Ocean) أظهر أن الإجراءات لم تكن على قدر الالتزامات.

وقال مدير منظمة «حملة من أجل الطبيعة» براين أودونيل للصحافيين: «أظهرت الحكومات بالفعل أن تحقيق تقدّم سريع أمر ممكن، لكن العالم بعيد عن المسار الذي يضمن بلوغ نسبة 30 في المائة».

وأضاف التقرير أن وفاء الحكومات بجميع تعهداتها يمكن أن يرفع نسبة الأراضي والمياه المصنفة كمناطق محمية إلى 27 في المائة بحلول عام 2030.

غير أن نسبة المساحات البحرية المحمية قد لا تتجاوز 12 في المائة بحلول نهاية العقد.

وكانت اتفاقية التنوع البيولوجي، وهي المعاهدة الأممية المشرفة على الأهداف العالمية الخاصة بالطبيعة، حذرت أيضا الشهر الماضي من أن الدول لا تسير على الطريق الصحيح لتحقيق هذه الأهداف.

منظر جوي لغابات في الغابون (رويترز)

ويُعد نقص التمويل من أكبر العقبات أمام تحقيق الهدف.

وفيما تقدّر الحاجة بما بين 100 مليار دولار و180 ملياراً سنويا حتى عام 2030، لا يتجاوز الإنفاق السنوي حالياً 24 مليار دولار.

وقال التقرير إن «الفجوة تبدو أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالمحيطات، إذ تقتضي الحاجة إنفاق نحو 16 مليار دولار سنوياً، بينما لا يتجاوز الإنفاق الفعلي حالياً ملياراً و800 مليون دولار».

ويتعيّن توجيه جزء كبير من هذا التمويل إلى البلدان النامية التي تضم بعضاً من أغنى النظم البيئية في العالم، لكنها تفتقر إلى الوسائل الكافية لحمايتها.

وقال أودونيل إن على الحكومات تخصيص موارد أكبر من موازناتها، كما يمكنها سن تشريعات تُلزم الصناعات الملوثة، مثل شركات الوقود الأحفوري والتعدين، بالمساهمة في تمويل جهود الحفظ.

وأضاف: «هذه الشركات لن تقوم بذلك طوعاً».

ورأى أن هدف «30 في 30»، ما زال ممكن التحقيق، لكن ذلك يتطلب جهوداً كبيرة على قدر «التحديات الكبيرة».

وستكون قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان، التي تنطلق في 19 أكتوبر (تشرين الأول)، أول مناسبة تناقش فيها الدول فجوة التقدم المحرز وسبل إعادة أهداف الاتفاق إلى مسارها الصحيح.


ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
TT

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

قال باحثون في مختبر تأثيرات المناخ، التابع لجامعة شيكاغو، اليوم الأربعاء، إن الحرارة المفرطة الناجمة عن ظاهرة النينيو «الخارقة»، هذا العام، قد تؤدي إلى ما يصل إلى 451 ألف حالة وفاة إضافية حول العالم، خلال ستة أشهر حتى فبراير (شباط) 2027.

وذكر المختبر، في تقرير، أنه من المرجح ارتفاع عدد الأيام شديدة الحرارة بنسبة 44 في المائة، مقارنة بالسنوات العادية، وقال إن الدول التي مِن المرجح أن تعاني أكبر عدد من الوفيات الإضافية المرتبطة بالحرارة، في الفترة من سبتمبر (أيلول) 2026 إلى فبراير 2027 هي نيجيريا بواقع 31400 وفاة، تليها إندونيسيا بنحو 19300وفاة، ثم السودان بواقع 17600 وفاة.

تؤدي «النينيو» إلى تغيرات عالمية في الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار (أ.ف.ب)

ومن المرجح أن تتسبب موجة الحر في منطقة الساحل الأفريقي، التي تضم النيجر وتشاد بالإضافة إلى نيجيريا والسودان، في 66800 وفاة إضافية، خلال فترة الأشهر الستة.

ويتوقع الباحثون أن تشهد الفلبين وفيتنام وتايلاند وكمبوديا مجتمعةً 19400 وفاة إضافية.

وقد يرتفع عدد الوفيات الزائدة أكثر من ذلك إذا امتدت ظاهرة «النينيو» إلى عام 2027، حيث ستكون المناطق الرئيسية في نصف الكرة الشمالي، ومِن بينها الهند وباكستان، معرَّضة جداً للخطر خلال شهور الصيف.

ووصف المختبر ظاهرة النينيو، هذا العام، بأنها «رسالة من المستقبل» تُبلّغنا بدرجات الحرارة التي ستصبح طبيعية في غضون بضعة عقود فقط.

وأشار المختبر إلى أن جهود الاستجابة للطوارئ يجب أن تُوجَّه إلى المناطق ذات الأولوية القصوى؛ للحد من الوفيات المرتبطة بالحرارة خلال الشهور المقبلة.

وقال مايكل جرينستون، الخبير الاقتصادي بجامعة شيكاغو والمؤسس المشارك للمختبر: «يتيح هذا التقرير لصانعي القرار تحديد الأماكن التي يمكن اتخاذ إجراءات طارئة، الآن، فيها لإنقاذ عشرات الآلاف من الأرواح في الشهور المقبلة».


الأمم المتحدة تَصِف ظاهرة «إل نينيو» بأنها «تهديد كبير» للصحة

لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
TT

الأمم المتحدة تَصِف ظاهرة «إل نينيو» بأنها «تهديد كبير» للصحة

لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)

نبّهت الأمم المتحدة، الثلاثاء، إلى عواقب ظاهرة «إل نينيو» الكثيرة على الصحة، مشددة على أن هذا الحدث المناخي الطبيعي يشكّل «تهديداً كبيراً»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضحت منظمة الصحة العالمية أن من بين المخاطر الصحية التي قد تنجم عن هذه الظاهرة، موجات حرّ شديدة قد تُفاقم بعض الأمراض، ورداءة في نوعية الهواء بسبب الحرائق خصوصاً، فضلاً عن تأزُّم سوء التغذية والكوليرا بفعل الجفاف والفيضانات.

وقد تؤدي «إل نينيو» أيضاً إلى زيادة انتشار الأمراض المنقولة عبر البعوض، كالملاريا وحمى الضنك والشيكونغونيا، نظراً إلى أن هذه الظاهرة المناخية تهيئ الظروف لأمطار غزيرة وفيضانات.

وقالت مديرة وحدة الحد من المخاطر والعمليات الإنسانية، وتغيّر المناخ في منظمة الصحة العالمية تيريزا زكريا خلال مؤتمر صحافي في جنيف، إن «من الممكن توقُّع العواقب الصحية لظاهرة إل نينيو، وثمة فرصة تالياً لكي نتحرّك الآن، قبل أن تتحوّل هذه المخاطر إلى أزمة».

وأضافت: «ندعو الحكومات والشركاء والمجتمعات إلى الاستثمار من دون إبطاء، والاستعداد واتخاذ تدابير استباقية، من أجل إنقاذ الأرواح، والحفاظ على خدمات الرعاية الصحية».

وتدعو منظمة الصحة العالمية الدول إلى تحسين جهوزية أنظمتها الصحية، وتعزيز قدرتها على رصد الأمراض، وضمان استمرارية الرعاية، وتوفير مخزونات من المعدات الطبية في المناطق الأكثر عرضة للمخاطر.

وسبق أن أدّت موجة «إل نينيو» الحالية التي قد تصبح الأشد عنفاً على الإطلاق، إلى ظروف مناخية حادة في مختلف أنحاء العالم.

ورأت زكريا أن هذه الظاهرة تشكّل «تهديداً كبيراً للصحة العامة».

وتوقعت «رَصْدَ عواقب صحية في مختلف أنحاء العالم»، ورأت أن أشد هذه العواقب ستُسجَّل حيث «تتقاطع الصدمات المناخية مع هشاشة الأنظمة الصحية، وضعف فرص الحصول إلى الرعاية، وانعدام الأمن الغذائي، ونزوح السكان والأزمات الإنسانية».

وكانت منظمة الأرصاد الجوية العالمية التابعة للأمم المتحدة نبّهت في مطلع سبتمبر (أيلول) من أن موجة «إل نينيو» الحالية قد تكون «الأقوى» تُسجّل منذ بدء قياس هذه الظاهرة المناخية قبل 4 عقود، ومن المقرر أن تصدر نشرتها المقبلة في شأنها في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني).

وأوضح المستشار في المكتب المشترك بين المنظمة العالمية للأرصاد الجوية ومنظمة الصحة العالمية أرمل كاستيلان للصحافيين، أن تأثيراتها يُتوقع أن تزداد حدّة، وأن تستمر تداعياتها إلى ما بعد ذروتها المتوقعة في نهاية السنة.

ومن شأن اجتماع «إل نينيو» مع عواقب تغيّر المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية تعزيز وتيرة الظواهر الجوية القصوى وحدتها.

ولاحظ كاستيلان أن «تأثيرها يتزامن مع درجات حرارة مرجعية مرتفعة جداً أصلاً على مستوى العالم، وهي تالياً ضربة مزدوجة، والواقع مختلف وغير مسبوق بالمقارنة مع ما حدث عام 2015، آخر مرة بلغت فيها الانحرافات في درجات حرارة سطح البحر المرتبطة بـ(إل نينيو) مستويات مرتفعة إلى هذا الحد».

وتسعى المنظمة العالمية للأرصاد الجوية مع شركائها تحسباً لظاهرة «إل نينيو» إلى تحسين التنسيق بين خبراء الأرصاد الجوية والسلطات الصحية، بحيث تحصل هذه السلطات على توقعات الطقس في الوقت المناسب وبصيغة قابلة للاستخدام مباشرة.