المشروع الغربي للتنديد بغزو أوكرانيا يصطدم بالفيتو الروسي

غوتيريش يتخوف من «عواقب مدمرة» ... والدبلوماسيون يحملون على «ازدراء» بوتين للميثاق

مجلس الأمن يناقش الأزمة الأوكرانية (أ.ف.ب)، وفي الاطار مندوب أوكرانيا سيرغي كيسلاستيا (إ.ب.أ)
مجلس الأمن يناقش الأزمة الأوكرانية (أ.ف.ب)، وفي الاطار مندوب أوكرانيا سيرغي كيسلاستيا (إ.ب.أ)
TT

المشروع الغربي للتنديد بغزو أوكرانيا يصطدم بالفيتو الروسي

مجلس الأمن يناقش الأزمة الأوكرانية (أ.ف.ب)، وفي الاطار مندوب أوكرانيا سيرغي كيسلاستيا (إ.ب.أ)
مجلس الأمن يناقش الأزمة الأوكرانية (أ.ف.ب)، وفي الاطار مندوب أوكرانيا سيرغي كيسلاستيا (إ.ب.أ)

بدا مجلس الأمن خلال الساعات الماضية عاجزاً تماماً عن اتخاذ أي موقف جماعي من الحرب التي أعلنتها روسيا ضد أوكرانيا، ليس فقط لأن الأولى تتمتع بحق النقض الفيتو، بل لأن الجلسات الحالية تعقد تحت رئاستها للمنتدى الأقوى عالمياً والمخول «صون الأمن والسلم الدوليين»، مما أثار تساؤلات علنية من العديد من ممثلي الدول الأعضاء فيه وفي الأمم المتحدة الذين رفعوا الصوت من أجل الدفاع عن ميثاق المنظمة الدولية.
وأعلنت الولايات المتحدة أنها أعدت مع الحلفاء مشروع قرار بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة للتنديد «بأشد العبارات الممكنة» بالعدوان الروسي. وأقر دبلوماسي أميركي رفيع بأن روسيا ستمارس امتياز الفيتو عندما يطرح المشروع على التصويت اليوم الجمعة. لكن «واجب الدفاع عن مبادئ الميثاق» يوجب اتخاذ هذه الخطوة لإظهار العزلة المتزايدة لموسكو على الساحة الدولية.
وظهرت المفارقة خلال انعقاد جلسة طارئة عقدها مجلس الأمن ليل الأربعاء - الخميس في ظل تقارير عن هجوم روسي وشيك ضد الأراضي الأوكرانية. ولكن الحرب وقعت بالفعل خلال الاجتماع العاجل إذ أمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قواته بـ«عملية عسكرية خاصة» في شرق أوكرانيا. وأدى ذلك عملياً إلى تعديل مسار الجلسة والكلمات التي ألقيت فيها، وإلى إثارة التساؤلات العميقة حول «ازدراء» روسيا لمجلس الأمن ولميثاق الأمم المتحدة، وفقاً لتصريحات علنية أدلى بها عدد كبير من الدبلوماسيين.
وبطلب من أوكرانيا وتأييد من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وآيرلندا والنروج وألبانيا، عقدت الجلسة الطارئة بمشاركة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي ناشد الرئيس بوتين «من صميم القلب بأن يوقف قواته عن مهاجمة أوكرانيا، وبأن يعطي السلام فرصة».
وتبعته وكيلة الأمين العام للشؤون السياسية وبناء السلام روزماري ديكارلو التي قدمت عرضاً لتطور الأحداث، معتبرة أنه «لا يمكن التكهن بالضبط بما سيحدث في الساعات والأيام المقبلة في أوكرانيا»، علماً أن الواضح «هو التكلفة الباهظة غير المقبولة – من معاناة إنسانية ودمار – الناجمة عن التصعيد».
- مشروع قرار... وفيتو
وأكدت المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة ليندا توماس - غرينفيلد أن روسيا وضعت شعبها، والشعب الأوكراني، والعالم بأسره على «شفا صراع سينتج عنه قدر لا يحصى من المعاناة الإنسانية»، مضيفة أن «هجوم روسيا على أوكرانيا بمثابة هجوم على الأمم المتحدة... وهذا يقوض المنظمة» الدولية. وأعلنت أنه سيجري تقديم مشروع للتنديد بالعدوان الروسي.
وأعلن نظيرها الفرنسي نيكولا دو ريفيير تأييد مناشدة الأمين العام، قائلاً إن «روسيا توشك على إحداث الفوضى في أوكرانيا، وتوجيه ضربة غير مبررة للسلام والأمن في قلب أوروبا». وحذر من أنه «إذا أكدت روسيا خيار الحرب، سيتعين عليها تحمل جميع المسؤوليات ودفع الثمن». واعتبر أن قرار بوتين إعلان الحرب «في نفس اللحظة التي يجتمع فيها هذا المجلس، يوضح ازدراء روسيا للقانون الدولي والأمم المتحدة».
وشددت المندوبة البريطانية باربرا وودوارد على أن إعلان بوتين «غير مبرر ويأتي بدون استفزاز». وقالت إن «هذا يوم خطير لأوكرانيا ومبادئ الأمم المتحدة»، مضيفة أن «أفعال روسيا ستترتب عليها عواقب. ندعم بشكل كامل دعوة الولايات المتحدة إلى تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن». وأكدت أنه «ينبغي على هذا المجلس أن يفعل كل ما بوسعه لوقف الحرب والتمسك بميثاق الأمم المتحدة».
الصين: الحوار هو الحل
وقال المندوب الصيني تشانغ جون إن «الوضع في أوكرانيا يمر بمنعطف حرج»، مضيفاً أنه «يجب على كل الأطراف المعنية ممارسة ضبط النفس، وتجنب المزيد من تصعيد التوترات». وإذ أكد أن «موقف الصين في شأن حماية سيادة ووحدة أراضي جميع الدول ثابت. ويجب التمسك بمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة بشكل مشترك»، أمل في أن «تظل كل الأطراف المعنية هادئة وعقلانية، وأن تلتزم بتعزيز الحوار والتشاور لحل القضايا ذات الصلة من خلال المفاوضات ومعالجة المخاوف الأمنية المشروعة لبعضها البعض بشكل صحيح بما يتماشى مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة».
ورد المندوب الروسي فاسيلي نيبينزيا، فقال إن «احتلال أوكرانيا ليس وارداً في خططنا»، مضيفاً أن «الهدف من العملية الخاصة هو حماية الأشخاص الذين لأكثر من ثمانية أعوام كانوا يعانون الإبادة الجماعية من قبل نظام كييف». وأكد أن قرار بوتين اتخذ «تماشياً مع المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة» الذي يجيز للدول أن تدافع عن نفسها. وأسف لأن «إشاراتنا حول الحاجة إلى وقف الاستفزازات ضد جمهوريتي لوغانسك ودونيتسك، لم تسمع في أوكرانيا». وزاد أن «زملاءنا الأوكرانيين الذين تم تسليحهم أخيراً وتحريضهم من عدد من الدول، لا يزالون متوهمين بأنه بمباركة المنسقين الغربيين يمكنهم تحقيق حل عسكري لمشكلة دونباس».
- رئاسة مجلس الأمن
وأعطيت الكلمة للمندوب الأوكراني سيرغي كيسليتسيا الذي أشار إلى إعلان بوتين الحرب على بلده، مضيفاً أنه كان سيطلب من المندوب الروسي أن يؤكد علانية أن روسيا لن تبدأ بإطلاق النار على الأوكرانيين. لكن «لم يعد هناك جدوى من هذا الطلب». وقال إنه يجب على المندوب الروسي أن يتخلى عن رئاسة مجلس الأمن المخول بصون الأمن والسلم الدوليين.
وفور انتهاء الجلسة، وصف غوتيريش للصحافيين إعلان الحرب بأنه «أشد اللحظات حزناً في فترة عملي كأمين عام للأمم المتحدة». وأوضح أن الوضع تغير خلال انعقاد مجلس الأمن. ولذلك يعدل مناشدته للرئيس بوتين: «باسم الإنسانية، أعد قواتك إلى روسيا. باسم الإنسانية، لا تسمح بأن تبدأ في أوروبا ما يمكن أن يكون أسوأ حرب منذ بداية القرن، ذات عواقب مدمرة ليس فقط بالنسبة لأوكرانيا، ليس فقط مأساوية بالنسبة للاتحاد الروسي، بل ذات تأثير لا يمكننا حتى التنبؤ به». وقال: «يجب أن يتوقف هذا النزاع - الآن».
وقال المندوب الأوكراني إن الحرب الروسية ضد أوكرانيا «إحراج تاريخي للبشرية وخاصةً لتلك المنظمات التي فشلت في اتخاذ الإجراءات الضرورية على مدار الأعوام الثمانية الماضية». وطالب نظيره الروسي بأن «يتخلى عن مسؤولياته كرئيس لمجلس الأمن» للشهر الجاري، باعتبارها أيضاً «ممثلاً لدولة انتهكت بضراوة الميثاق». وأشار إلى مشروع القرار الذي أعد للتنديد بالحرب الروسية، مناشداً كل الدول الأعضاء التصويت لصالحه.
- الجمعية العامة
وكان اليوم الطويل في الأمم المتحدة بدأ باجتماع للجمعية العامة للأمم المتحدة تحت بند «الوضع في الأراضي المحتلة مؤقتاً في أوكرانيا». وألقى رئيس الجمعية عبد الله شهيد كلمة خلالها تركز على ما ورد في ديباجة الميثاق حول «إنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب».
وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن «التطورات الأخيرة المتعلقة بأوكرانيا هي مصدر قلق بالغ»، مشدداً على أن قرار روسيا الاعتراف بـ«استقلال» منطقتي دونيتسك ولوغانسك «انتهاك لوحدة أراضي وسيادة أوكرانيا ويتعارض مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة».
وعرض وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا لأحدث التطورات في الأزمة مع روسيا، قائلاً: «نحن عند منعطف حاسم في تاريخ العالم». وإذ ذكر بـ«أخطاء السياسيين في الفترة التي سبقت عامي 1914 و1939» قبل الحربين العالميتين، دعا إلى «تجنب كارثة مدمرة جديدة في أوروبا». ووصف اتهامات روسيا لأوكرانيا بأنها «سخيفة» لأن «أوكرانيا لم تخطط أبداً ولا تخطط لأي هجوم عسكري في دونباس».
- روسيا ستتحمل المسؤولية
وخاطبت المندوبة الأميركية الدائمة في المنظمة الدولية ليندا توماس غرينفيلد الدول الأعضاء، قائلة: «نحن نقف على مفترق في تاريخ المنظمة الدولية». وحذرت من أن «عدوان روسيا لا يهدد أوكرانيا كلها فحسب، بل يهدد كل دولة عضو والأمم المتحدة نفسها». وقالت إن «التهديد الأوسع» يتمثل في أن «تصرفات روسيا تقلب نظامنا الدولي، وتهزأ بميثاق الأمم المتحدة، وتشكك في أهم مبادئنا الأساسية المتمثلة في السيادة والدبلوماسية والسلامة الإقليمية». وحذرت من أنه إذا اختار الرئيس بوتين المزيد من التصعيد «ستتحمل روسيا، وروسيا وحدها، المسؤولية الكاملة عما سيأتي». وتحدث المندوب الليتواني الدائم لدى الأمم المتحدة ريتيس بولاوسكاس نيابة عن البلدان الثمانية في الشمال الأوروبي والبلطيق الدنمارك، إستونيا، فنلندا، أيسلندا، لاتفيا، النروج، السويد وليتوانيا، قائلاً إن قرارات روسيا «غير قانونية». وحض روسيا على «سحب قواتها وعتادها من داخل أوكرانيا، بما في ذلك شبه جزيرة القرم والمناطق غير الخاضعة لسيطرة الحكومة في مقاطعتي لوغانسك ودونيتسك، وكذلك من المناطق المتاخمة لحدودها، وإلى التوقف فوراً عن تأجيج الصراع».
وأعلن المندوب الفرنسي الدائم نيكولا دو ريفيير أن بلاده «تدين بشدة» قرارات الرئيس الروسي، مؤكداً أن «المرحلة الجديدة» من زعزعة الاستقرار تشكل «تهديداً خطيراً للأمن الأوروبي»، داعياً إلى «استجابة موحدة من المجتمع الدولي للدفاع عن المبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة».
وبعدما توالى العشرات من ممثلي الدول على الكلام، اعترض المندوب الروسي فاسيلي نيبينزيا على اسم البند الموضوع على جدول الأعمال، معتبراً أنه «غير صحيح» و«ينبغي ألا يكون حول: الأراضي المحتلة مؤقتاً» بل «حول الأراضي المفقودة نتيجة لسياسة الكراهية». وحمل على «الانقلاب غير الشرعي في الميدان عام 2014» في إشارة إلى السلطات الحالية في كييف بعد إطاحة الرئيس الموالي لموسكو ألكسندر لوكاشينكو.


مقالات ذات صلة

في انتظار «عملاق ثالث» ينقذ النظام العالمي

تحليل إخباري جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

في انتظار «عملاق ثالث» ينقذ النظام العالمي

في خضم ما يحصل من حروب وأزمات، تتلبّد غيوم التخوّف من الأسوأ، خصوصاً أن لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

أنطوان الحاج
شؤون إقليمية نساء إيرانيات يمشين أمام لوحة تحمل صور المرشد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين خلال مسيرة في طهران (إ.ب.أ) p-circle

الأمم المتحدة تساعد مهاجرين على مغادرة إيران بسبب الحرب

قالت المنظمة الدولية للهجرة، الجمعة، إنها تساعد بعض المهاجرين الذين هم في أوضاع صعبة على مغادرة إيران في ظلّ الحرب بعد تلقيها طلبات مساعدة من مئات.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شؤون إقليمية جزء من حطام صاروخ باليستي إيراني سقط بهطاي جنوب تركيا في 4 مارس الحالي بعد تصدي دفاعات حلف شمال الأطلسي (الناتو) له (رويترز)

دفاعات «الناتو» تُدمّر صاروخاً ثالثاً دخل مجال تركيا الجوي من إيران

أكّد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أن بلاده تقود حراكاً دبلوماسياً مكثفاً لاحتواء دوامة العنف التي تتمحور حول إيران، والتي تنطوي على خطر جر المنطقة إلى «كارثة».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يتحدث إلى الصحافة بعد اجتماعه مع الرئيس اللبناني في القصر الرئاسي في بعبدا، شرق بيروت 13 مارس 2026 (أ.ف.ب)

من بيروت... غوتيريش يناشد «حزب الله» وإسرائيل «وقف الحرب»

حضّ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش «حزب الله» وإسرائيل على وقف إطلاق النار، معتبراً أن زمن المجموعات المسلحة «ولّى»، وذلك بُعيد وصوله إلى بيروت.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية تصاعد دخان جراء غارات إسرائيلية على طهران (أ.ف.ب)

الأمم المتحدة: نزوح نحو 3.2 مليون شخص في إيران بسبب الحرب

قالت «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين»، الخميس، إن نحو 3.2 مليون شخص في إيران نزحوا من منازلهم بسبب الحرب.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.