صناعة المحتوى... بين الضوابط والتخصص والتحديات

مطالب بالتحقق من المعلومات قبل تداولها

فادي رمزي
فادي رمزي
TT

صناعة المحتوى... بين الضوابط والتخصص والتحديات

فادي رمزي
فادي رمزي

يثار دائماً كثير من التساؤلات حول صناعة المحتوى، وسط مطالب بـ«ضوابط محددة للمحتوى» ليكون ملائماً.
قبل سنوات قريبة كانت صناعة المحتوى مقتصرة على دارسي الإعلام والصحافة، بل كانت تفصل بينهما خطوط واضحة. بينما الآن نحن أمام عدد لا نهائي من صُناع المحتوى، بل وتلاشى شرط التخصص والدراسة. وبات المتابع وحده صاحب القرار، وحده من يمنح اللقب، أما أنت فيمكنك أن تصنع المحتوى من على أريكة منزلك، فقط إذا نجحت في مواكبة «الترند». أما صُناع الإعلام المرئي أو الصحافة فكانت عليهم مجاراة الأدبيات الجديدة للمهنة، وإلا تخلفوا عن الركب.
كل هذه المتغيرات خلقت واقعاً جديداً. ويأمل خبراء الإعلام في «صناعة محتوى ملائم يلتزم معايير العمل الإعلامي أو العلني». وسط مخاوف من المحتوى «غير الملائم» بسبب أن «صانع المحتوى لا يزال حراً، لا يحتاج فقط؛ إلا لهاتف ذكي ووسيلة لاستخدام شبكة الإنترنت».
فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي، والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، يُعرّف عن صُناع المحتوى الرقمي، فيقول في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «علينا أولاً تحديد هوية صانع المحتوى. ثمة شروط تجعل من أي شخص صانع محتوى؛ أن يمتلك هاتفاً ذكياً، يمكنه الاتصال بالإنترنت، ولديه فكرة أو شيء يرغب في التعبير عنه من خلال فيديو أو مقطع صوتي، أما المحتوى النصي فبات الأقل توافراً لأنه يتطلب مهارة خاصة».
وعن سوق صناعة المحتوى. يقول رمزي: «شهد تغييرات جذرية فيما يخص صناعة المحتوى الرقمي، بدأت من نهايات عام 2020، مع ظهور المحتوى الصوتي من خلال تطبيق (كلوب هاوس)، لا سيما أنه قدم ما يُعرف بـ(المحادثات اللحظية) وهو نمط عصري، رغم شعبيته، تراجع بعدما أثرى سوق المحتوى الرقمي بتجربة فريدة، ما عزز فكرة اعتماد المحتوى الصوتي وأفسح المجال أمام البود كاست».
أسامة عصام الدين، الخبير في تطوير مواقع التواصل الاجتماعي بالمملكة العربية السعودية، يوافق رمزي رأيه خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» ذكر فيه أن «العام الماضي كان عام محتوى الفيديوهات الطولي القصير بامتياز... وهو المحتوى الذي برع فيه (تيك توك) بفيديوهات مستخدميه البسيطة الموجهة منهم وإليهم، والتي قادته إلى عرش التطبيقات الكبيرة مع مليار مستخدم نشط شهرياً. بل ومكّن العملاق الصيني من تخطي الوقت الذي يمضيه المستخدمون في أميركا وبريطانيا على (يوتيوب). واليوم بإمكاننا أن نرى شعبية هذا المحتوى تزداد أكثر وأكثر مع دخول منصات أخرى في المنافسة، كخاصية ريلز من «(إنستغرام)، و(شورتس) من (يوتيوب)، و(الأضواء) من (سناب شات)...».
عودة إلى رمزي، فإنه يرجع الزيادة في ضخ المحتوى الرقمي في الفضاء الشاسع إلى بضعة عوامل، موضحاً: «ثمة مؤشرات لها علاقة مباشرة بتعزيز مجال صناعة المحتوى الرقمي، إذ تشير التقارير الدولية إلى زيادة استخدام الهاتف الجوال مقارنة بالحاسوب الذي تراجع، كذلك بات نمط التصوير الرأسي (الطولي) هو السائد، على العكس من قبل، حيث كانت المقاطع تصور بطريقة أفقية، من ثم صار كل ما هو ملائم لإمكانات الهاتف الجوّال، هو السائد، ما عزّز صناعة المحتوى الرقمي من حيث الكثافة العددية وليس ثراء المحتوى».

الزيادة لا تعني الجودة
من جهة أخرى، يشدد خبراء على أن زيادة المحتوى لا تعني الجودة، بل على العكس من ذلك، سهولة صناعة المحتوى أفسحت المجال للصالح والطالح على حد سواء. وهذا ما يعقّد مهمة المؤسسات الإعلامية التي تسير وفقاً لمعايير وأدبيات فرضتها المهنة، ويعزز أهمية الحديث عن دور منصات التواصل الاجتماعي في حجب المحتوى، حال ثبوت خطورته على المتابعين. وإزاء هذه النقطة يشرح رمزي أن «منصات التواصل الاجتماعي هي أولاً وأخيراً شركات هادفة للربحية، وتدلل على ذلك قضية (فيسبوك) التي نتابعها منذ أشهر، بعدما خرجت موظفة (فيسبوك) السابقة فرنسيس هوغن، واتهمت لوغاريتمات الشركة العملاقة بتعمد تمرير معلومات مغلوطة عن جائحة (كوفيد - 19)، لأن هذا من شأنه يخلق حالة جدال ثم مكاسب للشركة». ويتابع: «هذا هو النموذج الربحي لكل منصات التواصل، وهو بقاء المستخدمين أطول مدة ممكنة ما يسمح بعرض مزيد من الإعلانات».
فادي رمزي يميّز بين المنصات، من حيث مدى صرامة التعامل مع المحتوى غير الموثوق، أو الذي يحمل شبهة عنف أو تحريض. ويقول: «وفق تقرير (رويترز) للإعلام، فإن الجمهور يثق في (تويتر) من حيث دقة المعلومات، لأن المنصة اتخذت تدابير أكثر صرامة في التصدي للمعلومات الخطيرة أو غير الآمنة... وكذلك (غوغل) و(يوتيوب). ويمكن القول إن ثمة إجراءات احترازية يتخذها عملاق التكنولوجيا لحماية المستخدم من المحتوى غير اللائق، بينما (فيسبوك) متراجع في هذا الصدد وربما أسهم في نشر محتوى غير مرغوب فيه بشكل يدعو إلى القلق».
وحقاً، يشير مراقبون إلى أن الاتهامات الموجهة لشركة «ميتا» (فيسبوك سابقاً، ومالكة الموقع الشهير) دعت إلى اتخاذ الشركة بعض الإجراءات من أجل ضبط سوق المحتوى الرقمي. فمثلاً خلال الأشهر الماضية، أصدر موقع «فيسبوك» قراراً بوقف ربط الإعلانات بعدد المتابعين. ووفقاً للمحتوى الذي يقدمه الحساب، يعتقد أسامة عصام الدين أنه «تقدم في تقنين صناعة المحتوى». ويضيف: «إنها خطوة كبيرة، بلا شك، تعني أن هذه المنصات بدأت بمعرفة وملاحظة الأثر السلبي الذي تسببه بعض أنواع المحتوى المنتشرة... وقرار كهذا سيجعل صناع محتوى يعيدون النظر في تقييم المحتوى الذي يقدمونه، وما إذا كانت له آثار سلبية على المشاهد، أم لا، وهي خطوة أرجو أن تتبعها منصات التواصل الأخرى».

أربعة أشكال للمحتوى
عن أنواع المحتوى الأكثر رواجاً، يقول رمزي: «في علم التواصل الرقمي ينقسم المحتوى إلى أربعة أشكال: الترفيهي، والتعليمي والتوعوي، والمحتوى الملهم، والمحتوى المقنع... وجائحة (كوفيد - 19) أسهمت في تعزيز مكانة المحتوى التعليمي الذي عادة ما يقدمه شخص متخصص، لأن المتابعين بحاجة لفهم المرض وكيفية التعامل معه، ثم ظهور اللقاح، وضرورة الإلمام بمعلومات موثوقة عن أهميته وتبعاته». ويستطرد: «ويصعد معه، بالتوازي، المحتوى الترفيهي، لا سيما بين الشعوب العربية ومصر بشكل خاص، لأننا شعوب نميل إلى الفكاهة».
وفي السياق نفسه، عن تأثير صعود المحتوى المتخصص لضبط سوق صناعة المحتوى، يرى عصام الدين: «من جهة المنصات، فهي ستتسابق لإرضاء صناع المحتوى وتقديم المحتوى في منصاتها. بعضها سترضيهم الأرقام ومسيرة النمو، والبعض الآخر بكسب الأموال من خلال مشاهدات ووصول صانع المحتوى». أما عن المنافسة بين المحتوى المتخصص الذي يقدم معلومات موثوقة نسبياً، والمحور الترفيهي، فيقول عصام الدين: «كلاهما سيواصل بالصعود والنجاح، مع اختلاف معيار النجاح من مجال إلى آخر. فالوصول إلى عدد محدود من الناس لصانع محتوى متخصص، قد يكون أنجح بكثير من الوصول إلى عدد كبير لصانع محتوى ترفيهي، لأن جمهوره هو جمهور مركز ومحب للتخصص الذي يُقدَّم».
وفي حين يرى خبراء أن صعود المحتوى المتخصص ربما يبشر بعودة الثقة في المحتوى الإعلامي أو على الأقل يرجح كفته، يعتقد رمزي أنه «لا داعي لرفع التوقعات، ذلك أن صعود المحتوى التعليمي والتوعوي وظهور صانع المحتوى المتخصص، لا يعنيان على الإطلاق أننا بصدد محتوى يلتزم معايير العمل الإعلامي أو العلني... إذ ما زلنا أمام صانع محتوى حر لا يحتاج إلا لهاتف ذكي ووسيلة لاستخدام شبكة الإنترنت. وواقع الأمر أنه ما زال متعذراً تطهير الفضاء الرقمي من المحتوى الرديء الذي قد يصل إلى حد الإسفاف». ويتابع رمزي: «مواقع التواصل تسير بقوانين المجتمعات، التي قد تجد فيها كل الأنماط، منها ما هو مفيد وترفيهي ونافع، ومنها في الوقت نفسه ما يضج بالمحتوى الرديء. وبالتالي، الحل يكمن في توعية المتابع وتزويده بثقافة الانتقاء، رغم أنها مهمة شاقة». ثم يقول: «أتوقع زيادة المحتوى غير اللائق أو ما هو دون المستوى... وبالأخص مع دخول الفئات البسيطة لسوق صناعة المحتوى بغرض التربح. وهذا المحتوى يجري التفاعل معه على مستويين: الأول هو الغرض الترفيهي، أما المستوى الثاني فهو التفاعل السلبي بغرض النقد والرفض».

أمل في الأفق
من جهة ثانية، حول توقعات ضبط المحتوى في عام 2022، يشرح أسامة عصام الدين فيقول: «ثمة أمل يلوح في الأفق؛ لكن تشوبه بعض المعوقات. بلا شك رفعت جائحة (كوفيد - 19) المعايير وزادت اهتمام مراقبة المنصات للمحتوى المنشور عليها، خصوصاً ذلك المحتوى المتعلق بحياة الناس، وهكذا شاهدنا (يوتيوب) تعلن عن خطط توظيفها لعشرة آلاف موظف يعملون في الرقابة عام 2022، و(فيسبوك) تعلن عن نظام ذكاء صناعي جديد لمحاربة المحتوى الذي يحض على الكراهية. إن جميع تطبيقات التواصل عموماً رفعت من معايير الرقابة على المحتوى، وزادت من موظفيها المراقبين... لكن المتوقع أن يستمر صنّاع المحتوى بالمبالغة وقلة الاكتراث كثيراً لمعايير المؤسسات الإعلامية، ويظل معيار النجاح الأرقام في المقام الأول. إلا أن الإجراءات القانونية التي تعمل عليها الحكومات، والمحاسبة الرادعة للأفعال الخاطئة، وحدها التي ستجعلهم يهتمون بهذا الجانب».
في السياق نفسه، ترى المدوِّنة السورية - الأميركية سمر البرشا، التي قرّرت أن تتجه إلى إطلاق علامة للأزياء الراقية المحافظة - مقرها الولايات المتحدة - بعد نحو 10 سنوات من تقديم محتوى رقمي عبر منصات التواصل، أن «مفهوم النجاح في سوق صناعة المحتوى قد تغير. إذ لم يعد مصدر إلهام جمالي فحسب، بل بات ضرورياً أن يقدم صانع المحتوى قيمة لحياة الناس. وأعتقد أن الناس متفهمون تماماً للحياة غير الواقعية التي تخلقها وسائل التواصل أحياناً».
وأضافت البرشا في تصريحات مع «الشرق الأوسط»، أن «البعض يعد صانع المحتوى قدوة، لكن على الجمهور أن يتابع من دون الانخراط في سلوكيات قد لا تناسب أنماط حياتهم الخاصة». وعن اتجاهها لإطلاق علامة تجارية بناء على علاقتها بالمتابعين، قالت: «منصات التواصل أصبحت تشهد تغييرات بوتيرة سريعة، لذا لا يمكن الاعتماد عليها فقط، بينما أرى أن القادم علاقة أكثر واقعية مع المتابعين. لذلك قررت أن أغدو رائدة في الصناعة التي بنيت فيها علاقة موثوقة مع الجمهور؛ بل أدعو صناع المحتوى إلى اتخاذ خطوات أكثر واقعية تعزز علاقة مباشرة مع المتابعين، كالمشاركة في الندوات والوسائط التقليدية مثل التلفزيون أو الكتب وخطوط الإنتاج والخدمات التي تتجاوز وسائل التواصل الاجتماعي».
وحول تأثير «كوفيد - 19» على صناع المحتوى، أوضحت سمر البرشا: «أعتقد أن الوباء جعل الناس يدركون أن محتواهم يجب أن يجلب قيمة تتجاوز القيمة المادية، ومع إجراءات الإغلاق التي عانت منها الدول، وجد صناع المحتوى، الذين لا يقدمون قيمة واضحة، أنفسهم في مأزق. لذا حان الوقت أن ينفتح صناع المحتوى على الجمهور ويقدموا لهم ما يستحق المتابعة... وفيما يخصني، فإن استراتيجيتي هي الاستمرار في تقديم محتوى هادف، يعزز خدمة حقيقية أقدمها في الحياة، من خلال علامة تعكس ثقافة النساء الآتيات من ثقافة محافظة ولا يجدن ما يعبر عنهن».


مقالات ذات صلة

محكمة بريطانية: رومانيون طعنوا صحافياً في لندن بتحريض من إيران

أوروبا نانديتو باديا وجورج ستانا رجلان رومانيان متهمان بطعن الصحافي الإيراني الدولي بوريا زراتي قرب منزله في ويمبلدون في مارس 2024 يمثلان أمام محكمة «وولويتش كراون» في لندن ببريطانيا 18 مايو 2026 في رسم تخطيطي للمحكمة (رويترز)

محكمة بريطانية: رومانيون طعنوا صحافياً في لندن بتحريض من إيران

قال ممثلو ادعاء أمام محكمة بريطانية، اليوم الاثنين، إن مجموعة من الرجال الرومانيين، يعملون وكلاء للحكومة الإيرانية، نفّذوا هجوماً بالسكين على صحافي في لندن.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ارتفع إجمالي الجوائز الدولية لـ«عرب نيوز» منذ إعادة إطلاقها عام 2018 إلى 171 جائزة (SRMG)

«عرب نيوز» تفوز بـ8 جوائز تميّز إبداعية عالمية

فازت «عرب نيوز» التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)» بثماني جوائز تميز في المسابقة الإبداعية السنوية السابعة والأربعين لجمعية تصميم الأخبار.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق تشرف جامعة كولومبيا على جوائز «بوليتزر» (أ.ب)

جوائز «بوليتزر» للصحافة تكرّم تغطيات تدين إدارة ترمب وسياساتها

هيمنت التغطيات المتعلقة بإدارة ترمب على جوائز «بوليتزر» المرموقة للصحافة، حيث شنت لجنة الجائزة هجوماً لاذعاً على محاولات الرئيس الأميركي تقييد حرية الصحافة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق يؤكد حصد «المجلة» جوائز تميز دولية قوة سردها البصري (SRMG)

ترشيح دولي وجوائز تميز تعزز ريادة «المجلة» البصرية

حققت «المجلة» حضوراً عالمياً بارزاً بترشيحها لجوائز «جمعية مصممي المطبوعات» المرموقة، وحصدها 14 جائزة تميز من «جمعية تصميم الأخبار»، تأكيداً لقوة السرد البصري.

«الشرق الأوسط»
شمال افريقيا وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن صحافيين في طرابلس 2019 (أرشيفية - المركز الليبي لحرية الصحافة)

الانقسام السياسي في ليبيا يعزز «صراعات الجبهات» بالإعلام

بين شرق البلاد وغربها باتت مؤسسات إعلامية كثيرة تعكس خطوط التماس نفسها، وسط اتهامات بـ«تضييق متزايد على الصحافيين وتراجع هامش العمل المهني المستقل».

علاء حموده (القاهرة )

«إلباييس» و«لا ريبوبليكا»... مسيرة نصف قرن

ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
TT

«إلباييس» و«لا ريبوبليكا»... مسيرة نصف قرن

ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)

اثنتان من كبريات الصحف الأوروبية، «إلباييس» الإسبانية و«لا ريبوبليكا» الإيطالية، تحتفلان هذه الأيام بمرور خمسين سنة على انطلاقتيهما في ظروف متباينة في الظاهر، لكن متشابهة من حيث الدور الذي لعبته كل منهما على الصعيدين الإعلامي والصحافي. وبالتحديد، في إسبانيا بُعيد سقوط نظام الجنرال فرنشيسكو فرنكو وعودة الديمقراطية، وفي إيطاليا مع بداية انهيار المنظومة السياسية التقليدية التي حكمت البلاد منذ نهاية الحرب العالمية ونشوء التشكيلات السياسية الجديدة على أنقاض الحزبين الكبيرين؛ أي «الحزب الديمقراطي المسيحي» و«الحزب الشيوعي الإيطالي».

وهنا تجدر الإشارة إلى أنه بجانب «اللوموند» الفرنسية و«الغارديان» البريطانية، تشكل هاتان الصحيفتان ما اصطلحت الأوساط الإعلامية على تسميته بـ«المربّع الذهبي» للصحافة الأوروبية المكتوبة، والمعروفة برصانتها وتأثيرها العميق في النخب السياسية والفكرية.

«إلباييس»... ودورها في ترسيخ الديمقراطية

في الاحتفالات التي أطلقتها صحيفة «إلباييس» - ويعني اسمها بالإسبانية «البلد» - منذ مطالع الشهر الحالي بمناسبة يوبيلها الذهبي برعاية العاهل الإسباني، نوّه فيليبي السادس، بالدور الذي لعبته الصحافة المكتوبة في الدفاع عن المؤسسات وترسيخه إبان محاولة الانقلاب العسكري يوم 23 فبراير (شباط) 1981.

وحقاً، صدرت الصحيفة فجر اليوم التالي تحت عنوان «إلباييس مع الدستور»، بينما كان البرلمان مجتمعاً في جلسة محاسبة للحكومة، وهو لا يزال تحت سيطرة ضبّاط الحرس المدني الانقلابيين. وحينذاك، كانت الدلائل تشير إلى أن الانقلاب في طريقه إلى النجاح، قبل أن يدلي الملك (السابق) خوان كارلوس الأول بخطابه الشهير الذي دعا فيه القوات المسلحة إلى الالتزام بأحكام الدستور، ورفض السير وراء محاولة إجهاض النظام الديمقراطي اليانع.

يومذاك، لم تكن إسبانيا قد انضمت بعد إلى «السوق المشتركة» - «الاتحاد الأوروبي» حالياً، كونها أصبحت عضواً مطلع عام 1986 -. وكان رهان «إلباييس» الأساسي منذ صدورها الانخراط الكامل في المشروع الأوروبي الذي أصبحت اليوم أحد محركاته الرئيسة. وبالفعل، لعب موقف الصحيفة المتقدّم على الصحف الإسبانية الأخرى في معارضة الانقلاب دوراً أساسياً في نجاحها السريع. ومنذ ذلك الحين أصبحت مرجعاً لإسبانيا الديمقراطية، التي كانت تحاصرها وتتربص بها المكائد للعودة إلى النظام الديكتاتوري السابق. ولقد بيّنت معلومات كشفت لاحقاً عن أن الصحافي خوان لويس ثيبريبان، مدير «إلباييس» في تلك الحقبة، سعى إلى إقناع بعض زملائه بإصدار عدد مشترك يؤيد الدستور ويرفض المحاولة الانقلابية، لكنه لم يلق تجاوباً؛ لأن الصحف الأخرى كانت تفضّل التريّث للتأكد من نتيجة المحاولة.

الفكرة وراء التأسيس

صاحب فكرة تأسيس «إلباييس» هو الناشر والكاتب الإسباني خوسيه أورتيغا سبوتورنو، نجل الفيلسوف والمفكر الليبرالي الشهير خوسيه أورتيغا غاسيت، الذي جمع حوله عدداً من كبار الموظفين في الدولة، والمهنيين الأحرار، والأساتذة الجامعيين، الذين كانوا ينتمون جميعاً إلى المعارضة المعتدلة لنظام الجنرال فرنكو، أو الجناح المؤيد للتغيير في النظام. ولقد تقدّم في مطلع عام 1972 بطلب إلى وزارة الإعلام لإصدار جريدة يومية تحمل الاسم نفسه الذي حملته صحيفة أخرى ليبرالية مغارب القرن التاسع عشر ومطالع القرن التالي.

غير أن الحكومة الإسبانية ماطلت في منح الترخيص المطلوب حتى ربيع عام 1976، ليصدر يوم 4 مايو (أيار) العدد الأول من الصحيفة، التي سرعان ما تحولت إلى رائد للصحافة الإسبانية المكتوبة، وإحدى أهم الصحف الناطقة بالإسبانية في العالم.

لصحيفة «إلباييس» مكاتب تحرير منتشرة عالمياً في مكسيكو سيتي وبوغوتا وواشنطن وسانتياغو وبوينوس آيريس، فضلاً عن مكاتب العواصم الإقليمية الإسبانية التي تصدر عنها طبعات محلية في مدن برشلونة وبلنسية وإشبيلية ولا كورونيا ولاس بالماس وبورغوس ومايوركا. كذلك تصدر عنها طبعتان مختصرتان باللغتين الإنجليزية والبرتغالية، إلى جانب ملحق أسبوعي في شكل مجلة يتجاوز مبيعها المليون نسخة أسبوعياً.

من جهة ثانية، يبلغ عدد قراء النسخة الورقية من «إلباييس» حالياً 758 ألفاً، بينما يبلغ عدد قراء النسخة الإلكترونية 14.5 مليون وفق الإحصاءات الأخيرة. ثم إن الصحيفة هي عماد شركة قابضة تملك أوسع شبكة إذاعية في إسبانيا، وصحيفة اقتصادية يومية، وصحيفة رياضية، وداراً للنشر.

الصفحة الأولى من أحد أعداد "إلباييس" (إلباييس)

أقلام لامعة

ولجهة كبار الكتّاب، تتناوب على صفحات «إلباييس» نخبة من كبار الكتّاب والمفكّرين الإسبان والأميركيين اللاتينيين، كان أبرزهم غابرييل غارسيا ماركيز، الحائز جائزة نوبل للآداب، والذي بدأ ينشر مقالات دورية فيها منذ صدورها حتى قبيل وفاته عام 2014. وأيضاً ماريو فارغاس يوسا، الحائز الآخر على نوبل للآداب، الذي نشر فيها مقالات أسبوعية طيلة 33 سنة، واستضافته «الشرق الأوسط» على صفحاتها حتى وفاته ربيع العام الفائت.

على صعيد آخر، تعزَّز موقع «إلباييس» في المشهد الإعلامي الإسباني بعد الفوز الساحق الذي حقّقه الحزب الاشتراكي بزعامة فيليبي غونزاليس (تولى الحكم بين عامي 1982 و1996) في الانتخابات العامة، وكانت الصحيفة قد دعمته بقوة، بالتعاون مع عدد من الصحف والحكومات «التقدمية» في أوروبا. بل كانت «إلباييس» أول صحيفة إسبانية تستحدث شخصية «المدافع عن القارئ» التي يلجأ إليها القراء لطرح تظلّماتهم، كما وضعت مجموعة من القواعد والمعايير لضمان جودة وصدقية المعلومات التي تنشرها، وأصدرت «كتاب الأسلوب» الذي غدا مرجعاً للصحافيين الناطقين بالإسبانية.

في المقابل، خلال السنوات الأخيرة بدأ يتردد في أوساط قراء الصحيفة أنها «لم تعد كما عرفوها في الماضي»؛ إذ باتوا يفتقدون موقعها المتقدم في الدفاع عن العديد من القضايا السياسية والاجتماعية، ويأخذون عليها ترجيح الكفة الليبرالية على الهوية «التقدمية» التي كانت علامتها الفارقة.

في هذا السياق، يقول جوزيف أوغورليان، الرئيس التنفيذي للشركة القابضة المالكة للصحيفة: «(إلباييس) صحيفة تقدمية، تلتزم بعمق أحكام الدستور الإسباني والنظام الملكي البرلماني. وأميركا اللاتينية جوهرية بالنسبة إلينا، إعلامياً وعاطفياً وثقافياً وسياسياً». ويضيف: «صحيح أن إلباييس قد تغيّرت... ولكن لأن إسبانيا تغيّرت، والعالم تغيّر، ولأن الصحافة لم تعد كما عرفناها. هاجسنا الأول، كان ولا يزال، هو القارئ. ونحن نراهن على ذكائه وفطنته، ونؤمن بحقه في الحصول على معلومات موثوقة، وبقدرته على استخلاص العبر منها». بقي أن نشير إلى أن «إلباييس» تمنح جوائز سنوية للصحافيين والمدافعين عن حرية الرأي تحمل اسم خوسيه أورتيغا غاسيت «البوصلة الفكرية» للصحيفة. وكانت جائزة هذه السنة من نصيب الكاتبة والصحافية سفيتلانا ألكسيفيتش من بيلاروسيا، الحائزة جائزة نوبل للآداب.

«لا ريبوبليكا» الإيطالية

أما عن «لا ريبوبليكا» - أي «الجمهورية» - فإنها أُسست عام 1976 على يد الصحافي والكاتب المعروف أوجينيو سكالفاري، بدعم من الناشر أرنولدو موندادوري، بوصفها صحيفة يسارية أطلقت على نفسها مسمى «الصحيفة الحزب»، وكانت في بداياتها منبراً لمجموعة واسعة من الكتاب والصحافيين والمفكّرين الذين تتراوح مواقفهم بين اليسار الإصلاحي واليسار المتطرف. ولكن على مغارب القرن الماضي ومطالع هذا القرن، بدأت تجنح نحو معسكر «وسط اليسار» السياسي، وهي اشتهرت بمواقفها المعارضة لرئيس الوزراء الإيطالي الأسبق اليميني الملياردير سيلفيو برلوسكوني، الذي كان يعرف عنه أيضاً تذمّره منها، ومحاولاته العديدة الفاشلة لامتلاكها وضمّها إلى إمبراطوريته الإعلامية التي كانت المنصة الأساسية لنشاطه السياسي، والتي تضمّ ثلاث قنوات تلفزيونية وعدة صحف يومية ومجلات أسبوعية وداراً كبرى للنشر ومؤسسة للتسويق الإعلاني.

وفي هذا المجال، يذكر رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق جوليو أندريوتي في مذكراته أنه أجهض «في اللحظات الأخيرة» صفقة كان وراءها برلوسكوني للاستحواذ على الصحيفة، التي كانت قد تحوّلت إلى خصمه السياسي الألدّ. وبالتالي، حال أندريوتي - وهو يميني أيضاً - دون سيطرة برلوسكوني شبه الكاملة على المشهد الإعلامي الإيطالي. مع هذا، خاض برلوسكوني عدة معارك قضائية ضد الصحيفة، مطالباً بتعويضات مليونية لكنها باءت جميعاً بالفشل.

فضيحة دي بيلّا... وملكية عائلة آنييلي

عام 1981، عصفت بـ«لا ريبوبليكا» فضيحة كبيرة عندما تبيّن أن رئيس تحريرها فرنكو دي بيلّا كان عضواً في تنظيم ماسوني سرّي محاط بفضائح كبرى. وهو ما أدى إلى إقالته من منصبه، واتجاه الإدارة إلى التعاقد مع كتّاب مشهورين ومستقلين لاستعادة ثقة القراء.

وعام 2020، انتقلت ملكية «لا ريبوبليكا» إلى عائلة آنييلي الثرية المعروفة، صاحبة مجموعة «فيات» والمؤسّسات المتفرّعة عنها، ومالكة صحيفة «لا ستامبا» الصادرة في ميلانو. وقررت العائلة تعيين الصحافي ماوريزيو موليناري مديراً لها، وهو المعروف بعلاقاته الوطيدة مع إسرائيل ورئيس وزرائها الحالي بنيامين نتنياهو.

تعيين موليناري أثار احتجاجات في أوساط المحرّرين الذين استقال بعضهم من الصحيفة. ومع موليناري جنحت الصحيفة نحو الوسط، خارج المعسكرين اليساري واليميني. لكنها ركّزت أيضاً على معارضة التيْار الشعبوي الذي كان يتمدد بقوة في إيطاليا مع حزب «النجوم الخمس». وفي عام 2024، أقيل موليناري من منصبه الذي تولاه المدير الحالي ماريو أورفيو.

أخيراً، مع أن سياسة عائلة آنييلي، التي رسمها المؤسس جياني آنييلي، والتي تقوم على دعم الخط الحاكم بغض النظر عن ميوله واتجاهاته السياسية، تشكّل «لا ريبوبليكا» حالياً رأس حربة الوسائل الإعلامية المناهضة لحكومة جورجيا ميلوني، وبخاصة، حليفها الشعبوي ماتّيو سالفيني زعيم حزب «الرابطة»، المعروف بعلاقاته الوثيقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.


هل تحديثات «ثريدز» البصرية كافية لإعادة الزخم إلى المنصة؟

هل تحديثات «ثريدز» البصرية كافية لإعادة الزخم إلى المنصة؟
TT

هل تحديثات «ثريدز» البصرية كافية لإعادة الزخم إلى المنصة؟

هل تحديثات «ثريدز» البصرية كافية لإعادة الزخم إلى المنصة؟

أطلقت منصة «ثريدز» المملوكة لـ«ميتا» مزايا بصرية جديدة تهدف إلى «تحفيز سلوك النشر لدى المستخدمين»، في خطوة يرى خبراء أنها محاولة لاستعادة الزخم إلى المنصة التي صعدت بوتيرة متسارعة في البدايات ثم عانت من خفوت.

وتشمل تحديثات «ثريدز» التي أُطلقت في مايو (أيار) الجاري «إدراج ميزة آلية تُمكن المستخدم من تقسيم الكتل النصية الطويلة إلى منشورات متعددة ومتسلسلة»، بينما ركزت الخطوة الثانية على اختبار ملصقات متحركة مصممة لإبراز المنشورات وجعلها أكثر جاذبية بصرية داخل تجربة المستخدم.

لقد كانت بدايات «ثريدز» لافتة إلى حد أنها سجلت رقماً قياسياً في تاريخ الإعلام الرقمي عند إطلاقها في يوليو (تموز) 2023 كأسرع التطبيقات نمواً واكتساباً للمستخدمين.

وحسب بيانات أدلى بها الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا»، مارك زوكربيرغ، عقب إطلاق التطبيق مباشرةً فإن «المنصة نجحت في جذب مليون مستخدم في الساعة الأولى من إطلاقها، ثم تجاوز حاجز مائة مليون مستخدم في غضون أربعة أيام وست ساعات فقط، وسط معدلات تفاعل استثنائية بلغت 95 مليون منشور في اليوم الأول». غير أن هذه الوتيرة لم تستمر طويلاً، بينما بدأت المنصة -التي أطلقتها «ميتا» بالأساس لمنافسة «إكس» مستغلةً عثراته- في التراجع الفوري عقب التدشين، وفق مراقبين.

وذكرت بيانات سابقة لمؤسسة «سنسور تاور» للأبحاث الرقمية أنه «بعدما سجلت المنصة ذروة تفاعل تاريخية بلغت نحو 44 مليون مستخدم نشط يومياً في يوليو (تموز) 2023 انخفض هذا الرقم بنسبة تجاوزت 70 في المائة، ليستقر عند حدود 13 مليون مستخدم نشط يومياً بحلول أغسطس (آب) من العام نفسه».

ولم يقتصر التراجع على أعداد الزوار؛ بل امتد أيضاً، وفقاً لتقارير شركة «سيميلار ويب» المتخصصة في تحليل البيانات الرقمية، خلال أغسطس 2023، إلى البقاء الزمني للمستخدم، إذ «انخفض متوسط الوقت الذي يقضيه المستخدم النشط يومياً من 21 دقيقة إلى ما يتراوح بين 4 و6 دقائق فقط بعد ثلاثة أسابيع من التدشين، ويمثل هذا الانخفاض تراجعاً يقارب 79 في المائة في قدرة التطبيق على الاحتفاظ بالجمهور».

عبد الكريم الزياني، أستاذ الإعلام الرقمي بجامعة العين في أبوظبي، يرى أن الميزات البصرية وحدها لن تكفي لإنعاش «ثريدز». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «المشكلة الأساسية ليست في شكل المنشورات؛ بل في غياب هوية واضحة تجعل المستخدم يشعر بأن المنصة تقدم له قيمة يومية مختلفة عن باقي التطبيقات».

ويضيف أن «ميتا» تحاول جعل «ثريدز» أكثر جاذبية من الناحية البصرية، وهذا يعني أنها تقترب تدريجياً من روح «إنستغرام»، وهذا قد يساعد على جذب المستخدمين المعتادين على المحتوى المرئي، لكنه قد يُضعف تميّزها كمنصة للنقاشات النصية السريعة التي تنافس «إكس».

وعن جدوى تحديثات «ثريدز» في استعادة الزخم، يقول الزياني: «قد تزيد التحديثات من التفاعل على المدى القصير، لأنها تمنح المستخدمين أدوات تعبير أكثر تنوعاً؛ لكن نجاح المنصة يبقى مرتبطاً بجودة الخوارزمية وقدرتها على عرض محتوى مهم وتحفيز النقاش الحقيقي بين المستخدمين». ويتابع: «المستخدم لن يعود يومياً بسبب الملصقات المتحركة فقط، بل لأنه يجد أخباراً سريعة ونقاشات مؤثرة ومحتوى يهمه».

ومن ثم «إذا لم توفر (ثريدز) هذه العناصر، فلن تكون الإضافات البصرية وحدها كافية للإقناع باستخدام المنصة باستمرار».

وعلى الرغم من إعلان زوكربيرغ في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 استعادة التطبيق لمسار النمو التدريجي ووصوله إلى نحو 275 مليون مستخدم نشط شهرياً، فإن مراقبين لا يرون نمو الحسابات النشطة شهرياً دليلاً على الوصول للمستخدم.

وهنا، في لقاء مع «الشرق الأوسط» قال فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، إن تراجع «ثريدز» لا يعود إلى ضعف الإبهار البصري حتى تؤتي هذه التحديثات جدواها، بينما تكمن الأزمة في أن المنصة لم تأتِ للمستخدم بجديد، إذ اعتمدت على تكرار تجربة «إكس» فحسب.

وأردف رمزي أن «مواجهة الخفوت على المنصة يحتاج إلى الابتكار والتجديد، والخروج بجديد يختلف حتى عن منصات (ميتا) نفسها». وعدّ تحديثات المنصة سطحية ولم تأتِ بجديد للمستخدم، إذ قال: «جميع التحديثات تركز على تجربة المستخدم، وهو أمر غير كافٍ لاستعادة الصعود بعد خفوت مدوٍّ، لا سيما وسط منافسة محتدمة مع منصات مخضرمة في السوق».

ثم تطرق رمزي إلى تحديثات «ثريدز» وما إذا كانت تمثل فرصة للأخبار، فذكر أن السياسة الأوسع لشركة «ميتا» فيما يتعلق بالأخبار باتت واضحة؛ «إذ إن (ميتا) تتَّبع سياسة ممنهجة مفادها الابتعاد عن المحتوى الجاد مثل الأخبار والتحليلات، ظناً أنها تورطها في مشكلات سياسية وقانونية».

واستطرد: «ظهر هذا التوجه منذ ألغت الشركة خاصية المقالات الفورية، وصولاً إلى تقليص مشروع (فيسبوك) للصحافة والحد من وظائفه وتمويله». ومن ثم استبعد أن تتحول «ثريدز» إلى منصة للأخبار الجادة أو النقاشات الرصينة، مشيراً إلى أن «المحاولات الراهنة لجذب انتباه الجمهور مجدداً تفتقر إلى الفاعلية المطلوبة، فقد توفر تجربة جيدة للمستخدم، غير أنها لن تحقق الصعود المستدام للمنصة».


وليد عبّود... علاقة وجدانية مع «تلفزيون لبنان»

وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
TT

وليد عبّود... علاقة وجدانية مع «تلفزيون لبنان»

وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)

وليد عبود، صاحب خبراتٍ متراكمة في عالم الإعلام اللبناني، ويمثّل نموذجاً للمهني المتمرّس. ولقد تنقّل بين صروحٍ عديدة، منذ كان طالباً في كليات الإعلام والأدب والحقوق، حيث كان شغفه الأول الثقافة، إلا أن عالم السياسة سرعان ما جذبه، ليصبح أحد أبرز المحاورين التلفزيونيين في لبنان. وعبود راهناً يشغل منصب رئيس تحرير نشرات الأخبار في قناة «إم تي في» المحلية، ويقدّم 3 برامج حوارية هي: «أبيض وأسود» على منصة «هلا أرابيا»، و«الحكي يوصل» على منصة «صوت كل لبنان»، و«مع وليد عبود» على شاشة «تلفزيون لبنان».

بالنسبة لمسيرته، فإنه استقى خبراته الأولى من عمله في «دار الصياد» عندما كان في الثامنة عشرة من عمره، ويومذاك تولّى مهام التحرير في نشرة دورية كانت تُرسل إلى أصحاب القرار في لبنان والعالم العربي. بعدها تنقّل بين عدد من الصحف اللبنانية والعربية، من بينها «المسيرة» و«الحياة» و«نداء الوطن» و«النهار»، حيث كتب مقالات ثقافية.

وفي «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (إل بي سي آي)، شارك في إعداد برامج ثقافية مثل «كبارنا». أما تجاربه السياسية الأولى فانطلقت عبر برنامج «ع صوت عالي» على شاشة «تلفزيون لبنان» خلال مرحلة إدارتها من قِبل فؤاد نعيم.

ومع الراحل جبران تويني، خاض تجربة تلفزيونية جديدة من خلال إعداد برنامج «فخامة الرئيس» على شاشة «إل بي سي آي»، ليتولى بعدها برنامج «رئاسيات». ويعلقّ وليد عبود على تلك الحقبة بالقول: «تعاوني مع الراحل جبران تويني ترك أثره الإيجابي في مشواري المهني. كان قامة سياسية وإعلامية لا يمكن أن تمر مرور الكرام».

في انتقاله إلى «إم تي في» عام 1989، بدأ إعداد برنامج «سجّل موقف». وبقي فيها حتى عام 2001، حين استدعته «إل بي سي آي» للعمل في إدارة تحرير نشرات الأخبار، وهي مرحلة أكسبته خبرة واسعة. ثم عاد مجدداً إلى «إم تي في» لتولّي رئاسة تحرير نشرات الأخبار حتى اليوم، إلى جانب تقديمه برنامج «بموضوعية» حتى عام 2018. ويؤكد أن مجمل هذه المحطات صقل تجربته المهنية، التي تجاوزت اليوم 46 عاماً من العمل الإعلامي.

«تلفزيون لبنان» وعوْدٌ على بدء

على الرغم من التجارب الكثيرة واللامعة التي خاضها عبود في صروح إعلامية عدّة، فإنه لفت متابعيه أخيراً بانضمامه إلى عائلة «تلفزيون لبنان». كانت عودة إلى واحدة من أقدم تجاربه الإعلامية في عام 1994، حيث يقدّم عبره مساء كل أربعاء برنامجه الحواري السياسي «مع وليد عبود».

في لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال عن هذه الخطوة: «لا شك أن هذه المحطة تسمها العراقة والتاريخ المضيء، وقد تربّينا على شاشتها. ومجرّد أن يُوضع اسمي إلى جانب الرعيل الأول من الإعلاميين أمثال عادل مالك وكميل منسّى وجان خوري، فهذا يشكل حافزاً وفخراً كبيرين لي». وأضاف مستعيداً لحظة دخوله إلى مبنى التلفزيون: «ممرّ طويل يقود إلى الاستوديوهات، وعلى جدرانه صور هؤلاء الإعلاميين، إلى جانب صورة الرئيس الراحل كميل شمعون وهو يضع حجر الأساس لتلفزيون لبنان. هناك اجتاحتني مشاعر الحنين إلى زمن الإعلام اللبناني الذهبي والرائد، حين كان لبنان بين أوائل الدول العربية التي تخطو هذه الخطوة الكبرى في المنطقة. وكذلك استعدت ذكرياتي مع هذه الشاشة المرتبطة بوجداني».

من ناحية ثانية، خيار العودة إلى «تلفزيون لبنان» لم يكن مجرد محطة عابرة في مسيرة عبود، بل جاء نتيجة مجموعة اعتبارات مهنية وواقعية. وهو يوضح أن تعذّر تقديم برنامج تلفزيوني على محطة محلية منافسة دفعه إلى اختيار هذه العودة، بوصفه الخيار الأنسب والأكثر انسجاماً مع المرحلة.

ومن خلال هذا المنبر، قدّم برنامجه الحواري السياسي «مع وليد عبود»، الذي يُعرض مساء كل أربعاء، ويستضيف شخصيات سياسية بارزة. وقد استهلها مع رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام. وأشار إلى أنها كانت أولى إطلالاتهما الإعلامية فشكّلت نقطة تحوّل في مسار البرنامج، إذ أسهمت المقابلتان في تثبيت حضوره وتعزيز انتشاره. وهو يرى أن «تلفزيون لبنان»، في ظل إدارته الجديدة، بدأ يخطو باتجاه رؤية مستقبلية أكثر تنظيماً ووضوحاً، ما انعكس إيجاباً على موقع البرنامج داخل المشهد الإعلامي.

إعلامي متميز... وخبرات متراكمة (إم تي في)

الذاكرة الإعلامية

قال عبود إن تجربة العودة إلى تلفزيون لبنان «أعادت إليَّ شيئاً من الذاكرة الإعلامية الأولى، لكنها في الوقت نفسه أتاحت لي مساحة عمل مختلفة، تجمع بين الخبرة المتراكمة والفرصة المتجددة لإعادة تقديم نفسي ضمن سياق وطني جامع».

وفي سياق كلامه عن تجربته الطويلة مع قناة «إم تي في»، استعاد عبود محطات من إدارة نشرات الأخبار، معتبراً أن العلاقة بين الإعلامي والمحطة تقوم أساساً على الانسجام في الرؤية والخط التحريري. وأردف: «نحن مَن نشبه المحطة وليس العكس»، موضحاً أن نجاح التجربة الإعلامية «يرتبط بمدى التقاطع بين قناعة الإعلامي ونهج المؤسسة، وإلا فإن الخلافات تصبح نتيجة طبيعية».

وعلى الصعيد الشخصي، قال إن «الحروب الإعلامية» ليست من طبعه، فهو يميل إلى تجنّب المواجهات المباشرة. ويفضّل التركيز على العمل والمضمون. ويرى أن بيئة التفاهم داخل أي مؤسسة إعلامية تُسهّل تجاوز التحديات، وتُقلّل من حدّة الإشكالات، في حين أن غياب التفاهم هو ما يخلق الأزمات، ويؤدي إلى المغادرة أو الاختلاف.

النقد ضرورة من أجل التطور

أما في ما يتعلق بالنقد، فيشدّد وليد عبود على أنه «عنصر أساسي في المهنة وليس تهديداً لها، بل لعله أداة تطوير حقيقية». ويضيف أن «كل إعلامي، سواء كان في موقع التحرير أو التقديم، يتعرّض للنقد بشكل دائم، سواء من سياسيين أو جمهور أو زملاء في المهنة، والمهم هو كيفية التعامل معه». وبالنسبة له، النقد لا يُقابل بالانزعاج، بل بالاستفادة؛ لأنه يكشف نقاط الضعف التي قد لا تكون واضحة خلال عمل يومي يستمر 18 ساعة متتالية. ويؤكد أنه بعد كل حلقة من برنامجه يطلب آراء المشاهدين بصدق؛ لأن المديح لا يهمّه بقدر ما يهمّه النقد البنّاء الذي يساعده على التطوير.

ويشرح من ثم أن مسيرته الإعلامية الطويلة علّمته أن كل يوم يحمل تجربة جديدة، وأن العمل المتواصل لساعات قد يرافقه بعض الهفوات، لكن التحدي الحقيقي هو في تقليل الأخطاء وتحاشي تكرارها. ومن ثم، يرى أن المعيار ليس في غياب الخطأ، بل في القدرة على ضبط نسبته مقارنة بمحطات أخرى.

الإعلامي يبقى في الذاكرة

واختتم عبود اللقاء معه بالتأكيد على أن «الإعلام مهنة متعبة»، ولا يعرف كيف انخرط فيها بهذا الشغف الكبير، ثم إنه كان يخطط لمسار أكاديمي في الأدب والفلسفة، لكن الإعلام جذبه بشكل غير متوقع. وتابع أنه يؤمن بأن «الإعلامي الحقيقي يبقى حاضراً في ذاكرة الناس إذا استطاع أن يترك بصمة واضحة، وأن هذه المهنة، رغم صعوبتها، تبقى وفية لصاحبها بقدر وفائه لها». ويعود ليصف الإعلام بأنه «عالم ساحر وجميل، لكن الأهم ألا ينقلب السحر على ساحره في اللحظات المفصلية».