صناعة المحتوى... بين الضوابط والتخصص والتحديات

مطالب بالتحقق من المعلومات قبل تداولها

فادي رمزي
فادي رمزي
TT

صناعة المحتوى... بين الضوابط والتخصص والتحديات

فادي رمزي
فادي رمزي

يثار دائماً كثير من التساؤلات حول صناعة المحتوى، وسط مطالب بـ«ضوابط محددة للمحتوى» ليكون ملائماً.
قبل سنوات قريبة كانت صناعة المحتوى مقتصرة على دارسي الإعلام والصحافة، بل كانت تفصل بينهما خطوط واضحة. بينما الآن نحن أمام عدد لا نهائي من صُناع المحتوى، بل وتلاشى شرط التخصص والدراسة. وبات المتابع وحده صاحب القرار، وحده من يمنح اللقب، أما أنت فيمكنك أن تصنع المحتوى من على أريكة منزلك، فقط إذا نجحت في مواكبة «الترند». أما صُناع الإعلام المرئي أو الصحافة فكانت عليهم مجاراة الأدبيات الجديدة للمهنة، وإلا تخلفوا عن الركب.
كل هذه المتغيرات خلقت واقعاً جديداً. ويأمل خبراء الإعلام في «صناعة محتوى ملائم يلتزم معايير العمل الإعلامي أو العلني». وسط مخاوف من المحتوى «غير الملائم» بسبب أن «صانع المحتوى لا يزال حراً، لا يحتاج فقط؛ إلا لهاتف ذكي ووسيلة لاستخدام شبكة الإنترنت».
فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي، والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، يُعرّف عن صُناع المحتوى الرقمي، فيقول في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «علينا أولاً تحديد هوية صانع المحتوى. ثمة شروط تجعل من أي شخص صانع محتوى؛ أن يمتلك هاتفاً ذكياً، يمكنه الاتصال بالإنترنت، ولديه فكرة أو شيء يرغب في التعبير عنه من خلال فيديو أو مقطع صوتي، أما المحتوى النصي فبات الأقل توافراً لأنه يتطلب مهارة خاصة».
وعن سوق صناعة المحتوى. يقول رمزي: «شهد تغييرات جذرية فيما يخص صناعة المحتوى الرقمي، بدأت من نهايات عام 2020، مع ظهور المحتوى الصوتي من خلال تطبيق (كلوب هاوس)، لا سيما أنه قدم ما يُعرف بـ(المحادثات اللحظية) وهو نمط عصري، رغم شعبيته، تراجع بعدما أثرى سوق المحتوى الرقمي بتجربة فريدة، ما عزز فكرة اعتماد المحتوى الصوتي وأفسح المجال أمام البود كاست».
أسامة عصام الدين، الخبير في تطوير مواقع التواصل الاجتماعي بالمملكة العربية السعودية، يوافق رمزي رأيه خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» ذكر فيه أن «العام الماضي كان عام محتوى الفيديوهات الطولي القصير بامتياز... وهو المحتوى الذي برع فيه (تيك توك) بفيديوهات مستخدميه البسيطة الموجهة منهم وإليهم، والتي قادته إلى عرش التطبيقات الكبيرة مع مليار مستخدم نشط شهرياً. بل ومكّن العملاق الصيني من تخطي الوقت الذي يمضيه المستخدمون في أميركا وبريطانيا على (يوتيوب). واليوم بإمكاننا أن نرى شعبية هذا المحتوى تزداد أكثر وأكثر مع دخول منصات أخرى في المنافسة، كخاصية ريلز من «(إنستغرام)، و(شورتس) من (يوتيوب)، و(الأضواء) من (سناب شات)...».
عودة إلى رمزي، فإنه يرجع الزيادة في ضخ المحتوى الرقمي في الفضاء الشاسع إلى بضعة عوامل، موضحاً: «ثمة مؤشرات لها علاقة مباشرة بتعزيز مجال صناعة المحتوى الرقمي، إذ تشير التقارير الدولية إلى زيادة استخدام الهاتف الجوال مقارنة بالحاسوب الذي تراجع، كذلك بات نمط التصوير الرأسي (الطولي) هو السائد، على العكس من قبل، حيث كانت المقاطع تصور بطريقة أفقية، من ثم صار كل ما هو ملائم لإمكانات الهاتف الجوّال، هو السائد، ما عزّز صناعة المحتوى الرقمي من حيث الكثافة العددية وليس ثراء المحتوى».

الزيادة لا تعني الجودة
من جهة أخرى، يشدد خبراء على أن زيادة المحتوى لا تعني الجودة، بل على العكس من ذلك، سهولة صناعة المحتوى أفسحت المجال للصالح والطالح على حد سواء. وهذا ما يعقّد مهمة المؤسسات الإعلامية التي تسير وفقاً لمعايير وأدبيات فرضتها المهنة، ويعزز أهمية الحديث عن دور منصات التواصل الاجتماعي في حجب المحتوى، حال ثبوت خطورته على المتابعين. وإزاء هذه النقطة يشرح رمزي أن «منصات التواصل الاجتماعي هي أولاً وأخيراً شركات هادفة للربحية، وتدلل على ذلك قضية (فيسبوك) التي نتابعها منذ أشهر، بعدما خرجت موظفة (فيسبوك) السابقة فرنسيس هوغن، واتهمت لوغاريتمات الشركة العملاقة بتعمد تمرير معلومات مغلوطة عن جائحة (كوفيد - 19)، لأن هذا من شأنه يخلق حالة جدال ثم مكاسب للشركة». ويتابع: «هذا هو النموذج الربحي لكل منصات التواصل، وهو بقاء المستخدمين أطول مدة ممكنة ما يسمح بعرض مزيد من الإعلانات».
فادي رمزي يميّز بين المنصات، من حيث مدى صرامة التعامل مع المحتوى غير الموثوق، أو الذي يحمل شبهة عنف أو تحريض. ويقول: «وفق تقرير (رويترز) للإعلام، فإن الجمهور يثق في (تويتر) من حيث دقة المعلومات، لأن المنصة اتخذت تدابير أكثر صرامة في التصدي للمعلومات الخطيرة أو غير الآمنة... وكذلك (غوغل) و(يوتيوب). ويمكن القول إن ثمة إجراءات احترازية يتخذها عملاق التكنولوجيا لحماية المستخدم من المحتوى غير اللائق، بينما (فيسبوك) متراجع في هذا الصدد وربما أسهم في نشر محتوى غير مرغوب فيه بشكل يدعو إلى القلق».
وحقاً، يشير مراقبون إلى أن الاتهامات الموجهة لشركة «ميتا» (فيسبوك سابقاً، ومالكة الموقع الشهير) دعت إلى اتخاذ الشركة بعض الإجراءات من أجل ضبط سوق المحتوى الرقمي. فمثلاً خلال الأشهر الماضية، أصدر موقع «فيسبوك» قراراً بوقف ربط الإعلانات بعدد المتابعين. ووفقاً للمحتوى الذي يقدمه الحساب، يعتقد أسامة عصام الدين أنه «تقدم في تقنين صناعة المحتوى». ويضيف: «إنها خطوة كبيرة، بلا شك، تعني أن هذه المنصات بدأت بمعرفة وملاحظة الأثر السلبي الذي تسببه بعض أنواع المحتوى المنتشرة... وقرار كهذا سيجعل صناع محتوى يعيدون النظر في تقييم المحتوى الذي يقدمونه، وما إذا كانت له آثار سلبية على المشاهد، أم لا، وهي خطوة أرجو أن تتبعها منصات التواصل الأخرى».

أربعة أشكال للمحتوى
عن أنواع المحتوى الأكثر رواجاً، يقول رمزي: «في علم التواصل الرقمي ينقسم المحتوى إلى أربعة أشكال: الترفيهي، والتعليمي والتوعوي، والمحتوى الملهم، والمحتوى المقنع... وجائحة (كوفيد - 19) أسهمت في تعزيز مكانة المحتوى التعليمي الذي عادة ما يقدمه شخص متخصص، لأن المتابعين بحاجة لفهم المرض وكيفية التعامل معه، ثم ظهور اللقاح، وضرورة الإلمام بمعلومات موثوقة عن أهميته وتبعاته». ويستطرد: «ويصعد معه، بالتوازي، المحتوى الترفيهي، لا سيما بين الشعوب العربية ومصر بشكل خاص، لأننا شعوب نميل إلى الفكاهة».
وفي السياق نفسه، عن تأثير صعود المحتوى المتخصص لضبط سوق صناعة المحتوى، يرى عصام الدين: «من جهة المنصات، فهي ستتسابق لإرضاء صناع المحتوى وتقديم المحتوى في منصاتها. بعضها سترضيهم الأرقام ومسيرة النمو، والبعض الآخر بكسب الأموال من خلال مشاهدات ووصول صانع المحتوى». أما عن المنافسة بين المحتوى المتخصص الذي يقدم معلومات موثوقة نسبياً، والمحور الترفيهي، فيقول عصام الدين: «كلاهما سيواصل بالصعود والنجاح، مع اختلاف معيار النجاح من مجال إلى آخر. فالوصول إلى عدد محدود من الناس لصانع محتوى متخصص، قد يكون أنجح بكثير من الوصول إلى عدد كبير لصانع محتوى ترفيهي، لأن جمهوره هو جمهور مركز ومحب للتخصص الذي يُقدَّم».
وفي حين يرى خبراء أن صعود المحتوى المتخصص ربما يبشر بعودة الثقة في المحتوى الإعلامي أو على الأقل يرجح كفته، يعتقد رمزي أنه «لا داعي لرفع التوقعات، ذلك أن صعود المحتوى التعليمي والتوعوي وظهور صانع المحتوى المتخصص، لا يعنيان على الإطلاق أننا بصدد محتوى يلتزم معايير العمل الإعلامي أو العلني... إذ ما زلنا أمام صانع محتوى حر لا يحتاج إلا لهاتف ذكي ووسيلة لاستخدام شبكة الإنترنت. وواقع الأمر أنه ما زال متعذراً تطهير الفضاء الرقمي من المحتوى الرديء الذي قد يصل إلى حد الإسفاف». ويتابع رمزي: «مواقع التواصل تسير بقوانين المجتمعات، التي قد تجد فيها كل الأنماط، منها ما هو مفيد وترفيهي ونافع، ومنها في الوقت نفسه ما يضج بالمحتوى الرديء. وبالتالي، الحل يكمن في توعية المتابع وتزويده بثقافة الانتقاء، رغم أنها مهمة شاقة». ثم يقول: «أتوقع زيادة المحتوى غير اللائق أو ما هو دون المستوى... وبالأخص مع دخول الفئات البسيطة لسوق صناعة المحتوى بغرض التربح. وهذا المحتوى يجري التفاعل معه على مستويين: الأول هو الغرض الترفيهي، أما المستوى الثاني فهو التفاعل السلبي بغرض النقد والرفض».

أمل في الأفق
من جهة ثانية، حول توقعات ضبط المحتوى في عام 2022، يشرح أسامة عصام الدين فيقول: «ثمة أمل يلوح في الأفق؛ لكن تشوبه بعض المعوقات. بلا شك رفعت جائحة (كوفيد - 19) المعايير وزادت اهتمام مراقبة المنصات للمحتوى المنشور عليها، خصوصاً ذلك المحتوى المتعلق بحياة الناس، وهكذا شاهدنا (يوتيوب) تعلن عن خطط توظيفها لعشرة آلاف موظف يعملون في الرقابة عام 2022، و(فيسبوك) تعلن عن نظام ذكاء صناعي جديد لمحاربة المحتوى الذي يحض على الكراهية. إن جميع تطبيقات التواصل عموماً رفعت من معايير الرقابة على المحتوى، وزادت من موظفيها المراقبين... لكن المتوقع أن يستمر صنّاع المحتوى بالمبالغة وقلة الاكتراث كثيراً لمعايير المؤسسات الإعلامية، ويظل معيار النجاح الأرقام في المقام الأول. إلا أن الإجراءات القانونية التي تعمل عليها الحكومات، والمحاسبة الرادعة للأفعال الخاطئة، وحدها التي ستجعلهم يهتمون بهذا الجانب».
في السياق نفسه، ترى المدوِّنة السورية - الأميركية سمر البرشا، التي قرّرت أن تتجه إلى إطلاق علامة للأزياء الراقية المحافظة - مقرها الولايات المتحدة - بعد نحو 10 سنوات من تقديم محتوى رقمي عبر منصات التواصل، أن «مفهوم النجاح في سوق صناعة المحتوى قد تغير. إذ لم يعد مصدر إلهام جمالي فحسب، بل بات ضرورياً أن يقدم صانع المحتوى قيمة لحياة الناس. وأعتقد أن الناس متفهمون تماماً للحياة غير الواقعية التي تخلقها وسائل التواصل أحياناً».
وأضافت البرشا في تصريحات مع «الشرق الأوسط»، أن «البعض يعد صانع المحتوى قدوة، لكن على الجمهور أن يتابع من دون الانخراط في سلوكيات قد لا تناسب أنماط حياتهم الخاصة». وعن اتجاهها لإطلاق علامة تجارية بناء على علاقتها بالمتابعين، قالت: «منصات التواصل أصبحت تشهد تغييرات بوتيرة سريعة، لذا لا يمكن الاعتماد عليها فقط، بينما أرى أن القادم علاقة أكثر واقعية مع المتابعين. لذلك قررت أن أغدو رائدة في الصناعة التي بنيت فيها علاقة موثوقة مع الجمهور؛ بل أدعو صناع المحتوى إلى اتخاذ خطوات أكثر واقعية تعزز علاقة مباشرة مع المتابعين، كالمشاركة في الندوات والوسائط التقليدية مثل التلفزيون أو الكتب وخطوط الإنتاج والخدمات التي تتجاوز وسائل التواصل الاجتماعي».
وحول تأثير «كوفيد - 19» على صناع المحتوى، أوضحت سمر البرشا: «أعتقد أن الوباء جعل الناس يدركون أن محتواهم يجب أن يجلب قيمة تتجاوز القيمة المادية، ومع إجراءات الإغلاق التي عانت منها الدول، وجد صناع المحتوى، الذين لا يقدمون قيمة واضحة، أنفسهم في مأزق. لذا حان الوقت أن ينفتح صناع المحتوى على الجمهور ويقدموا لهم ما يستحق المتابعة... وفيما يخصني، فإن استراتيجيتي هي الاستمرار في تقديم محتوى هادف، يعزز خدمة حقيقية أقدمها في الحياة، من خلال علامة تعكس ثقافة النساء الآتيات من ثقافة محافظة ولا يجدن ما يعبر عنهن».


مقالات ذات صلة

«الترفيه» السعودية و«إم بي سي مصر» لإنتاج محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور

يوميات الشرق جانب من توقيع العقد المشترك برعاية المستشار تركي آل الشيخ في القاهرة الخميس (هيئة الترفيه)

«الترفيه» السعودية و«إم بي سي مصر» لإنتاج محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور

أبرمت هيئة الترفيه السعودية عقد إنتاج مشترك مع قناة «إم بي سي مصر»، في خطوة تعزز مسارات التعاون الهادف إلى تقديم محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور المصري.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق مصر تودع الإذاعي الكبير فهمي عمر (الهيئة الوطنية للإعلام بمصر)

مصر تودع «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر

فقد الإعلام المصري قامة إذاعية كبيرة برحيل «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر الذي وافته المنية الأربعاء عن  98 عاماً والذي يُعد أحد الأصوات الذهبية.

انتصار دردير (القاهرة)
العالم سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

قالت لجنة حماية الصحافيين، الأربعاء، إن 129 من الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام قُتلوا خلال أداء عملهم العام الماضي، وإن ثلثي القتلى سقطوا بنيران إسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الاتفاق على تعزيز التعاون الإعلامي والثقافي والفني بين السعودية ومصر (فيسبوك المستشار تركي آل الشيخ)

السعودية ومصر لتعزيز التعاون في الإعلام والثقافة والفنون

تسعى السعودية ومصر لتعزيز التعاون بينهما في مجالات الإعلام والثقافة والفنون وفق ما تناوله لقاء جمع ضياء رشوان والمستشار تركي آل الشيخ.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
إعلام زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي.

إيمان مبروك (القاهرة)

فضيحة بقناة ألمانية بسبب الذكاء الاصطناعي

لقطة من التقرير (زد دي إف)
لقطة من التقرير (زد دي إف)
TT

فضيحة بقناة ألمانية بسبب الذكاء الاصطناعي

لقطة من التقرير (زد دي إف)
لقطة من التقرير (زد دي إف)

وقعت قناة ألمانية في فخ الذكاء الاصطناعي؛ ما فتح الباب أمام موجة واسعة من الانتقادات والتساؤلات حول مصداقية الإعلام في ألمانيا، وكيفية التحقق من الأخبار قبل نشرها. وكانت القصة قد بدأت عندما نشرت القناة الألمانية الثانية «زد دي إف» ZDF، التي هي واحدة من أكبر القنوات العامة في البلاد، تقريراً في نشرتها الإخبارية المسائية الرئيسة، ظهر فيها فيديو من إنتاج الذكاء الاصطناعي.

يتكلم التقرير، الذي عُرض يوم 15 فبراير (شباط) عن حملة الاعتقالات التي تنفذها وكالة «إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك» ICE في الولايات المتحدة، وظهر فيه شريطان تبين لاحقاً أن الأول مزيف والآخر قديم ويعود إلى قصة مختلفة.

الفيديو الأول ظهرت فيه امرأة آسيوية يقتادها عنصران من شرطة الهجرة وهي تبكي ويداها مكبلتان، بينما يتمسك ولداها بها وهما يبكيان ويتوسلان الشرطيين لإطلاق سراحها. وكان واضحاً في يسار الشريط المزيّف طبعة «سورا»، وهو البرنامج المعروف بإنتاج فيديوهات بالذكاء الاصطناعي، ومع ذلك نُشر في التقرير على أنه حقيقي، ولم تشر لا المقدمة ولا الصحافي إلى أن الشريط مزيف.

المراسلة نيكولا ألبريشت (زد دي إف)

أما الشريط الآخر، فكان لفتى يبلغ 11 سنة من العمر يقتاده رجل شرطة وهو مكبل اليدين. وظهر في التقرير صوت يقول إن دائرة الهجرة تعتقل الأطفال وترحّلهم. ولكن تبين لاحقاً أن الشريط قديم يعود إلى عام 2022، وأن الفتى إنما اعتُقل بعدما هدّد بإطلاق النار داخل مدرسة.

أما ما أثار ارتباكاً وتعجباً أكبر، فهو أن تمهيد التقرير، الذي قرأته المذيعة المعروفة دنيا هيالي، أشار إلى «وجود الكثير من الفيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر عمل وكالة الهجرة في الولايات المتحدة»، وأضاف أن «ليست كل الفيديوهات المنشورة حقيقية، ولكن الكثير منها حقيقي».

سحب واعتذار متأخران

القناة تأخرت يومين قبل تقديم اعتذار وسحب التقرير. ثم نشرت يوم الثلاثاء اعتذاراً تقول فيه إن التقرير الذي عُرض مساء الأحد تضمّن «أخطاءً في الوقائع»، وإن «القناة فتحت تحقيقاً في المسألة». ومن جهة أخرى، علقت نائبة رئيسة التحرير بالقول إن عرض التقرير «يتنافى مع جهود القناة بتأمين أخبار موثوق بها، وأنها أخفقت هذه المرة بذلك». وأردفت أن القناة «تقدم اعتذارها للمشاهدين؛ لأن التقرير لم يرقَ إلى معاييرنا المرتفعة».

ثم عادت القناة وأصدرت بيانين في اليومين التاليين، ذكرت فيهما أن الخطأ جاء من مكتب القناة في مدينة نيويورك، حيث أضيف الفيديوهان الخطأ من دون التأكد من مصدريهما ولا تاريخيهما. وأعلنت أيضاً، عن إعفاء مراسلتها في نيويورك نيكولا ألبريشت (50 سنة) من منصبها وعن استدعائها للعمل داخل القناة التي تتخذ من مدينة ماينز (غرب ألمانيا) مقراً لها، عوضاً عن طردها.

مقر المحطة والقناة (زد دي إف)

رئيسة تحرير القناة بتينا شاوستن برّرت الإحجام عن طرد المراسلة من القناة والاكتفاء باستدعائها، بالقول إنه كان يجب التنبّه للخطأ داخل مقر القناة بعدما أرسل التقرير، وكان واضحاً لأنه يحتوي على فيديوهات من الإنترنت. وتابعت شاوستن في مقابلة مع صحيفة «تسود دويتشه تزايتونغ» بأنه «يجب الآن بذل جهود إضافية في عملية التحقق قبل البث».

ولكن، راينر هاسلهوف، أحد أعضاء مجلس إدارة القناة، صرّح بأن طرد المراسلة «لا يمكن إلا أن يكون الخطوة الأولى لتحقيق منهجي في الذي حصل». وتابع إن الأمر يتعلق «بمصداقية القناة»، وشدد على أن للمواطنين «الحق في الحصول على المعلومة الصحيحة». وللعلم، يجري تمويل هذه القناة من أموال دافعي الضرائب عبر ضريبة خاصة يدفعها المواطنون تُعرَف بـ«ضريبة البث».

وفي اليوم الثاني، عادت القناة لتعلن إجراءات إضافية بعد الفضيحة، منها تطوير آليات عمل جديدة تلزم الصحافيين باعتمادها من أجل التأكد من صحة الفيديوهات قبل استخدامها. كذلك، أعلنت القناة عن إخضاع العاملين فيها لدورات تدريبية لتوعيتهم على المعايير الواجب اعتمادها لتفادي الوقوع في أفخاخ شبيهة في المستقبل.

مطالبات رسمية وتحذير

من جانب آخر، طالب نثانيل ليمنسكي، وزير الإعلام في ولاية شمال الراين-وستفاليا، بـ«بذل المزيد... ومنذ الآن، من الأساسي مراجعة وتطوير العمليات الداخلية وآليات الرقابة؛ كي لا يتكرر مثل هذا الخطأ الفادح في المستقبل». ثم أضاف «يجب التحقيق بشكل معمق في كيفية حدوث ذلك؛ لأن من يدفع ضريبة البث يجب أن يكون مطمئناً إلى وجود آليات رقابية وتصحيحية فعالة ضمن قطاع البث العام».

بدورها، حذّرت وزيرة الدولة في المستشارية كريستيان شندرلاين، أيضاً، بأن «على البث العام أن يعمل وفقاً لأعلى معايير الجودة وأن يقيس نفسه بهذه المعايير».

وهذا، في حين علقت وسائل إعلام أخرى محذّرة من مخاطر الوقوع «في» فخ الذكاء الاصطناعي على مصداقية الإعلام. إذ نشرت صحيفة «تاغس شبيغل» اليومية الصادرة في برلين مقال رأي وصف القناة الألمانية الثانية بأنها «خانت أهم ركائز الصحافة، ألا وهي الصدقية». وأضاف المقال أن «مجرد الاعتذار والتصحيح لا يكفيان، وعلى مجلس البث - وهو الهيئة الرقابية للقناة - أن يجري دراسة نقدية لما حصل، كما يجب على المدير العام أن يصدر توجيهات لا لبس فيها لاتخاذ الإجراءات اللازمة على جميع مستويات صنع القرار» لمنع تكرار ما حدث.

وأشار كاتب المقال إلى أن ما يحصل في الولايات المتحدة مع وكالة «إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك» قد يكون أسوأ مما عُرض، ولكن «ليس من عمل برنامج إخباري أن يوجّه المشاهدين حول الظلم، بمشاهد متلاعب بها، ومن يفعل يقلل من قيمة المشاهدين».

القناة تأخرت يومين قبل تقديم اعتذار وسحب التقرير

أهمية الاعتراف بالخطأ

في السياق عينه، انتقد آخرون طريقة تعامل القناة مع الخطأ وتأخرها في الاعتذار وسحب التقرير، فكتب موقع «أوبر ميدين»، وهو موقع يراقب الإعلام الألماني، بعد أيام على رفض القناة الاعتراف بالخطأ: «لماذا لا تعترف القناة بأنها افتعلت خطأً سخيفاً؟ لماذا تحاول تبرير الأخطاء وجعل الأمور أسوأ؟ ما يحصل لا يساعد إلا الداعين لإغلاق القناتين الأولى والثانية، وبالنسبة للباقين فهي تضر بأي ثقة متبقية». ورأى الموقع أن «خطورة» استخدام صور وفيديوهات مصنَّعة بالذكاء الاصطناعي «ليس فقط أنها تنشر أكاذيب وواقعاً غير موجود، بل هي أيضاً تتسبب بشكوك حول مدى صحة الصور الحقيقية، وهذا أمر خطير».

كذلك، فور نشر التقرير وبدء الانتقادات، ذكر الموقع أنه تواصل مع المحطة، سائلاً عن آلية التحقق من الفيديوهات قبل نشرها، لكنه لم يحصل على جواب.

في أي حال، يوجّه إعلام أقصى اليمين في ألمانيا انتقادات للإعلام العام بأنه يعتمد «سياسة يسارية»، وأنه «ليس حيادياً في تغطياته»؛ ولذا يدعو كثيرون من هذا التيار إلى وقف تمويل الإعلام العام وإغلاق المحطتين بسبب «انحيازهما» في نقل الأخبار، كما يزعمون. لكم مما لا شك فيه أن أخطاءً كالتي وقعت فيها القناة الألمانية الثانية لا تساعد الإعلام الألماني العام الذي بات في حاجة ملحة إلى آليات للتعامل مع التحديات المتزايدة للذكاء الاصطناعي في عالم الإعلام.


اتهامات بانتهاك «الملكية الفكرية» تلاحق «تيك توك»

مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)
مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)
TT

اتهامات بانتهاك «الملكية الفكرية» تلاحق «تيك توك»

مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)
مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)

لاحقت اتهامات بانتهاك حقوق الملكية الفكرية شركة «بيت دانس» الصينية، مالكة منصة «تيك توك»، ما دفع الشركة لإعلان عزمها اتخاذ خطوات لتعزيز الحماية في هذا الصدد. وتوقّع خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» أن تسهم مثل هذه الاتهامات «في تغيير طريقة التعامل مع المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي»، مطالبين بوضع قواعد استخدام تحمي حقوق منتج المحتوى الأصلي.

شركة «بيت دانس» كانت قد طوَّرت، أخيراً، نموذجاً للذكاء الاصطناعي حمل اسم «سيدانس 2.0»، وأنتج النموذج عدداً من مقاطع الفيديو التي تحاكي في تفاصيلها مشاهد من أفلام هوليوود، حصدت ملايين المشاهدات على الإنترنت. وهو ما دفع الشركات المُنتَجة للمشاهد الأصلية لاتهام «بيت دانس» بانتهاك حقوق الملكية الفكرية الخاصة بهم. ولقد ذكرت «جمعية صناعة الأفلام الأميركية»، التي تمثّل شركات عدة منها «ديزني»، و«يونيفرسال»، و«وارنر»، و«نتفليكس»، في بيان لها، أخيراً، أن «نموذج سيدانس يستخدم على نطاق واسع أعمالاً محمية بحقوق الطبع والنشر الأميركية». وأضافت: «نموذج الذكاء الاصطناعي لبيت دانس يعمل من دون ضمانات فعّالة، ويجب إيقافه فوراً».

بدورها، أقرَّت «بايت دانس» بما عدّتها «مخاوف بشأن برنامج سيدانس 2.0»، معلنة اعتزامها «اتخاذ خطوات لتعزيز إجراءات الحماية الحالية، ومنع الاستخدام غير المُصرَّح به للملكية الفكرية والصور من قبل المستخدمين»، وفق بيان نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

هذا، ويتوافر نموذج «سيدانس 2.0» حالياً بوصفه نسخةً تجريبيةً محدودةً في الصين فقط. وأفادت شركة الاستشارات السويسرية «سيتول ديجيتال سوليوشنز» بأنه «أكثر نماذج توليد الفيديو بالذكاء الاصطناعي تطوراً»، إذ يتفوَّق على نماذج أخرى طوَّرتها «غوغل» و«أوبن إيه آي».

يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، رئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن الاتهامات الموجّهة لنماذج الذكاء الاصطناعي بشأن انتهاكات حقوق الملكية الفكرية لن تتوقف. وتابع أن «نماذج الذكاء الاصطناعي تعتمد في الأساس على المحتوى المنشور (المقروء أو المرئي)، ما يجعلها بالتبعية تنتهك حقوق المنتج الأصلي عند توليد أي نوع من المحتوى». وأردف إكو: «إن التطورات المتسارعة لنماذج الذكاء الاصطناعي تحتم ضرورة العمل على حوكمتها، ووضع قواعد تحمي حقوق المنتج الأصلي، وهي قواعد تتضمَّن التفرقة بين معايير الاستخدام التجاري وغير التجاري، والإشارة بوضوح... إلى أن هذا المُنتَج مُولَّد بالذكاء الاصطناعي، والإشارة للعمل الأصلي الذي استُعين به في توليد هذا المحتوى».

من جهة ثانية، سبق أن أثارت نماذج الذكاء الاصطناعي جدلاً بشأن اعتدائها على حقوق الملكية الفكرية؛ ففي عام 2024 نُشرت مقالات على مدوّنة قديمة متخصصة في التكنولوجيا تابعة لشركة «أبل» تحمل اسم «تي يو إيه دبليو (TUAW)»، مع أنها مغلقة منذ عام 2011، وتبيَّن أن «المقالات الجديدة أنتِجت بواسطة الذكاء الاصطناعي، ونُشرت بأسماء كتاب وصحافيي المدونة السابقين، بعد استيلاء مالك جديد على المدوّنة المغلقة». وهو ما أثار تساؤلات في حينه عن كيفية حماية حقوق الملكية الفكرية لمنتجي المحتوى الأصليين.

في حوار مع «الشرق الأوسط»، صرَّح الصحافي المصري محمد فتحي، المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، بأن «اتهامات الشركات لبايت دانس وتيك توك بانتهاك حقوق الملكية الفكرية ستدفع إلى إعادة صياغة قواعد إنتاج الفيديو بالذكاء الاصطناعي» وأشار إلى أنه «من دون إطار تنظيمي واضح، يُشكِّل الذكاء الاصطناعي تهديداً مباشراً لحقوق المبدعين، مع استمرار ظهور منتجات تُعاد فيها تهيئة محتوى أصلي دون تعويض أو إذن».

ثم أضاف: «القوانين الحالية حول حقوق النشر لم تُصمَّم للتعامل مع نماذج الذكاء الاصطناعي، ما يؤكد الحاجة لإطار جديد... وهذا الإطار يشمل تحديد معنى الاستفادة المشروعة للبيانات، وأنواع البيانات، التي يمكن استعمالها لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وكيف يمكن تعويض حقوق للمصادر الأصلية، مع وضع معايير واضحة للاستعمال التجاري، ومعايير يجري على أساسها تصنيف الفيديو المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ليكون مستقلاً عن الأصل، أو متضمناً حقوقاً للمبدعين الأصليين».

ومن ثم، طالب فتحي بـ«تحديث القوانين لتشمل الذكاء الاصطناعي، ووضع تعريف قانوني لكيفية استخدام البيانات للتدريب، وإلزام الشركات باشتراطات شفافة حول مصادر البيانات، ووضع أنظمة ترخيص مرنة وعادلة». ودعا إلى «وجود اتفاقات تسمح باستخدام المحتوى مقابل تعويض، واستحداث تراخيص تشمل نظام مكافآت واضح للمطوّرين... إلى جانب وضع أنظمة تتبُّع وتحرّي محتوى الفيديو لحماية أصحاب الحقوق الأصلية، ووضع علامات مائية ذكية يمكن تمييزها حتى بعد إعادة استعمال المادة المُصوَّرة».

واختتم بالتأكيد على «أهمية تعزيز وعي المبدعين، بشأن كيفية حماية أعمالهم، مع وضع إرشادات حول حقوق الترخيص واستخداماتهم في الذكاء الاصطناعي».


قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟