صناعة المحتوى... بين الضوابط والتخصص والتحديات

صناعة المحتوى... بين الضوابط والتخصص والتحديات

مطالب بالتحقق من المعلومات قبل تداولها
الاثنين - 20 رجب 1443 هـ - 21 فبراير 2022 مـ رقم العدد [ 15791]
فادي رمزي

يثار دائماً كثير من التساؤلات حول صناعة المحتوى، وسط مطالب بـ«ضوابط محددة للمحتوى» ليكون ملائماً.
قبل سنوات قريبة كانت صناعة المحتوى مقتصرة على دارسي الإعلام والصحافة، بل كانت تفصل بينهما خطوط واضحة. بينما الآن نحن أمام عدد لا نهائي من صُناع المحتوى، بل وتلاشى شرط التخصص والدراسة. وبات المتابع وحده صاحب القرار، وحده من يمنح اللقب، أما أنت فيمكنك أن تصنع المحتوى من على أريكة منزلك، فقط إذا نجحت في مواكبة «الترند». أما صُناع الإعلام المرئي أو الصحافة فكانت عليهم مجاراة الأدبيات الجديدة للمهنة، وإلا تخلفوا عن الركب.
كل هذه المتغيرات خلقت واقعاً جديداً. ويأمل خبراء الإعلام في «صناعة محتوى ملائم يلتزم معايير العمل الإعلامي أو العلني». وسط مخاوف من المحتوى «غير الملائم» بسبب أن «صانع المحتوى لا يزال حراً، لا يحتاج فقط؛ إلا لهاتف ذكي ووسيلة لاستخدام شبكة الإنترنت».
فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي، والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، يُعرّف عن صُناع المحتوى الرقمي، فيقول في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «علينا أولاً تحديد هوية صانع المحتوى. ثمة شروط تجعل من أي شخص صانع محتوى؛ أن يمتلك هاتفاً ذكياً، يمكنه الاتصال بالإنترنت، ولديه فكرة أو شيء يرغب في التعبير عنه من خلال فيديو أو مقطع صوتي، أما المحتوى النصي فبات الأقل توافراً لأنه يتطلب مهارة خاصة».
وعن سوق صناعة المحتوى. يقول رمزي: «شهد تغييرات جذرية فيما يخص صناعة المحتوى الرقمي، بدأت من نهايات عام 2020، مع ظهور المحتوى الصوتي من خلال تطبيق (كلوب هاوس)، لا سيما أنه قدم ما يُعرف بـ(المحادثات اللحظية) وهو نمط عصري، رغم شعبيته، تراجع بعدما أثرى سوق المحتوى الرقمي بتجربة فريدة، ما عزز فكرة اعتماد المحتوى الصوتي وأفسح المجال أمام البود كاست».
أسامة عصام الدين، الخبير في تطوير مواقع التواصل الاجتماعي بالمملكة العربية السعودية، يوافق رمزي رأيه خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» ذكر فيه أن «العام الماضي كان عام محتوى الفيديوهات الطولي القصير بامتياز... وهو المحتوى الذي برع فيه (تيك توك) بفيديوهات مستخدميه البسيطة الموجهة منهم وإليهم، والتي قادته إلى عرش التطبيقات الكبيرة مع مليار مستخدم نشط شهرياً. بل ومكّن العملاق الصيني من تخطي الوقت الذي يمضيه المستخدمون في أميركا وبريطانيا على (يوتيوب). واليوم بإمكاننا أن نرى شعبية هذا المحتوى تزداد أكثر وأكثر مع دخول منصات أخرى في المنافسة، كخاصية ريلز من «(إنستغرام)، و(شورتس) من (يوتيوب)، و(الأضواء) من (سناب شات)...».
عودة إلى رمزي، فإنه يرجع الزيادة في ضخ المحتوى الرقمي في الفضاء الشاسع إلى بضعة عوامل، موضحاً: «ثمة مؤشرات لها علاقة مباشرة بتعزيز مجال صناعة المحتوى الرقمي، إذ تشير التقارير الدولية إلى زيادة استخدام الهاتف الجوال مقارنة بالحاسوب الذي تراجع، كذلك بات نمط التصوير الرأسي (الطولي) هو السائد، على العكس من قبل، حيث كانت المقاطع تصور بطريقة أفقية، من ثم صار كل ما هو ملائم لإمكانات الهاتف الجوّال، هو السائد، ما عزّز صناعة المحتوى الرقمي من حيث الكثافة العددية وليس ثراء المحتوى».


الزيادة لا تعني الجودة
من جهة أخرى، يشدد خبراء على أن زيادة المحتوى لا تعني الجودة، بل على العكس من ذلك، سهولة صناعة المحتوى أفسحت المجال للصالح والطالح على حد سواء. وهذا ما يعقّد مهمة المؤسسات الإعلامية التي تسير وفقاً لمعايير وأدبيات فرضتها المهنة، ويعزز أهمية الحديث عن دور منصات التواصل الاجتماعي في حجب المحتوى، حال ثبوت خطورته على المتابعين. وإزاء هذه النقطة يشرح رمزي أن «منصات التواصل الاجتماعي هي أولاً وأخيراً شركات هادفة للربحية، وتدلل على ذلك قضية (فيسبوك) التي نتابعها منذ أشهر، بعدما خرجت موظفة (فيسبوك) السابقة فرنسيس هوغن، واتهمت لوغاريتمات الشركة العملاقة بتعمد تمرير معلومات مغلوطة عن جائحة (كوفيد - 19)، لأن هذا من شأنه يخلق حالة جدال ثم مكاسب للشركة». ويتابع: «هذا هو النموذج الربحي لكل منصات التواصل، وهو بقاء المستخدمين أطول مدة ممكنة ما يسمح بعرض مزيد من الإعلانات».
فادي رمزي يميّز بين المنصات، من حيث مدى صرامة التعامل مع المحتوى غير الموثوق، أو الذي يحمل شبهة عنف أو تحريض. ويقول: «وفق تقرير (رويترز) للإعلام، فإن الجمهور يثق في (تويتر) من حيث دقة المعلومات، لأن المنصة اتخذت تدابير أكثر صرامة في التصدي للمعلومات الخطيرة أو غير الآمنة... وكذلك (غوغل) و(يوتيوب). ويمكن القول إن ثمة إجراءات احترازية يتخذها عملاق التكنولوجيا لحماية المستخدم من المحتوى غير اللائق، بينما (فيسبوك) متراجع في هذا الصدد وربما أسهم في نشر محتوى غير مرغوب فيه بشكل يدعو إلى القلق».
وحقاً، يشير مراقبون إلى أن الاتهامات الموجهة لشركة «ميتا» (فيسبوك سابقاً، ومالكة الموقع الشهير) دعت إلى اتخاذ الشركة بعض الإجراءات من أجل ضبط سوق المحتوى الرقمي. فمثلاً خلال الأشهر الماضية، أصدر موقع «فيسبوك» قراراً بوقف ربط الإعلانات بعدد المتابعين. ووفقاً للمحتوى الذي يقدمه الحساب، يعتقد أسامة عصام الدين أنه «تقدم في تقنين صناعة المحتوى». ويضيف: «إنها خطوة كبيرة، بلا شك، تعني أن هذه المنصات بدأت بمعرفة وملاحظة الأثر السلبي الذي تسببه بعض أنواع المحتوى المنتشرة... وقرار كهذا سيجعل صناع محتوى يعيدون النظر في تقييم المحتوى الذي يقدمونه، وما إذا كانت له آثار سلبية على المشاهد، أم لا، وهي خطوة أرجو أن تتبعها منصات التواصل الأخرى».


أربعة أشكال للمحتوى
عن أنواع المحتوى الأكثر رواجاً، يقول رمزي: «في علم التواصل الرقمي ينقسم المحتوى إلى أربعة أشكال: الترفيهي، والتعليمي والتوعوي، والمحتوى الملهم، والمحتوى المقنع... وجائحة (كوفيد - 19) أسهمت في تعزيز مكانة المحتوى التعليمي الذي عادة ما يقدمه شخص متخصص، لأن المتابعين بحاجة لفهم المرض وكيفية التعامل معه، ثم ظهور اللقاح، وضرورة الإلمام بمعلومات موثوقة عن أهميته وتبعاته». ويستطرد: «ويصعد معه، بالتوازي، المحتوى الترفيهي، لا سيما بين الشعوب العربية ومصر بشكل خاص، لأننا شعوب نميل إلى الفكاهة».
وفي السياق نفسه، عن تأثير صعود المحتوى المتخصص لضبط سوق صناعة المحتوى، يرى عصام الدين: «من جهة المنصات، فهي ستتسابق لإرضاء صناع المحتوى وتقديم المحتوى في منصاتها. بعضها سترضيهم الأرقام ومسيرة النمو، والبعض الآخر بكسب الأموال من خلال مشاهدات ووصول صانع المحتوى». أما عن المنافسة بين المحتوى المتخصص الذي يقدم معلومات موثوقة نسبياً، والمحور الترفيهي، فيقول عصام الدين: «كلاهما سيواصل بالصعود والنجاح، مع اختلاف معيار النجاح من مجال إلى آخر. فالوصول إلى عدد محدود من الناس لصانع محتوى متخصص، قد يكون أنجح بكثير من الوصول إلى عدد كبير لصانع محتوى ترفيهي، لأن جمهوره هو جمهور مركز ومحب للتخصص الذي يُقدَّم».
وفي حين يرى خبراء أن صعود المحتوى المتخصص ربما يبشر بعودة الثقة في المحتوى الإعلامي أو على الأقل يرجح كفته، يعتقد رمزي أنه «لا داعي لرفع التوقعات، ذلك أن صعود المحتوى التعليمي والتوعوي وظهور صانع المحتوى المتخصص، لا يعنيان على الإطلاق أننا بصدد محتوى يلتزم معايير العمل الإعلامي أو العلني... إذ ما زلنا أمام صانع محتوى حر لا يحتاج إلا لهاتف ذكي ووسيلة لاستخدام شبكة الإنترنت. وواقع الأمر أنه ما زال متعذراً تطهير الفضاء الرقمي من المحتوى الرديء الذي قد يصل إلى حد الإسفاف». ويتابع رمزي: «مواقع التواصل تسير بقوانين المجتمعات، التي قد تجد فيها كل الأنماط، منها ما هو مفيد وترفيهي ونافع، ومنها في الوقت نفسه ما يضج بالمحتوى الرديء. وبالتالي، الحل يكمن في توعية المتابع وتزويده بثقافة الانتقاء، رغم أنها مهمة شاقة». ثم يقول: «أتوقع زيادة المحتوى غير اللائق أو ما هو دون المستوى... وبالأخص مع دخول الفئات البسيطة لسوق صناعة المحتوى بغرض التربح. وهذا المحتوى يجري التفاعل معه على مستويين: الأول هو الغرض الترفيهي، أما المستوى الثاني فهو التفاعل السلبي بغرض النقد والرفض».


أمل في الأفق
من جهة ثانية، حول توقعات ضبط المحتوى في عام 2022، يشرح أسامة عصام الدين فيقول: «ثمة أمل يلوح في الأفق؛ لكن تشوبه بعض المعوقات. بلا شك رفعت جائحة (كوفيد - 19) المعايير وزادت اهتمام مراقبة المنصات للمحتوى المنشور عليها، خصوصاً ذلك المحتوى المتعلق بحياة الناس، وهكذا شاهدنا (يوتيوب) تعلن عن خطط توظيفها لعشرة آلاف موظف يعملون في الرقابة عام 2022، و(فيسبوك) تعلن عن نظام ذكاء صناعي جديد لمحاربة المحتوى الذي يحض على الكراهية. إن جميع تطبيقات التواصل عموماً رفعت من معايير الرقابة على المحتوى، وزادت من موظفيها المراقبين... لكن المتوقع أن يستمر صنّاع المحتوى بالمبالغة وقلة الاكتراث كثيراً لمعايير المؤسسات الإعلامية، ويظل معيار النجاح الأرقام في المقام الأول. إلا أن الإجراءات القانونية التي تعمل عليها الحكومات، والمحاسبة الرادعة للأفعال الخاطئة، وحدها التي ستجعلهم يهتمون بهذا الجانب».
في السياق نفسه، ترى المدوِّنة السورية - الأميركية سمر البرشا، التي قرّرت أن تتجه إلى إطلاق علامة للأزياء الراقية المحافظة - مقرها الولايات المتحدة - بعد نحو 10 سنوات من تقديم محتوى رقمي عبر منصات التواصل، أن «مفهوم النجاح في سوق صناعة المحتوى قد تغير. إذ لم يعد مصدر إلهام جمالي فحسب، بل بات ضرورياً أن يقدم صانع المحتوى قيمة لحياة الناس. وأعتقد أن الناس متفهمون تماماً للحياة غير الواقعية التي تخلقها وسائل التواصل أحياناً».
وأضافت البرشا في تصريحات مع «الشرق الأوسط»، أن «البعض يعد صانع المحتوى قدوة، لكن على الجمهور أن يتابع من دون الانخراط في سلوكيات قد لا تناسب أنماط حياتهم الخاصة». وعن اتجاهها لإطلاق علامة تجارية بناء على علاقتها بالمتابعين، قالت: «منصات التواصل أصبحت تشهد تغييرات بوتيرة سريعة، لذا لا يمكن الاعتماد عليها فقط، بينما أرى أن القادم علاقة أكثر واقعية مع المتابعين. لذلك قررت أن أغدو رائدة في الصناعة التي بنيت فيها علاقة موثوقة مع الجمهور؛ بل أدعو صناع المحتوى إلى اتخاذ خطوات أكثر واقعية تعزز علاقة مباشرة مع المتابعين، كالمشاركة في الندوات والوسائط التقليدية مثل التلفزيون أو الكتب وخطوط الإنتاج والخدمات التي تتجاوز وسائل التواصل الاجتماعي».
وحول تأثير «كوفيد - 19» على صناع المحتوى، أوضحت سمر البرشا: «أعتقد أن الوباء جعل الناس يدركون أن محتواهم يجب أن يجلب قيمة تتجاوز القيمة المادية، ومع إجراءات الإغلاق التي عانت منها الدول، وجد صناع المحتوى، الذين لا يقدمون قيمة واضحة، أنفسهم في مأزق. لذا حان الوقت أن ينفتح صناع المحتوى على الجمهور ويقدموا لهم ما يستحق المتابعة... وفيما يخصني، فإن استراتيجيتي هي الاستمرار في تقديم محتوى هادف، يعزز خدمة حقيقية أقدمها في الحياة، من خلال علامة تعكس ثقافة النساء الآتيات من ثقافة محافظة ولا يجدن ما يعبر عنهن».


إعلام

اختيارات المحرر

فيديو