إذا كنت تعتقد بأن السياسيين في الغرب أفضل بكثير من سياسيي منطقتنا العربية في الفترة التي تسبق الانتخابات فكر مليا، فالمعروف عن السياسيين العرب أنهم يتقربون من الشعب ويعرضون خططا تجذب الناس على أمل الحصول على أصواتهم في صناديق الاقتراع، وهذا الأمر لا يختلف كثيرا عن التحضيرات للانتخابات في أوروبا على غرار المشهد الحالي في بريطانيا تحضيرا للانتخابات المزمع حصولها في السابع من مايو (أيار) المقبل.
فاليوم، المنافسة مستعرة ما بين رئيس الحكومة الحالي وزعيم حزب المحافظين ديفيد كاميرون وإد ميليباند زعيم حزب العمال ونيكولا ستيرجن زعيمة الحزب الوطني الاسكوتلندي ونيك كليغ رئيس حزب الديمقراطيين الليبراليين وإد ميليباند ونايجل فراج زعيم حزب المملكة «يوكيب».
والمنافسة لا تقتصر فقط على الزعماء المتنافسين على منصب رئاسة الحكومة والوصول إلى ثاني أهم عنوان سكني في لندن، رقم «10 دوانينغ ستريت»، إذ يبدو أن زوجات السياسيين أصبحن طرفا فعالا يحاول مساعدة الرجال على الوصول إلى سدة الرئاسة، فالزوجات المتنافسات هن سامنثا كاميرون زوجة رئيس الوزراء الحالي وجاستين ميليباند زوجة إد ميليباند والإسبانية ميريم كليغ زوجة نيك كليغ. والزوجة الوحيدة التي لم تظهر في الإعلام ولم يقم زوجها باستغلال صورتها هي الألمانية زوجة نايجل فراج، وقد يعود السبب إلى أنها ألمانية وهو يحاول جاهدا إلى الحد من الهجرة إلى بريطانيا ولطالما كانت له مواقف صارمة وصريحة إزاء الأجانب المقيمين في بريطانيا والراغبين في المجيء إلى بلاده.
البرامج التلفزيونية على الشاشات البريطانية لا تخلو من ظهور أحد المرشحين للانتخابات ولكن بعيدا عن المكتب وأجواء العمل، فترى ديفيد كاميرون يزور حضانة للأطفال ليظهر الشق الأبوي ويجعل الأشخاص العاديين يظنون أنه واحد من الشعب يقرأ قصة لأطفاله ويلعب ويلهو معهم، لدرجة أنه استقبل كاميرات تلفزيون «بي بي سي» في مطبخه، وهذا الأمر غير مسبوق من كلا الطرفين فالمعروف عن «الإذاعة البريطانية» رصانتها وحذرها في انتقاء وتقديم الأخبار وبنفس الوقت، ديفيد كاميرون هو رئيس وزراء المملكة المتحدة وشكله في لباس عادي من دون ربطة عنق في مطبخه يقوم بتحضير القهوة بنفسه كان مشهدا غير مسبوق أيضا، ولم يكتف المشاهدون بهذا القدر من مشاركة كاميرون خصوصيات مطبخه وما داخل ثلاجته، حتى إن انضمت إليه حرمه المصون سامنثا وهي الأخرى كانت ترتدي الجينز وشاركت أطراف الحديث ودخلت في المقابلة متناسية وجود الكاميرات، وهذه هي المرة الثانية التي تبدو فيها سامنثا في مطبخها لتبرهن بأنها زوجة عادية تعمل وتقوم برعاية أطفالها مثلها مثل باقي السيدات العاملات في بريطانيا.
والمضحك في الفترة التي تسبق الانتخابات هو الإفراط في إظهار السياسيين عواطفهم تجاه الأطفال تحديدا، ففي كل مكان وفي أي زمان يقابلون طفلا يقبلونه ويحملونه وما أن ينتهوا من التقاط الصور يعيدوا الطفل إلى ذويه، فنيكولا ستيرجن لم تبخل بعرض عواطفها تجاه الصغار وهي تتجول بين الحشود الأسكوتلندية وبعدها قامت بعجن وخبز الخبز بنفسها، وبالطبع بحضور عدسات المصورين، ولا يمكن أن ننسى عندما فتحت بيتها ومطبخها أمام المشاهدين وعلق حينها الصحافي على نظافة وترتيب مطبخها فكان ردها: «أنا لا أدخل المطبخ، زوجي قام بالتنظيف لأنه علم بقدومكم».
وجديد الانتخابات اليوم، المقابلة التي أجراها إد ميليباند مع الممثل الكوميدي راسيل براند، وذهابه إلى منزله مما لاقى الكثير من الانتقادات، لأن براند هو في نهاية المطاف كوميدي ولا يفقه بالسياسة شيئا، ولكن الأمر وما فيه هو أن براند يحظى بمليون معجب على قناة «يوتيوب» وهو معروف بصراحته وبتصريحاته الفذة، وقال في تعليق منذ يومين على قناة «يوتيوب» يدعو فيه متتبعيه عدم الإدلاء بأصواتهم لأن جميع المرشحين متشابهون والنتيجة هي ذاتها، وهذا التصريح أثار حفيظة ميليباند الذي هرول مسرعا إلى براند ليقنعه بعكس ذلك وبأن حزبه مختلف وأنه يعد ويفي وسوف يقوم بعدة تحسينات في الحكومة والبلد، ولكن الصحف البريطانية لم تطرب لتلك المقابلة التي بثها براند على قناته الخاصة على «يوتيوب» وعنونت «الدايلي ميل» صفحتها الأولى بـ«هل تقبل بهذا المهرج بأن يحكمنا؟ بالإشارة إلى إد ميليباند».
ومن منا لا يتذكر صورة ميليباند الذي يعتبر من أقل المرشحين كاريزما ولطالما وقع في مطبات الكاميرا واستعملت الصحافة صوره ضده وأظهرته وكأنه مخبول في الكثير من الأحيان، من منا لا يتذكر صورته وهو يأكل «ساندويتش» وتبدو علامات الاستياء على وجهه، فأجبر نفسه على أكل لحم الخنزير في وقت هو يهودي ويحرم عليه دينه أكل هذا اللحم، ولكنه وعلى الرغم من ذلك ومن أجل عيون «10 دوانينغ ستريت» أجبر نفسه على أكل ما يكره.
وخرج مع زوجته وطفليه في نزهة في الحديقة العامة، بالطبع بحضور الكاميرات والهدف من هذا هو التكلم عن نفسه كأب وزوج وعن الوقت الثمين الذي يمضيه مع عائلته.
وهناك صورة لافتة أيضا عندما زار كاميرون حضانة أطفال في لندن، ونامت فتاة صغيرة على الطاولة من شدة ضجرها في حين تابع رئيس الوزراء قراءة الكتاب لها، وصورته المثيرة للجدل عندما تناول «ساندويتش» بالشوكة والسكين وتلقى الكثير من الانتقادات بسببها، وصورة نيك كليغ وهو يجمع المال مع زوجته ميريم في إحدى محطات القطارات في لندن وقت الذروة ليظهر أنه من الشعب ويشعر بتعبهم ومشقاتهم، وفي صورة أخيرة جمعته بزوجته أيضا، ظهر وهو يكتب على دفتره وهي تقرأ صحيفة ويتناولان القهوة على طاولة تابعة لأحد القطارات في بريطانيا وكانا يجلسان في الدرجة العادية وليس في الدرجة الأولى.
أما بالنسبة لنايجل فراج فهو الوحيد الذي لم يركز على عائلته ولا على منزله ولكنه يظهر دائما في الحانات وهو يتناول الجعة مع أناس عاديين «إنجليز» بالتأكيد، وبالطبع هذا الشيء إذا ما دل على شيء فهو يدل على أن فراج يسعى لأن يظهر على أنه إنسان عادي مثله مثل أي إنجليزي يتوجه إلى الحانة التقليدية بعد العمل.
والآن جاء دور السيدات، فبحسب استطلاع للرأي قام به موقع «يو غوف» نشر أخيرا تبين أن سامنثا كاميرون لا تزال متقدمة على غريماتها ومنافساتها على منصب زوجة رئيس الوزراء، وحققت نسبة 71 في المائة في حين حصلت جاستين ميليباند على نسبة 19 في المائة وجاءت ميريم كليغ في المرتبة الأخيرة وحققت 10 في المائة فقط.
وبحسب الاستطلاع تبين أن كاميرون تملك شعبية واسعة في صفوف الذين تتراوح أعمارهم ما بين 25 و39 عاما، كما أنها تحظى بدعم الرجال بنسبة 74 في المائة و68 في المائة من قبل السيدات.
والعامل المشترك ما بين جميع المرشحين ونصفهم الآخر هو حبهم مثلنا تماما لالتقاط «السيلفي» فتراهم يقدمون خدماتهم ويصورون من حولهم وخلفهم، مثلنا تماما.. ويبقى السؤال هل اقتنعتم بأن السياسيين هم مثلنا تماما؟
حرب السياسيين على مفاتيح «10 داونينغ ستريت»
كاميرون في الحضانة وإد ميليباند يستجدي كوميديًا وستيرجن تقبل الأطفال
ديفيد كاميرون بصحبة الصغار ({الشرق الأوسط})
حرب السياسيين على مفاتيح «10 داونينغ ستريت»
ديفيد كاميرون بصحبة الصغار ({الشرق الأوسط})
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

