«برلين السينمائي» ضاع بين خيارين أحلاهما مرّ

وجّه معظم جوائزه إلى النساء في دورة متواضعة

«بيتر ڤون كانت» فيلم الافتتاح لفرنسوا أوزون (فرنسا)
«بيتر ڤون كانت» فيلم الافتتاح لفرنسوا أوزون (فرنسا)
TT

«برلين السينمائي» ضاع بين خيارين أحلاهما مرّ

«بيتر ڤون كانت» فيلم الافتتاح لفرنسوا أوزون (فرنسا)
«بيتر ڤون كانت» فيلم الافتتاح لفرنسوا أوزون (فرنسا)

«كئيب» هو الوصف الذي ذكره معظم التقارير الصحافية الواردة من مهرجان برلين الذي انتهت دورته الثانية والسبعين قبل يومين. كلمة تصوّر حال مهرجان كبير عندما يختار أن يواصل مسيرته كحدث يؤمّه الجمهور والضيوف والإعلاميون كما كان الحال في سنواته السبعين السابقة، فقط ليجد أنه مِثل مَن وجّه دعوة إلى حفلة ساهرة ولم يلبِّها أحد.
في عام 2020 قدّم المهرجان الألماني دورته الكبيرة الأخيرة. كان وباء «كوفيد» ما زال قابلاً للصرف بلا خوف كبير منه. في صالة مكتظة تتسع لأكثر من 1600 مشاهد التقطنا ثلاثة أشخاص فقط بكمامات. الكراسيّ كانت كلها مشغولة. لا خوف ولا قلق، والاهتمام باحتمال انتشار الداء كان لا يزال في مطلعه.
في عام 2021 أُصيب المهرجان الكبير نفسه بالداء: الحكومة الألمانية التي تؤمِّن القِسْم الأكبر من الميزانية رفضت السماح بأن تُقام الدورة على أرض الواقع لأن مخاطر الوباء باتت مشهودة. البديل كان واحداً من اثنين: إلغاء الدورة كليّاً، أو تحويلها إلى «النت» يشاهد أفلامها المشتركون. اختارت إدارة المهرجان الحل الثاني وحققت الدورة نجاحاً لا بأس به من حيث عدد المشتركين ونوعية الأفلام التي استجابت للوضع.
الدورة الأخيرة التي بدأت في العاشر من هذا الشهر وانتهت في السادس عشر منه، كان لا بد لها أن تعود إلى قواعد ومبادئ العروض الفعلية. لا تستطيع، والوباء ما زال الضيف الأول في حياتنا، أن تبقى خفيّة عن الأعين تعرض أفلامها على الهواء الافتراضي كما لو كانت نادياً سينمائياً صغيراً. مرّة واحدة، لا بأس. لكنْ مرّتان ستكونا بحكم القضاء على مستقبل المهرجان.. أو هكذا تم الاعتقاد.

خيارات محدودة
لكنّ المشكلة كانت أكبر من أن يحتويها فعل العودة إلى القواعد الأساسية. ما أراد المهرجان إثباته هو أنه لن يستسلم للداء المستجد، بل سيواجهه. المشكلة كانت في الأسلحة المتوفرة: تقليص الدورة من 10 أيام إلى 6 أيام فقط. الالتزام باستقبال الملقحين وحدهم (وتحبيذ أن يكون الداخل إلى الصالة أتمّ اللقاح الثاني)، وفرض التباعد بين الجالسين بحيث يتم ملء نصف الصالة أو أقل.
الذي حدث أن الكثيرين قرأوا التعليمات المذكورة (وهناك سواها) ووجدوا أن السفر إلى برلين لأسبوع واحد لا يقل فداحة عن تعذر الحضور. وازَنوا بين مشاقّ السفر، في هذه الأيام، والجهد البدني والتكلفة المادية واختاروا البقاء في ديارهم.
بذلك انقلبت المعادلة على من قام بها. بكلمات أخرى، إذ قرر المهرجان تقليص فترته إلى ستة أيام، منح الكثيرين عذراً لعدم الحضور. وفي الوقت ذاته، لم يبدد، عبر إصراره على كل هذه الإجراءات الاحترازية بخصوص الوباء، فإذا بالسحر ينقلب على الساحر.
هي مشكلة عويصة لم يكن لينقذها سوى الأفلام ذاتها. لكن بالنظر إلى ما تم عرضه في المسابقة وحدها (على الأقل) بات ثابتاً، بشهادة نقاد ومتابعين مستقلين، أن دورة هذا العام كانت متواضعة النجاح ومحدودة الاختيارات أيضاً.
بدايةً، كانت هناك بصمة الوباء منتشرة على بعض الأفلام المشتركة. نذكر في العام الماضي أن الفيلم الذي انتزع ذهبية المهرجان حينها (الفيلم الروماني Bad Luck Banging) حوى مشاهد لأشخاص يستخدمون الكمامات. حسب ذلك الفيلم (ذي القيمة المتوسّطة) تسير بطلة الفيلم طويلاً في شوارع بوخارست مرتدية كمامة. مَن تمر بهم من ناس في الشوارع يرتدونها كذلك. لكن هذا كان انعكاساً للواقع، إذ تم تصوير الفيلم في بداية فورة «كورونا» في أوروبا.
المسألة هذا العام تختلف. ليس على صعيد ازدياد عدد الأفلام التي تُظهر أشخاصاً بكمامات، بل على صعيد أن عدداً لا بأس به من الأفلام الجديدة، سواء من بين ما عرضه مهرجان برلين أو تلك التي لم تشهد عروضها بعد في أي مهرجان آخر، اضطرت إلى تقليص أحجامها تبعاً للداء. أفلام مثل «جانبا النصل» لكلير دَني، و«المنظمة» لغراهام مور، و«بيتر فون كانت» لفرنسوا أوزون (وكلها من عروض المسابقة)، لم تتمتع بكل ما كان سيتاح لها من إمكانيات وذلك بسبب إملاءات الوقاية. ويتبدّى ذلك حتى من خلال اختيار ممثلين غير معروفين، إذ آثر عدد كبير من ذوي الشهرة والنجومية حماية أنفسهم من الداء المنتشر بتقليل ظهورهم عموماً وقبول الأدوار خصوصاً.
يقول المخرج أوزون إن الكثير من المخرجين الفرنسيين خلال الأزمة الصحية وفي مواجهة القرارات الصارمة التي اتخذتها الحكومة وجدوا أنفسهم غير قادرين على العمل أو اضطروا لاختزال ساعاته والكثير من مشاهده رضوخاً للوضع. بالتالي، فرض الوباء اختيارات البعض للأفلام التي بصدد تحقيقها.
فيلمه «بيتر فون كانت»، على سبيل المثال، جاء نتيجة تفضيل فرنسوا أوزون العمل ضمن الوضع عوض الانكفاء في البيت. النتيجة أنه اختار تحقيق مسرحية كان المخرج الألماني راينر فرنر فاسبيندر قد حققها سنة 1972 بعنوان «الدموع المرّة لبترا فون كانت».

أوزون يفتتح ولا ينال
في حالات أخرى أدّت إصابة بعض الممثلين والعاملين إلى تأخير الأفلام، ما هدد برفع ميزانياتها. أحد هذه الأفلام «جانبا النصل» لكلير دَني، الذي تعذّر عليه الانتهاء من التصوير في الموعد المحدد. تقول المخرجة الفرنسية دَني إنها كانت قد فكّرت بالممثل الأميركي روبرت باتنسن لبطولة فيلمها المقبل «نجوم النهار»، لكنها اضطرت لاستبعاده بعدما أُصيب باتنسن بالوباء خلال تصوير فيلمه الجديد «The Batman» في بريطانيا، ما أوقف تصوير هذا الفيلم المكلف لحين شفائه. باتنسن في كامل عافيته الآن، لكن ما حدث له ولفيلم ريدلي سكوت «المبارزة الأخيرة» عندما توقّف التصوير بسبب المخاوف من انتشار الوباء بين العاملين فيه، كافٍ لتذكيرنا بالزمن الذي كانت فيه ميزانية أي فيلم محددة بآلياته وأماكن تصويره وضرورياته اللوجيستية والفنية والتقنية. الآن تمّت إضافة بند جديد يأخذ في الحسبان احتمال توقف التصوير بسبب إصابة هذا الممثل أو ذاك أو أي أحد من عناصر الفيلم الأساسيين.
«بيتر فون كانت» (Peter von Kant) كان فيلم الافتتاح، وقد استُقبل بترحاب شديد وإن لم يمنع ذلك من تجاهُل لجنة التحكيم، بقيادة المخرج الأميركي م. نايت شيامالان، الذي منحه واحدة من الجوائز الأولى. على ذلك، هو اختيار مناسب لمهرجان ألماني، كونه يستلهم من فيلم المخرج الراحل فاسبيندر مادته. يستلهم الفيلم نصّاً مسرحياً ألمانياً من ناحية، ولو أن التقارير ذكرت، حتى من قبل عرضه في برلين، أن أوزون عدّل وغيّر في ذلك النص حتى بات أقرب لأن يكون من كتابته أساساً. الفيلم الجديد يضع إيزابل أدجياني في دور البطولة وهي التي لم تستطع الحضور لكي تستلم شهادة تقدير لأعمالها بسبب إصابتها بـ«كورونا».
في المسابقة أيضاً فيلم مختلف جداً عن عالم المسرح أو النص المقتبس أو مرامي المخرج أوزون. إنه «رداء الجواهر» للمكسيكية نتاليا لوبيز غالاردو. محوره هو جرائم الاختطاف والقتل الشائعة في المكسيك اليوم والتي تداعت أخبارها عبر الوكالات أكثر مما شوهدت في مواضيع سينمائية.
هناك حكايتان في هذا الفيلم، واحدة حول امرأة أرستقراطية تنتقل للعيش في فيلا ورثتها عن والدتها ومعها ابنتها الشابة، والأخرى عن خادمتها. كلتا الحكايتين لديها أحداث خاصة بها بحيث يسير الفيلم على خطّين شبه متوازيين لا يلتقيان إلا عبر نهاية لا تُزيل الغموض المحيط بما يقع. في وسط كل هذا يقدّم لنا الفيلم انتشار الجريمة وعصاباتها المنظّمة جنباً إلى جنب فساد البوليس (المتمثّل بشخصية شرطية هي أُمّ لأحد شبان العصابة).
حصل «رداء الجواهر» على الجائزة الثالثة في حفل الختام في السابع عشر من الشهر. اللافت أن الجائزة الذهبية نالها فيلم «الكاراس» الذي هو من إخراج نسائي وكذلك «رداء من الجواهر». إلى جانبهما هناك فوز نسائي آخر تَمثّل بجائزة أفضل سيناريو (نالتها ليلى شتيللر عن فيلم بعنوان «ربيعة تقاضي جورج بوش الابن»). كما أن جائزة أفضل تمثيل ذهبت إلى ملتم قبطان عن دورها في الفيلم ذاته. كما فازت المخرجة كلير دَني بجائزة الإخراج عن فيلم «جانبا النصل».

الأرض
«ألكاراس» للإسبانية كارلا سيمون، يدور حول عائلة كبيرة بشخصيات متعددة والرغبات المختلفة لعدد من هذه الشخصيات. بعض أفرادها من الشبّان يريدون استغلال جزء منها لزرع القنّب. البعض الآخر يريد استخدام نظم علمية حديثة وأب العائلة متمسّك بالحفاظ عليها كما هي. تبعاً لكل هذا فإن الخلاف يهدد معيشة الجميع فوق تلك الأرض، لكنّ الخطر الأكبر هو أن الجد الراحل كان قد اشترى تلك الأرض في الأربعينات من دون أن يوقّع على أوراق تؤكد ملكيّته لها. كان هذا عندما كان العرف السائد، لدى أبناء القرى، الاكتفاء بالمصافحة كما لو أنها عقد مبرم. لكن اليوم يختلف عن الأمس وخطر خسارة الأرض جاثم.
أما الفيلم الفائز بالجائزة الثانية والذي نجا من تبعات سياسة تعزيز الوجود النسائي في المهرجان وجوائزه، فهو «المؤلّفة» للمخرج الكوري الجنوبي هونغ سانغسو: دراما حول مؤلفة روائية تواجه حالة فقدان الإلهام. عقلها ما عاد يفكّر في ابتداع رواية جديدة. تتأمل وضعها وتقرر أنها سوف تصبح مخرجة. ليس لديها الموضوع بعد لكنها ستحاول وضع العربة قبل الجياد على أي حال فهي لديها مدير التصوير ولديها الممثلة التي ستقوم ببطولة الفيلم المجهول.
سوق مهرجان برلين وحده ربما كانت أكثر نشاطاً من الأفلام التي عُرضت في جوانبه. فحسب مجلات صدرت لمتابعة أحوال تلك السوق (التي وفّرت أفلامها افتراضياً لمن رغب) شهدت السوق التجارية عمليات بيع وشراء ومنافسة على بعض الأفلام المعروضة وذلك على عكس ما شهدته أفلام المسابقة من ركود.


مقالات ذات صلة

شهريار سوميت: «ماستر» يرصد التحولات الاقتصادية في بنغلاديش

يوميات الشرق عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان روتردام السينمائي (الشركة المنتجة)

شهريار سوميت: «ماستر» يرصد التحولات الاقتصادية في بنغلاديش

قال المخرج البنغالي رضوان شهريار سوميت، إن فيلمه «ماستر» جاء نتيجة مراقبة طويلة للتحولات الاقتصادية التي تشهدها بلاده.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق محمد القس في دور «صقر القفوف» العقل المدبر لكل مصائب الحي (شاهد)

خيوط الشك تمزّق «حي الجرادية»... وتثير جدل الجمهور

تشهد الدراما السعودية في موسم رمضان هذا العام تنوعاً متزايداً في الموضوعات والبيئات الاجتماعية، ويأتي مسلسل «حي الجرادية» ضمن هذه الأعمال.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق صور المخرج مع رفاقه ومعارفه في الإقليم (الشركة المنتجة)

إليزي سواسوا: «طفح الكيل» يوثق شهادة جيل وُلد تحت النار في بلدي

في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية حيث تتقاطع الثروات المعدنية الهائلة مع أطول الحروب المنسية في أفريقيا، يقدَّم فيلم «طفح الكيل» بوصفه أكثر من عمل وثائقي.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق من فيلم «هامنت» (فوكاس بيكتشرز - AP)

«الشرق الأوسط» في جوائز الأوسكار (2)... في سباق أفضل سيناريو فيلم «خاطئون» في المقدمة

في سباق أفضل سيناريوهين، أصلي ومقتبس، للفوز بجائزة الأوسكار يكمن الفارق الأول بين سيناريو مكتوب خصيصاً للسينما، وسيناريو مقتبس عن مسرحية أو كتاب أو أي مصدر آخر.

محمد رُضا (لندن)
خاص الفنان اللبناني جورج خبّاز بشخصية «منير» في فيلم «يونان» (صور خباز)

خاص جورج ومنير وأمير... ثلاثيّة صنعت الدهشة في فيلم «يونان»

في حوار خاص مع «الشرق الأوسط»، يتحدّث الفنان اللبناني جورج خبّاز عن تجربته الاستثنائية في فيلم «يونان» ونقاط التلاقي بينه وبين البطل «منير».

كريستين حبيب (بيروت)

«مارتي سوبريم» و«سيرات»… مرشحا الأوسكار يفتتحان موسم أفلام العيد

«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)
«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)
TT

«مارتي سوبريم» و«سيرات»… مرشحا الأوسكار يفتتحان موسم أفلام العيد

«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)
«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)

مطلع الأسبوع المقبل تعلن جوائز الأوسكار التي يترقبها عشاق السينما، وبعدها بأربعة أيام تبدأ صالات السينما السعودية في عرض أفلام رُشحت للفوز بالأوسكار، إذ يصل فيلما «مارتي سوبريم» Marty Supreme و«سيرات» Sirāt إلى دور السينما ليلة العيد، وتحديداً في 19 مارس (آذار)، ليأتي عرضهما في توقيت لافت، حيث يُتوقع أن ينعشا صالات السينما المحلية التي دخلت في حالة ركود نسبي خلال شهر رمضان.

وينتقل هذان الفيلمان سريعاً من دائرة ترشيحات الأوسكار إلى شباك التذاكر، في انعكاس للتحولات التي شهدتها سوق السينما في المملكة خلال السنوات الماضية، فبعد أن كانت أفلام المهرجانات تصل إلى الجمهور المحلي بفارق زمني طويل عن طرحها العالمي، باتت اليوم تُعرض في توقيت متقارب مع عرضها الدولي، ما يجعل الجمهور السعودي جزءاً من دورة المشاهدة العالمية للأفلام المرتبطة بموسم الجوائز.

تيموثي شالاميه في مشهد من الفيلم (imdb)

تيموثي شالاميه في سباق أفضل ممثل

يأتي فيلم «مارتي سوبريم» في مقدمة الأفلام المنتظرة، والتي لفتت الأنظار خلال موسم جوائز هذا العام، خصوصاً مع الأداء الاستثنائي الذي قدمه النجم الأميركي تيموثي شالاميه في دور لاعب تنس الطاولة مارتي ماوزر، وهي شخصية مستوحاة من اللاعب الأميركي الشهير مارتي ريسمان الذي كان أحد أبرز نجوم اللعبة في خمسينات القرن الماضي.

الفيلم من إخراج جوش سافدي، ودخل سباق جوائز الأوسكار بعدة ترشيحات، أبرزها أفضل فيلم وأفضل ممثل لتيموثي شالاميه، إضافة إلى ترشيحات في عدد من الفئات الفنية الأخرى. ويعد هذا الترشيح محطة مهمة في مسيرة شالاميه، الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز نجوم جيله في هوليوود، خصوصاً بعد أدواره في أفلام مثل «Dune» و«Call Me by Your Name».

وجاء العرض الأول للفيلم في مهرجان نيويورك السينمائي 2025 قبل أن يُطرح تجارياً في دور العرض الأميركية نهاية العام نفسه عبر شركة «A24» التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أبرز شركات الإنتاج والتوزيع المرتبطة بالأفلام المرشحة للجوائز. ومع طرحه التجاري، تحول «مارتي سوبريم» إلى أحد أبرز عناوين موسم الجوائز، مدعوماً بإشادات واسعة بأداء شالاميه.

فيلم «سيرات» مرشح الأوسكار عن فئة أفضل فيلم دولي (imdb)

«سيرات»... رحلة إنسانية معقدة

في المقابل، يقدم فيلم «سيرات» تجربة سينمائية مختلفة تنتمي إلى السينما الأوروبية ذات الطابع التأملي، وهو فيلم من إخراج المخرج الفرنسي الإسباني أوليفر لاكس المعروف بأسلوبه البصري الهادئ، واعتماده على الطبيعة بوصفها عنصراً أساسياً في بناء الصورة السينمائية.

وتدور أحداثه حول أب يُدعى لويس، يؤدي دوره الممثل الإسباني سيرجي لوبيز، ينطلق في رحلة عبر صحراء جنوب المغرب بحثاً عن ابنته التي اختفت خلال حفلة موسيقية في منطقة صحراوية نائية، ويرافقه في الرحلة ابنه الصغير، لتتحول هذه المغامرة تدريجياً إلى حالة إنسانية تتجاوز مجرد البحث عن شخص مفقود. وخلال الطريق، يلتقي الأب بمجموعة من الشباب الرحّل الذين يتنقلون بين حفلات موسيقى إلكترونية تُقام في الصحراء، حيث تختلط الأسئلة العائلية بالبحث عن المعنى والهوية، في عمل يعتمد على الإيقاع البصري وبناء الأجواء أكثر من اعتماده على التسلسل المباشر للأحداث.

ولفت الفيلم الأنظار منذ عرضه الأول في مهرجان كان السينمائي 2025، حيث شارك في المسابقة الرسمية، وتمكن من الفوز بجائزة لجنة التحكيم، وهي إحدى الجوائز الرئيسة في المهرجان، كما اختير «سيرات» لتمثيل إسبانيا في فئة أفضل فيلم دولي في جوائز الأوسكار، ليكون أحد الأفلام الأوروبية المنافسة في هذه الفئة خلال الدورة الحالية من الجائزة.

«شباب البومب3»... الكوميديا السعودية

وبينما تحضر أفلام موسم الجوائز في موسم العيد، لا يغيب الإنتاج المحلي عن صالات السينما، إذ ينضم إليها الفيلم الكوميدي «شباب البومب3»، الذي يبدأ عرضه أيضاً في 19 مارس، وهو امتداد لسلسلة الأفلام المقتبسة من المسلسل التلفزيوني الشهير «شباب البومب» الذي حقق شعبية واسعة في السعودية على مدى سنوات، واستطاعت السلسلة أن تنقل هذا النجاح إلى السينما، حيث حقق الجزآن السابقان حضوراً قوياً في شباك التذاكر المحلي.

يقود بطولة الفيلم الممثل السعودي فيصل العيسى إلى جانب محمد الحربي وعبد العزيز الفريحي وسلمان المقيطيب، في عمل يواصل تقديم مغامرات مجموعة من الأصدقاء التي اعتاد الجمهور على متابعتها في المسلسل الرمضاني. كما تدور أحداث الجزء الجديد حول عامر (فيصل العيسى) الذي يخطط لقضاء عطلة صيفية مع أصدقائه، غير أن خطته تصطدم بإصرار عائلته على مرافقته في الرحلة.

أفلام عالمية منتظرة

وإلى جانب أفلام موسم الجوائز، تشهد صالات السينما في موسم العيد عروضاً لأفلام عالمية أخرى بدأت بالفعل رحلتها في دور العرض الدولية خلال الأسابيع الماضية. من بينها فيلم الرعب «الغرباء: الفصل الثالث» The Strangers: Chapter 3، وهو أحدث أجزاء سلسلة الرعب الشهيرة التي تعود جذورها إلى فيلم The Strangers الصادر عام 2008. ويأتي الفيلم من إخراج ريني هارلن ويضم في بطولته مادلين بيتش وغابرييل باسو وإيما هورفاث، ويتابع قصة الناجية الوحيدة من هجمات الغرباء المقنّعين، والتي تجد نفسها مجدداً في مواجهة قاتليها أثناء محاولتها الهروب من المدينة.

كما ينضم إلى العروض فيلم «ذا برايد» The Bride!، وهو عمل درامي ذو طابع قوطي مستلهم من أسطورة فرانكنشتاين، ومن إخراج وكتابة ماغي جيلنهال ويضم طاقماً لافتاً من النجوم يتقدمه كريستيان بيل وجيسي باكلي، في حين تدور أحداث الفيلم في ثلاثينات القرن الماضي حول امرأة تُعاد إلى الحياة لتصبح «عروس الوحش»، في إعادة تخيّل معاصرة لفيلم Bride of Frankenstein الكلاسيكي.

موسم سينمائي ساخن

ويمكن القول إن موسم أفلام العيد في السعودية هذا العام يحمل قدراً كبيراً من التنوع والإثارة، إذ يجمع بين أعمال قادمة من قلب موسم الجوائز العالمية، وأخرى تنتمي إلى السينما السعودية الجماهيرية. وبين فيلم أميركي يتتبع صعود لاعب رياضي في عالم تنافسي، وفيلم أوروبي يقدم رحلة إنسانية في الصحراء، وفيلم سعودي كوميدي يعتمد على نجومية مسلسل تلفزيوني ناجح، يجد الجمهور نفسه أمام خيارات سينمائية متعددة في موسم واحد.

ومع استمرار توسع سوق السينما في المملكة، وازدياد عدد دور العرض، يبدو أن هذا التنوع سيصبح سمة أكثر وضوحاً في السنوات المقبلة، حيث تتقاطع الإنتاجات المحلية مع الأفلام العالمية في برامج العرض، لتمنح الجمهور فرصة متابعة أحدث التجارب السينمائية في وقت واحد.


محمد حمَّاد لـ«الشرق الأوسط»: في «خروج آمن» أطرح قضايا وأسئلة لا أجوبة عليها

لقطة من «خروج آمن» (ماد سوليوشن)
لقطة من «خروج آمن» (ماد سوليوشن)
TT

محمد حمَّاد لـ«الشرق الأوسط»: في «خروج آمن» أطرح قضايا وأسئلة لا أجوبة عليها

لقطة من «خروج آمن» (ماد سوليوشن)
لقطة من «خروج آمن» (ماد سوليوشن)

بعد 10 سنوات على تحقيقه فيلمه الأول «أخضر يابس»، يعود المخرج محمد حمَّاد ومنتجته خلود سعد للعمل معاً في فيلم آخر بعنوان «خروج آمن»، عُرض في «مهرجان برلين» حيث أُجريت هذه المقابلة. الفيلم عن شاب تسكنه مخاوف من الآخرين، وحيد في عالم متشابك. لكن هذا ليس سوى جزء مما يشيّده المخرج، وواحد من أهداف فيلم درامي يسعى إلى تقديم نماذج واقعية لشخصيات من السهل التعرّف إليها درامياً وعلى صعيد وجداني أيضاً.

إنجاز مستقل

* بوصفك منتجة هل دخلت هذا المشروع من دون تمويل مسبق؟

- خلود: صحيح. لم نُقدم على طلب أي دعم من أي طرف قبل انتهاء التصوير والحصول على نسخة أولى من الفيلم صالحة للعرض. بعد ذلك تقدَّمنا بالفيلم إلى مؤسسات الدوحة و«آفاق» و«أطلس». هذا، بالمناسبة عكس ما قمنا به في الفيلم السابق «أخضر يابس» إذ حققناه بمعزل عن أي تمويل خارجي.

محمد حمّاد (أرشيف المخرج)

* كيف وصل هذا المشروع إليك؟

- خلود: عملتُ مع حمّاد عليه منذ البداية. بعد فيلمنا الأول كتب حمّاد فيلماً آخر لم يُحقق، ثم كتب هذا الفيلم. خلال هذه المدّة تناقشنا كثيراً، وكنا متفقين على أهمية الموضوع المطروح والخطوات التي اعتمدناها لتحقيقه.

* قرأت اسم المنتجة التونسية درة بو شوشة والمخرج المصري إبراهيم البطوط. كيف كان التعامل معهما؟

- خلود: درّة بو شوشة شاركت منذ البداية وساعدتنا كثيراً. أما إبراهيم البطوط فكان إضافة رائعة إلى المشروع. شخصية ملائكية وخلاّقة.

ثلاث طبقات

* بالنسبة إليك مخرجاً، لفتني التشكيل البصري للمشاهد، خصوصاً من حيث التأطير والزوايا والأحجام. هل كان ذلك نتيجة تخطيط مسبق؟

- حمَّاد: ليس نتيجة تخطيط أساساً، بل تشكيلاً لكيف يمكن للمشهد أن يروي أكثر مما تستطيع اللقطة الواحدة توفيره بحد ذاتها. منذ البداية كنت أرغب في تحقيق فيلم ذي طبقات متعددة. هناك حالة اجتماعية لشاب قبطي يعمل رجل أمن في بناية ويسعى إلى كتابة رواية تعكس وضعه، وعنوان الرواية «أنا مين؟»، وهو عنوان استقاه من حياته. وهناك أيضاً الطرح السياسي، فوالد عصام قُتل في ليبيا في حادثة وقعت فعلاً وراح ضحيتها كثيرٌ من المصريين الأقباط. ثم هناك الجانب الوجودي من خلال أسئلة يطرحها الشاب على نفسه، ومن خلال علاقة إنسانية مع فاطمة التي تماثله في وضعها الاجتماعي.

مروان وليد ونهى فؤاد في لقطة (ماد سوليوشن)

* هناك لحظات يبدو فيها الفيلم كما لو كان متجهاً إلى تشييد علاقة حب بين عصام وفاطمة، لكنك توقفت عند مفهوم وجداني لتلك العلاقة.

- حمّاد: صحيح. فاطمة شخصية ضرورية في الفيلم كحالة اجتماعية أخرى. عصام يفتقد الشعور بالأمان، وهي كذلك، إذ لا تملك أوراقاً شخصية ولا تأميناً صحياً. كلاهما شخصيتان تعيشان حالة اضطراب واحدة.

فيلم مستقل يعتمد على شخصيات واقعية وبناء بصري دقيق

مخاوف

* الفيلم مقسّم إلى 3 أجزاء: الأول «أبي قال لي»، والثاني «فاطمة قالت لي»، والثالث «عبد الله قال لي». لماذا؟

- حمّاد: أنا معجب بأشعار محمود درويش، ولديه قصيدة عنوانها «أبي قال لي ذات مرّة». طبعاً لا يذكر الجزء الثاني قولاً محدداً من فاطمة، لكنه نوع من الاستنتاج. كذلك لا يوجد في «عبد الله قال لي» أي شيء محدد. الفيلم اشتغال على حالات وجدانية لا تُقال بل تُشاهد.

* أحد المشاهد المهمة هو المشهد الذي يطلب فيه عصام مالاً من أم عبد الله. ويبدو الطلب صعباً عليه، لأن ابنها عبد الله ينتمي إلى جماعة إرهابية ويرمقه بنظرات عدائية.

- حمّاد: نعم. هذا نوع من المشاهد التي كانت تتطلّب تشكيلاً خاصاً. أم عبد الله وابنها يستغلان عصام. نراها في مشاهد سابقة تطلب منه شراء حاجياتها على الرغم من أن عمله حارس أمن فقط. ابنها يكرهه لأنه قبطي. كان عليَّ اختيار موضع الكاميرا والتشكيل العام لكي تحكي الصورة الدراما الموزعة بين هذه الشخصيات الثلاثة في المشهد الواحد.

* أعتقد أن ما يجمع بين فيلمك السابق «أخضر يابس» و«خروج آمن» هو أن بطلة الأول وبطل الثاني يبحثان عن هوية. هل توافق؟

- حمّاد: سمعان لا يبحث عن هويته. هو مدرك تماماً لوضعه. إنه شاب يعرف ما هو الخوف ويعرف أنه من الأقلية. يخاف من عبد الله، ثم لا يجد بداً من قتل هذا الخوف بالتخلّص من سببه. يتحوّل إلى قاتل.

* كيف اخترت ممثليك مروان وليد ونهى فؤاد، لدوري عصام وفاطمة؟

- حمّاد: مروان جاء من خلال «الكاستينغ». قابلت عدداً من المرشحين قبل التصوير، لكنه لفت اهتمامي لأنه قريب في الشكل من الشخصية التي كتبتها. المفارقة أنه جاء من وضع اجتماعي مريح. سألته: «سعر الطماطم كام؟» فوجئ بسؤالي. قلت له: «أريدك أن تعيش بمبلغ 100 جنيه في الأسبوع لمدة أسبوعين». كنت أريده أن يلتحم مع شخصية عصام وأن يعايشها فعلاً.

أما الممثلة نهى فؤاد فهي صديقة منذ سنوات عدة. كنت أعلم أنها تطمح إلى التمثيل، وكنت أعرف كذلك أنها موهوبة. كدت أن أختارها للدور الرئيسي في فيلمي السابق «أخضر يابس».

* الدور الذي لعبته هبة علي؟

- حمَّاد: نعم، لكنها كانت صغيرة على ذلك الدور.


شاشة الناقد: ثلاث قراءات نقدية لأفلام حديثة

نيڤ كامبل في مشهد من «صراخ 7» (باراماونت)
نيڤ كامبل في مشهد من «صراخ 7» (باراماونت)
TT

شاشة الناقد: ثلاث قراءات نقدية لأفلام حديثة

نيڤ كامبل في مشهد من «صراخ 7» (باراماونت)
نيڤ كامبل في مشهد من «صراخ 7» (باراماونت)

SCREEAM 7

★★

* إخراج:‫ كَڤن وليامسن.‬

* النوع: رعب | الولايات المتحدة (2026)

* عروض تجارية.

الجزء السابع من سلسلة لا معنى لها

مرت 30 سنة على قيام المخرج الراحل (والجيد في تحقيق هذا النوع) وِس كراڤن بابتداع هذه السلسلة، و4 سنوات على آخر حلقة منها في عام 2022 (أخرجها مات بتينللي - أولبن وتايلر جيليت). كَڤن وليامسن هو كاتب السيناريو للأفلام الثلاثة الأولى، وقد آل إليه إخراج هذا العمل الذي يشكو من التخمة في القتل والنحافة الزائدة في كل شيء آخر.

يبدأ الفيلم بضحيّتين تدخلان منزلاً كبيراً. الرجل مبتهج بذلك، مدركاً أن هذا المكان شهد قتل أبرياء سابقاً. صديقته أقل بهجة وأكثر حذراً بقليل، لكن لا بهجة الأول ولا حذر الثانية سيدومان. القاتل (بزي أسود ورسم لفم مفتوح باعوجاج مضحك) يتكفل بقتلهما.

كل ما يحاول الفيلم توفيره هو عرض الكيفية التي سيقوم بها القاتل المعروف باسم غوستفايس بقتل الضحية التالية. يبتدع المخرج بعض المواقف العنيفة، لكن القليل منها خالٍ من التوقعات المسبقة.

هذا ما يذكرني بأن الغاية المشتركة بين هذه السلسلة وسلسلة «Nightmare on Elm Street»، وشيخ هذه المسلسلات «Halloween» لا تختلف كثيراً في المبدأ: قاتل بسلاح أبيض لا يمكن قتله، بل يمكن فقط إدخاله «البراد» حفظاً له لجزء لاحق. الفارق أن جون كاربنتر (مخرج الفيلم الأول من سلسلة «هالووين») عرف كيف يربط القاتل بهدف، في حين تفتقد السلسلة الحالية (وسواها) إلى هذا المضمون، إلى جانب افتقادها لعناصر أخرى.

SOUND OF FALLING

★★★

* إخراج: ماشا شلينسكي

* النوع: دراما تاريخية | ألمانيا (2025)

* الجائزة الأولى في مهرجان بافاريا هذا العام

نظرة داكنة على 4 فتيات من 4 أجيال

نظرة المخرجة ماشا شلينسكي إلى معاناة المرأة عبر التاريخ لا تحيط بالمسببات، بل تلتزم بتوفير الحالة بوصفها جزءاً من حكاية استغلال جنسي وعاطفي للإناث (من سن مبكرة) ما بين القرنين العشرين والحادي والعشرين.

إنه فيلم صادق في محاولته الحديث عن أوضاع المرأة عبر 4 عقود تبدأ من العقد الأول من القرن الماضي وتنتهي في القرن الحادي والعشرين. ليس هناك، من حسن الحظ، سرد مباشر لكل هذا التاريخ، لكن الغائب أيضاً وضعه في إطار تعليق اجتماعي.

«صوت السقوط» (ستديو سنترال)

كذلك هو فيلم يحتوي على لمسات فنية مؤكدة واستخدام مجازي للحالات العاطفية، إلى جانب أخرى مباشرة. تقع أحداثه في منزل واحد عند ضفاف نهر إلبي في شمال ألمانيا. تدخل شخصيات الفيلم، بما تحمله من عواطف مختلفة، هذا البيت وتخرج منه وفق موقعها من الزمن.

ما توفره المخرجة هو نظرة داكنة لكل شيء، كما لو أن الشمس لا تشرق أبداً على شخصياتها. هناك بعض المشاهد التي ربما كان القصد منها ترطيب الأجواء، لكنها لا تنجح في ذلك لأنها تعكس دواخل سوداوية.

كل أنثى هنا تعاني من السيطرة والاستغلال، رغم أن بعضهن يحاول مجاراة الوضع مدفوعات بالرغبة في استحواذ الاهتمام أو تفعيل العاطفة وتوجيهها. الفيلم جيد في مزج الفترات المتباعدة (ولو على نحو مفاجئ في البداية)، وفي إدارته الشاملة كما في تصويره وبعض تمثيله، لكن تركيزه على سوداوية الوضع يستمر حتى نهايته، ويثير في النهاية سؤالاً: كيف تغاضت مخرجته، عند وصول السرد إلى القرن الحالي، عن التقدم الكبير الذي حققته المرأة منذ مطلع القرن الماضي وحتى الآن؟

TRIAL OF HEIN

★★

* إخراج: كاي شتاينك

* النوع: دراما | ألمانيا

* عروض مهرجان برلين (2026)

عودة شاب لوطن مفقود

يصل بطل هذا الفيلم الشاب إلى جزيرة نائية تضم بلدة بعيدة عن المحيط الخارجي، وذلك في زمن بعيد قبل طغيان عصر الصناعات. وصوله يجذب إليه السكان القلائل الذين يعيشون في هذا المكان. يسألونه من هو، فيجيبهم بأنه «هاين» العائد إلى بلدته بعد غياب 14 سنة.

«محاكمة هاين» (مهرجان برلين)

لا أحد يتذكره، ومن يتذكره لا يعترف بذلك. لكن «هاين» باقٍ، وسيسعى إلى الانخراط في هذا المجتمع لأنه، كما يقول لسواه: «أنا واحد منكم».

هل يمكن أن تكون له غايات أخرى؟ نعم. هناك علاقات صداقة منذ الصغر، لكن هذه تبدو مدعاة للتساؤل. كيف يعود فرد إلى حيث وُلد من أجل استعادة صداقة؟ هل هذا دافع كافٍ؟

هذا التساؤل لا جواب عليه في الفيلم، بل هناك محاولة لتفاديه. من ناحية أخرى، لا شيء يحدث هنا سوى سرد حكاية يمكن أن تمر أمام ناظري المشاهد كما لو كان راكب قطار يتطلع من النافذة إلى مناظر خارجية. ليس لأن الفيلم سريع السرد، بل لأنه معالج بتكرار المواقف والمشاهد ورتابة الإيقاع.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز