«برلين السينمائي» ضاع بين خيارين أحلاهما مرّ

وجّه معظم جوائزه إلى النساء في دورة متواضعة

«بيتر ڤون كانت» فيلم الافتتاح لفرنسوا أوزون (فرنسا)
«بيتر ڤون كانت» فيلم الافتتاح لفرنسوا أوزون (فرنسا)
TT

«برلين السينمائي» ضاع بين خيارين أحلاهما مرّ

«بيتر ڤون كانت» فيلم الافتتاح لفرنسوا أوزون (فرنسا)
«بيتر ڤون كانت» فيلم الافتتاح لفرنسوا أوزون (فرنسا)

«كئيب» هو الوصف الذي ذكره معظم التقارير الصحافية الواردة من مهرجان برلين الذي انتهت دورته الثانية والسبعين قبل يومين. كلمة تصوّر حال مهرجان كبير عندما يختار أن يواصل مسيرته كحدث يؤمّه الجمهور والضيوف والإعلاميون كما كان الحال في سنواته السبعين السابقة، فقط ليجد أنه مِثل مَن وجّه دعوة إلى حفلة ساهرة ولم يلبِّها أحد.
في عام 2020 قدّم المهرجان الألماني دورته الكبيرة الأخيرة. كان وباء «كوفيد» ما زال قابلاً للصرف بلا خوف كبير منه. في صالة مكتظة تتسع لأكثر من 1600 مشاهد التقطنا ثلاثة أشخاص فقط بكمامات. الكراسيّ كانت كلها مشغولة. لا خوف ولا قلق، والاهتمام باحتمال انتشار الداء كان لا يزال في مطلعه.
في عام 2021 أُصيب المهرجان الكبير نفسه بالداء: الحكومة الألمانية التي تؤمِّن القِسْم الأكبر من الميزانية رفضت السماح بأن تُقام الدورة على أرض الواقع لأن مخاطر الوباء باتت مشهودة. البديل كان واحداً من اثنين: إلغاء الدورة كليّاً، أو تحويلها إلى «النت» يشاهد أفلامها المشتركون. اختارت إدارة المهرجان الحل الثاني وحققت الدورة نجاحاً لا بأس به من حيث عدد المشتركين ونوعية الأفلام التي استجابت للوضع.
الدورة الأخيرة التي بدأت في العاشر من هذا الشهر وانتهت في السادس عشر منه، كان لا بد لها أن تعود إلى قواعد ومبادئ العروض الفعلية. لا تستطيع، والوباء ما زال الضيف الأول في حياتنا، أن تبقى خفيّة عن الأعين تعرض أفلامها على الهواء الافتراضي كما لو كانت نادياً سينمائياً صغيراً. مرّة واحدة، لا بأس. لكنْ مرّتان ستكونا بحكم القضاء على مستقبل المهرجان.. أو هكذا تم الاعتقاد.

خيارات محدودة
لكنّ المشكلة كانت أكبر من أن يحتويها فعل العودة إلى القواعد الأساسية. ما أراد المهرجان إثباته هو أنه لن يستسلم للداء المستجد، بل سيواجهه. المشكلة كانت في الأسلحة المتوفرة: تقليص الدورة من 10 أيام إلى 6 أيام فقط. الالتزام باستقبال الملقحين وحدهم (وتحبيذ أن يكون الداخل إلى الصالة أتمّ اللقاح الثاني)، وفرض التباعد بين الجالسين بحيث يتم ملء نصف الصالة أو أقل.
الذي حدث أن الكثيرين قرأوا التعليمات المذكورة (وهناك سواها) ووجدوا أن السفر إلى برلين لأسبوع واحد لا يقل فداحة عن تعذر الحضور. وازَنوا بين مشاقّ السفر، في هذه الأيام، والجهد البدني والتكلفة المادية واختاروا البقاء في ديارهم.
بذلك انقلبت المعادلة على من قام بها. بكلمات أخرى، إذ قرر المهرجان تقليص فترته إلى ستة أيام، منح الكثيرين عذراً لعدم الحضور. وفي الوقت ذاته، لم يبدد، عبر إصراره على كل هذه الإجراءات الاحترازية بخصوص الوباء، فإذا بالسحر ينقلب على الساحر.
هي مشكلة عويصة لم يكن لينقذها سوى الأفلام ذاتها. لكن بالنظر إلى ما تم عرضه في المسابقة وحدها (على الأقل) بات ثابتاً، بشهادة نقاد ومتابعين مستقلين، أن دورة هذا العام كانت متواضعة النجاح ومحدودة الاختيارات أيضاً.
بدايةً، كانت هناك بصمة الوباء منتشرة على بعض الأفلام المشتركة. نذكر في العام الماضي أن الفيلم الذي انتزع ذهبية المهرجان حينها (الفيلم الروماني Bad Luck Banging) حوى مشاهد لأشخاص يستخدمون الكمامات. حسب ذلك الفيلم (ذي القيمة المتوسّطة) تسير بطلة الفيلم طويلاً في شوارع بوخارست مرتدية كمامة. مَن تمر بهم من ناس في الشوارع يرتدونها كذلك. لكن هذا كان انعكاساً للواقع، إذ تم تصوير الفيلم في بداية فورة «كورونا» في أوروبا.
المسألة هذا العام تختلف. ليس على صعيد ازدياد عدد الأفلام التي تُظهر أشخاصاً بكمامات، بل على صعيد أن عدداً لا بأس به من الأفلام الجديدة، سواء من بين ما عرضه مهرجان برلين أو تلك التي لم تشهد عروضها بعد في أي مهرجان آخر، اضطرت إلى تقليص أحجامها تبعاً للداء. أفلام مثل «جانبا النصل» لكلير دَني، و«المنظمة» لغراهام مور، و«بيتر فون كانت» لفرنسوا أوزون (وكلها من عروض المسابقة)، لم تتمتع بكل ما كان سيتاح لها من إمكانيات وذلك بسبب إملاءات الوقاية. ويتبدّى ذلك حتى من خلال اختيار ممثلين غير معروفين، إذ آثر عدد كبير من ذوي الشهرة والنجومية حماية أنفسهم من الداء المنتشر بتقليل ظهورهم عموماً وقبول الأدوار خصوصاً.
يقول المخرج أوزون إن الكثير من المخرجين الفرنسيين خلال الأزمة الصحية وفي مواجهة القرارات الصارمة التي اتخذتها الحكومة وجدوا أنفسهم غير قادرين على العمل أو اضطروا لاختزال ساعاته والكثير من مشاهده رضوخاً للوضع. بالتالي، فرض الوباء اختيارات البعض للأفلام التي بصدد تحقيقها.
فيلمه «بيتر فون كانت»، على سبيل المثال، جاء نتيجة تفضيل فرنسوا أوزون العمل ضمن الوضع عوض الانكفاء في البيت. النتيجة أنه اختار تحقيق مسرحية كان المخرج الألماني راينر فرنر فاسبيندر قد حققها سنة 1972 بعنوان «الدموع المرّة لبترا فون كانت».

أوزون يفتتح ولا ينال
في حالات أخرى أدّت إصابة بعض الممثلين والعاملين إلى تأخير الأفلام، ما هدد برفع ميزانياتها. أحد هذه الأفلام «جانبا النصل» لكلير دَني، الذي تعذّر عليه الانتهاء من التصوير في الموعد المحدد. تقول المخرجة الفرنسية دَني إنها كانت قد فكّرت بالممثل الأميركي روبرت باتنسن لبطولة فيلمها المقبل «نجوم النهار»، لكنها اضطرت لاستبعاده بعدما أُصيب باتنسن بالوباء خلال تصوير فيلمه الجديد «The Batman» في بريطانيا، ما أوقف تصوير هذا الفيلم المكلف لحين شفائه. باتنسن في كامل عافيته الآن، لكن ما حدث له ولفيلم ريدلي سكوت «المبارزة الأخيرة» عندما توقّف التصوير بسبب المخاوف من انتشار الوباء بين العاملين فيه، كافٍ لتذكيرنا بالزمن الذي كانت فيه ميزانية أي فيلم محددة بآلياته وأماكن تصويره وضرورياته اللوجيستية والفنية والتقنية. الآن تمّت إضافة بند جديد يأخذ في الحسبان احتمال توقف التصوير بسبب إصابة هذا الممثل أو ذاك أو أي أحد من عناصر الفيلم الأساسيين.
«بيتر فون كانت» (Peter von Kant) كان فيلم الافتتاح، وقد استُقبل بترحاب شديد وإن لم يمنع ذلك من تجاهُل لجنة التحكيم، بقيادة المخرج الأميركي م. نايت شيامالان، الذي منحه واحدة من الجوائز الأولى. على ذلك، هو اختيار مناسب لمهرجان ألماني، كونه يستلهم من فيلم المخرج الراحل فاسبيندر مادته. يستلهم الفيلم نصّاً مسرحياً ألمانياً من ناحية، ولو أن التقارير ذكرت، حتى من قبل عرضه في برلين، أن أوزون عدّل وغيّر في ذلك النص حتى بات أقرب لأن يكون من كتابته أساساً. الفيلم الجديد يضع إيزابل أدجياني في دور البطولة وهي التي لم تستطع الحضور لكي تستلم شهادة تقدير لأعمالها بسبب إصابتها بـ«كورونا».
في المسابقة أيضاً فيلم مختلف جداً عن عالم المسرح أو النص المقتبس أو مرامي المخرج أوزون. إنه «رداء الجواهر» للمكسيكية نتاليا لوبيز غالاردو. محوره هو جرائم الاختطاف والقتل الشائعة في المكسيك اليوم والتي تداعت أخبارها عبر الوكالات أكثر مما شوهدت في مواضيع سينمائية.
هناك حكايتان في هذا الفيلم، واحدة حول امرأة أرستقراطية تنتقل للعيش في فيلا ورثتها عن والدتها ومعها ابنتها الشابة، والأخرى عن خادمتها. كلتا الحكايتين لديها أحداث خاصة بها بحيث يسير الفيلم على خطّين شبه متوازيين لا يلتقيان إلا عبر نهاية لا تُزيل الغموض المحيط بما يقع. في وسط كل هذا يقدّم لنا الفيلم انتشار الجريمة وعصاباتها المنظّمة جنباً إلى جنب فساد البوليس (المتمثّل بشخصية شرطية هي أُمّ لأحد شبان العصابة).
حصل «رداء الجواهر» على الجائزة الثالثة في حفل الختام في السابع عشر من الشهر. اللافت أن الجائزة الذهبية نالها فيلم «الكاراس» الذي هو من إخراج نسائي وكذلك «رداء من الجواهر». إلى جانبهما هناك فوز نسائي آخر تَمثّل بجائزة أفضل سيناريو (نالتها ليلى شتيللر عن فيلم بعنوان «ربيعة تقاضي جورج بوش الابن»). كما أن جائزة أفضل تمثيل ذهبت إلى ملتم قبطان عن دورها في الفيلم ذاته. كما فازت المخرجة كلير دَني بجائزة الإخراج عن فيلم «جانبا النصل».

الأرض
«ألكاراس» للإسبانية كارلا سيمون، يدور حول عائلة كبيرة بشخصيات متعددة والرغبات المختلفة لعدد من هذه الشخصيات. بعض أفرادها من الشبّان يريدون استغلال جزء منها لزرع القنّب. البعض الآخر يريد استخدام نظم علمية حديثة وأب العائلة متمسّك بالحفاظ عليها كما هي. تبعاً لكل هذا فإن الخلاف يهدد معيشة الجميع فوق تلك الأرض، لكنّ الخطر الأكبر هو أن الجد الراحل كان قد اشترى تلك الأرض في الأربعينات من دون أن يوقّع على أوراق تؤكد ملكيّته لها. كان هذا عندما كان العرف السائد، لدى أبناء القرى، الاكتفاء بالمصافحة كما لو أنها عقد مبرم. لكن اليوم يختلف عن الأمس وخطر خسارة الأرض جاثم.
أما الفيلم الفائز بالجائزة الثانية والذي نجا من تبعات سياسة تعزيز الوجود النسائي في المهرجان وجوائزه، فهو «المؤلّفة» للمخرج الكوري الجنوبي هونغ سانغسو: دراما حول مؤلفة روائية تواجه حالة فقدان الإلهام. عقلها ما عاد يفكّر في ابتداع رواية جديدة. تتأمل وضعها وتقرر أنها سوف تصبح مخرجة. ليس لديها الموضوع بعد لكنها ستحاول وضع العربة قبل الجياد على أي حال فهي لديها مدير التصوير ولديها الممثلة التي ستقوم ببطولة الفيلم المجهول.
سوق مهرجان برلين وحده ربما كانت أكثر نشاطاً من الأفلام التي عُرضت في جوانبه. فحسب مجلات صدرت لمتابعة أحوال تلك السوق (التي وفّرت أفلامها افتراضياً لمن رغب) شهدت السوق التجارية عمليات بيع وشراء ومنافسة على بعض الأفلام المعروضة وذلك على عكس ما شهدته أفلام المسابقة من ركود.


مقالات ذات صلة

«السينما الفلسطينية بالسويد» يروي حكايات المعاناة والذاكرة

يوميات الشرق ياسمين المصري وكلارا خوري في مشهد من فيلم الافتتاح «شكراً لأنك تحلم معنا» (إدارة المهرجان)

«السينما الفلسطينية بالسويد» يروي حكايات المعاناة والذاكرة

اختارت لجنة المهرجان 22 فيلماً للمسابقة الرسمية من بين 73 عملاً تقدّم بها صنّاع سينما من قرابة 20 دولة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الخالة خلال مشاركتها في وثائقي «سكوت السهل» (زينة صفير)

«سكوت السهل»... زينة صفير تكسر صمتاً عمره نصف قرن

تتنقّل في الفيلم بين الذاكرة العائلية الحميمة وتاريخ البلاد، ساعيةً إلى فهم مأساة لم تنتهِ بانتهاء الحرب.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق توم كروز وريز أحمد في مشهد من الفيلم (imdb)

بعد إخفاقه عالمياً... افتتاحية ضعيفة لـ«ديغر» في شباك التذاكر السعودي

تماشياً مع تعثره في شباك التذاكر العالمي، سجَّل فيلم «ديغر (Digger)» افتتاحية ضعيفة في السعودية، بعدما حقَّق أحدث أفلام توم كروز 1.8 مليون ريال (480 ألف دولار)

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق محيي إسماعيل في فيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي» (فيسبوك)

استطلاع يعيد محيي إسماعيل للأضواء في حلة «الضابط الإسرائيلي»

مع الاحتفال بانتصارات السادس من أكتوبر في الحرب ضد إسرائيل، استعاد عدد من مستخدمي «السوشيال ميديا» الأفلام التي تناولت الحرب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
سينما بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

أعلنت «استوديوهات MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
TT

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

أعلنت «استوديوهات MBC»، الذراع الإنتاجية لـ«مجموعة MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم، تمهيداً لعرضه في صالات السينما السعودية اعتباراً من 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يصل لاحقاً إلى عدد من المدن العربية.

وصُوّرت جميع مشاهد الفيلم في السعودية، وتولت إخراجه المخرجة السعودية هناء العمير، فيما كتب أسامة المسلم السيناريو المقتبس من روايته، ويشارك في بطولته أضواء بدر، وباسل الصلي، ومحمد علي، وشجاع نشاط، وعزيز غرباوي.

وينتمي «جحيم العابرين» إلى سينما التشويق والغموض والرعب، مستنداً إلى الأسلوب الذي عُرف به المسلم في أعماله الأدبية، والقائم على مزج الفانتازيا بالإثارة النفسية، وتقديم شخصيات وأحداث غامضة ضمن حبكة متسارعة.

وتبدأ أحداث الفيلم على طريق منعزلة، عندما تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شاباً تعطلت مركبته، فتقرر مساعدته وإيصاله إلى أقرب محطة، رغم شعورها بالقلق تجاه الموقف. وسرعان ما تتحول الرحلة في عتمة الليل إلى سلسلة من الأحداث الغريبة والمخيفة، لتدخل الشخصيتان في مواجهة متصاعدة مع مخاطر تضع إمكانية نجاتهما موضع تساؤل.

يأتي الفيلم ضمن شراكة أعلنت عنها «استوديوهات MBC» وأسامة المسلم قبل نحو عامين، تستهدف تحويل عدد من روايات الكاتب السعودي إلى أعمال درامية وسينمائية.

ويحمل الفيلم بصمة المنتج محفوظ الزهراني، فيما تولى سفيان الفاني إدارة التصوير، وتولت شركة «Aflam Production» التنفيذ، وهو من إنتاج «استوديوهات MBC»، وإخراج هناء العمير، وقصة وسيناريو أسامة المسلم.


«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
TT

«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)

في عام 1954، وبينما كانت سفينة مدنية تمخر عباب البحر، فوجئ الركاب بوحش يخرج من تحت الماء. وحش ضخم ما لبث أن هاجم السفينة وأطاح بها وبمن فيها، قبل أن يغوص مجدداً في أعماق البحر.

تحرّكت القوات البحرية للتحقيق في الحادث، وأخذت تجمع شهادات بعض من شاهدوه في قرى الساحل، قبل أن يعاود الوحش ظهوره، مطيحاً بمزيد من السفن ومنتقلاً إلى اليابسة، حيث تسبّب في مقتل ضحايا كثيرين. لم يكن هناك ريب في أن مدينة طوكيو ستكون الهدف التالي لهذا الوحش الذي لم تنفع معه جميع الأسلحة. وكان الدمار الذي لحق بطوكيو شبيهاً بذلك الذي لحق بمدينتَي هيروشيما وناغازاكي، خصوصاً أن الوحش كان ملوّثاً بالإشعاع النووي.

قال أحد المسؤولين حينها: «إذا لم تقضِ عليه القنبلة النووية، فكيف سنقضي نحن عليه؟».

سؤال وجيه، لكن ذلك لم يوقف محاولات اليابانيين التصدّي للوحش والقضاء عليه... أو هكذا خُيّل لهم.

«غودزيللا» الأول: الوحش في المدينة (توهو كومباني)

تميُّز

ورد كل ما سبق في فيلم «غودزيللا» الذي أخرجه حينها إيشيرو هوندا. وقد عاد الوحش للظهور 38 مرّة في أفلام يابانية، ثم أميركية - يابانية. وسيحطّ الفيلم الـ39 خلال أيام على الشاشات تحت عنوان «غودزيللا ناقص صفر» (Godzilla Minus Zero)، وسنراه في الشهر الثالث من العام المقبل في فيلم يجمعه مجدداً بكينغ كونغ، عنوانه «Godzilla x Kong: Supernova».

باتت أفلام غودزيللا منذ سنوات عدَّة تقدّمه وحشاً كارثياً يهدّد السلامة البشرية بقوّته الطاغية. وما بات يغيب عن معظم تلك الأفلام هو التعامل مع الدوافع التي وفّرها الفيلم الأول وبعض الأفلام التي تبعته في الخمسينات والستينات؛ وهي أن الوحش لم يكن ليظهر على السطح لولا التجارب النووية التي أجراها الروس والأميركيون، بموافقة اليابان، في البحار القريبة.

بذلك حمل «غودزيللا» وتوابعه الأولى رسائل سياسية تحذّر من مغبّة السلاح النووي. وهو أمر شاركت هوليوود في إثارته في الستينات عبر أفلام لا علاقة لها بالوحوش، مثل «على الشاطئ» لستانلي كرامر، و«دكتور سترانجلف» لستانلي كوبريك، و«لعبة الحرب» لبيتر ووتكنز.

ما ميّز سلسلة «غودزيللا» عن تلك الأفلام الهوليوودية هو أنها دمجت سينما الوحوش الجوراسية بالرسالة السياسية. لاحقاً، جرى تخفيف الرسالة السياسية والدفع باتجاه التقليل من التحذير من الويلات النووية، لصالح إنتاجات ضخمة تحتفي بالوحش بوصفه مصدر خطر بذاته فقط؛ بقوّة بدنية طاغية سيفشل البشر في التصدّي لها، قبل أن يعود إلى أعماق البحر ويتنفّس الناس الصعداء، بانتظار فيلمه المقبل.

وكان على الفيلم المقبل، تبعاً للتقاليد، أن يكون أكبر، والخطر أشدّ. فلمَ لا يُجمع هذا الوحش الأسطوري مع وحش آخر من النوع نفسه وبالضخامة نفسها، مثل كينغ كونغ؟

سبق كينغ كونغ غودزيللا في الظهور على الشاشة، إذ اكتشفه فيلم «كينغ كونغ» لماريون س. كوبر سنة 1933. فيه نتابع سفينة تبحث عن قبيلة على جزيرة مخفية، فتكتشف وجود وحوش ما قبل التاريخ، وفي مقدّمتها تلك الغوريلا الضخمة التي تقع في حب بطلة الفيلم (فاي راي). وعندما يُقبض عليه ويُنقل إلى نيويورك للمتاجرة به، يفكّ قيوده وينطلق باحثاً عن الفتاة الشقراء التي أحبّها من النظرة الأولى، ليحملها إلى سطح مبنى الإمباير ستايت، مواجهاً الطائرات الحربية التي تهاجمه، قبل أن يقضي عليه حبّه.

الفيلم المقبل من السلسلة «غودزيللا ناقص صفر» (روبوت كوميونيكاشن)

استلهام حادثة حقيقية

كان «كينغ كونغ» الأصلي، في الواقع، رومانسياً في الباطن وتشويقياً في الظاهر. وما يجمعه مع «غودزيللا» هو تلك النبرة الحزينة عن حال وحش كان يفضّل البقاء مجهولاً، لولا قيام الإنسان بانتشاله من بيئته.

بدأ الجمع بين «غودزيللا» و«كينغ كونغ» سنة 1963 بفيلم آخر لإيشيرو هوندا، هو «King Kong vs. Godzilla». لكن المخرج، إذ استعار كينغ كونغ من الغرب ليجمعه مع ندّه الشرقي، حافظ على النبرة السياسية وأدان، عبر حكايته، المتاجرة بالوحشين، كما فعل «كينغ كونغ» الأول.

لاحقاً، عندما اندفعت هوليوود لإنتاج «غودزيللا» الخاص بها سنة 1989، بفيلم من إخراج رولاند إيميريش، استغنت عن المعاني التي تداولتها السلسلة اليابانية لصالح الإبهار التقني. وتكرّر ذلك في «غودزيللا» هوليوودي آخر سنة 2014، عبر فيلم لغارث إدواردز. ولم تمضِ إلا بضع سنوات حتى بدأ الجمع بين الوحشين الضخمين على الطريقة الهوليوودية، في فيلمين أخرجهما آدم وينغارد، هما «غودزيللا ضد كينغ كونغ» (2021)، و«غودزيللا ضد كونغ: الإمبراطورية الجديدة» (2023). هذا مع العلم أن السينما اليابانية نفسها جمعت كذلك بين بطلها غودزيللا ووحوش جوراسية أخرى، ضمن الفحوى نفسه الملائم للفيلم الأول من السلسلة.

لكن لا شيء مما يُنتج حالياً يشابه، في فحواه وغاياته، نسخة هوندا سنة 1954. ففيها أمانة في ضمّ البعد السياسي إلى الحكاية الخيالية. وبداية الفيلم، حيث تتعرّض سفينة الصيد لغضب الوحش، تلتقي مع حادثة فعلية لسفينة صيد يابانية تعرّض بحّارتها لإشعاع نووي، بفعل تجربة نووية أجرتها الولايات المتحدة قبل 3 سنوات من إنتاج الفيلم.

مضى «غودزيللا»، كما قدّمه هوندا، إلى أبعد من مجرّد ربط الحادثة ببداية الفيلم؛ فالوحش الذي أُوقظ من سباته في أعماق المحيط بدا غير قادر على استيعاب ما أيقظه. بات الإنسان عدوّاً له. وأكثر من ذلك، يدمّر معظم طوكيو في ثورته، مذكّراً بما حاق بمدينتَي ناغازاكي وهيروشيما. وعندما يعود إلى حيث أتى، يترك بصمته لنا لنتذكّر.

إنها رسالة بالغة الأهمية، ضاعت في طيّات الرغبة في استغلال غودزيللا كوحش مخيف فقط. فالأفلام اللاحقة، في العقدين الأخيرين على الأخص، أبقت على الوحش وأهملت رسالته، في الوقت الذي كان يمكن لها أن تنجز الاثنين معاً، كما فعلت الأفلام الأولى. لم يهتمّ صانعو أفلام «غودزيللا» الحديثة إلا بكيفية تحويل الوحش إلى مصدر مادي، شأنه شأن كل السلاسل الأخرى، من «باتمان» إلى «جوراسيك بارك»، ومن «كوكب القردة» إلى «سبايدر مان» و«ستار وورز».


شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
TT

شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

المواطن أسامة

(جيد)

* إخراج: أحمد حسّونة

* فلسطين (2026) | النوع: تسجيلي

الكاميرا التي تصوّر «كاميرا مان» فلسطينياً ينتقل في الشوارع العارية من الحياة وبين المباني المدمّرة تقول كل شيء عن المصوّر وغزّة. هناك نوع من الإخراج المباشر للواقع لا يحتاج إلى تقنيات عالية، ولا إلى إدخال عناصر تكمّل ما يهدف المخرج إلى إيصاله للمشاهدين.

كل شيء في «المواطن أسامة» واضح. هو عن رجل وكاميرا وأسرته وعلاقاته بالبشر الآخرين. كذلك هو عن غزّة وما كابدته من دمار وإبادة نتج عنهما مقتل قرابة 200 مصوّر وصحافي، من بين العدد الهائل الذي تجاوز 70 ألف ضحية. نشاهد المصوّر الصحافي أسامة العشّي تلازمه أصوات القصف ومشاهد الدمار. أسامة محمّل بالحزن على الواقع وبالخوف على سلامة عائلته. لا يذكر الكثير عن سلامته، لكن الفيلم يوحي دوماً بأنها مهدّدة في أي لحظة. قيمة الفيلم هي أنه لا يطلب منّا أن نشاهد ما يفعله الإسرائيليون بالفلسطينيين، بل أن نشاهد كيف يعيش الفلسطينيون حياتهم، من خلال متابعة شخص واحد لا يريد التوقّف عن عمله.

لا يصف المخرج حسّونة العدوان بالكلام، ولا يهتم بإيراد شهادات ضحايا الوضع أو بتصوير مشاهد العنف لذاتها. هذا كلّه ظهر في أفلام أخرى. رغم ذلك، لا يفتر تأثير الفيلم على مشاهديه؛ لأن موضوعه هو إنسان عليه أن يعمل لينقل إلى العالم صورة، وعليه أن يُعنى بتأمين الطعام والماء لأسرته والتعامل مع ظروف النزوح.

هذا فيلم تسجيلي عارٍ من الإضافات التقنية والتدخّلات الفنية التي نراها في أفلام تسجيلية أخرى. لذا فهو، مثل «صوت هند رجب»، ولو كان بعيداً عنه أسلوباً وموضوعاً، يعرض الحالة جيّداً، ولا يطلب لنفسه أكثر من ذلك.

القضية رقم صفر

(جيد)

* إخراج: كاظم فيّاض

* لبنان/الإمارات (2026) | النوع: دراما نفسية

هناك لقطة خاطفة في الدقائق الأخيرة من الفيلم تصوّر المحامي، محور الفيلم، بكاميرا بعيدة، وهو يتحدّث بصوت عالٍ وحادّ. المشكلة هي أن أحداً ليس موجوداً حوله. اللقطة التالية تعود إلى ما سبقها، حيث يواجه المحامي أسئلة عن الأزمة التي يعاني منها، ما يكشف سرّاً دفيناً يتجاوز الوضع الراهن ليعود إلى أمس بعيد.

في أساسه، «القضية رقم صفر» دراما نفسية ذات عقدة تبحث في العلاقة بين الإنسان ووالديه، وبينه وبين فكرة الموت، باعتبار الحياة فخّاً فُرض عليه العيش فيه. شخصيات الفيلم مجتمعة في مكان واحد، ومتنافرة في الأفكار والمواقف في كل اتجاه.

الطريقة التي صاغ بها المخرج رؤيته هذه مثيرة للاهتمام؛ إذ تدخلنا في واقع، ثم تأخذ هذا الواقع وتدمجه بالخيال، قبل أن تطيح به أيضاً. ليس تنفيذ هذا سهلاً، وفي البال صنع «ثريلر» منه، خصوصاً أن الأحداث تقع غالباً داخل مكان واحد. وعندما تنتقل إلى أماكن أخرى، تبقى في الداخل، باستثناء مشهد واحد يقع في الشارع. فيلم كاظم فيّاض، وهو فيلمه الثاني بعد «يوسف» الذي قدَّمه قبل 3 سنوات، دراما داكنة مع موجات من الكوميديا السوداء، تتجلّى في الفصل الثاني، من أصل 4، عندما يبدو أن جميع من في مكتب المحاماة يعانون من فوضى التواصل. ويتّضح السبب في ذلك في الفصلين التاليين، حيث يُكشف عمّا تؤول إليه أحوال كل هذه الشخصيات. للأسف، هناك بعض التكرار في مشاهد الفصل الرابع، وإن كان لا يؤثر على سياق الفيلم إلا بقدر محدود.

«القضية رقم صفر» عمل جادّ ومختلف عمّا يتوقّعه معظمنا. القصّة نفسها يمكن أن تُروى بأكثر من وسيلة أو أسلوب، لكن اختيار المخرج لوسيلته يعكس رغبته في ذلك الاختلاف ورؤيته الخاصّة لما يطرحه. فيلم طموح بأسلوب يحتاج من المشاهد إلى بعض المثابرة قبل الوصول إلى قاع أزمات أبطاله. والتمثيل ممتاز من الجميع بلا استثناء، ويعود ذلك إلى إدارة محكمة وعلاقة هندسية يرسمها المخرج جيّداً بين المكان واللقطة والشخصية.